سورة
اية:

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا: ‏ { ‏يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين‏} ‏ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ليعملوا عملاً صالحاً ولا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى‏:‏ ‏ { ‏بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل‏} ‏ أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبله بيسير‏:‏ ‏ { ‏ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين أنظر كيف كذبوا على أنفسهم‏} ‏، ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءئتهم به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه كقوله مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون‏:‏ ‏ { ‏لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر‏} ‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه‏:‏ ‏ { ‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً‏} ‏ ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافققين الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبار عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد ذكر اللّه وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت فقال‏:‏ ‏ { ‏وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين‏} ‏، وعلى هذا فيكون إخباراً عن قول المنافقين في الدار الآخرة حين يعاينون العذاب، فظهر لهم حينئذ غِبُّ ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق، واللّه أعلم‏. وأما معنى الإضراب في قوله: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل...} فإنهم ما طلبوا العودة إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفاً من العذاب الذي عاينوه جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان، ثم قال مخبراً عنهم: إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة، { وإنهم لكاذبون} أي في قولهم: { يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} أي لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا، أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، ولهذا قال: { وما نحن بمبعوثين} ، ثم قال: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي أوقفوا بين يديه { قال أليس هذا بالحق} ؟ أي أليس هذا المعاد بحق وليس بباطل كما كنتم تظنون { قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي بما كنتم تكذبون به فذوقوا اليوم مسه { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} ؟

تفسير الجلالين

{ ولو ترى إذ وقفوا } عرضوا { على ربِّهم } لرأيت أمرا عظيما { قال } لهم على لسان الملائكة توبيخا { أليس هذا } البعث والحساب { بالحق قالوا بلى وربِّنا } إنه لحق { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } به في الدنيا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { لَوْ تَرَى } يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ : مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ , { إِذْ وُقِفُوا } يَوْم الْقِيَامَة : أَيْ حُبِسُوا , { عَلَى رَبِّهِمْ } يَعْنِي : عَلَى حُكْم اللَّه وَقَضَائِهِ فِيهِمْ . { قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } يَقُول : فَقِيلَ لَهُمْ : أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالنَّشْر بَعْد الْمَمَات الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا حَقًّا ؟ فَأَجَابُوا فَـ { قَالُوا بَلَى } وَاَللَّه إِنَّهُ لَحَقّ . { قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب } يَقُول : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ : فَذُوقُوا الْعَذَاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ , { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَقُول : بِتَكْذِيبِكُمْ بِهِ وَجُحُودِكُمُوهُ الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { لَوْ تَرَى } يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ : مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ , { إِذْ وُقِفُوا } يَوْم الْقِيَامَة : أَيْ حُبِسُوا , { عَلَى رَبِّهِمْ } يَعْنِي : عَلَى حُكْم اللَّه وَقَضَائِهِ فِيهِمْ . { قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } يَقُول : فَقِيلَ لَهُمْ : أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالنَّشْر بَعْد الْمَمَات الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا حَقًّا ؟ فَأَجَابُوا فَـ { قَالُوا بَلَى } وَاَللَّه إِنَّهُ لَحَقّ . { قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب } يَقُول : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ : فَذُوقُوا الْعَذَاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ , { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَقُول : بِتَكْذِيبِكُمْ بِهِ وَجُحُودِكُمُوهُ الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} { وقفوا} أي حبسوا { على ربهم} أي على ما يكون من أمر الله فيهم. وقيل : { على} بمعنى { عند} أي عند ملائكته وجزائه؛ وحيث لا سلطان فيه لغير الله عز وجل؛ تقول : وقفت على فلان أي عنده؛ وجواب { لو} محذوف لعظم شأن الوقوف. { قال أليس هذا بالحق} تقرير وتوبيخ أي أليس هذا البعث كائنا موجودا؟ { قالوا بلى} ويؤكدون اعترافهم بالقسم بقولهم { وربنا} . وقيل : إن الملائكة تقول لهم بأمر الله أليس هذا البعث وهذا العذاب حقا؟ فيقولون : { بلى وربنا} إنه حق. { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 26 - 30


سورة الانعام الايات 30 - 33

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هم - إذن - قد خافوا وارتبكوا وطلبوا العودة للحياة الدنيا؛ لأن ما شاهدوه هول كبير، فما بالك إذا وقفوا على الله؟ إنه موقف مرعب. وإذا كان الحق قد حذف من قبل الجواب عندما أوقفهم على النار؛ فالأولى هنا أن يحذف الجواب، حتى يترك للخيال أن يذهب مذاهب شتى.. إنه ارتقاء في الهول.

وهكذا نرى التبكيت لهم في قول الحق: { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ } إنهم يفاجأون بوجود إله يقول لهم بعد أن يشهدوا البعث ويقفوا على النار: { أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ }؟ وسبحانه وتعالى لا يستفهم منهم ولكنه يقرر، وقد شاء أن يكون الإقرار منهم، فيقولون: " بلى " لأن الأمر لا يحتاج - إذن - إلى مكابرة. و " بلى " حرف يجعل النفي إثباتاً.

ويطرح الحق هذه المسألة بالنفي حتى لا يظن ظان أن هناك تلقيناً للجواب. ويصدر حكم الحق: { فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } وهكذا يذوقون العذاب الذي كانوا به يكذبون. وذوْق العذاب ليس من صفة القهر والجبروت؛ لأن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولكن بسبب أنهم قدموا ما يوجب أن يعذبوا عليه.

ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: { قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ... }


www.alro7.net