سورة
اية:

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة اللّه، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ولهذا قال: { إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب، وقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون اللّه فابتلاهم اللّه بهذه الآية فقال: { قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه} عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت، قالت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (هل الدين إلا الحب في اللّه والبغض في اللّه؟ قال اللّه تعالى: { قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني} ""رواه ابن أبي حاتم عن عائشة مرفوعاً وفي سنده ضعف. ثم قال تعالى: { ويغفر لكم ذنوبكم، واللّه غفور رحيم} أي باتباعكم الرسول صلى اللّه عليه وسلم، يحصل لكم هذا من بركة سفارته، ثم قال تعالى آمراً لكل أحد من خاص وعام: { قل أطيعوا اللّه والرسول فإن تولوا} أي تخالفوا عن أمره، { فإن اللّه لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، واللّه لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب للّه ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول اللّه إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: { وإذ أخذ اللّه ميثاق النبيين} الآية، إن شاء اللّه تعالى.

تفسير الجلالين

ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبّا لله ليقربونا إليه { قل } لهم يا محمد { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } بمعنى يثيبكم { ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور } لمن اتبعني ما سلف من قبل ذلك { رحيم } به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُنْزِلَتْ فِي قَوْم قَالُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَهُمْ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ فَاتَّبِعُونِي , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَة صِدْقكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5385 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ بَكْر بْن الْأَسْوَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : قَالَ قَوْم عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن , يَقُول : قَالَ أَقْوَام عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ قُرْآنًا : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اللَّه اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . 5386 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه } قَالَ : كَانَ قَوْم يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , يَقُولُونَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَعَلَ اِتِّبَاع مُحَمَّد عَلَمًا لِحُبِّهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . . . الْآيَة , قَالَ : إِنَّ أَقْوَامًا كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَل لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنْ عَمَل , فَقَالَ : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . .. الْآيَة . كَانَ اِتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِوَفْدِ نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى : إِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي عِيسَى مِنْ عَظِيم الْقَوْل إِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحُبًّا لَهُ , فَاتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5387 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } أَيْ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلكُمْ - يَعْنِي فِي عِيسَى - حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } أَيْ مَا مَضَى مِنْ كُفْركُمْ { وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ لِغَيْرِ وَفْد نَجْرَان فِي هَذِهِ السُّورَة , وَلَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة ذِكْر قَوْم اِدَّعَوْا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , وَلَا أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ , فَيَكُون قَوْله . { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي } جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن . وَأَمَّا مَا رَوَى الْحَسَن فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ , فَلَا خَبَر بِهِ عِنْدنَا يَصِحّ , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السُّورَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُون الْحَسَن أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْد نَجْرَان مِنْ النَّصَارَى , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْله نَظِير إِخْبَارنَا , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَبَر عَلَى مَا قُلْنَا , وَلَا فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَأَوْلَى الْأُمُور بِنَا أَنْ نُلْحِق تَأْوِيله بِاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَة مِنْ آي السُّورَة , وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا , لِأَنَّ مَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة مِنْ مُبْتَدَأ هَذِهِ السُّورَة وَمَا بَعْدهَا خَبَر عَنْهُمْ , وَاحْتِجَاج مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَلِيل عَلَى بُطُول قَوْلهمْ فِي الْمَسِيح , فَالْوَاجِب أَنْ تَكُون هِيَ أَيْضًا مَصْرُوفَة الْمَعْنَى إِلَى نَحْو مَا قَبْلهَا , وَمَعْنَى مَا بَعْدهَا . فَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيل الْآيَة : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَان : إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَ اللَّه , وَأَنَّكُمْ تُعَظِّمُونَ الْمَسِيح وَتَقُولُونَ فِيهِ مَا تَقُولُونَ , حُبًّا مِنْكُمْ رَبّكُمْ , فَحَقِّقُوا قَوْلكُمْ الَّذِي تَقُولُونَهُ , إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّايَ , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لِلَّهِ رَسُول إِلَيْكُمْ , كَمَا كَانَ عِيسَى رَسُولًا إِلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ إِنْ اِتَّبَعْتُمُونِي وَصَدَّقْتُمُونِي عَلَى مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ , فَيَصْفَح لَكُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا وَيَعْفُو لَكُمْ عَمَّا مَضَى مِنْهَا , فَإِنَّهُ غَفُور لِذُنُوبِ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ رَحِيم بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُنْزِلَتْ فِي قَوْم قَالُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَهُمْ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ فَاتَّبِعُونِي , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَة صِدْقكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5385 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ بَكْر بْن الْأَسْوَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : قَالَ قَوْم عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن , يَقُول : قَالَ أَقْوَام عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ قُرْآنًا : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اللَّه اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . 5386 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه } قَالَ : كَانَ قَوْم يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , يَقُولُونَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَعَلَ اِتِّبَاع مُحَمَّد عَلَمًا لِحُبِّهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . . . الْآيَة , قَالَ : إِنَّ أَقْوَامًا كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَل لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنْ عَمَل , فَقَالَ : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . .. الْآيَة . كَانَ اِتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِوَفْدِ نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى : إِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي عِيسَى مِنْ عَظِيم الْقَوْل إِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحُبًّا لَهُ , فَاتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5387 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } أَيْ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلكُمْ - يَعْنِي فِي عِيسَى - حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } أَيْ مَا مَضَى مِنْ كُفْركُمْ { وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ لِغَيْرِ وَفْد نَجْرَان فِي هَذِهِ السُّورَة , وَلَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة ذِكْر قَوْم اِدَّعَوْا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , وَلَا أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ , فَيَكُون قَوْله . { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي } جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن . وَأَمَّا مَا رَوَى الْحَسَن فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ , فَلَا خَبَر بِهِ عِنْدنَا يَصِحّ , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السُّورَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُون الْحَسَن أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْد نَجْرَان مِنْ النَّصَارَى , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْله نَظِير إِخْبَارنَا , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَبَر عَلَى مَا قُلْنَا , وَلَا فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَأَوْلَى الْأُمُور بِنَا أَنْ نُلْحِق تَأْوِيله بِاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَة مِنْ آي السُّورَة , وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا , لِأَنَّ مَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة مِنْ مُبْتَدَأ هَذِهِ السُّورَة وَمَا بَعْدهَا خَبَر عَنْهُمْ , وَاحْتِجَاج مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَلِيل عَلَى بُطُول قَوْلهمْ فِي الْمَسِيح , فَالْوَاجِب أَنْ تَكُون هِيَ أَيْضًا مَصْرُوفَة الْمَعْنَى إِلَى نَحْو مَا قَبْلهَا , وَمَعْنَى مَا بَعْدهَا . فَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيل الْآيَة : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَان : إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَ اللَّه , وَأَنَّكُمْ تُعَظِّمُونَ الْمَسِيح وَتَقُولُونَ فِيهِ مَا تَقُولُونَ , حُبًّا مِنْكُمْ رَبّكُمْ , فَحَقِّقُوا قَوْلكُمْ الَّذِي تَقُولُونَهُ , إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّايَ , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لِلَّهِ رَسُول إِلَيْكُمْ , كَمَا كَانَ عِيسَى رَسُولًا إِلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ إِنْ اِتَّبَعْتُمُونِي وَصَدَّقْتُمُونِي عَلَى مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ , فَيَصْفَح لَكُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا وَيَعْفُو لَكُمْ عَمَّا مَضَى مِنْهَا , فَإِنَّهُ غَفُور لِذُنُوبِ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ رَحِيم بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقه .'

تفسير القرطبي

الحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب؛ مثل الخِدن والخَدين؛ يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه (بالكسر) فهو محبوب. قال الجوهري : وهذا شاذ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر. قال أبو الفتح : والأصل فيه حَبُب كظرف، فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية. قال ابن الدهان سعيد : في حَبّ لغتان : حَبّ وأحَبّ، وأصل { حب} في هذا البناء حَبُب كظرف؛ يدل على ذلك قولهم : حَبُبْت، وأكثر ما ورد فعيل من فعل. قال أبو الفتح : والدلالة على أحب قوله تعالى { يحبهم ويحبونه} [المائدة : 54] بضم الياء. و { اتبعوني يحببكم الله} [آل عمران : 31] و"حَبّ" يرد على فعل لقولهم حبيب. وعلى فعل كقولهم محبوب : ولم يرد اسم الفاعل من حب المتعدي، فلا يقال : أنا حاب. ولم يرد اسم المفعول من أفعل إلا قليلا؛ كقوله : مني بمنزلة المحب المكرم ** وحكى أبو زيد : حببته أحبه. وأنشد : فوالله لولا تمره ما حببته ** ولا كان أدنى من عويف وهاشم وأنشد : لعمرك إنني وطلاب مصر ** لكالمزداد مما حب بعدا وحكى الأصمعي فتح حرف المضارعة مع الياء وحدها. والحب الخابية، فارسي معرب، والجمع حِباب وحِبَبَة؛ حكاه الجوهري. والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جريج : نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا : نحن الذين نحب ربنا. وروي أن المسلمين قالوا : يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا؛ فأنزل الله عز وجل { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} . قال ابن عرفة : المحبة عند العرب إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري : محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما؛ قال الله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} . ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران؛ قال الله تعالى { إن الله لا يحب الكافرين} [آل عمران : 32] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبدالله : علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة؛ وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة. وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال : (على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس) خرجه أبو عبدالله الترمذي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألا يؤذي جاره). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض). وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة "مريم" إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو رجاء العطاردي (فاتبعوني) بفتح الباء، { ويغفر لكم} عطف على { يحببكم} . وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من { يغفر} في اللام من { لكم} . قال النحاس : لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يخفي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولنا أن نعرف أن كل " قل " إنما جاءت في القرآن كدليل على أن ما سيأتي من بعدها هو بلاغ من الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، بلاغ للأمر وللمأمور به، إن البعض ممن في قلوبهم زيغ يقولون: كان من الممكن أن يقول الرسول: { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } لهؤلاء نقول: لو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لكان قد أدى " المأمور به " ولم يؤد الأمر بتمامه. لماذا؟ لأن الأمر في " قل ".. والمأمور به { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل بلاغ عن الله بدأ بـ " قل " إنما يبلغ " الأمر " ويبلغ " المأمور به " مما يدل على أنه مبلغ عن الله في كل ما بلغه من الله.

إن الذين يقولون: يحب أن تحذف " قل " من القرآن، وبدلا من أن نقول: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فلننطقها: " الله أحد ". لهؤلاء نقول: إنكم تريدون أن يكون الرسول قد أدى " المأمور به " ولم يؤد " الأمر ".

إن الحق يقول: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } هذه الآية تدل على ماذا؟ إنهم لا بد قد ادعوا أنهم يحبون الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم جعلوا الحب لله شيئا، واتباع التكليف شيئا آخر، والله سبحانه وتعالى له على خلقه إيجاد، وإمداد، وتلك نعمة، ولله على خلقه فضل التكليف؛ لأن التكليف إن عاد على المُكَلّف " بفتح الكاف وتشديد اللام " ولم يعد منه شيء على المُكَلِّف بكسر الكاف فهذه نعمة من المكلِّف.

إن الحق سبحانه لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد. إن الحق سبحانه عندما كلفنا إنما يريد لنا أن نتبع قانون صيانة حياة الإنسان. وقد ضربنا المثل - ولله المثل الاعلى، بالآلة المصنوعة بأيدي البشر، إن المهندس الذي صممها يضع لها قانون صيانة ما، ويضع قائمة تعليمات عن كيفية استعمالها؛ وهي تتلخص في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، ويختار لهذه الآلة مكانا محددا، وأسلوبا منظما للاستخدام.

إذن فوضع قائمة بالقوانين الخاصة بصيانه واستعمال آلة ما وطبعها في كراسة صغيرة، هي لفائدة المنتفع بالصنعة. هذا في مجال الصنعة البشرية فما بالنا بصنعة الله عز وجل؟ إن لله إيجادا للإنسان، ولله إمدادا للإنسان، ولله تكليفا للإنسان، والحق قد جعل التكليف في خدمة الإيجاد والإمداد. إن الحق لو لم يعطنا نظام حركة الحياة في " افعل " و " لا تفعل " لفسد علينا الإيجاد والإمداد، إن من تمام نعمة الحق على الخلق أن أوجد التكليف، وإن كان العبد قد عرف قدر الله فأحبه للإيجاد والإمداد فليعرف العبد فضل ربه عليه أيضا من ناحية قبول التكليف، وأن يحب العبد ربه لأنه كلفة بالتكاليف الإيمانية.إنك قد تحب الله، ولكن عليك أن تلاحظ الفرق بين أن تحب أنت الله، وأن يحبك الله. إن التكليف قد يبدو شاقا عليك فتهمل التكليف؛ لذلك نقول لك: لا يكفي أن تحب الله لنعمة إيجاده وإمداده؛ لأنك بذلك تكون أهملت نعمة تكلفيه التي تعود عليك بالخير، إن نعمة التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها أيها الإنسان، فلا تهملها، ومن الجائز أن تجد عبادا يحبون الله لأنه أوجدهم وأمدهم بكل أسباب الحياة، ولكن حب الله لعبده يتوقف على أن يعرف العبد نعمته - سبحانه - في التكليف، إن الله يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف.

ونحن في مجالنا البشري نرى إنسانا يحب إنسان آخر، لا يبادله العاطفة، والمتنبي قال:
أنت الحبيب ولكني أعوذ به   من أن أكون حبيبا غير محبوب
إن المتنبي يستعيذ أن يحب واحدا لا يبادله الحب. فكأن الذين يدعون أنهم يحبون الله، لأنهم عبيد إحسانه إيجادا وإمدادا، ثم بعد ذلك يستنكفون، أولا يقدرون على حمل نفوسهم على أداء التكليف لهؤلاء نقول: أنتم قد منعتم شطر الحب لله، لأن الله لن يكلفكم لصالحه ولكنه كلفكم لصالحكم؛ لأن التكليف لا يقل عن الإيجاد والإمداد.

لماذا؟ لأن التكليف فيه صلاح الإيجاد والإمداد، والحب - كما نعرف - هو ودادة القلب وعندما تقيس ودادة القلب بالنسبة لله، فإننا نرى آثارها، وعملها، من عفو، ورحمة، ورضا.

وعندما تقيس ودادة القلب من العبد إلى الله فإنها تكون في الطاعة. إن الحب الذي هو ودادة القلب يقدر عليه كل إنسان، ولكن الحق يطلب من ودادة القلب ودادة القالب، وعلى الإنسان أن يبحث عن تكاليف الله ليقوم بها، طاعة منه وحبا لله، ليتلقى محبة الله له بآثارها، من عفو، ورحمة، ورضا.

والحب المطلوب شرعا يختلف عن الحب بمفهومه الضيق، أقول ذلك لنعلم جميعا، أنه الحق سبحانه قائم بالقسط، فلا يكلف شططا, ولا يكلف فوق الوسع أو فوق الطاقة. إن الحب المراد لله في التكليف هو الحب العقلي، ولا بد أن نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي، العاطفي لا يفنن له. لا أقول لك: " عليك أن تحب فلانا حبا عاطفيا " لأن ذلك الحب العاطفي لا قانون له. إن الإنسان يحب ابنه حتى ولو كان قليل الذكاء أو صاحب عاهة، يحبه بعاطفته، ويكره قليل الذكاء بعقله.

والإنسان حينما يرى ابن جاره أو حتى ابن عدوه، وهو متفوق، فإنه يحب ابن الجار أو ابن العدو بعقله، لكنه لا يحب ابن الجار أو العدو بعاطفته، ودليل ذلك أن الإنسان عندما توجد لديه أشياء جميلة فإنه يعطيها لابنه لا لابن الجيران، هناك - إذن - فرق بن حب العقل، وحب العاطفة.والتكليف دائما يقع في إطار المقدور عليه وهو حب العقل، ومع حب العقل قد يسأل الإنسان نفسه: ماذا تكون حياتي وكيف.. لو لم أعتنق هذا الدين؟ وماذا تكون الدنيا وكيف، لولا رحمة الله بنا عندما أكرمنا بهذا الدين؟ وأرسل لنا هذا الرسول الكريم؟ إن هذا حديث العقل وحب العقل.

وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة أيضا، لكن المكلف به هو حب العقل، وليس الحب العاطفي، ولذلك يجب أن نفطن إلى ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ".

وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال: أمعقول أن يكون الحب لك أكثر من النفس؟ إنني أحبك أكثر من مالي، أو من ولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء. وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكررها النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا، وثالثا، فعرف سيدنا عمر أنه قد أصبحت تكليفا وعرف أنها لا بد أن تكون من الحب المقدور عليه، وهو حب العقل، وليس حب العاطفة. وهنا قال عمر: " الآن يارسول الله؟ " فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " الآن يا عمر، أي كمل إيمانك الآن، أي أن سيدنا عمر قد فهم المراد بهذا الحب وهو الحب العقلي.

ونريد هنا أن نضرب مثلا حتى لا تقف هذه المسألة عقبة في القلوب أو العقول - نقول - ولله المثل الأعلى: إن الإنسان ينظر إلى الدواء المر طعما ويسأل نفسه هل أحبه أو لا؟ إن الإنسان يحب هذا الدواء بعقله، لا بعاطفته.

إذن فحب العقل هو ودادة من تعلم أنه صالح لك ونافع لديك وإن كانت نفسك تعافه، وعندما تتضح لك حدود نفع بالشيء فأنت تحبه بعاطفتك إذاً فالمطلوب للتكليف الإيماني " الحب العقلي " ، وبعد ذلك يتسامى ليكون " حبا عاطفيا " وهكذا يكون قول الحق: { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } وهذا الحب ليس دعوى. إن الإنسان منا عندما يدعى أنه يحب إنسانا آخر، فكل ما يتصل به يكون محبوبا، ألم يقل الشاعر: " وكل ما يفعل المحبوب محبوب "؟ فإن كنتم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبعوه بتنفيذ التكاليف الإيمانية، ولنلتفت إلى الفرق بين " اتبعني " و " استمع لي ".إن الاتباع لا يكون إلا في السلوك، فإن كانت تحب رسول الله فعليك أن ترى ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تفعل مثله، أما إذا كنت تدعى هذا الحب، ولا تفعل مثلما فعل رسول الله صلى فهذا عدم صدق في الحب، إن دليل صدقكم في الحب المدعى منكم أن تتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن اتبعنا رسول الله نكون قد أخذنا التكليف من الله على أنه نعمة، ونقلبها من الله مع ما فيها من مشقة علينا، فيحبنا الله؛ لأننا آثرنا تكليفه على المشقة في التكليف.

إن فهم هذه الآية يقتضي أن نعرف أن الحق ينبهنا فكأنه يقول لنا: أنتم أحببتم الله للإيجاد والإمداد، وبعد ذلك وقفتم في التكليف لأنه ثقيل عليكم، وهنا نقول: " انظروا إلى التكليف أهو لصالح من كلف أم هو لصالح من تلقى التكليف؟ ". إنه لصالح المكلَّف أي الذي تلقى التكاليف.

وهكذا يجب أن نضم التكليف للنعم، فتصبح النعم هي " نعم الإيجاد " ، و " الإمداد " ، و " التكليف " ، فإن أحببت الله للإيجاد والإمداد، فهذا يقتضي أن تحبه أيضا للتكليف، ودليل صدق الحب هو قيام العبد بالتكليف، وما دمت أنت قد عبرت عن صدق عواطفك بحبك لله، فلا بد أن يحبك الله، وكل منا يعرف أن حبه لله لا يقدم ولا يؤخر، لكن حب الله لك يقدم ويؤخر.

إن قول الحق سبحانه وتعالى فيما يعلّمه لرسول الله ليقول لهم: { فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم المرسل من عند الله جاء بكل ما أنزله الله ولم يكتم شيئا مما أُمِرَ بتبليغه، فلا يستقيم أن يضع أحد تفريقا بين رسول الله وبين الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله كل ما أنزل عليه.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } إن مسألة { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } هذه تتضمن ما تسميه القوانين البشرية بالأثر الرجعي، فمن لم يكن في باله هذا الأمر؛ وهو حب الله، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يعرف أن عليه مسئولية أن يبدأ في هذه المسألة فورا ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وينفذ التكليف الإيماني، وسيغفر له الله ما قد سبق، وأي ذنوب يغفرها الله هنا؟ إنها الذنوب التي فر منها بعض العباد عن اتباع الرسول، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم فيها.

وهكذا نعرف ونتيقن أن عدالة الله أنه سبحانه لن يعاقب أحدا على ذنب سابق ما دام قد قبل العبد أن ينفذ التكليف الإيماني، إن الذين أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجب عليهم أن يفطنوا بعقولهم إلى ما أعلنه الرسول لهم، إن هذا الأمر لا يكون حجة إلا بعد أن صار بلاغا، وقد جاء البلاغ، ولذلك يغفر الله الذنوب السابقة على البلاغ، وبعد ذلك يقول الحق: { وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } إننا نعلم أن المغفرة من الله والرحمة منه أيضا، وبعد ذلك يقول الحق: { قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} الآية. [31].
قال الحسن، وابن جُرَيج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد، إنا نحب ربنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى جُوَيْبِر، عن الضَّحاك، عن ابن عباس، قال:
وقف النبي صلى الله عليه وسلم، على قريش، وهم في المسجد الحرام، وقد نَصَبُوا أصنامهم، وعلّقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشُّنُوفَ [والقِرَطَةَ]، وهم يسجدون لها؛ فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم مِلَّةَ أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام. فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زُلْفَى. فأنزل الله تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ} وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه { فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤُه، أنزل الله تعالى هذه الآية. فلما نزلت عَرَضَها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود، فأبوا أن يقبلوها.
وروى محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال:
نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظِّم المسيح ونعبده حباً لله وتعظيماً له. فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم.


www.alro7.net