سورة
اية:

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

تفسير بن كثير

يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة، حامداً لها على خلقه السموات والأرض قراراً لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات؛ ووحد لفظ النور لكونه أشرف، كقوله تعالى: { عن اليمين والشمائل} ، وكما قال في آخر السورة: { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، ثم قال تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا له شريكاً وعدلاً، واتخذوا له صاحبة وولداً، تعالى الله عزَّ وجلَّ عن ذلك علواً كبيراً، وقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين} يعني أباهم آدم الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب، وقوله: { ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} قال ابن عباس: { ثم قضى أجلاً} يعني الموت، { وأجل مسمى عنده} يعني الآخرة وهو مروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم وقال الحسن في رواية عنه: { ثم قضى أجلاً} وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت { وأجل مسمى عنده} وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد: { ثم قضى أجلاً} يعني مدة الدنيا { وأجل مسمى عنده} يعني عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} الآية. ومعنى قوله: { عنده} أي لا يعلمه إلا هو، كقوله: { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} ، وكقوله: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} ، وقوله تعالى: { ثم أنتم تمترون} ، قال السدي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة. وقوله تعالى: { وهو اللّه في السموات في الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية القائلين -تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً - بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك، فالأصح من الأقوال: أنه المدعو اللّه في السموات وفي الأرض: أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات والأرض، ويسمونه اللّه، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: { يعلم سركم وجهركم} خبراً أو حالاً والقول الثاني : أن المراد أنه اللّه الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر، فيكون قوله (يعلم) متعلقاً بقوله: { في السموات وفي الأرض} تقديره: وهو اللّه يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون، والقول الثالث : أن قوله { وهو اللّه في السموات} وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: { وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} وهذا اختيار ابن جرير، وقوله: { ويعلم ما تكسبون} أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.

تفسير الجلالين

{ وهو الله } مستحق للعبادة { في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } ما تسرون وما تجهرون به بينكم { ويعلم ما تكسبون } تعملون من خير وشرِّ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ اللَّه فِي السَّمَوَات وَفِي الْأَرْض يَعْلَم سِرّكُمْ وَجَهْركُمْ وَيَعْلَم مَا تَكْسِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : إِنَّ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ الْمُسْتَحِقّ عَلَيْكُمْ إِخْلَاص الْحَمْد لَهُ بِآلَائِهِ عِنْدكُمْ أَيّهَا النَّاس الَّذِي يَعْدِل بِهِ كُفَّاركُمْ مَنْ سِوَاهُ , هُوَ اللَّه الَّذِي هُوَ فِي السَّمَوَات وَفِي الْأَرْض , { يَعْلَم سِرّكُمْ وَجَهْركُمْ } فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , يَقُول : فَرَبّكُمْ الَّذِي يَسْتَحِقّ عَلَيْكُمْ الْحَمْد وَيَجِب عَلَيْكُمْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ , هُوَ هَذَا الَّذِي صِفَته , لَا مَنْ لَا يَقْدِر لَكُمْ عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع وَلَا يَعْمَل شَيْئًا وَلَا يَدْفَع عَنْ نَفْسه سُوءًا أُرِيد بِهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَيَعْلَم مَا تَكْسِبُونَ } يَقُول : وَيَعْلَم مَا تَعْمَلُونَ وَتَجْرَحُونَ , فَيُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهِ عِنْد مَعَادكُمْ إِلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ اللَّه فِي السَّمَوَات وَفِي الْأَرْض يَعْلَم سِرّكُمْ وَجَهْركُمْ وَيَعْلَم مَا تَكْسِبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : إِنَّ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ الْمُسْتَحِقّ عَلَيْكُمْ إِخْلَاص الْحَمْد لَهُ بِآلَائِهِ عِنْدكُمْ أَيّهَا النَّاس الَّذِي يَعْدِل بِهِ كُفَّاركُمْ مَنْ سِوَاهُ , هُوَ اللَّه الَّذِي هُوَ فِي السَّمَوَات وَفِي الْأَرْض , { يَعْلَم سِرّكُمْ وَجَهْركُمْ } فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , يَقُول : فَرَبّكُمْ الَّذِي يَسْتَحِقّ عَلَيْكُمْ الْحَمْد وَيَجِب عَلَيْكُمْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ , هُوَ هَذَا الَّذِي صِفَته , لَا مَنْ لَا يَقْدِر لَكُمْ عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع وَلَا يَعْمَل شَيْئًا وَلَا يَدْفَع عَنْ نَفْسه سُوءًا أُرِيد بِهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَيَعْلَم مَا تَكْسِبُونَ } يَقُول : وَيَعْلَم مَا تَعْمَلُونَ وَتَجْرَحُونَ , فَيُحْصِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهِ عِنْد مَعَادكُمْ إِلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وهو الله في السماوات وفي الأرض} يقال : ما عامل الإعراب في الظرف من { في السماوات وفى الأرض} ؟ ففيه أجوبة : أحدها : أي وهو الله المعظم أو المعبود في السماوات وفي الأرض؛ كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حكمه ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض؛ كما تقول : هو في حاجات الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى : وهو الله في السماوات وهو الله في الأرض. وقيل : المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء؛ قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه وقال محمد بن جرير : وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض فيعلم مقدم في الوجهين والأول أسلم وأبعد من الإشكال وقيل غير هذا والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة. { ويعلم ما تكسبون} أي من خير وشر والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب. قوله تعالى { وما تأتيهم من آية} أي علامة كانشقاق القمر ونحوها. و { من} لاستغراق الجنس؛ تقول : ما في الدار من أحد. { من آيات ربهم} { من} الثانية للتبعيض. و { معرضين} خبر { كانوا} والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شيء عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به. قوله تعالى { فقد كذبوا} يعني مشركي مكة. { بالحق} يعني القرآن، وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فسوف يأتيهم} أي يحل بهم العقاب؛ وأراد بالأنباء وهي الأخبار العذاب؛ كقولك اصبر وسوف يأتيك الخبر أي العذاب؛ والمراد ما نالهم يوم بدر ونحوه. وقيل : يوم القيامة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 1 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والله هو علم على واجب الوجود، وهو الاسم الذي اختاره الله لنفسه شاملاً لكل صفات الكمال، والصفات الأخرى نحن نسميها الأسماء الحسنى: مثل القادر، والسميع، والبصير، والحي، والقيوم، والقهار، كلها صفات صارت أسماء لأنها مطلقة بالنسبة لله. وهذه الصفات حين تنصرف على إطلاقها فهي الله، ومن الجائز أن تضاف في نسبتها الحادثة إلى غير الله. أما اسم " الله " فلا يطلق إلا على الحق سبحانه وتعالى.

ويتحدى الله الكافرين به أن يسمي أحدهم أي شيء غيره بـ " الله ".
{  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }
[مريم: 65].

وسمع الكافرون ذلك ولم يجرؤ أحدهم أن يسمي أي شيء باسم " الله ". وهو لون من التحدي باقٍ إلى قيام الساعة ولا يجرؤ أحد أن يقول عكسه أو أن يقبله فيسمي شيئاً أو كائناً غير الله بـ " الله ".

ولا نعرف شيئاً وجد بذاته أزلا وقبل أن يوجد الكون إلا الله، أما أتفه الأشياء في حياتنا والتي نعتبرها من غير الأساسيات فهي لا توجد بذاته بل لا بد من صانع لها. فكوب الماء مثلاً لا يؤدي ضرورة قصوى في الحياة؛ لأن الإنسان يستطيع أن يشرب الماء بكفه أو بفمه مباشرة، هذا الكوب احتاج من الإنسان إلى علم وإمكانات وقدرة وحكمة. وجاء العلم للإنسان بما وهبه الله للإنسان من قدرة بحث عن المادة التي في الكون، فنظر الإنسان إلى الرمل واكتشف وسيلة لصهر الرمال، واكتشف وسيلة لتنقية الزجاج بمواد كيماوية، واكتشف أسلوباً آلياً لإنتاج هذه الأكواب.

لقد أخذت رحلة صناعة الكوب من الإنسان رحلات علمية وصناعة كبيرة، وهو غير ضروري كضرورة قصوى في الحياة، إنما هو من الترف، فما بالنا بالضروريات من شمس، وقمر وهواء وماء؟ هذه الأشياء - إذن - لا بد لها من صانع وإذا كان صانع أتفه شيء في حياة الإنسانية يذهب إلى إدارة لتسجيل اختراعه؛ ليستفيد منها، فما بالنا بالذي صنع كل شيء، ولم يصنعها ليستفيد منها ولكن ليستفيد خلقه منها.

إن البشرية تعرف من صنع المصباح وتاريخه، وأين ولد، وأين عاش، وأين تعلم. فما بالنا بالذي صنع الشمس والنجوم والأرض والإنسان؟ ورحمنا الحق فدل على نفسه وأخبرنا أنه سبحانه الذي خلق. ولم يأت أحد ليعارضه سبحانه ويدعي صناعة الكون، وما دام لا يوجد شيء له أثر إلا بمؤثر، فلا بد لنا أن نعرف أنه سبحانه ما دام قد قال: إنه هو الذي خلق وأبدع ولم تنشأ معارضة له فإن قوله هو الصدق. وإن كان هناك صانع للكون ولم يعلم أن الله قد أخبرنا أنه سبحانه الذي خلق الكون فذلك الصانع النائم التائه عما صنع لا يصلح أن يكون إلهاً.وإن كان قد علم أن الله أخبرنا أنه سبحانه خلق لنا الكون ولم يجرؤ هذا الصانع على أن يبلغنا بالحقيقة فهذا - الصانع المدعي - ليس له حق في الألوهية.

أما الحق سبحانه، فقد أعلمنا وعلمنا بالدليل القطعي أنه الذي خلق الكون، وما دام الأمر كذلك فيجب أن نستمع له، والترجمة العملية لسماع الحق هي عبادته وطاعته فيما أمر وفيما نهى، بل إن عالم الملكوت الذي لا ترونه يعبده سبحانه. وكل شيء في الوجود مؤتمر بأمره ويسبح بحمده.
{  تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }
[الإسراء: 44].

وتدل السمٰوات السبع والأرض وكل من فيهن من مخلوقات على دقة الصنعة وعلى ملكية الله لها وتنزهه سبحانه وتقدسه بأنه لا شريك له، وكل شيء له وسيلة للتسبيح والتنزيه، ولكنا لا نرى ذلك ولا نفهمه ولا نفقهه. ويبلغنا الحق هنا أنه المعبود الموجود في كل الوجود. { وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } وما دام معبوداً فينبغي أن يكون مطاعاً في الأوامر والنواهي. ولكن بعضنا يطيع، وبعضنا يعصي. ولذلك رتب الحق على الطاعة جزاء؛: إما نعيماً وإما عقاباً. وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك الشيء، وإياك أن تخلط بين إدراك الوجود، والوجود، فالذي لا تدرك وجوده إياك أن تقول إنه غير موجود.

ومثال ذلك ما نراه على مر تاريخ البشرية. لقد ترك الخالق في الوجود أسراراً يستنبطونها فتبرز لهم بالمنافع وكانت قبل أن يعرفها البشر ويقفوا عليها تؤدي مهمتها في الوجود، ومثال ذلك الجاذبية الأرضية؛ لقد كانت موجودة قبل اكتشاف الإنسان لها وتؤدي عملها قبل أن يعرفها الإنسان، وجاء ذكرها في القرآن بشكل لا يثير بلبلة ساعة نزل القرآن:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }
[فاطر: 41].

أوجد الحق قوانين الجاذبية لتمارس السمٰوات والأرض أعمالها ويحفظهما بقدرته من الزوال، وجعل من الجاذبية نظاماً بديعاً يحفظ الكون من الاختلال. إذن فالجاذبية كانت موجودة، ولم يعرفها الإنسان إلا مؤخراً، وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين وجود الشيء وبين إدراك الشيء.

فإذا قيل لك: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } [الأنعام: 103].

فأنت أيها المؤمن تصدق ذلك؛ فذات الحق لا تبصرها العيون وهو يعلم كل ما هو خفي عنك ولا تدركه عيونك. وفي الكون أشياء قد لا ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وعملت في خدمتك، وبعد أن أدركتها ظلت تعمل في خدمتك، فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل: ما دام هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود.وعلى سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء، ولا الجاذبية، ولا قمة أسرار الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة، وتنفعل بها كل جوارحك، وإن خرجت الروح صرت جثة هامدة، إن أحداً لا يعرف مكان الروح ولا يدركها، ولا سمعها أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها. إن الروح موجودة في ذاتك ولا تدركها، هأنتذا - إذن - لا تستطيع أن تدرك مخلوقاً لله فكيف تدرك خالقك وهو الله؟ إنك لو أدركته لما صار إلهاً؛ لأنك إن أدركت شيئاً فقد قدرت عليه جوارحك، ويصير مقدوراً عليه لعينك أو ليدك، والقادر المطلق لا ينقلب مقدوراً أبداً، ومن عظمته أنه لا يُدرك.

مثال آخر: الرؤيا التي تراها وتتحرك فيها. هل الرؤيا موجودة في جسمك؟ أو ماذا؟ والحِلْم وهو الصبر على غيرك لأن تتحمله وتعطف عليه وتضحك له، هذا الحلم يجعلك تنفعل، فهل تدرك أنت هذا الحلم؟ أنه معنى من بعض المعاني في نفسك التي تحرك جوارحك ولا تدركها، مثله مثل الشجاعة التي تصول بها وتجول ولا تراها محيزة، ولا تعرف شكلها أو لونها أو طعمها، فالأعلى الذي يدير هذا الكون غير مدرَك بالأبصار. والذي يُتعب الناس أنهم يحاولون الجمع بين الإدراك والوجود، ولذلك نقول: ابحث أيها الإنسان في كونك ولسوف تجد فارقاً بين الإدراك والوجود.

ونعلم أن اسم الله نفسه وهو لفظ ننطقه لنفهم ونستدل به على أنه الخالق الأعلى وهو متحدًى به. وأنت أيها الإنسان قد اخترعت - على سبيل المثال - التليفزيون وكان من قبل أن يوجد معدوماً لا اسم له، وصار له اسم منذ أن أوجده الإنسان، صالحاً لمهمة معينة، أما اسم الله فهو موجود وقديم من قبلك وأخبرك به الرسل، وهو سبحانه وتعالى له اسم في كل لغة من اللغات، ووجود هذا الاسم في كل اللغات بنطق مختلف هو دليل على أسبقية وجود الذات وهو الله. وبعد ذلك جاء الكفر، وعرفنا أن الكفر كان محاولة لستر الوجود الأول، وبذلك دلت كلمة الكفر على الإيمان. والذي يرهق الإنسان هو محاولته لحصر الموجود الأعلى في شكل طبقاً لإمكانات وحدود البشر. ولا أحد يستطيع أن يحصر وجوده سبحانه في شكل معين؛ لأن من عظمته أننا لا نقدر على تصوره، والإيمان به سبحانه يدل عليه وهو يقول عن نفسه ما شاء. وأحب أن تحفظوا هذا المثل وتضربوه لصغاركم:

لنفترض أن إنساناً يجلس مع أسرته في حجرة، ثم طُرق الباب، وكل من يجلس في الحجرة يتيقن أن طارقاً بالباب ولا يختلف أحد منهم في هذه المسألة. فيقول أحد الأبناء: " الطارق محمد " ويقول الثاني: " إنه محمود " ويقول الثالث: " لا، إنه إبراهيم " فتقول الزوجة: " إن الطارق امرأة " ، لكن أحد الأبناء يقول: " لا، إنه رجل " فيقول الأب: " لعله شرطي جاء يسألني عن أمر " ترد الزوجة: " توقع خيراً، إنك تصنع كل خير ولا بد أن يأتي لك كل طارق بخير ".هنا اختلفت الأسرة لا في تعقل الطارق، ولكن في تصور الطارق، يقول الأب: " بدلا من الحيرة لنسألة من أنت؟ " ، فيجيب الطارق: " أنا فلان ".

وهكذا الكون، طرأ الإنسان عليه وتساءل من الذي خلقه. ذلك أن الإنسان جاءته الغفلة بعد أن عرف آدم ربه وبعد أن أشهد الحق ذرية آدم أنه ربهم. ثم أرسل الحق الرسل ليبلغوا الخلق منهجه واسمه وصفاته. وأراد سبحانه بذلك ألا يرهق خلقه، وأبلغ الناس من خلال الرسل أنه الخالق الأكرم.

وآفة الفلاسفة أنهم لم يكتفوا بتعقل الإله، بل أرادوا أن يتصوروه، وهذا أمر غير ممكن. لذلك نقول: علينا أن نستمع إلى الحق يقول ما شاء عن نفسه ولا داعي للخلاف. وسبحانه وتعالى يقول: { وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } وإياك أيها المسلم أن تفهم أن السماء والأرض هنا ظرفية، لأن الظرفية وعاء وحيز، وإذا كنت لم تعلم مكان روحك في جسدك، فكيف تعلم مكان الله؟ لقد قصد الله بذلك القول أنه معبود في السموات ومعبود في الأرض.

ولنلحظ أن بعض آيات القرآن توقف الذهن عندها كي تظل الأذهان دائماً مشغولة بكلمات الله، ولو جاء القرآن بكلمات يسهل على الفهم العادي إدراك معانيها لما تجددت معاني الكتاب العظيم في كل زمان، وكأن الحق قد قصد ذلك حتى يثبت الناس في كل العصور من إيمانهم. وها هم أولاء بعض من الذين يحاولون الخوض في القرآن تساءلوا عن معنى قوله الحق:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ }
[الزخرف: 84].

تساءلوا عن معنى التكرار أنه إله في السموات وإله في الأرض. وظن بعض السطحيين أنه قصد القول بأن هناك إلهاً في السمٰوات وإلهاً آخر في الأرض، ولم يفطنوا إلى أن المعنى المقصود هو: إنه إله يعبد في السماء ويعبد في الأرض، وهو صاحب الحكمة المطلقة في كل أفعاله وهو المحيط بكل كونه. وأن الحق إنما يريد بهذا القول أن يشغل الأذهان به.

ونقول أيضاً لهولاء الذين لم يفهموا المعنى: هناك قاعدة في اللغة تحدد النكرة وتحدد المعرفة؛ فعندما نقول: " جاءني الرجل " فهذا الرجل يكون معروفاً للقائل والسامع. ولكن عندما نقول: " جاءني رجل " فهذا غير معروف للسامع وقد يكون معروفاً للقائل. وإذا قلنا: " جاءني رجل وأكرمت رجلاً " فمعنى ذلك أن القائل يتحدث عن رجلين؛ أحدهما جاء، والآخر كان موضع التكريم. أما إن قال القائل: " جاءني رجل فأكرمت الرجل " فالحديث هنا عن رجل واحد.إذن فالنكرة إن أعيدت نكرة تكون مختلفة، والنكرة إن أعيدت معرفة تكون هي بعينها. وعندما قال الحق سبحانه:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ }
[الزخرف: 84].

تصور البعض أن " إله " نكرة، عندما أعيدت صارت غيرها، ولو كان الأمر كذلك لفسدت الدنيا. ولكن القاعدة الغالبة من العلماء عرفوا روح النص. وقال أهل العلم بالتوحيد: لا بد لنا أن نلتفت إلى أنه سبحانه قال: { وَهُوَ ٱلَّذِي } ، وكلمة " الذي " اسم موصول واحد يدلنا على أن الحق صلته بالسماء وبالأرض واحدة، ولهذا نقول لمن وقفوا عند هذه الآية: لا تبحثوا عن النكرة المكررة بمعزل عن الاسم الموصول، لأن الاسم الموصول معرفة.

{ وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } إنه إله واحد يعلم السر والجهر، ويترتب على هذا أساس الثواب والعقاب. فلا تظن أيها الإنسان أنك تفلت من حساب ربك، وإن كان سبحانه يعلم السر فمن باب أولى أن يعلم الجهر. ولو قال إنه يعلم السر فقط لظن بعض الناس أنه سبحانه لا يعلم إلا المستور لكونه - سبحانه - غيبا، ونقول: لا. هو - جل شأنه - وإن كان غيبا إلا أنه يعلم الغيب ويعلم المشهد، أو أنه - سبحانه - لم ينتظر علمه إلى أن يبرز الشيء جهرا بل هو بكمال علمه وطلاقة إحاطته يعلمه من أول ما كان سراً ويعلمه ويحيط به بعد أن برز وظهر ووجد وكأنه - سبحانه - يؤرخ للعلم في ذات الإنسان الواحد { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ }.

وهو سبحانه يعلمنا انه لا يقف عند السر فقط:
{  وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى }
[طه: 7].

إنه - سبحانه وتعالى - يعلم السر من قبل أن يكون سراً. وكل أمر قبل أن يصبح جهراً يكون سراً، وقبل أن يكون سراً هو أخفى من السر. ويذيل الحق تلك الآية بقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } والكسب إنما ينشأ من عملية تجارة في رأس مال ما والزائد عليه يكون هو الكسب، وقد يكون الكسب خيراً أو شراً، فالذي يكسب شراً هو الذي يأخذ فوق ما أحل الله له.

والكسب كذلك يكون خيراً، فإن قدّم الإنسان حسنة يكسب عشر حسنات. والمتكلم هو الله الذي له الحمد لأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور. ولكن الكافرين يترصدون لكلمة التوحيد، ويأتيهم الخبر بأن الحق خلقنا من طين، ويعلم السر وما هو أخفى من السر، ويعلم ما نكسب من خير أو شر، ولا يؤثر ذلك كله في المنصرفين عن دعوة الحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يميلهم ويعطفهم إلى الصراط المستقيم؛ لذلك يقول سبحانه: { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ... }


www.alro7.net