سورة
اية:

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم وهما ( قابيل وهابيل )، كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عزَّ وجلَّ ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة أخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: { بالحق} أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان؛ كقوله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق} ، وقوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق} كان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن اللّه تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل { إنما يتقبل الله من المتقين} ""رواه ابن جرير""وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرَّب أشر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه وإن اللّه عزَّ وجلَّ تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرماً عن هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرب قرباناً ويقرب أخوك هابيل قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة؛ فأرسل اللّه ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله.""رواه ابن جرير""، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، واللّه أعلم. ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضاً. ومعنى قوله: { إنما يتقبل اللّه من المتقين} أي ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال: يحبس الناس في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة. وقوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف اللّه رب العالمين} يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل اللّه قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة { إني أخاف اللّه رب العالمين} أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وقال الإمام أحمد عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال، عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك (إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي) قال: أفرأيت إن دخل على بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال: (كن كابن آدم)، قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الامة { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} لعثمان بن عفان رضي الله عنه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: { إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ورذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس ومجاهد: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك} يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعاً. قلت : وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له (ما ترك القاتل على المقتول من ذنب) وقد روى الحافط أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه)، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن اللّه يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجراً لو انزجر، ولهذا قال: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي تتحمل إثمي وإثمك { فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} وقال ابن عباس: خوَّفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر. وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر. وقد تقدم أنه قتله بحديدة في يده؛ وقال السدي: { فطوعت له نفسه قتل أخيه} فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام، وهو يرعى غنماً له، وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. وقال عبد اللّه بن وهب: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله، قال: نعم قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً، فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: { فأصبح من الخاسرين} أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه. عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل)، وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود. وقوله تعالى: { فبعث اللّه غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} قال السدي: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث اللّه غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} ؟ وقال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوأة أخي} ، وقال الضحاك عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث اللّه الغرابين فرآهما يبحثان فقال: { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} فدفن أخاه وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له اللّه عزَّ وجلَّ: يا قابيل اين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال اللّه: إن صوت دم أخيك ليناديني من الارض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الارض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعاً تائهاً في الارض. وقوله تعالى: { فأصبح من النادمين} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، وهذا ظاهر جلي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن اللّه ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري مرفوعاً""والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير: أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله وجعل اللّه وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلاً به. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

تفسير الجلالين

{ ‏ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ‏} ‏ ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت حتى واراه ‏ { ‏ ليريه كيف يواري ‏} ‏ يستر ‏ { ‏ سوأة ‏} ‏ جيفة ‏ { ‏ أخيه قال يا ويلتى أعجزت ‏} ‏ عن ‏ { ‏ أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ‏} ‏ على حمله وحفر له وواره ‏.‏

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا أَيْضًا أَحَد الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الْقَوْل فِي أَمْر اِبْنَيْ آدَم بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَمْرو عَنْ الْحَسَن ; لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة لَوْ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يَجْهَل الْقَاتِل دَفْن أَخِيهِ وَمُوَارَاة سَوْأَة أَخِيهِ , وَلَكِنَّهُمَا كَانَا مِنْ وَلَد آدَم لِصُلْبِهِ . وَلَمْ يَكُنْ الْقَاتِل مِنْهُمَا أَخَاهُ عَلِمَ سُنَّة اللَّه فِي عَادَة الْمَوْتَى , وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع بِأَخِيهِ الْمَقْتُول , فَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى عَاتِقه حِينًا حَتَّى أَرَاحَتْ جِيفَته , فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ السُّنَّة فِي مَوْتَى خَلْقه , فَقَيَّضَ لَهُ الْغُرَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ صِفَتهمَا فِي كِتَابه . ذِكْر الْأَخْبَار عَنْ أَهْل التَّأْوِيل بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل الْقَاتِل مِنْ اِبْنَيْ آدَم بِأَخِيهِ الْمَقْتُول بَعْد قَتْله إِيَّاهُ : 9179 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي رِزْق الْهَمْدَانِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَكَثَ يَحْمِل أَخَاهُ فِي جِرَاب عَلَى رَقَبَته سَنَة , حَتَّى بَعَثَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ الْغُرَابَيْنِ , فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ , فَقَالَ : أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب ؟ فَدَفَنَ أَخَاهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } بَعَثَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ غُرَابًا حَيًّا إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَجَعَلَ الْغُرَاب الْحَيّ يُوَارِي سَوْأَة الْغُرَاب الْمَيِّت , فَقَالَا اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9180 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِيمَا ذَكَرَ عَنْ أَبِي مَالِك . وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه . وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا مَاتَ الْغُلَام تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ وَلَا يَعْلَم كَيْفَ يُدْفَن , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ , فَاقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , فَحَفَرَ لَهُ , ثُمَّ حَثَا عَلَيْهِ , فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } فَهُوَ قَوْل اللَّه : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } . 9181 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَبْحَث } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا حَتَّى حَفَرَ لِآخَر إِلَى جَنْبه مَيِّت وَابْن آدَم الْقَاتِل يَنْظُر إِلَيْهِ , ثُمَّ بَحَثَ عَلَيْهِ حَتَّى غَيَّبَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } حَتَّى حَفَرَ لِآخَر مَيِّت إِلَى جَنْبه , فَغَيَّبَهُ , وَابْن آدَم الْقَاتِل يَنْظُر إِلَيْهِ حَيْثُ يَبْحَث عَلَيْهِ , حَتَّى غَيَّبَهُ فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور . عَنْ مُجَاهِد . قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا إِلَى غُرَاب , فَاقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , فَجَعَلَ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَاب , فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } قَالَ : جَاءَ غُرَاب إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَاب حَتَّى وَارَاهُ , فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9182 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق . عَنْ عَطِيَّة , قَالَ : لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ , فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَح , وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْر وَالسِّبَاع تَنْتَظِر مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلهُ . 9183 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ } أَنَّهُ بَعَثَهُ اللَّه عَزَّ ذِكْره يَبْحَث فِي الْأَرْض ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا غُرَابَانِ اِقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , وَذَلِكَ - يَعْنِي اِبْن آدَم - يَنْظُر , وَجَعَلَ الْحَيّ يَحْثِي عَلَى الْمَيِّت التُّرَاب , فَعِنْد ذَلِكَ قَالَ مَا قَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة , إِلَى قَوْله : { مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر . عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أَمَّا قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا } قَالَ : قَتَلَ غُرَاب غُرَابًا . فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَيْهِ , فَقَالَ اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ حِين رَآهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } قَالَ : وَارَى الْغُرَاب . قَالَ : كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى عَاتِقه مِائَة سَنَة لَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ , يَحْمِلهُ وَيَضَعهُ إِلَى الْأَرْض حَتَّى رَأَى الْغُرَاب يَدْفِن الْغُرَاب , فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . 9184 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثنا خَالِد , عَنْ حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْل اللَّه : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا , فَجَعَلَ يَبْحَث عَلَى غُرَاب مَيِّت التُّرَاب , قَالَ : فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ { أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . 9185 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } بَعَثَ اللَّه غُرَابًا حَيًّا إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَجَعَلَ الْغُرَاب الْحَيّ يُوَارِي سَوْأَة الْغُرَاب الْمَيِّت , فَقَالَ اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9186 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِيمَا يُذْكَر عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل , قَالَ : لَمَّا قَتَلَهُ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ , وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيه , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّل قَتِيل مِنْ بَنِي آدَم , وَأَوَّل مَيِّت قَالَ { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } الْآيَة إِلَى قَوْله : { ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْض لَمُسْرِفُونَ } قَالَ : وَيَزْعُم أَهْل التَّوْرَاة أَنَّ قَابِيل حِين قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيل , قَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا قَابِيل أَيْنَ أَخُوك هَابِيل ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي مَا كُنْت عَلَيْهِ رَقِيبًا . فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لَهُ : إِنَّ صَوْت دَم أَخِيك لَيُنَادِينِي مِنْ الْأَرْض , الْآن أَنْتَ مَلْعُون مِنْ الْأَرْض الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ دَم أَخِيك مِنْ يَدك , فَإِذَا أَنْتَ عَمِلْت فِي الْأَرْض , فَإِنَّهَا لَا تَعُود تُعْطِيك حَرْثهَا حَتَّى تَكُون فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْض . قَالَ قَابِيل : عَظُمَتْ خَطِيئَتِي عَنْ أَنْ تَغْفِرهَا , قَدْ أَخْرَجْتنِي الْيَوْم عَنْ وَجْه الْأَرْض , وَأَتَوَارَى مِنْ قُدَّامك , وَأَكُون فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْض , وَكُلّ مَنْ لَقِيَنِي قَتَلَنِي ! فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَلَا يَكُون كُلّ قَاتِل قَتِيلًا يَجْزِي وَاحِدًا , وَلَكِنْ يَجْزِي سَبْعَة , وَجَعَلَ اللَّه فِي قَابِيل آيَة , لِئَلَّا يَقْتُلهُ كُلّ مَنْ وَجَدَهُ . وَخَرَجَ قَابِيل مِنْ قُدَّام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , مِنْ شَرْقِيّ عَدَن الْجَنَّة . 9187 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ خَيْثَمَة , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ نَشَّفَتْ الْأَرْضُ دَمَهُ , فَلُعِنَتْ , فَلَمْ تُنَشِّف الْأَرْض دَمًا بَعْدُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَأَثَارَ اللَّه لِلْقَاتِلِ إِذْ لَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع بِأَخِيهِ الْمَقْتُول غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض , يَقُول : يَحْفِر فِي الْأَرْض , فَيُثِير تُرَابهَا لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ , يَقُول : لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي جِيفَة أَخِيهِ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى بِالسَّوْأَةِ الْفَرْج , غَيْر أَنَّ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْت مِنْ الْجِيفَة , وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . وَفِي ذَلِكَ مَحْذُوف تُرِكَ ذِكْره , اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ , وَهُوَ : فَأَرَاهُ بِأَنْ بَحَثَ فِي الْأَرْض لِغُرَابٍ آخَر مَيِّت , فَوَارَاهُ فِيهَا , فَقَالَ الْقَاتِل أَخَاهُ حِينَئِذٍ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الَّذِي وَارَى الْغُرَاب الْآخَر الْمَيِّت { فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } ؟ فَوَارَاهُ حِينَئِذٍ { فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه عَزَّ ذِكْره فِي قَتْله أَخَاهُ . وَكُلّ مَا ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَات , مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِبَنِي آدَم , وَحَرَّضَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِسْتِعْمَال الْعَفْو وَالصَّفْح عَنْ الْيَهُود , الَّذِينَ كَانُوا هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَتْلهمْ مِنْ بَنِي النَّضِير , إِذْ أَتَوْهُمْ يَسْتَعِينُونَهُمْ فِي دِيَة قَتِيلَيْ عَمْرو بْن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ , وَعَرَّفَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ رَدَاءَة سَجِيَّة أَوَائِلهمْ وَسُوء اِسْتِقَامَتهمْ عَلَى مَنْهَج الْحَقّ مَعَ كَثْرَة أَيَادِيه وَآلَائِهِ عِنْدهمْ , وَضَرَبَ مَثَلهمْ فِي عَدُوّهُمْ وَمَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَفَاء لَهُمْ وَالْعَفْو عَنْهُمْ بِابْنَيْ آدَم الْمُقَرِّبَيْنِ قَرَابِينهمَا اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَات . ثُمَّ ذَلِكَ مَثَل لَهُمْ عَلَى التَّأَسِّي بِالْفَاضِلِ مِنْهُمَا دُون الطَّالِح , وَبِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9188 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قُلْت لِبَكْرِ بْن عَبْد اللَّه : أَمَا بَلَغَك أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمْ اِبْنَيْ آدَم مَثَلًا , فَخُذُوا خَيْرهمَا وَدَعُوا شَرّهمَا ؟ " قَالَ : بَلَى 9189 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اِبْنَيْ آدَم ضُرِبَا مَثَلًا لِهَذِهِ الْأُمَّة فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا " * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل , عَنْ الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه ضَرَبَ لَكُمْ اِبْنَيْ آدَم مَثَلًا , فَخُذُوا مِنْ خَيْرهمْ وَدَعُوا الشَّرّ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا أَيْضًا أَحَد الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الْقَوْل فِي أَمْر اِبْنَيْ آدَم بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَمْرو عَنْ الْحَسَن ; لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة لَوْ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يَجْهَل الْقَاتِل دَفْن أَخِيهِ وَمُوَارَاة سَوْأَة أَخِيهِ , وَلَكِنَّهُمَا كَانَا مِنْ وَلَد آدَم لِصُلْبِهِ . وَلَمْ يَكُنْ الْقَاتِل مِنْهُمَا أَخَاهُ عَلِمَ سُنَّة اللَّه فِي عَادَة الْمَوْتَى , وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع بِأَخِيهِ الْمَقْتُول , فَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى عَاتِقه حِينًا حَتَّى أَرَاحَتْ جِيفَته , فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ السُّنَّة فِي مَوْتَى خَلْقه , فَقَيَّضَ لَهُ الْغُرَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ صِفَتهمَا فِي كِتَابه . ذِكْر الْأَخْبَار عَنْ أَهْل التَّأْوِيل بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل الْقَاتِل مِنْ اِبْنَيْ آدَم بِأَخِيهِ الْمَقْتُول بَعْد قَتْله إِيَّاهُ : 9179 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي رِزْق الْهَمْدَانِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَكَثَ يَحْمِل أَخَاهُ فِي جِرَاب عَلَى رَقَبَته سَنَة , حَتَّى بَعَثَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ الْغُرَابَيْنِ , فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ , فَقَالَ : أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب ؟ فَدَفَنَ أَخَاهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } بَعَثَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ غُرَابًا حَيًّا إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَجَعَلَ الْغُرَاب الْحَيّ يُوَارِي سَوْأَة الْغُرَاب الْمَيِّت , فَقَالَا اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9180 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِيمَا ذَكَرَ عَنْ أَبِي مَالِك . وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه . وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا مَاتَ الْغُلَام تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ وَلَا يَعْلَم كَيْفَ يُدْفَن , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ , فَاقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , فَحَفَرَ لَهُ , ثُمَّ حَثَا عَلَيْهِ , فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } فَهُوَ قَوْل اللَّه : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } . 9181 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَبْحَث } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا حَتَّى حَفَرَ لِآخَر إِلَى جَنْبه مَيِّت وَابْن آدَم الْقَاتِل يَنْظُر إِلَيْهِ , ثُمَّ بَحَثَ عَلَيْهِ حَتَّى غَيَّبَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } حَتَّى حَفَرَ لِآخَر مَيِّت إِلَى جَنْبه , فَغَيَّبَهُ , وَابْن آدَم الْقَاتِل يَنْظُر إِلَيْهِ حَيْثُ يَبْحَث عَلَيْهِ , حَتَّى غَيَّبَهُ فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور . عَنْ مُجَاهِد . قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا إِلَى غُرَاب , فَاقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , فَجَعَلَ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَاب , فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } قَالَ : جَاءَ غُرَاب إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ التُّرَاب حَتَّى وَارَاهُ , فَقَالَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9182 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق . عَنْ عَطِيَّة , قَالَ : لَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ , فَضَمَّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَرْوَح , وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْر وَالسِّبَاع تَنْتَظِر مَتَى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلهُ . 9183 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ } أَنَّهُ بَعَثَهُ اللَّه عَزَّ ذِكْره يَبْحَث فِي الْأَرْض ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا غُرَابَانِ اِقْتَتَلَا , فَقَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه , وَذَلِكَ - يَعْنِي اِبْن آدَم - يَنْظُر , وَجَعَلَ الْحَيّ يَحْثِي عَلَى الْمَيِّت التُّرَاب , فَعِنْد ذَلِكَ قَالَ مَا قَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة , إِلَى قَوْله : { مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر . عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أَمَّا قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا } قَالَ : قَتَلَ غُرَاب غُرَابًا . فَجَعَلَ يَحْثُو عَلَيْهِ , فَقَالَ اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ حِين رَآهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ } قَالَ : وَارَى الْغُرَاب . قَالَ : كَانَ يَحْمِلهُ عَلَى عَاتِقه مِائَة سَنَة لَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ , يَحْمِلهُ وَيَضَعهُ إِلَى الْأَرْض حَتَّى رَأَى الْغُرَاب يَدْفِن الْغُرَاب , فَقَالَ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . 9184 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثنا خَالِد , عَنْ حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْل اللَّه : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } قَالَ : بَعَثَ اللَّه غُرَابًا , فَجَعَلَ يَبْحَث عَلَى غُرَاب مَيِّت التُّرَاب , قَالَ : فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ { أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } . 9185 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض } بَعَثَ اللَّه غُرَابًا حَيًّا إِلَى غُرَاب مَيِّت , فَجَعَلَ الْغُرَاب الْحَيّ يُوَارِي سَوْأَة الْغُرَاب الْمَيِّت , فَقَالَ اِبْن آدَم الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الْآيَة . 9186 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِيمَا يُذْكَر عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل , قَالَ : لَمَّا قَتَلَهُ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ , وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوَارِيه , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّل قَتِيل مِنْ بَنِي آدَم , وَأَوَّل مَيِّت قَالَ { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } الْآيَة إِلَى قَوْله : { ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْض لَمُسْرِفُونَ } قَالَ : وَيَزْعُم أَهْل التَّوْرَاة أَنَّ قَابِيل حِين قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيل , قَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا قَابِيل أَيْنَ أَخُوك هَابِيل ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي مَا كُنْت عَلَيْهِ رَقِيبًا . فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لَهُ : إِنَّ صَوْت دَم أَخِيك لَيُنَادِينِي مِنْ الْأَرْض , الْآن أَنْتَ مَلْعُون مِنْ الْأَرْض الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا فَبَلَعَتْ دَم أَخِيك مِنْ يَدك , فَإِذَا أَنْتَ عَمِلْت فِي الْأَرْض , فَإِنَّهَا لَا تَعُود تُعْطِيك حَرْثهَا حَتَّى تَكُون فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْض . قَالَ قَابِيل : عَظُمَتْ خَطِيئَتِي عَنْ أَنْ تَغْفِرهَا , قَدْ أَخْرَجْتنِي الْيَوْم عَنْ وَجْه الْأَرْض , وَأَتَوَارَى مِنْ قُدَّامك , وَأَكُون فَزِعًا تَائِهًا فِي الْأَرْض , وَكُلّ مَنْ لَقِيَنِي قَتَلَنِي ! فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَلَا يَكُون كُلّ قَاتِل قَتِيلًا يَجْزِي وَاحِدًا , وَلَكِنْ يَجْزِي سَبْعَة , وَجَعَلَ اللَّه فِي قَابِيل آيَة , لِئَلَّا يَقْتُلهُ كُلّ مَنْ وَجَدَهُ . وَخَرَجَ قَابِيل مِنْ قُدَّام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , مِنْ شَرْقِيّ عَدَن الْجَنَّة . 9187 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ خَيْثَمَة , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ نَشَّفَتْ الْأَرْضُ دَمَهُ , فَلُعِنَتْ , فَلَمْ تُنَشِّف الْأَرْض دَمًا بَعْدُ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : فَأَثَارَ اللَّه لِلْقَاتِلِ إِذْ لَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع بِأَخِيهِ الْمَقْتُول غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض , يَقُول : يَحْفِر فِي الْأَرْض , فَيُثِير تُرَابهَا لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ , يَقُول : لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي جِيفَة أَخِيهِ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى بِالسَّوْأَةِ الْفَرْج , غَيْر أَنَّ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْت مِنْ الْجِيفَة , وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل . وَفِي ذَلِكَ مَحْذُوف تُرِكَ ذِكْره , اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ , وَهُوَ : فَأَرَاهُ بِأَنْ بَحَثَ فِي الْأَرْض لِغُرَابٍ آخَر مَيِّت , فَوَارَاهُ فِيهَا , فَقَالَ الْقَاتِل أَخَاهُ حِينَئِذٍ : { يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } الَّذِي وَارَى الْغُرَاب الْآخَر الْمَيِّت { فَأُوَارِيَ سَوْأَة أَخِي } ؟ فَوَارَاهُ حِينَئِذٍ { فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه عَزَّ ذِكْره فِي قَتْله أَخَاهُ . وَكُلّ مَا ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَات , مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِبَنِي آدَم , وَحَرَّضَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِسْتِعْمَال الْعَفْو وَالصَّفْح عَنْ الْيَهُود , الَّذِينَ كَانُوا هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَتْلهمْ مِنْ بَنِي النَّضِير , إِذْ أَتَوْهُمْ يَسْتَعِينُونَهُمْ فِي دِيَة قَتِيلَيْ عَمْرو بْن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ , وَعَرَّفَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ رَدَاءَة سَجِيَّة أَوَائِلهمْ وَسُوء اِسْتِقَامَتهمْ عَلَى مَنْهَج الْحَقّ مَعَ كَثْرَة أَيَادِيه وَآلَائِهِ عِنْدهمْ , وَضَرَبَ مَثَلهمْ فِي عَدُوّهُمْ وَمَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَفَاء لَهُمْ وَالْعَفْو عَنْهُمْ بِابْنَيْ آدَم الْمُقَرِّبَيْنِ قَرَابِينهمَا اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَات . ثُمَّ ذَلِكَ مَثَل لَهُمْ عَلَى التَّأَسِّي بِالْفَاضِلِ مِنْهُمَا دُون الطَّالِح , وَبِذَلِكَ جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9188 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قُلْت لِبَكْرِ بْن عَبْد اللَّه : أَمَا بَلَغَك أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمْ اِبْنَيْ آدَم مَثَلًا , فَخُذُوا خَيْرهمَا وَدَعُوا شَرّهمَا ؟ " قَالَ : بَلَى 9189 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اِبْنَيْ آدَم ضُرِبَا مَثَلًا لِهَذِهِ الْأُمَّة فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا " * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ عَاصِم الْأَحْوَل , عَنْ الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه ضَرَبَ لَكُمْ اِبْنَيْ آدَم مَثَلًا , فَخُذُوا مِنْ خَيْرهمْ وَدَعُوا الشَّرّ " '

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه. وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل : إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه؛ لأنه من عادة الغراب فعل ذلك؛ فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وروي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب، ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة؛ قال مجاهد. وروى ابن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة؛ وقال ابن عباس. وقيل : حتى أروح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب كما تقدم. وفي الخبر عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له). وقال قوم : كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك { يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} ، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، وقيل : إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفيا شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه؛ فقال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه. ويقال : إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه. ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه. ويقال : دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. ويقال : إن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله. قال ابن عباس : فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم، وهو أول من يساق من الآدميين إلى النار؛ وذلك قوله تعالى { ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} [فصلت : 29] الآية، فإبليس رأس الكافرين من الجن، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس؛ على ما يأتي بيانه في { حم فصلت} إن شاء الله تعالى. وقد قيل : إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم؛ ولذلك جهلت سنة المواراة؛ وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. وقوله { يبحث} معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة [براءة] البحوث؛ لأنها فتشت عن المنافقين؛ ومن ذلك قول الشاعر : إن الناس غطوني تغطيت عنهم ** وإن بحثوني كان فيهم مباحث وفي المثل : لا تكن كالباحث على الشفرة؛ قال الشاعر : فكانت كعنز السوء قامت برجلها ** إلى مدية مدفونة تستثيرها الثانية: بعث الله الغراب حكمة؛ ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى { ثم أماته فأقبره} [عبس : 21] ، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه. عن الباقين. وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود عن على قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات؛ قال : (اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني) فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي. الثالثة: ويستحب في القبر سعته وإحسانه؛ لما رواه ابن ماجة عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (احفروا وأوسعوا وأحسنوا). وروي عن الأدرع السلمي قال : جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : هذا مراء؛ قال : فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله). قال : وحضر حفرته فقال : (أوسعوا له وسع الله عليه) فقال بعض أصحابه : يا رسول الله لقد حزنت عليه؟ فقال : (أجل إنه كان يحب الله ورسوله)؛ أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب. عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد. قال أبو عمر بن عبدالبر : أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما، واستشهد أبوه عامر يوم أحد. سكن هشام البصرة ومات بها؛ ذكر هذا في كتاب الصحابة. الرابعة: ثم قيل : اللحد أفضل من الشق؛ فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد؛ فقالوا : أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه ابن ماجة عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما. والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة؛ وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشق. واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب؛ قال سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي هلك فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم. وروى ابن ماجة وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللحد لنا والشق لغيرنا). الخامسة: روى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب قال : حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال : اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها ولقها منك رضوانا. قلت يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك؟ قال : إني إذا لقادر على القول! بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا. فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام. والأصل في { يا ويلتي} يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف. وقرأ الحسن على الأصل بالياء، والأول أفصح؛ لأن حذف الياء في النداء أكثر. وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك؛ قال سيبويه. وقال الأصمعي { ويل} بعد. وقرأ الحسن { أعجزت} بكسر الجيم. قال النحاس : وهي لغة شاذة؛ إنما يقال عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ومعجزة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 27 - 31


سورة المائدة الايات 31 - 33

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعرف السوءة وهي ما تَتَكرّهه النفس. وهي من " ساء، يسوء، سوءا " أي يتكره، وسمينا " العَورة " سَوْءَة؛ لأنها تتكره.

{ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ }. هل بعث الله حتى يُرِي قابيل كيف يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟ كلا الأمرين متساوٍ؛ لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغُراب، وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله؛ فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين تنسب الأسباب تجدها كلها من الله.

{ قَالَ يَاوَيْلَتَا }. ساعة تسمع كلمة " يا ويلتي " يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علاّم وفلان عَلاَّمة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و " ويلة " تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني " يا ويلتي "؟

إننا نعرف أن النداء يكون بـ " يا " فكيف نُنادي الويل والهلاك؟ وهل يُنادي غير العاقل؟ نعم، يُنادي؛ لأنه مادام " الويل " و " الويلة ": الهلاك. كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يُخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال فهذا وقتك! إذن فقوله: " يا ويلتي " يعني يا هلاك تعال، والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا   وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
فأي داء هذا الذي تقول فيه: يارب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ينادي الهلاك هو أكثر من الموت. المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر؛ ولذلك يقول الحق:
{  وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }
[الكهف: 49]

إنهم يتمنّون الموت؛ وكذلك قال قابيل " يا ويلتي ".

وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها؟ لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلاً لأخيه.

والمعنى الثاني: أن تأتي " يا ويلتنا " بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المُسبّب. فلو ظل عطاء الأسباب هو المُتحكّم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول: لا. فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية القدرة وقيّوميّتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب.

إذن فهناك أسباب وهناك مُسبّب. والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب. وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان، ولذلك يَرُدّ الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه.وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهَم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم خِيفة. ويقول الحق عن هذا الموقف:
{  فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ }
[الذاريات: 28-29]

وقال الحق أيضاً في هذا الموقف:
{  وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }
[هود: 71]

وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم:
{  يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }
[هود: 72]

أي أن الأسباب لا تعطى، ورُدّت إلى المُسبّب. (أتعجبين من أمر الله)؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى الله، فلا عجب.

وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها؛ فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كَفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفُوجئ بأن عندها رزقا من طعامٍ وفاكهة. فسألها:
{  يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }
[آل عمران: 37]

كيف يقول لها ذلك؟ لا بد أنه رأى شيئا عندها لم يأتِ هُو به، وهنا ردَّت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة:
{  هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37]

وبشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن، وكأنها تقول ذلك كتمهيد؛ لأنها - كما قلنا سابقا - ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المُسبِّب، فسوف تلدِ بدون رُجولة، وهي مسألة عجيبة، لذلك كان لا بد أن تفهم هي وأن تنطق:
{  هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37]

وكأن الحق ينبئها ضمناً بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة؛ لأن المستقبل سوف يأتي بك بأحداث تحتاج إلى تذكُر هذا القول. وهي التي تُذكِرّ سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية. ولنر دِقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة:
{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }
[آل عمران: 38]

كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو الله بأمنيته في المحراب نفسه. وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟ كان يعرفها، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور.

وقول مريم لزكريا: { هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور.
{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }
[آل عمران: 38]

لماذا لم يدعُ ربَّه من البداية؟. كان سيدنا زكريا سائراً مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتُشغل عن المُسبِّب، وعندما سمع من مريم: { يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أراد أن يدخل من هذا الباب، فدعا ربه؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذريّة، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحاً حالته:
{  وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ }
[آل عمران: 40]

ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذّرّية وقفزت قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك. فقد جاء أمر الله:
{  كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ }
[مريم: 9]

إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات. فهي إرادة الله. ويوضح الحق حيثيّات { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ويأتيك بالولد؛ فيقول سبحانه:
{  هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }
[مريم: 9]

وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصراً شاهداً عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد، وهو كفيل لها، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر.

ولماذا كل هذا التمهيد؟؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السُنن إنما حدث في أمور أخرى غير العِرْض، لكن عند مريم سيكون ذلك في العِرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة، لذلك لابد من كل هذه التمهيدات. إذن، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على الله.

وها هوذا قابيل يقول: { يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ } كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئاً يفعله الطائر الذي أمامه، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب. فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسيّ شديد قاسٍ على وجدانه.

لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه، بينما عرف الغراب كيف يواري جثة غراب آخر. وهكذا أصبح قابيل من النادمين { فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ }.

إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين " نَدِمٍ " و " نَدَمٍ ". وعلى سبيل المثال: هناك إنسان قد جرؤ على حدود الله وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعام الأسرة. وعندما عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل كان ندم الرجل على أنه عصى الله، أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله؟. لقد ندم على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض، ليس من التوبة.

وقد يكون هذا الشارب للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض، وهنا ندم لأن شُرب الخمر أوصله إلى هذا الحال؛ فهل ندم لأنه عصى ربه؟. أو ندم لأنه صار هُزْأة بين الناس؟. وكذلك كان ندم قابيل، لقد ندم على خيبته؛ لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب.

ويقول الحق بعد ذلك: { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ... }


www.alro7.net