سورة
اية:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} الآية. [3].
نزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد العصر في حجة الوَدَاع، سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم [واقف] بعرفات على ناقته العَضْبَاء.
أخبرنا عبد الرحمن بن حَمْدَان العَدْل، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القَطِيعي قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جعفر بن عَوْن، قال: أخبرني أبو عُمَيْس عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شِهاب قال:
جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال: فأي آية هي؟ قال: { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عشية يوم عرفة، في يوم جمعة. رواه البخاري عن الحسن بن صباح، ورواه مسلم عن عَبْد بن حُمَيْد؛ كلاهما عن جَعْفَر بن عَوْن.
أخبرنا الحاكم أبو عبد الرحمن الشَّاذِيَاخِي، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن مُصْعَب، قال: حدَّثنا يحيى بن حَكِيم، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبَة، قال: حدَّثنا حمَّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، قال:
قرأ ابن عباس هذه الآية ومعه يهودي: { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً} فقال اليهودي: لو نزلت هذه [الآية] علينا في يوم لاتخذناه عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحدٍ: يوم جمعة وافَقَ ذلك يوم عرفة.

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} قال بعدها: { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث. قال ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول اللّه قد حرم اللّه الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم، وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق. وقوله تعالى: { وما علمتم من الجوارح مكلبين} أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم اللّه عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي: الكلاب والفهود والصقور وأشباهها ، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، ممن قال ذلك ابن عباس في قوله: { وما علمتم من الجوارح مكلبين} ، وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهد والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسن أنه قال: البازي والصقر من الجوارح، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: { وما علمتم من الجوارح مكلبين} ، ثم قال: أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه. قلت: والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: (ما أمسك عليك فكل)، وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح: من الجرح وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا أي كسبهم خيرا، ويقولون. فلان لا جارح له أي لا كاسب له؛ وقال اللّه تعالى: { ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله : { يسألونك ماذا أحل لهم قال أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل) وقوله تعالى: { مكلبين} يحتمل أن يكون حالا من الضمير في { علمتم} فيكون حالا من الفاعل، ويحتمل أين يكون حالا من المفعول وهو { الجوارح} أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره أنه لا يحل له كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: { تعلمونهن مما علمكم الله} وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا اشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} فمتى كان الجارح معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر 0اسم اللّه عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع. وقد وردت السنّة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم اللّه، فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك) قلت: وإن قتلن؟ قال: (وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) قلت: قلت له: فإني ارمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: (إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله)، وفي لفظ لهما (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته)، وفي رواية لهما: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه)، فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ولم يستفصلوا، كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يحرم مطلقا. وقوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه} أي عند إرساله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي ابن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك)، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضاً: (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال. كما قال السدي وغيره. وقال ابن عباس في قوله: { واذكروا اسم الله عليه} يقول: إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإن نسيت فلا حرج، وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علَّم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وفي صحيح الباخاري عن عائشة أنهم قالوا: يا رسول اللّه إن قوماً يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم اللّه عليها أم لا؟ فقال: (سموا الله أنتم وكلوا) حديث آخر : وقال الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول اللّه كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أما أنه لو كان ذكر السم اللّه لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوله فليقل باسم اللّه أوله وآخره) حديث آخر : قال الإمام أحمد عن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللّه، فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاماً فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم اللّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما)، يعني الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي. حديث آخر : روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم اللّه عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) لفظ أبي داود حديث آخر : قال الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل وما نشبع، قال: (فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)، ورواه أبو داود وابن ماجه.

تفسير الجلالين

{ حرِّمت عليكم الميتة } أي أكلها { والدم } أي المسفوح كما في الأنعام { ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } بأن ذُبح على اسم غيره { والمنخنقة } الميتة خنقا { والموقوذة } المقتولة ضربا { والمتردية } الساقطة من علو إلى أسفل فماتت { والنطيحة } المقتولة بنطح أخرى لها { وما أكل السبع } منه { إلا ما ذكيتم } أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه { وما ذُبح على } اسم { النصب } جمع نصاب وهي الأصنام { وأن تستقسموا } تطلبوا القسم والحكم { بالأزلام } جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح _بكسر القاف_ صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا { ذلكم فسق } خروج عن الطاعة . ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته { فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملتُ لكم دينكم } أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام { وأتممت عليكم نعمتي } بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين { ورضيت } أي اخترت { لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة } مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله { غير متجانف } مائل { لإثم } معصية { فإن الله غفور } له ما أكل { رحيم } به في إباحته له بخلاف المائل لإثم أي المتلبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَيْتَة , وَالْمَيْتَة : كُلّ مَا لَهُ نَفْس سَائِلَة مِنْ دَوَابّ الْبَرّ وَطَيْره , مِمَّا أَبَاحَ اللَّه أَكْلهَا , وَأَهْلِيهَا وَوَحْشِيّهَا , فَارَقَتْهَا رُوحهَا بِغَيْرِ تَذْكِيَة . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : الْمَيْتَة : هُوَ كُلّ مَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاة مِنْ دَوَابّ الْبَرّ وَطَيْره بِغَيْرِ تَذْكِيَة مِمَّا أَحَلَّ اللَّه أَكْله . وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّة الْمُوجِبَة صِحَّة الْقَوْل بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِي كِتَابنَا : كِتَاب " لَطِيف الْقَوْل فِي الْأَحْكَام " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَيْتَة , وَالْمَيْتَة : كُلّ مَا لَهُ نَفْس سَائِلَة مِنْ دَوَابّ الْبَرّ وَطَيْره , مِمَّا أَبَاحَ اللَّه أَكْلهَا , وَأَهْلِيهَا وَوَحْشِيّهَا , فَارَقَتْهَا رُوحهَا بِغَيْرِ تَذْكِيَة . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : الْمَيْتَة : هُوَ كُلّ مَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاة مِنْ دَوَابّ الْبَرّ وَطَيْره بِغَيْرِ تَذْكِيَة مِمَّا أَحَلَّ اللَّه أَكْله . وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّة الْمُوجِبَة صِحَّة الْقَوْل بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِي كِتَابنَا : كِتَاب " لَطِيف الْقَوْل فِي الْأَحْكَام " .' وَأَمَّا الدَّم : فَإِنَّهُ الدَّم الْمَسْفُوح دُون مَا كَانَ مِنْهُ غَيْر مَسْفُوح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنْزِير } فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْم كَالْكَبِدِ وَالطِّحَال , وَمَا كَانَ فِي اللَّحْم غَيْر مُنْسَفِح , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر حَرَام , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى ذَلِكَ .وَأَمَّا الدَّم : فَإِنَّهُ الدَّم الْمَسْفُوح دُون مَا كَانَ مِنْهُ غَيْر مَسْفُوح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنْزِير } فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْم كَالْكَبِدِ وَالطِّحَال , وَمَا كَانَ فِي اللَّحْم غَيْر مُنْسَفِح , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر حَرَام , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيع عَلَى ذَلِكَ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَحْم الْخِنْزِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ لَحْم الْخِنْزِير , أَهْلِيّه وَبَرِّيّه . فَالْمَيْتَة وَالدَّم مَخْرَجهمَا فِي الظَّاهِر مَخْرَج عُمُوم , وَالْمُرَاد مِنْهُمَا الْخُصُوص وَأَمَّا لَحْم الْخِنْزِير , فَإِنَّ ظَاهِره كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنه كَظَاهِرِهِ , حَرَام جَمِيعه لَمْ يُخَصَّص مِنْهُ شَيْء .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَحْم الْخِنْزِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ لَحْم الْخِنْزِير , أَهْلِيّه وَبَرِّيّه . فَالْمَيْتَة وَالدَّم مَخْرَجهمَا فِي الظَّاهِر مَخْرَج عُمُوم , وَالْمُرَاد مِنْهُمَا الْخُصُوص وَأَمَّا لَحْم الْخِنْزِير , فَإِنَّ ظَاهِره كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنه كَظَاهِرِهِ , حَرَام جَمِيعه لَمْ يُخَصَّص مِنْهُ شَيْء .' وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه . وَأَصْله مِنْ اِسْتِهْلَال الصَّبِيّ وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِين يَسْقُط مِنْ بَطْن أُمّه , وَمِنْهُ إِهْلَال الْمُحْرِم بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى بِهِ , وَمِنْهُ قَوْل اِبْن أَحْمَر : يُهِلّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُهِلّ الرَّاكِب الْمُعْتَمِر وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَلِلْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْنَا إِعَادَته .وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه . وَأَصْله مِنْ اِسْتِهْلَال الصَّبِيّ وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِين يَسْقُط مِنْ بَطْن أُمّه , وَمِنْهُ إِهْلَال الْمُحْرِم بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى بِهِ , وَمِنْهُ قَوْل اِبْن أَحْمَر : يُهِلّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُهِلّ الرَّاكِب الْمُعْتَمِر وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَلِلْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْنَا إِعَادَته .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُنْخَنِقَة } اِخْتَلَفَتْ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَة الِانْخِنَاق الَّذِي عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ { وَالْمُنْخَنِقَة } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 8648 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمُنْخَنِقَة } قَالَ : الَّتِي تُدْخِل رَأْسهَا بَيْن شُعْبَتَيْنِ مِنْ شَجَرَة , فَتَخْتَنِق فَتَمُوت . 8649 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي الْمُنْخَنِقَة , قَالَ : الَّتِي تَخْتَنِق فَتَمُوت . 8650 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة } الَّتِي تَمُوت فِي خِنَاقهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الَّتِي تُوثَق فَيَقْتُلُهَا بِالْخِنَاقِ وَثَاقُهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8651 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة } قَالَ : الشَّاة تُوثَق , فَيَقْتُلُهَا خِنَاقُهَا , فَهِيَ حَرَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْبَهِيمَة مِنْ النَّعَم , كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَخْنُقُونَهَا حَتَّى تَمُوت , فَحَرَّمَ اللَّه أَكْلهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8652 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمُنْخَنِقَة } الَّتِي تُخْنَق فَتَمُوت . 8653 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُنْخَنِقَة } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَخْنُقُونَ الشَّاة , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : هِيَ الَّتِي تَخْتَنِق , إِمَّا فِي وَثَاقهَا , وَإِمَّا بِإِدْخَالِ رَأْسهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا تَقْدِر عَلَى التَّخَلُّص مِنْهُ فَتَخْتَنِق حَتَّى تَمُوت . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ الْمُنْخَنِقَة : هِيَ الْمَوْصُوفَة بِالِانْخِنَاقِ دُون خَنْق غَيْرهَا لَهَا , وَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ أَنَّهَا مَفْعُول بِهَا لِقِيلَ : وَالْمَخْنُوقَة , حَتَّى يَكُون مَعْنَى الْكَلَام مَا قَالُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُنْخَنِقَة } اِخْتَلَفَتْ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَة الِانْخِنَاق الَّذِي عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ { وَالْمُنْخَنِقَة } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 8648 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمُنْخَنِقَة } قَالَ : الَّتِي تُدْخِل رَأْسهَا بَيْن شُعْبَتَيْنِ مِنْ شَجَرَة , فَتَخْتَنِق فَتَمُوت . 8649 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي الْمُنْخَنِقَة , قَالَ : الَّتِي تَخْتَنِق فَتَمُوت . 8650 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة } الَّتِي تَمُوت فِي خِنَاقهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الَّتِي تُوثَق فَيَقْتُلُهَا بِالْخِنَاقِ وَثَاقُهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8651 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة } قَالَ : الشَّاة تُوثَق , فَيَقْتُلُهَا خِنَاقُهَا , فَهِيَ حَرَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ الْبَهِيمَة مِنْ النَّعَم , كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَخْنُقُونَهَا حَتَّى تَمُوت , فَحَرَّمَ اللَّه أَكْلهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8652 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمُنْخَنِقَة } الَّتِي تُخْنَق فَتَمُوت . 8653 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُنْخَنِقَة } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَخْنُقُونَ الشَّاة , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : هِيَ الَّتِي تَخْتَنِق , إِمَّا فِي وَثَاقهَا , وَإِمَّا بِإِدْخَالِ رَأْسهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا تَقْدِر عَلَى التَّخَلُّص مِنْهُ فَتَخْتَنِق حَتَّى تَمُوت . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ الْمُنْخَنِقَة : هِيَ الْمَوْصُوفَة بِالِانْخِنَاقِ دُون خَنْق غَيْرهَا لَهَا , وَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ أَنَّهَا مَفْعُول بِهَا لِقِيلَ : وَالْمَخْنُوقَة , حَتَّى يَكُون مَعْنَى الْكَلَام مَا قَالُوا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمَوْقُوذَة } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ { وَالْمَوْقُوذَة } وَالْمَيْتَة وَقِيذًا , يُقَال مِنْهُ : وَقَذَهُ يَقِذهُ وَقْذًا : إِذَا ضَرَبَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاك , وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : شَغَّارَة تَقِذُ الْفَصِيل بِرِجْلِهَا فَطَّارَة لِقَوَادِم الْأَبْكَار وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8654 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : الْمَوْقُوذَة الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبِ حَتَّى يَقِذهَا فَتَمُوت . 8655 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمَوْقُوذَة } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : كَانُوا يَضْرِبُونَهَا حَتَّى يَقِذُوهَا , ثُمَّ يَأْكُلُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } الَّتِي تُوقَذ فَتَمُوت . 8656 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : { الْمَوْقُوذَة } الَّتِي تُضْرَب حَتَّى تَمُوت . 8657 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : هِيَ الَّتِي تُضْرَب فَتَمُوت . 8658 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } كَانَتْ الشَّاة أَوْ غَيْرهَا مِنْ الْأَنْعَام تُضْرَب بِالْخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُقْبَة بْن عَلْقَمَة , ثني إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة , قَالَ : ثني نُعَيْم بْن سَلَامَة , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الصُّنَابِحِيّ , قَالَ : لَيْسَتْ الْمَوْقُوذَة إِلَّا فِي مَالِك , وَلَيْسَ فِي الصَّيْد وَقِيذ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمَوْقُوذَة } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ { وَالْمَوْقُوذَة } وَالْمَيْتَة وَقِيذًا , يُقَال مِنْهُ : وَقَذَهُ يَقِذهُ وَقْذًا : إِذَا ضَرَبَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاك , وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق : شَغَّارَة تَقِذُ الْفَصِيل بِرِجْلِهَا فَطَّارَة لِقَوَادِم الْأَبْكَار وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8654 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : الْمَوْقُوذَة الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبِ حَتَّى يَقِذهَا فَتَمُوت . 8655 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمَوْقُوذَة } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : كَانُوا يَضْرِبُونَهَا حَتَّى يَقِذُوهَا , ثُمَّ يَأْكُلُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } الَّتِي تُوقَذ فَتَمُوت . 8656 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : { الْمَوْقُوذَة } الَّتِي تُضْرَب حَتَّى تَمُوت . 8657 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمَوْقُوذَة } قَالَ : هِيَ الَّتِي تُضْرَب فَتَمُوت . 8658 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمَوْقُوذَة } كَانَتْ الشَّاة أَوْ غَيْرهَا مِنْ الْأَنْعَام تُضْرَب بِالْخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُقْبَة بْن عَلْقَمَة , ثني إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة , قَالَ : ثني نُعَيْم بْن سَلَامَة , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الصُّنَابِحِيّ , قَالَ : لَيْسَتْ الْمَوْقُوذَة إِلَّا فِي مَالِك , وَلَيْسَ فِي الصَّيْد وَقِيذ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُتَرَدِّيَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة تَرَدِّيًا مِنْ جَبَل , أَوْ فِي بِئْر , أَوْ غَيْر ذَلِكَ . وَتَرَدِّيهَا : رَمْيهَا بِنَفْسِهَا مِنْ مَكَان عَالٍ مُشْرِف إِلَى سُفْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8659 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ الْجَبَل . 8660 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُتَرَدِّيَة } كَانَتْ تَتَرَدَّى فِي الْبِئْر فَتَمُوت فَيَأْكُلُونَهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَرَدَّتْ فِي الْبِئْر . 8661 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : هِيَ الَّتِي تَرَدَّى مِنْ الْجَبَل أَوْ فِي الْبِئْر , فَتَمُوت . 8662 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْمُتَرَدِّيَة } الَّتِي تَرَدَّى مِنْ الْجَبَل فَتَمُوت . 8663 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَخِرّ فِي رَكِيّ أَوْ مِنْ رَأْس جَبَل فَتَمُوت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُتَرَدِّيَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة تَرَدِّيًا مِنْ جَبَل , أَوْ فِي بِئْر , أَوْ غَيْر ذَلِكَ . وَتَرَدِّيهَا : رَمْيهَا بِنَفْسِهَا مِنْ مَكَان عَالٍ مُشْرِف إِلَى سُفْله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8659 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ الْجَبَل . 8660 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُتَرَدِّيَة } كَانَتْ تَتَرَدَّى فِي الْبِئْر فَتَمُوت فَيَأْكُلُونَهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَرَدَّتْ فِي الْبِئْر . 8661 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : هِيَ الَّتِي تَرَدَّى مِنْ الْجَبَل أَوْ فِي الْبِئْر , فَتَمُوت . 8662 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْمُتَرَدِّيَة } الَّتِي تَرَدَّى مِنْ الْجَبَل فَتَمُوت . 8663 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالْمُتَرَدِّيَة } قَالَ : الَّتِي تَخِرّ فِي رَكِيّ أَوْ مِنْ رَأْس جَبَل فَتَمُوت . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّطِيحَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ { النَّطِيحَة } الشَّاة الَّتِي تَنْطَحهَا أُخْرَى فَتَمُوت مِنْ النِّطَاح بِغَيْرِ تَذْكِيَة , فَحَرَّمَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَمْ يُدْرِكُوا ذَكَاته قَبْل مَوْته . وَأَصْل النَّطِيحَة : الْمَنْطُوحَة , صُرِفَتْ مِنْ مَفْعُولَة إِلَى فَعِيلَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ أُثْبِتَتْ الْهَاء هَاء التَّأْنِيث فِيهَا , وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تُثْبِت الْهَاء فِي نَظَائِرهَا إِذَا صَرَفُوهَا صَرْف النَّطِيحَة مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , إِنَّمَا تَقُول : لِحْيَة دَهِين , وَعَيْن كَحِيل , وَكَفّ خَضِيب , وَلَا يَقُولُونَ كَفّ خَضِيبَة وَلَا عَيْن كَحِيلَة ؟ قِيلَ : قَدْ اِخْتَلَفَتْ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُثْبِتَتْ فِيهَا الْهَاء , أَعْنِي فِي النَّطِيحَة ; لِأَنَّهَا جُعِلَتْ كَالِاسْمِ مِثْل الطَّوِيلَة وَالطَّرِيقَة فَكَأَنَّ قَائِل هَذَا الْقَوْل وَجَّهَ النَّطِيحَة إِلَى مَعْنَى النَّاطِحَة . فَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى مَذْهَبه : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة نِطَاحًا , كَأَنَّهُ عَنَى : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ النَّاطِحَة الَّتِي تَمُوت مِنْ نِطَاحهَا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : إِنَّمَا تَحْذِف الْعَرَب الْهَاء مِنْ الْفَعِيلَة الْمَصْرُوفَة عَنْ الْمَفْعُول إِذَا جَعَلَتْهَا صِفَة لِاسْمٍ , قَدْ تَقَدَّمَهَا , فَتَقُول : رَأَيْنَا كَفًّا خَضِيبًا وَعَيْنًا كَحِيلًا . فَأَمَّا إِذَا حَذَفْت الْكَفّ وَالْعَيْن وَالِاسْم الَّذِي يَكُون فَعِيل نَعْتًا لَهَا وَاجْتَزَءُوا بِفَعِيلٍ مِنْهَا , أَثْبَتُوا فِيهِ هَاء التَّأْنِيث , لِيُعْلَم بِثُبُوتِهَا فِيهِ أَنَّهَا صِفَة لِلْمُؤَنَّثِ دُون الْمُذَكَّر , فَتَقُول : رَأَيْنَا كَحِيلَة وَخَضِيبَة وَأَكِيلَة السَّبْع , قَالُوا : وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ الْهَاء فِي النَّطِيحَة ; لِأَنَّهَا صِفَة الْمُؤَنَّث , وَلَوْ أُسْقِطَتْ مِنْهَا لَمْ يَدْرِ أَهِيَ صِفَة مُؤَنَّث أَوْ مُذَكَّر . وَهَذَا الْقَوْل هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الشَّائِع مِنْ أَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل , بِأَنَّ مَعْنَى النَّطِيحَة : الْمَنْطُوحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8664 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ أَبِي عَبَّاس , قَوْله : { وَالنَّطِيحَة } قَالَ : الشَّاة تَنْطَح الشَّاة . 8665 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ قَيْس , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي مَيْسَرَة , قَالَ : كَانَ يَقْرَأ : " وَالْمَنْطُوحَة " . 8666 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالنَّطِيحَة } الشَّاتَانِ تَنْتَطِحَانِ فَتَمُوتَانِ . 8667 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالنَّطِيحَة } هِيَ الَّتِي تَنْطَحهَا الْغَنَم وَالْبَقَر فَتَمُوت . يَقُول : هَذَا حَرَام ; لِأَنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا يَأْكُلُونَهُ . 8668 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالنَّطِيحَة } كَانَ الْكَبْشَانِ يَنْتَطِحَانِ , فَيَمُوت أَحَدهمَا , فَيَأْكُلُونَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالنَّطِيحَة } الْكَبْشَانِ يَنْتَطِحَانِ فَيَقْتُل أَحَدهمَا الْآخَر , فَيَأْكُلُونَهُ . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالنَّطِيحَة } قَالَ : الشَّاة تَنْطَح الشَّاة فَتَمُوت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّطِيحَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ { النَّطِيحَة } الشَّاة الَّتِي تَنْطَحهَا أُخْرَى فَتَمُوت مِنْ النِّطَاح بِغَيْرِ تَذْكِيَة , فَحَرَّمَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَمْ يُدْرِكُوا ذَكَاته قَبْل مَوْته . وَأَصْل النَّطِيحَة : الْمَنْطُوحَة , صُرِفَتْ مِنْ مَفْعُولَة إِلَى فَعِيلَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ أُثْبِتَتْ الْهَاء هَاء التَّأْنِيث فِيهَا , وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تُثْبِت الْهَاء فِي نَظَائِرهَا إِذَا صَرَفُوهَا صَرْف النَّطِيحَة مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , إِنَّمَا تَقُول : لِحْيَة دَهِين , وَعَيْن كَحِيل , وَكَفّ خَضِيب , وَلَا يَقُولُونَ كَفّ خَضِيبَة وَلَا عَيْن كَحِيلَة ؟ قِيلَ : قَدْ اِخْتَلَفَتْ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُثْبِتَتْ فِيهَا الْهَاء , أَعْنِي فِي النَّطِيحَة ; لِأَنَّهَا جُعِلَتْ كَالِاسْمِ مِثْل الطَّوِيلَة وَالطَّرِيقَة فَكَأَنَّ قَائِل هَذَا الْقَوْل وَجَّهَ النَّطِيحَة إِلَى مَعْنَى النَّاطِحَة . فَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى مَذْهَبه : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة نِطَاحًا , كَأَنَّهُ عَنَى : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ النَّاطِحَة الَّتِي تَمُوت مِنْ نِطَاحهَا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : إِنَّمَا تَحْذِف الْعَرَب الْهَاء مِنْ الْفَعِيلَة الْمَصْرُوفَة عَنْ الْمَفْعُول إِذَا جَعَلَتْهَا صِفَة لِاسْمٍ , قَدْ تَقَدَّمَهَا , فَتَقُول : رَأَيْنَا كَفًّا خَضِيبًا وَعَيْنًا كَحِيلًا . فَأَمَّا إِذَا حَذَفْت الْكَفّ وَالْعَيْن وَالِاسْم الَّذِي يَكُون فَعِيل نَعْتًا لَهَا وَاجْتَزَءُوا بِفَعِيلٍ مِنْهَا , أَثْبَتُوا فِيهِ هَاء التَّأْنِيث , لِيُعْلَم بِثُبُوتِهَا فِيهِ أَنَّهَا صِفَة لِلْمُؤَنَّثِ دُون الْمُذَكَّر , فَتَقُول : رَأَيْنَا كَحِيلَة وَخَضِيبَة وَأَكِيلَة السَّبْع , قَالُوا : وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ الْهَاء فِي النَّطِيحَة ; لِأَنَّهَا صِفَة الْمُؤَنَّث , وَلَوْ أُسْقِطَتْ مِنْهَا لَمْ يَدْرِ أَهِيَ صِفَة مُؤَنَّث أَوْ مُذَكَّر . وَهَذَا الْقَوْل هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الشَّائِع مِنْ أَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل , بِأَنَّ مَعْنَى النَّطِيحَة : الْمَنْطُوحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8664 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ أَبِي عَبَّاس , قَوْله : { وَالنَّطِيحَة } قَالَ : الشَّاة تَنْطَح الشَّاة . 8665 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ قَيْس , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي مَيْسَرَة , قَالَ : كَانَ يَقْرَأ : " وَالْمَنْطُوحَة " . 8666 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالنَّطِيحَة } الشَّاتَانِ تَنْتَطِحَانِ فَتَمُوتَانِ . 8667 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالنَّطِيحَة } هِيَ الَّتِي تَنْطَحهَا الْغَنَم وَالْبَقَر فَتَمُوت . يَقُول : هَذَا حَرَام ; لِأَنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا يَأْكُلُونَهُ . 8668 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالنَّطِيحَة } كَانَ الْكَبْشَانِ يَنْتَطِحَانِ , فَيَمُوت أَحَدهمَا , فَيَأْكُلُونَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالنَّطِيحَة } الْكَبْشَانِ يَنْتَطِحَانِ فَيَقْتُل أَحَدهمَا الْآخَر , فَيَأْكُلُونَهُ . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَالنَّطِيحَة } قَالَ : الشَّاة تَنْطَح الشَّاة فَتَمُوت . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا أَكَلَ السَّبُع غَيْر الْمُعَلَّم مِنْ الصَّوَائِد . وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8669 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَقُول : مَا أَخَذَ السَّبُع . 8670 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَقُول : مَا أَخَذَ السَّبُع . 8671 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا قَتَلَ السَّبُع شَيْئًا مِنْ هَذَا أَوْ أَكَلَ مِنْهُ , أَكَلُوا مَا بَقِيَ . 8672 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ قَيْس , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الرَّبِيع , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ : " وَأَكِيل السَّبُع " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا أَكَلَ السَّبُع غَيْر الْمُعَلَّم مِنْ الصَّوَائِد . وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8669 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَقُول : مَا أَخَذَ السَّبُع . 8670 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } يَقُول : مَا أَخَذَ السَّبُع . 8671 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا قَتَلَ السَّبُع شَيْئًا مِنْ هَذَا أَوْ أَكَلَ مِنْهُ , أَكَلُوا مَا بَقِيَ . 8672 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ قَيْس , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الرَّبِيع , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ : " وَأَكِيل السَّبُع " . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } إِلَّا مَا طَهَّرْتُمُوهُ بِالذَّبْحِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه طَهُورًا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا اِسْتَثْنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْتَثْنَى مِنْ جَمِيع مَا سَمَّى اللَّه تَحْرِيمه , مِنْ قَوْله { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَقُول : مَا أَدْرَكْت ذَكَاته مِنْ هَذَا كُلّه , يَتَحَرَّك لَهُ ذَنَب أَوْ تَطْرِف لَهُ عَيْن , فَاذْبَحْ وَاذْكُرْ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَال . 8674 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } قَالَ الْحَسَن : أَيّ هَذَا أَدْرَكْت ذَكَاته فَذَكِّهِ وَكُلْ . فَقُلْت : يَا أَبَا سَعِيد كَيْفَ أَعْرِف ؟ قَالَ : إِذَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا . 8675 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } قَالَ : فَكُلّ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا مَا خَلَا لَحْم الْخِنْزِير إِذَا أَدْرَكْت مِنْهُ عَيْنًا تَطْرِف أَوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّك أَوْ قَائِمَة تَرْكُض , فَذَكَّيْته , فَقَدْ أَحَلَّ اللَّه لَك ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } مِنْ هَذَا كُلّه , فَإِذَا وَجَدَتْهَا تَطْرِف عَيْنهَا , أَوْ تُحَرِّك أُذُنهَا مِنْ هَذَا كُلّه , فَهِيَ لَك حَلَال . 8676 - حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني هُشَيْم وَعَبَّاد , قَالَا : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ الْحَارِث , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : إِذَا أَدْرَكْت ذَكَاة الْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَهِيَ تُحَرِّك يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا . 8677 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : إِذَا أَكَلَ السَّبُع مِنْ الصَّيْد أَوْ الْوَقِيذَة , أَوْ النَّطِيحَة أَوْ الْمُتَرَدِّيَة فَأَدْرَكْت ذَكَاته , فَكُلْ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن سَلَّام التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : إِذَا رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ حَرَّكَتْ ذَنَبهَا , فَقَدْ أَجْزَأَ . 8678 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : إِذَا ذُبِحَتْ فَمَصَعَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ تَحَرَّكَتْ فَقَدْ حَلَّتْ لَك . أَوْ قَالَ : فَحَسْبه . 8679 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا كَانَتْ الْمَوْقُوذَة تَطْرِف بِبَصَرِهَا , أَوْ تَرْكُض بِرِجْلِهَا , أَوْ تَمْصَع بِذَنَبِهَا , فَاذْبَحْ وَكُلْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ قَتَادَة , بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر , يَقُول : إِذَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا , أَوْ مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا , أَوْ تَحَرَّكَتْ , فَقَدْ حَلَّتْ لَك . 8680 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْكُلُونَ هَذَا , فَحَرَّمَ اللَّه فِي الْإِسْلَام إِلَّا مَا ذُكِّيَ مِنْهُ , فَمَا أُدْرِكَ فَتَحَرَّكَ مِنْهُ رِجْل أَوْ ذَنَب أَوْ طَرَف فَذُكِّيَ , فَهُوَ حَلَال . 8681 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير } وَقَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة } الْآيَة , { وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } هَذَا كُلّه مُحَرَّم , إِلَّا مَا ذُكِّيَ مِنْ هَذَا . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ : حُرِّمَتْ الْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة إِنْ مَاتَتْ مِنْ التَّرَدِّي وَالْوَقْذ وَالنَّطْح وَفَرْس السَّبُع , إِلَّا أَنْ تُدْرِكُوا ذَكَاتهَا , فَتُدْرِكُوهَا قَبْل مَوْتهَا , فَتَكُون حِينَئِذٍ حَلَالًا أَكْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ التَّحْرِيم , وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَات الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } لِأَنَّ الْمَيْتَة لَا ذَكَاة لَهَا وَلَا لِلْخِنْزِيرِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم , وَسَائِر مَا سَمَّيْنَا مَعَ ذَلِكَ , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لَكُمْ بِالتَّذْكِيَةِ , فَإِنَّهُ لَكُمْ حَلَال . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8682 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ مَالِك : وَسُئِلَ عَنْ الشَّاة الَّتِي يَخْرِق جَوْفهَا السَّبُع حَتَّى تَخْرُج أَمْعَاؤُهَا , فَقَالَ مَالِك : لَا أَرَى أَنْ تُذَكَّى وَلَا يُؤْكَل أَيّ شَيْء يُذَكَّى مِنْهَا . 8683 - حَدَّثَنِي يُونُس , عَنْ أَشْهَب , قَالَ : سُئِلَ مَالِك , عَنْ السَّبُع يَعْدُو عَلَى الْكَبْش , فَيَدُقّ ظَهْره , أَتَرَى أَنْ يُذَكَّى قَبْل أَنْ يَمُوت فَيُؤْكَل ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ بَلَغَ السَّحْر , فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَل , وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَصَابَ أَطْرَافه , فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . قِيلَ لَهُ : وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْره ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبنِي أَنْ يُؤْكَل , هَذَا لَا يَعِيش مِنْهُ . قِيلَ لَهُ : فَالذِّئْب يَعْدُو عَلَى الشَّاة فَيَشُقّ بَطْنهَا وَلَا يَشُقّ الْأَمْعَاء ؟ قَالَ : إِذَا شَقَّ بَطْنهَا فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَل . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَجِب أَنْ يَكُون قَوْله : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا , فَيَكُون تَأْوِيل الْآيَة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم , وَسَائِر مَا ذَكَرْنَا , وَلَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ الْحَيَوَانَات الَّتِي أَحْلَلْتهَا لَكُمْ بِالتَّذْكِيَةِ حَلَال . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ أَنَّ قَوْله : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع } لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مُسْتَحِقّ الصِّفَة الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْل حَال مَوْته , فَيُقَال : لِمَا قَرَّبَ الْمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ فَسَمَّوْهُ لَهُمْ : هُوَ { مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } بِمَعْنَى : سُمِّيَ قُرْبَانًا لِغَيْرِ اللَّه . وَكَذَلِكَ الْمُنْخَنِقَة : إِذَا اِنْخَنَقَتْ , وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَهِيَ مُنْخَنِقَة , وَكَذَلِكَ سَائِر مَا حَرَّمَهُ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بَعْد قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ فَإِنَّهُ يُوصَف بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْل مَوْته , فَحَرَّمَهُ اللَّه عَلَى عِبَاده إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ الْمُحَلِّلَة دُون الْمَوْت بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ بِهِ مَوْصُوفًا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ , وَالْمُنْخَنِقَة , وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَ " مَا " إِذْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيله فِي مَوْضِع نَصْب بِالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلهَا , وَقَدْ يَجُوز فِيهِ الرَّفْع . وَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَكُلّ مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاته مِنْ طَائِر أَوْ بَهِيمَة قَبْل خُرُوج نَفْسه وَمُفَارَقَة رُوحه جَسَده , فَحَلَال أَكْله إِذَا كَانَ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لِعِبَادِهِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ عِنْدك , فَمَا وَجْه تَكْرِيره مَا كَرَّرَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة } وَسَائِر مَا عَدَّدَ تَحْرِيمه فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَدْ اِفْتَتَحَ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } ؟ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } شَامِل كُلّ مَيْتَة كَانَ مَوْته حَتْف أَنْفه , مِنْ عِلَّة بِهِ مِنْ غَيْر جِنَايَة أَحَد عَلَيْهِ , أَوْ كَانَ مَوْته مِنْ ضَرْب ضَارِب إِيَّاهُ , أَوْ اِنْخِنَاق مِنْهُ أَوْ اِنْتِطَاح أَوْ فَرْس سَبُع ؟ وَهَلَّا كَانَ قَوْله إِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِالتَّحْرِيمِ فِي كُلّ ذَلِكَ الْمَيْتَة بِالِانْخِنَاقِ وَالنِّطَاح وَالْوَقْذ وَأَكْل السَّبُع أَوْ غَيْر ذَلِكَ , دُون أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ تَحْرِيمه إِذَا تَرَدَّى أَوْ اِنْخَنَقَ , أَوْ فَرَسَهُ السَّبُع , فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يُعْلَم أَنَّهُ لَا يَعِيش مِمَّا أَصَابَهُ مِنْهُ إِلَّا بِالْيَسِيرِ مِنْ الْحَيَاة ; { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } مُغْنِيًا مِنْ تَكْرِير مَا كَرَّرَ بِقَوْلِهِ ; { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة } وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ وَتَعْدَاده مَا عَدَّدَ ؟ قِيلَ : وَجْه تَكْرَاره ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْرِيم ذَلِكَ إِذَا مَاتَ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْصُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَة لَا يُعِدُّونَ الْمَيْتَة مِنْ الْحَيَوَان , إِلَّا مَا مَاتَ مِنْ عِلَّة عَارِضَة بِهِ , غَيْر الِانْخِنَاق وَالتَّرَدِّي وَالِانْتِطَاح , وَفَرْس السَّبُع , فَأَعْلَمَهُمْ اللَّه أَنَّ حُكْم ذَلِكَ حُكْم مَا مَاتَ مِنْ الْعِلَل الْعَارِضَة , وَأَنَّ الْعِلَّة الْمُوجِبَة تَحْرِيم الْمَيْتَة لَيْسَتْ مَوْتهَا مِنْ عِلَّة مَرَض أَوْ أَذًى كَانَ بِهَا قَبْل هَلَاكهَا , وَلَكِنَّ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ يَذْبَحهَا مِنْ أَجْل ذَبِيحَته بِالْمَعْنَى الَّذِي أَحَلَّهَا بِهِ . كَاَلَّذِي : 8684 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَقُول : هَذَا حَرَام ; لِأَنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَلَا يَعُدُّونَهُ مَيِّتًا , إِنَّمَا يَعُدُّونَ الْمَيْت الَّذِي يَمُوت مِنْ الْوَجَع , فَحَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , إِلَّا مَا ذَكَرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَأَدْرَكُوا ذَكَاته وَفِيهِ الرُّوح . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } إِلَّا مَا طَهَّرْتُمُوهُ بِالذَّبْحِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه طَهُورًا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا اِسْتَثْنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْتَثْنَى مِنْ جَمِيع مَا سَمَّى اللَّه تَحْرِيمه , مِنْ قَوْله { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8673 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَقُول : مَا أَدْرَكْت ذَكَاته مِنْ هَذَا كُلّه , يَتَحَرَّك لَهُ ذَنَب أَوْ تَطْرِف لَهُ عَيْن , فَاذْبَحْ وَاذْكُرْ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَال . 8674 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } قَالَ الْحَسَن : أَيّ هَذَا أَدْرَكْت ذَكَاته فَذَكِّهِ وَكُلْ . فَقُلْت : يَا أَبَا سَعِيد كَيْفَ أَعْرِف ؟ قَالَ : إِذَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا . 8675 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } قَالَ : فَكُلّ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَاهُنَا مَا خَلَا لَحْم الْخِنْزِير إِذَا أَدْرَكْت مِنْهُ عَيْنًا تَطْرِف أَوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّك أَوْ قَائِمَة تَرْكُض , فَذَكَّيْته , فَقَدْ أَحَلَّ اللَّه لَك ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } مِنْ هَذَا كُلّه , فَإِذَا وَجَدَتْهَا تَطْرِف عَيْنهَا , أَوْ تُحَرِّك أُذُنهَا مِنْ هَذَا كُلّه , فَهِيَ لَك حَلَال . 8676 - حَدَّثَنَا حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني هُشَيْم وَعَبَّاد , قَالَا : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ الْحَارِث , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : إِذَا أَدْرَكْت ذَكَاة الْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَهِيَ تُحَرِّك يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا . 8677 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : إِذَا أَكَلَ السَّبُع مِنْ الصَّيْد أَوْ الْوَقِيذَة , أَوْ النَّطِيحَة أَوْ الْمُتَرَدِّيَة فَأَدْرَكْت ذَكَاته , فَكُلْ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن سَلَّام التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : إِذَا رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ حَرَّكَتْ ذَنَبهَا , فَقَدْ أَجْزَأَ . 8678 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : إِذَا ذُبِحَتْ فَمَصَعَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ تَحَرَّكَتْ فَقَدْ حَلَّتْ لَك . أَوْ قَالَ : فَحَسْبه . 8679 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا كَانَتْ الْمَوْقُوذَة تَطْرِف بِبَصَرِهَا , أَوْ تَرْكُض بِرِجْلِهَا , أَوْ تَمْصَع بِذَنَبِهَا , فَاذْبَحْ وَكُلْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ قَتَادَة , بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر , يَقُول : إِذَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا , أَوْ مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا , أَوْ تَحَرَّكَتْ , فَقَدْ حَلَّتْ لَك . 8680 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْكُلُونَ هَذَا , فَحَرَّمَ اللَّه فِي الْإِسْلَام إِلَّا مَا ذُكِّيَ مِنْهُ , فَمَا أُدْرِكَ فَتَحَرَّكَ مِنْهُ رِجْل أَوْ ذَنَب أَوْ طَرَف فَذُكِّيَ , فَهُوَ حَلَال . 8681 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير } وَقَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة } الْآيَة , { وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } هَذَا كُلّه مُحَرَّم , إِلَّا مَا ذُكِّيَ مِنْ هَذَا . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ : حُرِّمَتْ الْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة إِنْ مَاتَتْ مِنْ التَّرَدِّي وَالْوَقْذ وَالنَّطْح وَفَرْس السَّبُع , إِلَّا أَنْ تُدْرِكُوا ذَكَاتهَا , فَتُدْرِكُوهَا قَبْل مَوْتهَا , فَتَكُون حِينَئِذٍ حَلَالًا أَكْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ التَّحْرِيم , وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَات الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } لِأَنَّ الْمَيْتَة لَا ذَكَاة لَهَا وَلَا لِلْخِنْزِيرِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم , وَسَائِر مَا سَمَّيْنَا مَعَ ذَلِكَ , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لَكُمْ بِالتَّذْكِيَةِ , فَإِنَّهُ لَكُمْ حَلَال . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8682 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ مَالِك : وَسُئِلَ عَنْ الشَّاة الَّتِي يَخْرِق جَوْفهَا السَّبُع حَتَّى تَخْرُج أَمْعَاؤُهَا , فَقَالَ مَالِك : لَا أَرَى أَنْ تُذَكَّى وَلَا يُؤْكَل أَيّ شَيْء يُذَكَّى مِنْهَا . 8683 - حَدَّثَنِي يُونُس , عَنْ أَشْهَب , قَالَ : سُئِلَ مَالِك , عَنْ السَّبُع يَعْدُو عَلَى الْكَبْش , فَيَدُقّ ظَهْره , أَتَرَى أَنْ يُذَكَّى قَبْل أَنْ يَمُوت فَيُؤْكَل ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ بَلَغَ السَّحْر , فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَل , وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَصَابَ أَطْرَافه , فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . قِيلَ لَهُ : وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْره ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبنِي أَنْ يُؤْكَل , هَذَا لَا يَعِيش مِنْهُ . قِيلَ لَهُ : فَالذِّئْب يَعْدُو عَلَى الشَّاة فَيَشُقّ بَطْنهَا وَلَا يَشُقّ الْأَمْعَاء ؟ قَالَ : إِذَا شَقَّ بَطْنهَا فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَل . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَجِب أَنْ يَكُون قَوْله : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا , فَيَكُون تَأْوِيل الْآيَة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم , وَسَائِر مَا ذَكَرْنَا , وَلَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ الْحَيَوَانَات الَّتِي أَحْلَلْتهَا لَكُمْ بِالتَّذْكِيَةِ حَلَال . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ أَنَّ قَوْله : { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع } لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مُسْتَحِقّ الصِّفَة الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْل حَال مَوْته , فَيُقَال : لِمَا قَرَّبَ الْمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ فَسَمَّوْهُ لَهُمْ : هُوَ { مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } بِمَعْنَى : سُمِّيَ قُرْبَانًا لِغَيْرِ اللَّه . وَكَذَلِكَ الْمُنْخَنِقَة : إِذَا اِنْخَنَقَتْ , وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَهِيَ مُنْخَنِقَة , وَكَذَلِكَ سَائِر مَا حَرَّمَهُ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بَعْد قَوْله : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ } إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ فَإِنَّهُ يُوصَف بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْل مَوْته , فَحَرَّمَهُ اللَّه عَلَى عِبَاده إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ الْمُحَلِّلَة دُون الْمَوْت بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ بِهِ مَوْصُوفًا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ , وَالْمُنْخَنِقَة , وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَ " مَا " إِذْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيله فِي مَوْضِع نَصْب بِالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلهَا , وَقَدْ يَجُوز فِيهِ الرَّفْع . وَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَكُلّ مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاته مِنْ طَائِر أَوْ بَهِيمَة قَبْل خُرُوج نَفْسه وَمُفَارَقَة رُوحه جَسَده , فَحَلَال أَكْله إِذَا كَانَ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لِعِبَادِهِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ عِنْدك , فَمَا وَجْه تَكْرِيره مَا كَرَّرَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة } وَسَائِر مَا عَدَّدَ تَحْرِيمه فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَدْ اِفْتَتَحَ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } ؟ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } شَامِل كُلّ مَيْتَة كَانَ مَوْته حَتْف أَنْفه , مِنْ عِلَّة بِهِ مِنْ غَيْر جِنَايَة أَحَد عَلَيْهِ , أَوْ كَانَ مَوْته مِنْ ضَرْب ضَارِب إِيَّاهُ , أَوْ اِنْخِنَاق مِنْهُ أَوْ اِنْتِطَاح أَوْ فَرْس سَبُع ؟ وَهَلَّا كَانَ قَوْله إِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِالتَّحْرِيمِ فِي كُلّ ذَلِكَ الْمَيْتَة بِالِانْخِنَاقِ وَالنِّطَاح وَالْوَقْذ وَأَكْل السَّبُع أَوْ غَيْر ذَلِكَ , دُون أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ تَحْرِيمه إِذَا تَرَدَّى أَوْ اِنْخَنَقَ , أَوْ فَرَسَهُ السَّبُع , فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يُعْلَم أَنَّهُ لَا يَعِيش مِمَّا أَصَابَهُ مِنْهُ إِلَّا بِالْيَسِيرِ مِنْ الْحَيَاة ; { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } مُغْنِيًا مِنْ تَكْرِير مَا كَرَّرَ بِقَوْلِهِ ; { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَة } وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ وَتَعْدَاده مَا عَدَّدَ ؟ قِيلَ : وَجْه تَكْرَاره ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْرِيم ذَلِكَ إِذَا مَاتَ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْصُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَة لَا يُعِدُّونَ الْمَيْتَة مِنْ الْحَيَوَان , إِلَّا مَا مَاتَ مِنْ عِلَّة عَارِضَة بِهِ , غَيْر الِانْخِنَاق وَالتَّرَدِّي وَالِانْتِطَاح , وَفَرْس السَّبُع , فَأَعْلَمَهُمْ اللَّه أَنَّ حُكْم ذَلِكَ حُكْم مَا مَاتَ مِنْ الْعِلَل الْعَارِضَة , وَأَنَّ الْعِلَّة الْمُوجِبَة تَحْرِيم الْمَيْتَة لَيْسَتْ مَوْتهَا مِنْ عِلَّة مَرَض أَوْ أَذًى كَانَ بِهَا قَبْل هَلَاكهَا , وَلَكِنَّ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ يَذْبَحهَا مِنْ أَجْل ذَبِيحَته بِالْمَعْنَى الَّذِي أَحَلَّهَا بِهِ . كَاَلَّذِي : 8684 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } يَقُول : هَذَا حَرَام ; لِأَنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا يَأْكُلُونَهُ وَلَا يَعُدُّونَهُ مَيِّتًا , إِنَّمَا يَعُدُّونَ الْمَيْت الَّذِي يَمُوت مِنْ الْوَجَع , فَحَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , إِلَّا مَا ذَكَرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَأَدْرَكُوا ذَكَاته وَفِيهِ الرُّوح . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا الَّذِي ذُبِحَ عَلَى النُّصُب . فَ " مَا " فِي قَوْله { وَمَا ذُبِحَ } رُفِعَ عَطْفًا عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } وَالنُّصُب : الْأَوْثَان مِنْ الْحِجَارَة جَمَاعَة أَنْصَاب كَانَتْ تُجْمَع فِي الْمَوْضِع مِنْ الْأَرْض , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُقَرِّبُونَ لَهَا , وَلَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ . وَكَانَ اِبْن جُرَيْج يَقُول فِي صِفَته مَا : 8685 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم : قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : النُّصُب : لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ , الصَّنَم يُصَوَّر وَيُنْقَش , وَهَذِهِ حِجَارَة تُنْصَب ثَلَثمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَجَرًا , مِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ثَلَثمِائَةٍ مِنْهَا لِخُزَاعَة . فَكَانُوا إِذَا ذَبَحُوا , نَضَحُوا الدَّم عَلَى مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت , وَشَرَّحُوا اللَّحْم وَجَعَلُوهُ عَلَى الْحِجَارَة , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُول اللَّه , كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُعَظِّمُونَ الْبَيْت بِالدَّمِ , فَنَحْنُ أَحَقّ أَنْ نُعَظِّمهُ ! فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْرَه ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } وَمِمَّا يُحَقِّق قَوْل اِبْن جُرَيْج فِي أَنَّ الْأَنْصَاب غَيْر الْأَصْنَام مَا : 8686 - حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : حِجَارَة كَانَ يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { النُّصُب } قَالَ : حِجَارَة حَوْل الْكَعْبَة , يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة , وَيُبَدِّلُونَهَا إِنْ شَاءُوا بِحِجَارَةٍ أَعْجَب إِلَيْهِمْ مِنْهَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8687 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَالنُّصُب : حِجَارَة كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْبُدُونَهَا , وَيَذْبَحُونَ لَهَا , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } يَعْنِي : أَنْصَاب الْجَاهِلِيَّة . 8688 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَالنُّصُب : أَنْصَاب كَانُوا يَذْبَحُونَ وَيُهِلُّونَ عَلَيْهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : كَانَ حَوْل الْكَعْبَة حِجَارَة كَانَ يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَيُبَدِّلُونَهَا إِذَا شَاءُوا بِحَجَرٍ هُوَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْهَا . 8689 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول : الْأَنْصَاب حِجَارَة كَانُوا يُهِلُّونَ لَهَا , وَيَذْبَحُونَ عَلَيْهَا . 8690 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب , وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ , وَهُوَ وَاحِد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا الَّذِي ذُبِحَ عَلَى النُّصُب . فَ " مَا " فِي قَوْله { وَمَا ذُبِحَ } رُفِعَ عَطْفًا عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أَكَلَ السَّبُع } وَالنُّصُب : الْأَوْثَان مِنْ الْحِجَارَة جَمَاعَة أَنْصَاب كَانَتْ تُجْمَع فِي الْمَوْضِع مِنْ الْأَرْض , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُقَرِّبُونَ لَهَا , وَلَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ . وَكَانَ اِبْن جُرَيْج يَقُول فِي صِفَته مَا : 8685 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم : قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : النُّصُب : لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ , الصَّنَم يُصَوَّر وَيُنْقَش , وَهَذِهِ حِجَارَة تُنْصَب ثَلَثمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَجَرًا , مِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ثَلَثمِائَةٍ مِنْهَا لِخُزَاعَة . فَكَانُوا إِذَا ذَبَحُوا , نَضَحُوا الدَّم عَلَى مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت , وَشَرَّحُوا اللَّحْم وَجَعَلُوهُ عَلَى الْحِجَارَة , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُول اللَّه , كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُعَظِّمُونَ الْبَيْت بِالدَّمِ , فَنَحْنُ أَحَقّ أَنْ نُعَظِّمهُ ! فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْرَه ذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } وَمِمَّا يُحَقِّق قَوْل اِبْن جُرَيْج فِي أَنَّ الْأَنْصَاب غَيْر الْأَصْنَام مَا : 8686 - حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : حِجَارَة كَانَ يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { النُّصُب } قَالَ : حِجَارَة حَوْل الْكَعْبَة , يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة , وَيُبَدِّلُونَهَا إِنْ شَاءُوا بِحِجَارَةٍ أَعْجَب إِلَيْهِمْ مِنْهَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8687 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَالنُّصُب : حِجَارَة كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْبُدُونَهَا , وَيَذْبَحُونَ لَهَا , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } يَعْنِي : أَنْصَاب الْجَاهِلِيَّة . 8688 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } وَالنُّصُب : أَنْصَاب كَانُوا يَذْبَحُونَ وَيُهِلُّونَ عَلَيْهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : كَانَ حَوْل الْكَعْبَة حِجَارَة كَانَ يَذْبَح عَلَيْهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَيُبَدِّلُونَهَا إِذَا شَاءُوا بِحَجَرٍ هُوَ أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْهَا . 8689 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول : الْأَنْصَاب حِجَارَة كَانُوا يُهِلُّونَ لَهَا , وَيَذْبَحُونَ عَلَيْهَا . 8690 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب } قَالَ : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب , وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ , وَهُوَ وَاحِد . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } وَأَنْ تَطْلُبُوا عِلْم مَا قُسِمَ لَكُمْ أَوْ لَمْ يُقْسَم , بِالْأَزْلَامِ . وَهُوَ اِسْتَفْعَلْت مِنْ الْقَسْم : قَسْم الرِّزْق وَالْحَاجَات . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ , أَجَالَ الْقِدَاح , وَهِيَ الْأَزْلَام , وَكَانَتْ قِدَاحًا مَكْتُوبًا عَلَى بَعْضهَا : نَهَانِي رَبِّي , وَعَلَى بَعْضهَا : أَمَرَنِي رَبِّي , فَإِنْ خَرَجَ الْقِدْح الَّذِي هُوَ مَكْتُوب عَلَيْهِ : أَمَرَنِي رَبِّي , مَضَى لِمَا أَرَادَ مِنْ سَفَر أَوْ غَزْو أَوْ تَزْوِيج وَغَيْر ذَلِكَ ; وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ مَكْتُوب : نَهَانِي رَبِّي , كَفَّ عَنْ الْمُضِيّ لِذَلِكَ وَأَمْسَكَ فَقِيلَ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } لِأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ كَانُوا كَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ أَزْلَامهمْ أَنْ يَقْسِمْنَ لَهُمْ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر مُفْتَخِرًا بِتَرْكِ الِاسْتِقْسَام بِهَا : وَلَمْ أَقْسِم فَتَرْبُثنِي الْقُسُومُ وَأَمَّا الْأَزْلَام , فَإِنَّ وَاحِدهَا زَلَم , وَيُقَال زُلَم , وَهِيَ الْقِدَاح الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8691 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : الْقِدَاح , كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا فِي سَفَر , جَعَلُوا قِدَاحًا لِلْجُلُوسِ وَالْخُرُوج , فَإِنْ وَقَعَ الْخُرُوج خَرَجُوا , وَإِنْ وَقَعَ الْجُلُوس جَلَسُوا . 8692 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : حَصًى بِيض كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَالَ لَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع : هُوَ الشِّطْرَنْج . 8693 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْن رَاشِد الْبَزَّار , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا أَوْ سَفَرًا , يَعْمِدُونَ إِلَى قِدَاح ثَلَاثَة عَلَى وَاحِد مِنْهَا مَكْتُوب : أُؤْمُرْنِي , وَعَلَى الْآخَر : اِنْهَنِي , وَيَتْرُكُونَ الْآخَر مُحَلَّلًا بَيْنهمَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء . ثُمَّ يُجِيلُونَهَا , فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ " أُؤْمُرْنِي " , مَضَوْا لِأَمْرِهِمْ , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ " اِنْهَنِي " كَفُّوا , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء أَعَادُوهَا . 8694 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } حِجَارَة0 كَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَيْهَا يُسَمُّونَهَا الْقِدَاح . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8695 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم . عَنْ زُهَيْر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كِعَاب فَارِس الَّتِي يَقْمُرونَ بِهَا , وَسِهَام الْعَرَب . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا زُهَيْر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : سِهَام الْعَرَب وَكِعَاب فَارِس وَالرُّوم كَانُوا يَتَقَامَرُونَ بِهَا . 8696 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج مُسَافِرًا , كَتَبَ فِي قِدَاح : هَذَا يَأْمُرنِي بِالْمُكْثِ , وَهَذَا يَأْمُرنِي بِالْخُرُوجِ , وَجَعَلَ مَعَهَا مَنِيحًا , شَيْء لَمْ يَكْتُب فِيهِ شَيْئًا , ثُمَّ اِسْتَقْسَمَ بِهَا حِين يُرِيد أَنْ يَخْرُج , فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُر بِالْمُكْثِ مَكَثَ , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُر بِالْخُرُوجِ خَرَجَ , وَإِنْ خَرَجَ الْآخَر أَجَالَهَا ثَانِيَة حَتَّى يَخْرُج أَحَد الْقِدْحَيْنِ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَرَادَ أَحَدهمْ خُرُوجًا , أَخَذَ قِدْحًا فَقَالَ : هَذَا يَأْمُر بِالْخُرُوجِ , فَإِنْ خَرَجَ فَهُوَ مُصِيب فِي سَفَره خَيْرًا ; وَيَأْخُذ قِدْحًا آخَر فَيَقُول : هَذَا يَأْمُر بِالْمُكُوثِ , فَلَيْسَ يُصِيب فِي سَفَره خَيْرًا ; وَالْمَنِيح بَيْنهمَا . فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَقَدَّمَ فِيهِ . 8697 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُور . 8698 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْأَزْلَام قِدَاح لَهُمْ كَانَ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأُمُور كَتَبَ فِي تِلْكَ الْقِدَاح مَا أَرَادَ , فَيَضْرِب بِهَا , فَأَيّ قِدْح خَرَجَ وَإِنْ كَانَ أَبْغَض تِلْكَ , اِرْتَكَبَهُ وَعَمِلَ بِهِ . 8699 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : الْأَزْلَام : قِدَاح كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة عِنْد الْكَهَنَة , فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يُسَافِر أَوْ يَتَزَوَّج أَوْ يُحْدِث أَمْرًا , أَتَى الْكَاهِن , فَأَعْطَاهُ شَيْئًا , فَضَرَبَ لَهُ بِهَا , فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْء يُعْجِبهُ أَمْرهُ فَفَعَلَ , وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْء يَكْرَههُ نَهَاهُ فَانْتَهَى , كَمَا ضَرَبَ عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى زَمْزَم وَعَلَى عَبْد اللَّه وَالْإِبِل . 8700 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَضْرِبُونَ بِالْقِدَاحِ فِي الظَّعْن وَالْإِقَامَة أَوْ الشَّيْء يُرِيدُونَهُ , فَيَخْرُج سَهْم الظَّعْن فَيَظْعَنُونَ , وَالْإِقَامَة فَيُقِيمُونَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْأَزْلَام مَا : 8701 - حَدَّثَنِي بِهِ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : كَانَتْ هُبَل أَعْظَم أَصْنَام قُرَيْش بِمَكَّة , وَكَانَتْ عَلَى بِئْر فِي جَوْف الْكَعْبَة , وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْر هِيَ الَّتِي يُجْمَع فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ , وَكَانَتْ عِنْد هُبَل سَبْعَة أَقْدَاح , كُلّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَاب : قِدْح فِيهِ " الْعَقْل " إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْعَقْل مَنْ يَحْمِلهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَة فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْل فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْله وَقِدْح فِيهِ : " نَعَمْ " لِلْأَمْرِ إِذَا أَرَادُوا يَضْرِب بِهِ , فَإِنْ خَرَجَ قِدْح " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ ; وَقِدْح فِيهِ لَا , فَإِذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاح , فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْح لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْر . وَقِدْح فِيهِ : " مِنْكُمْ " . وَقِدْح فِيهِ : " مُلْصَق " . وَقِدْح فِيهِ : " مِنْ غَيْركُمْ " . وَقِدْح فِيهِ : الْمِيَاه , إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْح , فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ . وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَجْتَبُوا غُلَامًا , أَوْ أَنْ يَنْكِحُوا مَنْكَحًا , أَوْ أَنْ يَدْفِنُوا مَيِّتًا , وَيَشُكُّوا فِي نَسَب وَاحِد مِنْهُمْ , ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبَل , وَبِمِائَةِ دِرْهَم وَبِجَزُورٍ , فَأَعْطَوْهَا صَاحِب الْقِدَاح الَّذِي يَضْرِبهَا , ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبهمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ , ثُمَّ قَالُوا : يَا إِلَهنَا , هَذَا فُلَان اِبْن فُلَان , قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا , فَأَخْرِجْ الْحَقّ فِيهِ ! ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاح : اِضْرِبْ , فَيَضْرِب , فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ " مِنْكُمْ " كَانَ وَسِيطًا , وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ : " مِنْ غَيْركُمْ " , كَانَ حَلِيفًا , وَإِنْ خَرَجَ : " مُلْصَق " , كَانَ عَلَى مَنْزِلَته مِنْهُمْ , لَا نَسَب لَهُ وَلَا حِلْف ; وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْء سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ ; وَإِنْ خَرَجَ : " لَا " , أَخَّرُوهُ عَامهمْ ذَلِكَ , حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مَرَّة أُخْرَى يَنْتَهُونَ فِي أُمُورهمْ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاح . 8702 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } يَعْنِي : الْقِدْح , كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُور . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } وَأَنْ تَطْلُبُوا عِلْم مَا قُسِمَ لَكُمْ أَوْ لَمْ يُقْسَم , بِالْأَزْلَامِ . وَهُوَ اِسْتَفْعَلْت مِنْ الْقَسْم : قَسْم الرِّزْق وَالْحَاجَات . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ , أَجَالَ الْقِدَاح , وَهِيَ الْأَزْلَام , وَكَانَتْ قِدَاحًا مَكْتُوبًا عَلَى بَعْضهَا : نَهَانِي رَبِّي , وَعَلَى بَعْضهَا : أَمَرَنِي رَبِّي , فَإِنْ خَرَجَ الْقِدْح الَّذِي هُوَ مَكْتُوب عَلَيْهِ : أَمَرَنِي رَبِّي , مَضَى لِمَا أَرَادَ مِنْ سَفَر أَوْ غَزْو أَوْ تَزْوِيج وَغَيْر ذَلِكَ ; وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ مَكْتُوب : نَهَانِي رَبِّي , كَفَّ عَنْ الْمُضِيّ لِذَلِكَ وَأَمْسَكَ فَقِيلَ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } لِأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ كَانُوا كَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ أَزْلَامهمْ أَنْ يَقْسِمْنَ لَهُمْ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر مُفْتَخِرًا بِتَرْكِ الِاسْتِقْسَام بِهَا : وَلَمْ أَقْسِم فَتَرْبُثنِي الْقُسُومُ وَأَمَّا الْأَزْلَام , فَإِنَّ وَاحِدهَا زَلَم , وَيُقَال زُلَم , وَهِيَ الْقِدَاح الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8691 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : الْقِدَاح , كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا فِي سَفَر , جَعَلُوا قِدَاحًا لِلْجُلُوسِ وَالْخُرُوج , فَإِنْ وَقَعَ الْخُرُوج خَرَجُوا , وَإِنْ وَقَعَ الْجُلُوس جَلَسُوا . 8692 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : حَصًى بِيض كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَالَ لَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع : هُوَ الشِّطْرَنْج . 8693 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْن رَاشِد الْبَزَّار , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا أَوْ سَفَرًا , يَعْمِدُونَ إِلَى قِدَاح ثَلَاثَة عَلَى وَاحِد مِنْهَا مَكْتُوب : أُؤْمُرْنِي , وَعَلَى الْآخَر : اِنْهَنِي , وَيَتْرُكُونَ الْآخَر مُحَلَّلًا بَيْنهمَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء . ثُمَّ يُجِيلُونَهَا , فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ " أُؤْمُرْنِي " , مَضَوْا لِأَمْرِهِمْ , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ " اِنْهَنِي " كَفُّوا , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء أَعَادُوهَا . 8694 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } حِجَارَة0 كَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَيْهَا يُسَمُّونَهَا الْقِدَاح . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8695 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم . عَنْ زُهَيْر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كِعَاب فَارِس الَّتِي يَقْمُرونَ بِهَا , وَسِهَام الْعَرَب . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا زُهَيْر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : سِهَام الْعَرَب وَكِعَاب فَارِس وَالرُّوم كَانُوا يَتَقَامَرُونَ بِهَا . 8696 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج مُسَافِرًا , كَتَبَ فِي قِدَاح : هَذَا يَأْمُرنِي بِالْمُكْثِ , وَهَذَا يَأْمُرنِي بِالْخُرُوجِ , وَجَعَلَ مَعَهَا مَنِيحًا , شَيْء لَمْ يَكْتُب فِيهِ شَيْئًا , ثُمَّ اِسْتَقْسَمَ بِهَا حِين يُرِيد أَنْ يَخْرُج , فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُر بِالْمُكْثِ مَكَثَ , وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي يَأْمُر بِالْخُرُوجِ خَرَجَ , وَإِنْ خَرَجَ الْآخَر أَجَالَهَا ثَانِيَة حَتَّى يَخْرُج أَحَد الْقِدْحَيْنِ . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَرَادَ أَحَدهمْ خُرُوجًا , أَخَذَ قِدْحًا فَقَالَ : هَذَا يَأْمُر بِالْخُرُوجِ , فَإِنْ خَرَجَ فَهُوَ مُصِيب فِي سَفَره خَيْرًا ; وَيَأْخُذ قِدْحًا آخَر فَيَقُول : هَذَا يَأْمُر بِالْمُكُوثِ , فَلَيْسَ يُصِيب فِي سَفَره خَيْرًا ; وَالْمَنِيح بَيْنهمَا . فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَقَدَّمَ فِيهِ . 8697 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُور . 8698 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْأَزْلَام قِدَاح لَهُمْ كَانَ أَحَدهمْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأُمُور كَتَبَ فِي تِلْكَ الْقِدَاح مَا أَرَادَ , فَيَضْرِب بِهَا , فَأَيّ قِدْح خَرَجَ وَإِنْ كَانَ أَبْغَض تِلْكَ , اِرْتَكَبَهُ وَعَمِلَ بِهِ . 8699 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } قَالَ : الْأَزْلَام : قِدَاح كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة عِنْد الْكَهَنَة , فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يُسَافِر أَوْ يَتَزَوَّج أَوْ يُحْدِث أَمْرًا , أَتَى الْكَاهِن , فَأَعْطَاهُ شَيْئًا , فَضَرَبَ لَهُ بِهَا , فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْء يُعْجِبهُ أَمْرهُ فَفَعَلَ , وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْء يَكْرَههُ نَهَاهُ فَانْتَهَى , كَمَا ضَرَبَ عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى زَمْزَم وَعَلَى عَبْد اللَّه وَالْإِبِل . 8700 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَضْرِبُونَ بِالْقِدَاحِ فِي الظَّعْن وَالْإِقَامَة أَوْ الشَّيْء يُرِيدُونَهُ , فَيَخْرُج سَهْم الظَّعْن فَيَظْعَنُونَ , وَالْإِقَامَة فَيُقِيمُونَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْأَزْلَام مَا : 8701 - حَدَّثَنِي بِهِ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : كَانَتْ هُبَل أَعْظَم أَصْنَام قُرَيْش بِمَكَّة , وَكَانَتْ عَلَى بِئْر فِي جَوْف الْكَعْبَة , وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْر هِيَ الَّتِي يُجْمَع فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ , وَكَانَتْ عِنْد هُبَل سَبْعَة أَقْدَاح , كُلّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَاب : قِدْح فِيهِ " الْعَقْل " إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْعَقْل مَنْ يَحْمِلهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَة فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْل فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْله وَقِدْح فِيهِ : " نَعَمْ " لِلْأَمْرِ إِذَا أَرَادُوا يَضْرِب بِهِ , فَإِنْ خَرَجَ قِدْح " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ ; وَقِدْح فِيهِ لَا , فَإِذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاح , فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْح لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْر . وَقِدْح فِيهِ : " مِنْكُمْ " . وَقِدْح فِيهِ : " مُلْصَق " . وَقِدْح فِيهِ : " مِنْ غَيْركُمْ " . وَقِدْح فِيهِ : الْمِيَاه , إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْح , فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ . وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَجْتَبُوا غُلَامًا , أَوْ أَنْ يَنْكِحُوا مَنْكَحًا , أَوْ أَنْ يَدْفِنُوا مَيِّتًا , وَيَشُكُّوا فِي نَسَب وَاحِد مِنْهُمْ , ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبَل , وَبِمِائَةِ دِرْهَم وَبِجَزُورٍ , فَأَعْطَوْهَا صَاحِب الْقِدَاح الَّذِي يَضْرِبهَا , ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبهمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ , ثُمَّ قَالُوا : يَا إِلَهنَا , هَذَا فُلَان اِبْن فُلَان , قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا , فَأَخْرِجْ الْحَقّ فِيهِ ! ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاح : اِضْرِبْ , فَيَضْرِب , فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ " مِنْكُمْ " كَانَ وَسِيطًا , وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ : " مِنْ غَيْركُمْ " , كَانَ حَلِيفًا , وَإِنْ خَرَجَ : " مُلْصَق " , كَانَ عَلَى مَنْزِلَته مِنْهُمْ , لَا نَسَب لَهُ وَلَا حِلْف ; وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْء سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ " نَعَمْ " عَمِلُوا بِهِ ; وَإِنْ خَرَجَ : " لَا " , أَخَّرُوهُ عَامهمْ ذَلِكَ , حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مَرَّة أُخْرَى يَنْتَهُونَ فِي أُمُورهمْ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاح . 8702 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } يَعْنِي : الْقِدْح , كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُور . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ فِسْق } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكُمْ } هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي ذَكَرَهَا , وَذَلِكَ أَكْل الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَسَائِر مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة مِمَّا حَرُمَ أَكْله . وَالِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ . { فِسْق } يَعْنِي : خُرُوج عَنْ أَمْر اللَّه وَطَاعَته إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ , وَإِلَى مَعْصِيَته . كَمَا : 8703 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى : قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ذَلِكُمْ فِسْق } يَعْنِي : مَنْ أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلّه , فَهُوَ فِسْق . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ فِسْق } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكُمْ } هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي ذَكَرَهَا , وَذَلِكَ أَكْل الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَسَائِر مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة مِمَّا حَرُمَ أَكْله . وَالِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ . { فِسْق } يَعْنِي : خُرُوج عَنْ أَمْر اللَّه وَطَاعَته إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ , وَإِلَى مَعْصِيَته . كَمَا : 8703 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى : قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ذَلِكُمْ فِسْق } يَعْنِي : مَنْ أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلّه , فَهُوَ فِسْق . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } الْآن اِنْقَطَعَ طَمَع الْأَحْزَاب وَأَهْل الْكُفْر وَالْجُحُود أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دِينكُمْ , يَقُول : مِنْ دِينكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ , فَتَرْتَدُّوا عَنْهُ رَاجِعِينَ إِلَى الشِّرْك . كَمَا : 8704 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } يَعْنِي : أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ أَبَدًا . 8705 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } قَالَ : أَظُنّ يَئِسُوا أَنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيّ يَوْم هَذَا الْيَوْم الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَئِسُوا فِيهِ مِنْ دِين الْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم عَرَفَة , عَام حَجّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع , وَذَلِكَ بَعْد دُخُول الْعَرَب فِي الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8706 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ ; هَذَا حِين فَعَلت . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة لَمَّا نَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَرَ إِلَّا مُوَحِّدًا وَلَمْ يَرَ مُشْرِكًا ; حَمِدَ اللَّه , فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } أَنْ يَعُودُوا كَمَا كَانُوا . 8707 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } قَالَ : هَذَا يَوْم عَرَفَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } الْآن اِنْقَطَعَ طَمَع الْأَحْزَاب وَأَهْل الْكُفْر وَالْجُحُود أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دِينكُمْ , يَقُول : مِنْ دِينكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ , فَتَرْتَدُّوا عَنْهُ رَاجِعِينَ إِلَى الشِّرْك . كَمَا : 8704 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } يَعْنِي : أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ أَبَدًا . 8705 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } قَالَ : أَظُنّ يَئِسُوا أَنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيّ يَوْم هَذَا الْيَوْم الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَئِسُوا فِيهِ مِنْ دِين الْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم عَرَفَة , عَام حَجّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع , وَذَلِكَ بَعْد دُخُول الْعَرَب فِي الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8706 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ ; هَذَا حِين فَعَلت . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة لَمَّا نَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يَرَ إِلَّا مُوَحِّدًا وَلَمْ يَرَ مُشْرِكًا ; حَمِدَ اللَّه , فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } أَنْ يَعُودُوا كَمَا كَانُوا . 8707 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ } قَالَ : هَذَا يَوْم عَرَفَة . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلَا تَخْشَوْا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ يَئِسُوا مِنْ دِينكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا عَنْهُ مِنْ الْكُفَّار , وَلَا تَخَافُوهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ فَيَقْهَرُوكُمْ وَيَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينكُمْ , { وَاخْشَوْنِ } يَقُول : وَلَكِنْ خَافُونِ إِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَمْرِي وَاجْتَرَأْتُمْ عَلَى مَعْصِيَتِي وَتَعَدَّيْتُمْ حُدُودِي , أَنْ أُحِلّ بِكُمْ عِقَابِي وَأُنْزِلَ بِكُمْ عَذَابِي . كَمَا : 8708 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } فَلَا تَخْشَوْهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلَا تَخْشَوْا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ يَئِسُوا مِنْ دِينكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا عَنْهُ مِنْ الْكُفَّار , وَلَا تَخَافُوهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ فَيَقْهَرُوكُمْ وَيَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينكُمْ , { وَاخْشَوْنِ } يَقُول : وَلَكِنْ خَافُونِ إِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَمْرِي وَاجْتَرَأْتُمْ عَلَى مَعْصِيَتِي وَتَعَدَّيْتُمْ حُدُودِي , أَنْ أُحِلّ بِكُمْ عِقَابِي وَأُنْزِلَ بِكُمْ عَذَابِي . كَمَا : 8708 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } فَلَا تَخْشَوْهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ وَحُدُودِي , وَأَمْرِي إِيَّاكُمْ وَنَهْيِي , وَحَلَالِي وَحَرَامِي , وَتَنْزِيلِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْزَلْت مِنْهُ فِي كِتَابِي , وَتِبْيَانِي مَا بَيَّنْت لَكُمْ مِنْهُ بِوَحْيِي عَلَى لِسَان رَسُولِي , وَالْأَدِلَّة الَّتِي نَصَبْتهَا لَكُمْ عَلَى جَمِيع مَا بِكُمْ الْحَاجَة إِلَيْهِ مِنْ أَمْر دِينكُمْ , فَأَتْمَمْت لَكُمْ جَمِيع ذَلِكَ , فَلَا زِيَادَة فِيهِ بَعْد هَذَا الْيَوْم . قَالُوا : وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْم عَرَفَة , عَام حَجّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع . وَقَالُوا : لَمْ يَنْزِل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة شَيْء مِنْ الْفَرَائِض وَلَا تَحْلِيل شَيْء وَلَا تَحْرِيمه , وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعِشْ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة إِلَّا إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8709 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَهُوَ الْإِسْلَام , قَالَ : أَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهُمْ الْإِيمَان فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَة أَبَدًا , وَقَدْ أَتَمَّهُ اللَّه عَزَّ ذِكْره فَلَا يُنْقِصهُ أَبَدًا , وَقَدْ رَضِيَهُ اللَّه فَلَا يَسْخَطهُ أَبَدًا . 8710 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } هَذَا نَزَلَ يَوْم عَرَفَة , فَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حَلَال وَلَا حَرَام , وَرَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَ , فَقَالَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس : حَجَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْحَجَّة , فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِير إِذْ تَجَلَّى لَهُ جِبْرِيل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَة , فَلَمْ تُطِقْ الرَّاحِلَة مِنْ ثِقَل مَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآن , فَبَرَكَتْ , فَأَتَيْته فَسَجَّيْت عَلَيْهِ بِرِدَاءٍ كَانَ عَلَيَّ 8711 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } 8712 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَذَلِكَ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر , بَكَى عُمَر , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يُبْكِيك " ؟ قَالَ أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا , فَأَمَّا إِذْ كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُل شَيْء إِلَّا نَقَصَ , فَقَالَ : " صَدَقْت " * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن بَشِير , عَنْ هَارُون بْن أَبِي وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , فَذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } حَجّكُمْ , فَأُفْرِدْتُمْ بِالْبَلَدِ الْحَرَام تَحُجُّونَهُ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ دُون الْمُشْرِكِينَ لَا يُخَالِطكُمْ فِي حَجّكُمْ مُشْرِك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8713 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي عُتْبَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الْحَكَم : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : أَكْمَلَ لَهُمْ دِينهمْ أَنْ حَجُّوا وَلَمْ يَحُجّ مَعَهُمْ مُشْرِك . 8714 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : أَخْلَصَ اللَّه لَهُمْ دِينهمْ , وَنَفَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت . 8715 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : تَمَام الْحَجّ , وَنَفْي الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمْ يَوْم أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه دِينهمْ , بِإِفْرَادِهِمْ بِالْبَلَدِ الْحَرَام , وَإِجْلَائِهِ عَنْهُ الْمُشْرِكِينَ , حَتَّى حَجَّهُ الْمُسْلِمُونَ دُونهمْ , لَا يُخَالِطُونَهُمْ الْمُشْرِكُونَ . فَأَمَّا الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام , فَإِنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا , هَلْ كَانَتْ أُكْمِلَتْ ذَلِكَ الْيَوْم أَمْ لَا ؟ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا قَبْل . وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّ آخِر آيَة نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآن : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة } وَلَا يَدْفَع ذُو عِلْم أَنَّ الْوَحْي لَمْ يَنْقَطِع عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ قُبِضَ , بَلْ كَانَ الْوَحْي قَبْل وَفَاته أَكْثَر مَا كَانَ تَتَابُعًا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ قَوْله : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة } آخِرهَا نُزُولًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام وَالْفَرَائِض , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } عَلَى خِلَاف الْوَجْه الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ تَأَوَّلَهُ , أَعْنِي : كَمَال الْعِبَادَات وَالْأَحْكَام وَالْفَرَائِض . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا جَعَلَ قَوْل مَنْ قَالَ : قَدْ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ فَرْض أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : لَمْ يَنْزِل ؟ قِيلَ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ لَمْ يَنْزِل , مُخْبِر أَنَّهُ لَا يَعْلَم نُزُول فَرْض , وَالنَّفْي لَا يَكُون شَهَادَة , وَالشَّهَادَة قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَ , وَغَيْر جَائِز دَفْع خَبَر الصَّادِق فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُون فِيهِ صَادِقًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ وَحُدُودِي , وَأَمْرِي إِيَّاكُمْ وَنَهْيِي , وَحَلَالِي وَحَرَامِي , وَتَنْزِيلِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْزَلْت مِنْهُ فِي كِتَابِي , وَتِبْيَانِي مَا بَيَّنْت لَكُمْ مِنْهُ بِوَحْيِي عَلَى لِسَان رَسُولِي , وَالْأَدِلَّة الَّتِي نَصَبْتهَا لَكُمْ عَلَى جَمِيع مَا بِكُمْ الْحَاجَة إِلَيْهِ مِنْ أَمْر دِينكُمْ , فَأَتْمَمْت لَكُمْ جَمِيع ذَلِكَ , فَلَا زِيَادَة فِيهِ بَعْد هَذَا الْيَوْم . قَالُوا : وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْم عَرَفَة , عَام حَجّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع . وَقَالُوا : لَمْ يَنْزِل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة شَيْء مِنْ الْفَرَائِض وَلَا تَحْلِيل شَيْء وَلَا تَحْرِيمه , وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعِشْ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة إِلَّا إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8709 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَهُوَ الْإِسْلَام , قَالَ : أَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهُمْ الْإِيمَان فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَة أَبَدًا , وَقَدْ أَتَمَّهُ اللَّه عَزَّ ذِكْره فَلَا يُنْقِصهُ أَبَدًا , وَقَدْ رَضِيَهُ اللَّه فَلَا يَسْخَطهُ أَبَدًا . 8710 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } هَذَا نَزَلَ يَوْم عَرَفَة , فَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حَلَال وَلَا حَرَام , وَرَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَ , فَقَالَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس : حَجَجْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْحَجَّة , فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِير إِذْ تَجَلَّى لَهُ جِبْرِيل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَة , فَلَمْ تُطِقْ الرَّاحِلَة مِنْ ثِقَل مَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآن , فَبَرَكَتْ , فَأَتَيْته فَسَجَّيْت عَلَيْهِ بِرِدَاءٍ كَانَ عَلَيَّ 8711 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } 8712 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَذَلِكَ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر , بَكَى عُمَر , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يُبْكِيك " ؟ قَالَ أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا , فَأَمَّا إِذْ كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُل شَيْء إِلَّا نَقَصَ , فَقَالَ : " صَدَقْت " * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن بَشِير , عَنْ هَارُون بْن أَبِي وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , فَذَكَرَ نَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } حَجّكُمْ , فَأُفْرِدْتُمْ بِالْبَلَدِ الْحَرَام تَحُجُّونَهُ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ دُون الْمُشْرِكِينَ لَا يُخَالِطكُمْ فِي حَجّكُمْ مُشْرِك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8713 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي عُتْبَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الْحَكَم : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : أَكْمَلَ لَهُمْ دِينهمْ أَنْ حَجُّوا وَلَمْ يَحُجّ مَعَهُمْ مُشْرِك . 8714 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : أَخْلَصَ اللَّه لَهُمْ دِينهمْ , وَنَفَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت . 8715 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } قَالَ : تَمَام الْحَجّ , وَنَفْي الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمْ يَوْم أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه دِينهمْ , بِإِفْرَادِهِمْ بِالْبَلَدِ الْحَرَام , وَإِجْلَائِهِ عَنْهُ الْمُشْرِكِينَ , حَتَّى حَجَّهُ الْمُسْلِمُونَ دُونهمْ , لَا يُخَالِطُونَهُمْ الْمُشْرِكُونَ . فَأَمَّا الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام , فَإِنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا , هَلْ كَانَتْ أُكْمِلَتْ ذَلِكَ الْيَوْم أَمْ لَا ؟ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا قَبْل . وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّ آخِر آيَة نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآن : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة } وَلَا يَدْفَع ذُو عِلْم أَنَّ الْوَحْي لَمْ يَنْقَطِع عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ قُبِضَ , بَلْ كَانَ الْوَحْي قَبْل وَفَاته أَكْثَر مَا كَانَ تَتَابُعًا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ قَوْله : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة } آخِرهَا نُزُولًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام وَالْفَرَائِض , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } عَلَى خِلَاف الْوَجْه الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ تَأَوَّلَهُ , أَعْنِي : كَمَال الْعِبَادَات وَالْأَحْكَام وَالْفَرَائِض . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا جَعَلَ قَوْل مَنْ قَالَ : قَدْ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ فَرْض أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : لَمْ يَنْزِل ؟ قِيلَ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ لَمْ يَنْزِل , مُخْبِر أَنَّهُ لَا يَعْلَم نُزُول فَرْض , وَالنَّفْي لَا يَكُون شَهَادَة , وَالشَّهَادَة قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَ , وَغَيْر جَائِز دَفْع خَبَر الصَّادِق فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُون فِيهِ صَادِقًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَأَتْمَمْت نِعْمَتِي أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِإِظْهَارِكُمْ عَلَى عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَنَفْيِي إِيَّاهُمْ عَنْ بِلَادكُمْ , وَقَطْعِي طَمَعهمْ مِنْ رُجُوعكُمْ , وَعَوْدكُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة , فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت , وَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ لَا يُشَارِكهُمْ فِي الْبَيْت الْحَرَام أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَام النِّعْمَة : { وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } . 8716 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة , حِين نَفَى اللَّه الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَأَخْلَصَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجّهمْ 8717 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : . نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِعَرَفَاتٍ , حَيْثُ هُدِمَ مَنَار الْجَاهِلِيَّة , وَاضْمَحَلَّ الشِّرْك , وَلَمْ يَحُجّ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَام مُشْرِك . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } قَالَ : نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَاتٍ , وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاس , وَتَهَدَّمَتْ مَنَار الْجَاهِلِيَّة وَمَنَاسِكهمْ , وَاضْمَحَلَّ الشِّرْك , وَلَمْ يَطُفْ حَوْل الْبَيْت عُرْيَان , فَأَنْزَلَ اللَّه : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ . ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , بِنَحْوِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَأَتْمَمْت نِعْمَتِي أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِإِظْهَارِكُمْ عَلَى عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَنَفْيِي إِيَّاهُمْ عَنْ بِلَادكُمْ , وَقَطْعِي طَمَعهمْ مِنْ رُجُوعكُمْ , وَعَوْدكُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة , فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْبَيْت , وَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ لَا يُشَارِكهُمْ فِي الْبَيْت الْحَرَام أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَام النِّعْمَة : { وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } . 8716 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة , حِين نَفَى اللَّه الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَأَخْلَصَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجّهمْ 8717 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : . نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِعَرَفَاتٍ , حَيْثُ هُدِمَ مَنَار الْجَاهِلِيَّة , وَاضْمَحَلَّ الشِّرْك , وَلَمْ يَحُجّ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَام مُشْرِك . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } قَالَ : نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَاتٍ , وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاس , وَتَهَدَّمَتْ مَنَار الْجَاهِلِيَّة وَمَنَاسِكهمْ , وَاضْمَحَلَّ الشِّرْك , وَلَمْ يَطُفْ حَوْل الْبَيْت عُرْيَان , فَأَنْزَلَ اللَّه : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ . ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , بِنَحْوِهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَضِيت لَكُمْ الِاسْتِسْلَام لِأَمْرِي وَالِانْقِيَاد لِطَاعَتِي , عَلَى مَا شَرَعْت لَكُمْ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه وَمَعَالِمه { دِينًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : طَاعَة مِنْكُمْ لِي . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَمَا كَانَ اللَّه رَاضِيًا الْإِسْلَام لِعِبَادِهِ , إِلَّا يَوْم أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة ؟ قِيلَ : لَمْ يَزَلْ اللَّه رَاضِيًا لِخَلْقِهِ الْإِسْلَام دِينًا , وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَزَلْ يُصَرِّف نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي دَرَجَات وَمَرَاتِبه دَرَجَة بَعْد دَرَجَة وَمَرْتَبَة بَعْد مَرْتَبَة وَحَالًا بَعْد حَال , حَتَّى أَكْمَلَ لَهُمْ شَرَائِعه وَمَعَالِمه وَبَلَغَ بِهِمْ أَقْصَى دَرَجَاته وَمَرَاتِبه , ثُمَّ قَالَ حِين أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة : { وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا الْيَوْم , وَالْحَال الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا الْيَوْم مِنْهُ { دِينًا } فَالْزَمُوهُ وَلَا تُفَارِقُوهُ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 8718 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُمَثَّل لِأَهْلِ كُلّ دِين دِينهمْ يَوْم الْقِيَامَة , فَأَمَّا الْإِيمَان فَيُبَشِّر أَصْحَابه وَأَهْله , وَيَعِدهُمْ فِي الْخَيْر حَتَّى يَجِيء الْإِسْلَام . فَيَقُول : رَبّ أَنْتَ السَّلَام وَأَنَا الْإِسْلَام , فَيَقُول : إِيَّاكَ الْيَوْم أَقْبَل , وَبِك الْيَوْم أَجْزِي . وَأَحْسَب أَنَّ قَتَادَة وَجَّهَ مَعْنَى الْإِيمَان بِهَذَا الْخَبَر إِلَى مَعْنَى التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْإِيمَان عِنْد الْعَرَب , وَوَجَّهَ مَعْنَى الْإِسْلَام إِلَى اِسْتِسْلَام الْقَلْب وَخُضُوعه لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ , وَانْقِيَاد الْجَسَد لَهُ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى , فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْإِسْلَامِ : إِيَّاكَ الْيَوْم أَقْبَل , وَبِك الْيَوْم أَجْزِي . ذِكْر مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِعَرَفَة فِي حَجَّة الْوَدَاع عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 8719 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق بْن شِهَاب , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود لِعُمَر : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَة لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا . فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَم حِين أُنْزِلَتْ , وَأَيْنَ نَزَلَتْ , وَأَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ ; أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة - قَالَ سُفْيَان : وَأَشُكّ , كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أَمْ لَا - { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع . قَالَا : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق بْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ يَهُودِيّ لِعُمَر : لَوْ عَلِمْنَا مَعْشَر الْيَهُود حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } لَوْ نَعْلَم ذَلِكَ الْيَوْم اِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا . فَقَالَ عُمَر : قَدْ عَلِمْت الْيَوْم الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَة , وَأَيْنَ رَسُول اللَّه أَوْ حِين نَزَلَتْ ; نَزَلَتْ لَيْلَة الْجُمُعَة وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ . لَفْظ الْحَدِيث لِأَبِي كُرَيْب , وَحَدِيث اِبْن وَكِيع نَحْوه * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , عَنْ أَبِي الْعُمَيْس , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق , عَنْ عُمَر , نَحْوه . 8720 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ . ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَمَّار مَوْلَى بَنِي هَاشِم , قَالَ : قَرَأَ اِبْن عَبَّاس : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَعِنْده رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ : لَوْ عَلِمْنَا أَيّ يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا قَبِيصَة , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَمَّار : أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } فَقَالَ يَهُودِيّ : لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمهَا عِيدًا , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم عِيدَيْنِ اِثْنَيْنِ : يَوْم عِيد , وَيَوْم جُمُعَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار , عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا رَجَاء بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَادَة بْن نُسَيّ , قَالَ : ثنا أَمِيرنَا إِسْحَاق , قَالَ أَبُو جَعْفَر إِسْحَاق - هُوَ اِبْن خَرَشَة - عَنْ قَبِيصَة قَالَ : قَالَ كَعْب : لَوْ أَنَّ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة لَنَظَرُوا الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ , فَقَالَ عُمَر : أَيّ آيَة يَا كَعْب ؟ فَقَالَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } فَقَالَ عُمَر : قَدْ عَلِمْت الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ , وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ , يَوْم جُمُعَة , وَيَوْم عَرَفَة , وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّه لَنَا عِيد . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ عِيسَى بْن حَارِثَة الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا فِي الدِّيوَان , فَقَالَ لَنَا نَصْرَانِيّ : يَا أَهْل الْإِسْلَام : لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ آيَة لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم وَتِلْكَ السَّاعَة عِيدًا مَا بَقِيَ مِنَّا اِثْنَانِ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد مِنَّا , فَلَقِيت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : أَلَا رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف عَلَى الْجَبَل يَوْم عَرَفَة , فَلَا يَزَال ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَد 8721 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , قَالَ : أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } عَشِيَّة عَرَفَة وَهُوَ فِي الْمَوْقِف 8722 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , قَالَ : قُلْت لِعَامِرٍ : إِنَّ الْيَهُود تَقُول : كَيْفَ لَمْ تَحْفَظ الْعَرَب هَذَا الْيَوْم الَّذِي أَكْمَلَ اللَّه لَهَا دِينهَا فِيهِ ؟ فَقَالَ عَامِر : أَوَمَا حَفِظْتهُ ؟ قُلْت لَهُ : فَأَيّ يَوْم ؟ قَالَ : يَوْم عَرَفَة , أَنْزَلَ اللَّه فِي يَوْم عَرَفَة . 8723 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة , وَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة . 8724 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ حَبِيب , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عِكْرِمَة : أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة يَوْم عَرَفَة , وَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة . 8725 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ لَيْث , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة عَلَى رَاحِلَته , فَتَنَوَّخَتْ لَأَنْ يُدَقّ ذِرَاعهَا 8726 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد , قَالَتْ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة جَمِيعًا وَأَنَا آخِذَة بِزِمَامِ نَاقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَضْبَاء ; قَالَتْ : فَكَادَتْ مِنْ ثِقَلهَا أَنْ يُدَقّ عَضُد النَّاقَة 8727 - حَدَّثَنِي أَبُو عَامِر إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس السَّكُونِيّ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان عَلَى الْمِنْبَر يَنْتَزِع بِهَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } حَتَّى خَتَمَهَا , فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْم عَرَفَة , فِي يَوْم جُمُعَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , أَعْنِي قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَقَالُوا : أُنْزِلَتْ سُورَة الْمَائِدَة بِالْمَدِينَةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب , قَالَ : ثنا اِبْن لَهِيعَة , عَنْ خَالِد بْن أَبِي عِمْرَان , عَنْ حَنَش , عَنْ اِبْن عَبَّاس : وُلِدَ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَخَرَجَ مِنْ مَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَدَخَلَ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَأُنْزِلَتْ سُورَة الْمَائِدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَرُفِعَ الذِّكْر يَوْم الِاثْنَيْنِ 8729 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْمَائِدَة مَدَنِيَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيره فِي حَجَّة الْوَدَاع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8730 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسِير فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَهُوَ رَاكِب رَاحِلَته , فَبَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَته مِنْ ثِقَلهَا وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم عِنْد النَّاس , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْيَوْم الَّذِي أَعْلَمهُ أَنَا دُون خَلْقِي , أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8731 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } يَقُول : لَيْسَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم يَعْلَمهُ النَّاس . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي وَقْت نُزُول الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة , لِصِحَّةِ سَنَده وَوَهْي أَسَانِيد غَيْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَضِيت لَكُمْ الِاسْتِسْلَام لِأَمْرِي وَالِانْقِيَاد لِطَاعَتِي , عَلَى مَا شَرَعْت لَكُمْ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه وَمَعَالِمه { دِينًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : طَاعَة مِنْكُمْ لِي . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَمَا كَانَ اللَّه رَاضِيًا الْإِسْلَام لِعِبَادِهِ , إِلَّا يَوْم أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة ؟ قِيلَ : لَمْ يَزَلْ اللَّه رَاضِيًا لِخَلْقِهِ الْإِسْلَام دِينًا , وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَزَلْ يُصَرِّف نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي دَرَجَات وَمَرَاتِبه دَرَجَة بَعْد دَرَجَة وَمَرْتَبَة بَعْد مَرْتَبَة وَحَالًا بَعْد حَال , حَتَّى أَكْمَلَ لَهُمْ شَرَائِعه وَمَعَالِمه وَبَلَغَ بِهِمْ أَقْصَى دَرَجَاته وَمَرَاتِبه , ثُمَّ قَالَ حِين أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة : { وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا الْيَوْم , وَالْحَال الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا الْيَوْم مِنْهُ { دِينًا } فَالْزَمُوهُ وَلَا تُفَارِقُوهُ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 8718 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُمَثَّل لِأَهْلِ كُلّ دِين دِينهمْ يَوْم الْقِيَامَة , فَأَمَّا الْإِيمَان فَيُبَشِّر أَصْحَابه وَأَهْله , وَيَعِدهُمْ فِي الْخَيْر حَتَّى يَجِيء الْإِسْلَام . فَيَقُول : رَبّ أَنْتَ السَّلَام وَأَنَا الْإِسْلَام , فَيَقُول : إِيَّاكَ الْيَوْم أَقْبَل , وَبِك الْيَوْم أَجْزِي . وَأَحْسَب أَنَّ قَتَادَة وَجَّهَ مَعْنَى الْإِيمَان بِهَذَا الْخَبَر إِلَى مَعْنَى التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الْإِيمَان عِنْد الْعَرَب , وَوَجَّهَ مَعْنَى الْإِسْلَام إِلَى اِسْتِسْلَام الْقَلْب وَخُضُوعه لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ , وَانْقِيَاد الْجَسَد لَهُ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى , فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْإِسْلَامِ : إِيَّاكَ الْيَوْم أَقْبَل , وَبِك الْيَوْم أَجْزِي . ذِكْر مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِعَرَفَة فِي حَجَّة الْوَدَاع عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 8719 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق بْن شِهَاب , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود لِعُمَر : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَة لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا . فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَم حِين أُنْزِلَتْ , وَأَيْنَ نَزَلَتْ , وَأَيْنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ ; أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة - قَالَ سُفْيَان : وَأَشُكّ , كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أَمْ لَا - { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع . قَالَا : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق بْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ يَهُودِيّ لِعُمَر : لَوْ عَلِمْنَا مَعْشَر الْيَهُود حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } لَوْ نَعْلَم ذَلِكَ الْيَوْم اِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا . فَقَالَ عُمَر : قَدْ عَلِمْت الْيَوْم الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ وَالسَّاعَة , وَأَيْنَ رَسُول اللَّه أَوْ حِين نَزَلَتْ ; نَزَلَتْ لَيْلَة الْجُمُعَة وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ . لَفْظ الْحَدِيث لِأَبِي كُرَيْب , وَحَدِيث اِبْن وَكِيع نَحْوه * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , عَنْ أَبِي الْعُمَيْس , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ طَارِق , عَنْ عُمَر , نَحْوه . 8720 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ . ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَمَّار مَوْلَى بَنِي هَاشِم , قَالَ : قَرَأَ اِبْن عَبَّاس : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَعِنْده رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ : لَوْ عَلِمْنَا أَيّ يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا قَبِيصَة , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَمَّار : أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } فَقَالَ يَهُودِيّ : لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمهَا عِيدًا , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم عِيدَيْنِ اِثْنَيْنِ : يَوْم عِيد , وَيَوْم جُمُعَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عَمَّار بْن أَبِي عَمَّار , عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا رَجَاء بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَادَة بْن نُسَيّ , قَالَ : ثنا أَمِيرنَا إِسْحَاق , قَالَ أَبُو جَعْفَر إِسْحَاق - هُوَ اِبْن خَرَشَة - عَنْ قَبِيصَة قَالَ : قَالَ كَعْب : لَوْ أَنَّ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة لَنَظَرُوا الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ , فَقَالَ عُمَر : أَيّ آيَة يَا كَعْب ؟ فَقَالَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } فَقَالَ عُمَر : قَدْ عَلِمْت الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ , وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ , يَوْم جُمُعَة , وَيَوْم عَرَفَة , وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّه لَنَا عِيد . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ عِيسَى بْن حَارِثَة الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا فِي الدِّيوَان , فَقَالَ لَنَا نَصْرَانِيّ : يَا أَهْل الْإِسْلَام : لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ آيَة لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم وَتِلْكَ السَّاعَة عِيدًا مَا بَقِيَ مِنَّا اِثْنَانِ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد مِنَّا , فَلَقِيت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : أَلَا رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف عَلَى الْجَبَل يَوْم عَرَفَة , فَلَا يَزَال ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَد 8721 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , قَالَ : أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } عَشِيَّة عَرَفَة وَهُوَ فِي الْمَوْقِف 8722 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , قَالَ : قُلْت لِعَامِرٍ : إِنَّ الْيَهُود تَقُول : كَيْفَ لَمْ تَحْفَظ الْعَرَب هَذَا الْيَوْم الَّذِي أَكْمَلَ اللَّه لَهَا دِينهَا فِيهِ ؟ فَقَالَ عَامِر : أَوَمَا حَفِظْتهُ ؟ قُلْت لَهُ : فَأَيّ يَوْم ؟ قَالَ : يَوْم عَرَفَة , أَنْزَلَ اللَّه فِي يَوْم عَرَفَة . 8723 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة , وَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة . 8724 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ حَبِيب , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عِكْرِمَة : أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة يَوْم عَرَفَة , وَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة . 8725 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ لَيْث , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة عَلَى رَاحِلَته , فَتَنَوَّخَتْ لَأَنْ يُدَقّ ذِرَاعهَا 8726 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ أَسْمَاء بِنْت يَزِيد , قَالَتْ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة جَمِيعًا وَأَنَا آخِذَة بِزِمَامِ نَاقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَضْبَاء ; قَالَتْ : فَكَادَتْ مِنْ ثِقَلهَا أَنْ يُدَقّ عَضُد النَّاقَة 8727 - حَدَّثَنِي أَبُو عَامِر إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس السَّكُونِيّ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان عَلَى الْمِنْبَر يَنْتَزِع بِهَذِهِ الْآيَة : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } حَتَّى خَتَمَهَا , فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْم عَرَفَة , فِي يَوْم جُمُعَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , أَعْنِي قَوْله : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَقَالُوا : أُنْزِلَتْ سُورَة الْمَائِدَة بِالْمَدِينَةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب , قَالَ : ثنا اِبْن لَهِيعَة , عَنْ خَالِد بْن أَبِي عِمْرَان , عَنْ حَنَش , عَنْ اِبْن عَبَّاس : وُلِدَ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَخَرَجَ مِنْ مَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَدَخَلَ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ , وَأُنْزِلَتْ سُورَة الْمَائِدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } وَرُفِعَ الذِّكْر يَوْم الِاثْنَيْنِ 8729 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الْمَائِدَة مَدَنِيَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيره فِي حَجَّة الْوَدَاع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8730 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : نَزَلَتْ سُورَة الْمَائِدَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسِير فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَهُوَ رَاكِب رَاحِلَته , فَبَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَته مِنْ ثِقَلهَا وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم عِنْد النَّاس , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْيَوْم الَّذِي أَعْلَمهُ أَنَا دُون خَلْقِي , أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8731 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } يَقُول : لَيْسَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم يَعْلَمهُ النَّاس . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي وَقْت نُزُول الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عَرَفَة يَوْم جُمُعَة , لِصِحَّةِ سَنَده وَوَهْي أَسَانِيد غَيْره .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } فَمَنْ أَصَابَهُ ضُرّ فِي مَخْمَصَة , يَعْنِي فِي مَجَاعَة , وَهِيَ مَفْعَلَة مِثْل الْمَجْبَنَة وَالْمَبْخَلَة وَالْمَنْجَبَة , مِنْ خَمَص الْبَطْن , وَهُوَ اِضْطِمَاره , وَأَظُنّهُ هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيّ بِهِ اِضْطِمَاره مِنْ الْجُوع وَشِدَّة السَّغَب , وَقَدْ يَكُون فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع اِضْطِمَارًا مِنْ غَيْر الْجُوع وَالسَّغَب , وَلَكِنْ مِنْ خِلْقَة , كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان فِي صِفَة اِمْرَأَة بِخَمَصِ الْبَطْن : وَالْبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ وَالنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بِثَدْيٍ مُقْعَد فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ صِفَتهَا بِقَوْلِهِ خَمِيص بِالْهُزَالِ وَالضُّرّ مِنْ الْجُوع , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ وَصْفهَا بِلَطَافَةِ طَيّ مَا عَلَى الْأَوْرَاك وَالْأَفْخَاذ مِنْ جَسَدهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْمَد مِنْ النِّسَاء . وَلَكِنَّ الَّذِي فِي مَعْنَى الْوَصْف بِالِاضْطِمَارِ وَالْهُزَال مِنْ الضُّرّ , مِنْ ذَلِكَ , قَوْل أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاء بُطُونكُمْ وَجَارَاتكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا يَعْنِي بِذَلِكَ : يَبِتْنَ مُضْطَمَرَات الْبُطُون مِنْ الْجُوع وَالسَّغَب وَالضُّرّ , فَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله : فِي مَخْمَصَة . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : الْمَخْمَصَة : الْمَصْدَر مِنْ خَمَصَهُ الْجُوع . وَكَانَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَرَى أَنَّهَا اِسْم لِلْمَصْدَرِ وَلَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ ; وَلِذَلِكَ تَقَع الْمَفْعَلَة اِسْمًا فِي الْمَصَادِر لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِير . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8732 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ عَبَّاس : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } يَعْنِي فِي مَجَاعَة . 8733 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } أَيْ فِي مَجَاعَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 8734 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } قَالَ : ذَكَرَ الْمَيْتَة وَمَا فِيهَا وَأَحَلَّهَا فِي الِاضْطِرَار . { فِي مَخْمَصَة } يَقُول : فِي مَجَاعَة . 8735 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } قَالَ : الْمَخْمَصَة : الْجُوع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } فَمَنْ أَصَابَهُ ضُرّ فِي مَخْمَصَة , يَعْنِي فِي مَجَاعَة , وَهِيَ مَفْعَلَة مِثْل الْمَجْبَنَة وَالْمَبْخَلَة وَالْمَنْجَبَة , مِنْ خَمَص الْبَطْن , وَهُوَ اِضْطِمَاره , وَأَظُنّهُ هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيّ بِهِ اِضْطِمَاره مِنْ الْجُوع وَشِدَّة السَّغَب , وَقَدْ يَكُون فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع اِضْطِمَارًا مِنْ غَيْر الْجُوع وَالسَّغَب , وَلَكِنْ مِنْ خِلْقَة , كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان فِي صِفَة اِمْرَأَة بِخَمَصِ الْبَطْن : وَالْبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ وَالنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بِثَدْيٍ مُقْعَد فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ صِفَتهَا بِقَوْلِهِ خَمِيص بِالْهُزَالِ وَالضُّرّ مِنْ الْجُوع , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ وَصْفهَا بِلَطَافَةِ طَيّ مَا عَلَى الْأَوْرَاك وَالْأَفْخَاذ مِنْ جَسَدهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْمَد مِنْ النِّسَاء . وَلَكِنَّ الَّذِي فِي مَعْنَى الْوَصْف بِالِاضْطِمَارِ وَالْهُزَال مِنْ الضُّرّ , مِنْ ذَلِكَ , قَوْل أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاء بُطُونكُمْ وَجَارَاتكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا يَعْنِي بِذَلِكَ : يَبِتْنَ مُضْطَمَرَات الْبُطُون مِنْ الْجُوع وَالسَّغَب وَالضُّرّ , فَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله : فِي مَخْمَصَة . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : الْمَخْمَصَة : الْمَصْدَر مِنْ خَمَصَهُ الْجُوع . وَكَانَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَرَى أَنَّهَا اِسْم لِلْمَصْدَرِ وَلَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ ; وَلِذَلِكَ تَقَع الْمَفْعَلَة اِسْمًا فِي الْمَصَادِر لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِير . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8732 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ عَبَّاس : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } يَعْنِي فِي مَجَاعَة . 8733 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } أَيْ فِي مَجَاعَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 8734 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } قَالَ : ذَكَرَ الْمَيْتَة وَمَا فِيهَا وَأَحَلَّهَا فِي الِاضْطِرَار . { فِي مَخْمَصَة } يَقُول : فِي مَجَاعَة . 8735 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } قَالَ : الْمَخْمَصَة : الْجُوع . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } إِلَى أَكْل مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَسَائِر مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة . { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : لَا مُتَجَانِفًا لِإِثْمٍ , فَلِذَلِكَ نَصَبَ " غَيْر " لِخُرُوجِهَا مِنْ الِاسْم الَّذِي فِي قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } وَبِمَعْنَى لَا , فَنُصِبَ بِالْمَعْنَى الَّذِي كَانَ بِهِ مَنْصُوبًا الْمُتَجَانِف لَوْ جَاءَ الْكَلَام : لَا مُتَجَانِفًا . وَأَمَّا الْمُتَجَانِف لِإِثْمٍ , فَإِنَّهُ الْمُتَمَايِل لَهُ , الْمُنْحَرِف إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مُرَاد بِهِ الْمُتَعَمِّد لَهُ الْقَاصِد إِلَيْهِ , مِنْ جَنَفَ الْقَوْم عَلَيَّ إِذَا مَالُوا , وَكُلّ أَعْوَج فَهُوَ أَجْنَف عِنْد الْعَرَب وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَنَف بِشَوَاهِدِهِ فِي قَوْله : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا } بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا تَجَانُف أَكْل الْمَيْتَة فِي أَكْلهَا وَفِي غَيْرهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه أَكْله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة لِلْإِثْمِ فِي حَال أَكْله , فَهُوَ تَعَمُّده الْأَكْل لِغَيْرِ دَفْع الضَّرُورَة النَّازِلَة بِهِ , وَلَكِنْ لِمَعْصِيَةِ اللَّه وَخِلَاف أَمْره فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَرْك أَكْل ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8736 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَعْنِي : إِلَى مَا حَرَّمَ مِمَّا سَمَّى فِي صَدْر هَذِهِ الْآيَة : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ . 8737 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ , قَالَ : إِلَى حَرَّمَ اللَّه مَا حَرَّمَ , رَخَّصَ لِلْمُضْطَرِّ إِذَا كَانَ غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ أَنْ يَأْكُلهُ مِنْ جَهْد ; فَمَنْ بَغَى أَوْ عَدَا أَوْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَة اللَّه , فَإِنَّهُ مُحَرَّم عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلهُ . 8738 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } أَيْ غَيْر مُتَعَرِّض لِمَعْصِيَةٍ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ , غَيْر مُتَعَرِّض . 8739 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : غَيْر مُتَعَرِّض لِإِثْمٍ : أَيْ يَبْتَغِي فِيهِ شَهْوَة , أَوْ يَعْتَدِي فِي أَكْله . 8740 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } لَا يَأْكُل ذَلِكَ اِبْتِغَاء الْإِثْم , وَلَا جَرَاءَة عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة } إِلَى أَكْل مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَسَائِر مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة . { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : لَا مُتَجَانِفًا لِإِثْمٍ , فَلِذَلِكَ نَصَبَ " غَيْر " لِخُرُوجِهَا مِنْ الِاسْم الَّذِي فِي قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } وَبِمَعْنَى لَا , فَنُصِبَ بِالْمَعْنَى الَّذِي كَانَ بِهِ مَنْصُوبًا الْمُتَجَانِف لَوْ جَاءَ الْكَلَام : لَا مُتَجَانِفًا . وَأَمَّا الْمُتَجَانِف لِإِثْمٍ , فَإِنَّهُ الْمُتَمَايِل لَهُ , الْمُنْحَرِف إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مُرَاد بِهِ الْمُتَعَمِّد لَهُ الْقَاصِد إِلَيْهِ , مِنْ جَنَفَ الْقَوْم عَلَيَّ إِذَا مَالُوا , وَكُلّ أَعْوَج فَهُوَ أَجْنَف عِنْد الْعَرَب وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَنَف بِشَوَاهِدِهِ فِي قَوْله : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا } بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا تَجَانُف أَكْل الْمَيْتَة فِي أَكْلهَا وَفِي غَيْرهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه أَكْله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة لِلْإِثْمِ فِي حَال أَكْله , فَهُوَ تَعَمُّده الْأَكْل لِغَيْرِ دَفْع الضَّرُورَة النَّازِلَة بِهِ , وَلَكِنْ لِمَعْصِيَةِ اللَّه وَخِلَاف أَمْره فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَرْك أَكْل ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8736 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَعْنِي : إِلَى مَا حَرَّمَ مِمَّا سَمَّى فِي صَدْر هَذِهِ الْآيَة : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ . 8737 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ , قَالَ : إِلَى حَرَّمَ اللَّه مَا حَرَّمَ , رَخَّصَ لِلْمُضْطَرِّ إِذَا كَانَ غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ أَنْ يَأْكُلهُ مِنْ جَهْد ; فَمَنْ بَغَى أَوْ عَدَا أَوْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَة اللَّه , فَإِنَّهُ مُحَرَّم عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلهُ . 8738 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } أَيْ غَيْر مُتَعَرِّض لِمَعْصِيَةٍ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } غَيْر مُتَعَمِّد لِإِثْمٍ , غَيْر مُتَعَرِّض . 8739 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } يَقُول : غَيْر مُتَعَرِّض لِإِثْمٍ : أَيْ يَبْتَغِي فِيهِ شَهْوَة , أَوْ يَعْتَدِي فِي أَكْله . 8740 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } لَا يَأْكُل ذَلِكَ اِبْتِغَاء الْإِثْم , وَلَا جَرَاءَة عَلَيْهِ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة إِلَى مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْت فِي هَذِهِ الْآيَة , { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } فَأَكَلَهُ , { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } , فَتَرَكَ ذِكْر : " فَأَكَلَهُ " . وَذَكَرَ : "لَهُ " , لِدَلَالَةِ سَائِر مَا ذَكَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا قَوْله : { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَإِنَّ اللَّه لِمَنْ أَكَلَ مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة أَكَلَهُ فِي مَخْمَصَة , غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ , غَفُور رَحِيم , يَقُول : يَسْتُر لَهُ عَنْ أَكْله مَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ بِعَفْوِهِ عَنْ مُؤَاخَذَته إِيَّاهُ , وَصَفْحه عَنْهُ , وَعَنْ عُقُوبَته عَلَيْهِ { رَحِيم } يَقُول : وَهُوَ بِهِ رَفِيق , مِنْ رَحْمَته وَرِفْقه بِهِ , أَبَاحَ لَهُ أَكْل مَا أَبَاحَ لَهُ أَكْله مِنْ الْمَيْتَة وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فِي حَال خَوْفه عَلَى نَفْسه , مِنْ كَلَب الْجُوع وَضُرّ الْحَاجَة الْعَارِضَة بِبَدَنِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا الْأَكْل الَّذِي وَعَدَ اللَّه الْمُضْطَرّ إِلَى الْمَيْتَة وَسَائِر الْمُحَرَّمَات مَعَهَا بِهَذِهِ الْآيَة غُفْرَانه إِذَا أَكَلَ مِنْهَا ؟ قِيلَ : مَا : 8741 - حَدَّثَنِي عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَسَدِيّ , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , عَنْ أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ , قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا فِيهَا مَخْمَصَة , فَمَا يَصْلُح لَنَا مِنْ الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا , أَوْ تَغْتَبِقُوا , أَوْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا , فَشَأْنُكُمْ بِهَا " 8742 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْخَصِيب بْن زَيْد التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا الْحَسَن : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : إِلَى مَتَى يَحِلّ لِي الْحَرَام ؟ قَالَ : فَقَالَ : " إِلَى أَنْ يُرْوَى أَهْلك مِنْ اللَّبَن , أَوْ تَجِيء مِيرَتُهُمْ " . 8743 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا خَصِيب بْن زَيْد التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا الْحَسَن : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " أَوْ تَحْيَا مِيرَتهمْ " . 8744 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ جَدّه عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَمَّنْ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيه فِي الَّذِي حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَاَلَّذِي أَحَلَّ لَهُ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَحِلُّ لَك الطَّيِّبَات , وَيُحَرِّم عَلَيْك الْخَبَائِث , إِلَّا أَنْ تَفْتَقِر إِلَى طَعَام لَك فَتَأْكُل مِنْهُ حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " , فَقَالَ الرَّجُل : وَمَا فَقْرِي الَّذِي يُحِلّ لِي , وَمَا غِنَايَ الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كُنْت تَرْجُو نِتَاجًا فَتَبَلَّغْ بِلُحُومِ مَاشِيَتك إِلَى نِتَاجك , أَوْ كُنْت تَرْجُو غِنًى تَطْلُبهُ . فَتَبَلَّغْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , فَأَطْعِمْ أَهْلك مَا بَدَا لَك حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " فَقَالَ الْإِعْرَابِيّ . مَا غِنَايَ الَّذِي أَدَعهُ إِذَا وَجَدْته ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَرْوَيْت أَهْلك غَبُوقًا مِنْ اللَّيْل فَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ طَعَام مَالِك , فَإِنَّهُ مَيْسُور كُلّه , لَيْسَ فِيهِ حَرَام " 8745 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , قَالَ : وَجَدْت عِنْد الْحَسَن كِتَاب سَمُرَة , فَقَرَأْته عَلَيْهِ , وَكَانَ فِيهِ : وَيَجْزِي مِنْ الِاضْطِرَار غَبُوق أَوْ صَبُوح . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ اِبْن عَوْن , قَالَ : قَرَأْت فِي كِتَاب سَمُرَة بْن جُنْدَب : يَكْفِي مِنْ الِاضْطِرَار - أَوْ مِنْ الضَّرُورَة - غَبُوق أَوْ صَبُوح . 8746 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس , عَنْ هِشَام بْن حَسَّان , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا اُضْطُرَّ الرَّجُل إِلَى الْمَيْتَة أَكَلَ مِنْهَا قُوته ; يَعْنِي : مُسْكَته . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن مُبَارَك , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا بِأَرْضِ مَخْمَصَة , فَمَا يَحِلّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَة ؟ وَمَتَى تَحِلّ لَنَا الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , عَنْ رَجُل قَدْ سُمِّيَ لَنَا , أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَكُون بِأَرْضِ مَخْمَصَة , فَمَتَى تَحِلّ لَنَا الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَر : يُرْوَى هَذَا عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه : "تَحْتَفِئُوا " بِالْهَمْزَةِ , " وَتَحْتَفِيُوا " بِتَخْفِيفِ الْيَاء وَالْحَاء , " وَتَحْتَفُّوا " بِتَشْدِيدِ الْفَاء , وَ " تَحْتَفُوا "بِالْحَاءِ وَالتَّخْفِيف , وَيَحْتَمِل الْهَمْز . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة إِلَى مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْت فِي هَذِهِ الْآيَة , { غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ } فَأَكَلَهُ , { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } , فَتَرَكَ ذِكْر : " فَأَكَلَهُ " . وَذَكَرَ : "لَهُ " , لِدَلَالَةِ سَائِر مَا ذَكَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا قَوْله : { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَإِنَّ اللَّه لِمَنْ أَكَلَ مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة أَكَلَهُ فِي مَخْمَصَة , غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ , غَفُور رَحِيم , يَقُول : يَسْتُر لَهُ عَنْ أَكْله مَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ بِعَفْوِهِ عَنْ مُؤَاخَذَته إِيَّاهُ , وَصَفْحه عَنْهُ , وَعَنْ عُقُوبَته عَلَيْهِ { رَحِيم } يَقُول : وَهُوَ بِهِ رَفِيق , مِنْ رَحْمَته وَرِفْقه بِهِ , أَبَاحَ لَهُ أَكْل مَا أَبَاحَ لَهُ أَكْله مِنْ الْمَيْتَة وَسَائِر مَا ذَكَرَ مَعَهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , فِي حَال خَوْفه عَلَى نَفْسه , مِنْ كَلَب الْجُوع وَضُرّ الْحَاجَة الْعَارِضَة بِبَدَنِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا الْأَكْل الَّذِي وَعَدَ اللَّه الْمُضْطَرّ إِلَى الْمَيْتَة وَسَائِر الْمُحَرَّمَات مَعَهَا بِهَذِهِ الْآيَة غُفْرَانه إِذَا أَكَلَ مِنْهَا ؟ قِيلَ : مَا : 8741 - حَدَّثَنِي عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَسَدِيّ , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , عَنْ أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ , قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا فِيهَا مَخْمَصَة , فَمَا يَصْلُح لَنَا مِنْ الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا , أَوْ تَغْتَبِقُوا , أَوْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا , فَشَأْنُكُمْ بِهَا " 8742 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْخَصِيب بْن زَيْد التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا الْحَسَن : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : إِلَى مَتَى يَحِلّ لِي الْحَرَام ؟ قَالَ : فَقَالَ : " إِلَى أَنْ يُرْوَى أَهْلك مِنْ اللَّبَن , أَوْ تَجِيء مِيرَتُهُمْ " . 8743 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا خَصِيب بْن زَيْد التَّمِيمِيّ , قَالَ : ثنا الْحَسَن : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " أَوْ تَحْيَا مِيرَتهمْ " . 8744 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ جَدّه عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , عَمَّنْ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيه فِي الَّذِي حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَاَلَّذِي أَحَلَّ لَهُ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "يَحِلُّ لَك الطَّيِّبَات , وَيُحَرِّم عَلَيْك الْخَبَائِث , إِلَّا أَنْ تَفْتَقِر إِلَى طَعَام لَك فَتَأْكُل مِنْهُ حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " , فَقَالَ الرَّجُل : وَمَا فَقْرِي الَّذِي يُحِلّ لِي , وَمَا غِنَايَ الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كُنْت تَرْجُو نِتَاجًا فَتَبَلَّغْ بِلُحُومِ مَاشِيَتك إِلَى نِتَاجك , أَوْ كُنْت تَرْجُو غِنًى تَطْلُبهُ . فَتَبَلَّغْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا , فَأَطْعِمْ أَهْلك مَا بَدَا لَك حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " فَقَالَ الْإِعْرَابِيّ . مَا غِنَايَ الَّذِي أَدَعهُ إِذَا وَجَدْته ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَرْوَيْت أَهْلك غَبُوقًا مِنْ اللَّيْل فَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ طَعَام مَالِك , فَإِنَّهُ مَيْسُور كُلّه , لَيْسَ فِيهِ حَرَام " 8745 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , قَالَ : وَجَدْت عِنْد الْحَسَن كِتَاب سَمُرَة , فَقَرَأْته عَلَيْهِ , وَكَانَ فِيهِ : وَيَجْزِي مِنْ الِاضْطِرَار غَبُوق أَوْ صَبُوح . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ اِبْن عَوْن , قَالَ : قَرَأْت فِي كِتَاب سَمُرَة بْن جُنْدَب : يَكْفِي مِنْ الِاضْطِرَار - أَوْ مِنْ الضَّرُورَة - غَبُوق أَوْ صَبُوح . 8746 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس , عَنْ هِشَام بْن حَسَّان , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إِذَا اُضْطُرَّ الرَّجُل إِلَى الْمَيْتَة أَكَلَ مِنْهَا قُوته ; يَعْنِي : مُسْكَته . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن مُبَارَك , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا بِأَرْضِ مَخْمَصَة , فَمَا يَحِلّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَة ؟ وَمَتَى تَحِلّ لَنَا الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن يُونُس , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة , عَنْ رَجُل قَدْ سُمِّيَ لَنَا , أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَكُون بِأَرْضِ مَخْمَصَة , فَمَتَى تَحِلّ لَنَا الْمَيْتَة ؟ قَالَ : " إِذَا لَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَر : يُرْوَى هَذَا عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه : "تَحْتَفِئُوا " بِالْهَمْزَةِ , " وَتَحْتَفِيُوا " بِتَخْفِيفِ الْيَاء وَالْحَاء , " وَتَحْتَفُّوا " بِتَشْدِيدِ الْفَاء , وَ " تَحْتَفُوا "بِالْحَاءِ وَالتَّخْفِيف , وَيَحْتَمِل الْهَمْز .'

تفسير القرطبي

فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} تقدم القول فيه في البقرة. الثانية: قوله تعالى { والمنخنقة} هي التي تموت خنقا، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وذكر قتادة : أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها؛ وذكر نحوه ابن عباس. الثالثة: قوله تعالى { والموقوذة} الموقوذة هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية؛ عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي؛ يقال منه : وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ. والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا. قال قتادة : كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك : كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق. وقال الفرزدق : شغارة تقذ الفصيل برجلها ** فطّارة لقوادم الأبكار وفي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؛ فقال : (إذا رميت بالمعراض فخَزَق فكُلْه وإن أصابه بعَرضه فلا تأكله) وفي رواية (فإنه وقيذ). قال أبو عمر : اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض؛ فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته؛ على ما روي عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي. وخالفهم الشاميون في ذلك؛ قال الأوزاعي في المعراض؛ كله خزق أو لم يخزق؛ فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبدالله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا؛ قال أبو عمر : هكذا ذكر الأوزاعي عن عبدالله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه. والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه حديث عدي بن حاتم وفيه (وما أصاب بعرضه فلا تأكله فإنما هو وقيذ). الرابعة: قوله تعالى { والمتردية} المتردية هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت؛ كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه؛ وهي متفعلة من الردى وهو الهلاك؛ وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها. وإذا أصاب السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا؛ لأنه ربما مات بالصدمة والتردي لا بالسهم؛ ومنه الحديث (وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) أخرجه مسلم. وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف؛ فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة؛ فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من المحكم المتفق عليه. وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل. الخامسة: قوله تعالى { والنطيحة} النطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى. وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة؛ لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان. وقيل : نطيحة ولم يقل نطيح، وحق فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال : كف خضيب ولحية دهين؛ لكن ذكر الهاء هاهنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف منطوق به؛ يقال : شاة نطيح وامرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء فتقول : رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم؛ لأنك لو لم تذكر الهاء فقلت : رأيت قتيل بني فلان لم يعرف أرجل هو أم امرأة. وقرأ أبو ميسرة { والمنطوحة} . السادسة: قوله تعالى { وما أكل السبع} يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها، هذه كلها سباع. يقال : سبع فلان فلانا أي عضه بسنه، وسبعه أي عابه ووقع فيه. وفي الكلام إضمار، أي وما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع فقد فني. ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها؛ قاله قتادة وغيره وقرأ الحسن وأبو حيوة { السبْع} بسكون الباء، وهي لغة لأهل نجد. وقال حسان في عتبة بن أبي لهب : من يرجع العام إلى أهله ** فما أكيل السبْع بالراجع وقرأ ابن مسعود { وأكيلة السَّبُع} وقرأ عبدالله بن عباس { وأكيلِ السبُع} . السابعة: قوله تعالى { إلا ما ذكيتم} نصب على الاستثناء المتصل، عند الجمهور من العلماء والفقهاء. وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة؛ فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له. روى ابن عيينة وشريك وجرير عن الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال : سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قُصْبها فأدركت ذكاتها فذكيتها فقال : كل وما انتثر من قُصْبها فلا تأكل. قال إسحاق بن راهويه : السنة في الشاة على ما وصف ابن عباس؛ فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حية بعد، وموضع الذكاة منها سالم؛ وإنما ينظر عند الذبح أحية هي أم ميتة، ولا ينظر إلى فعل هل يعيش مثلها ؟ فكذلك المريضة؛ قال إسحاق : ومن خالف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء. قلت : وإليه ذهب ابن حبيب وذكر عن أصحاب مالك؛ وهو قول ابن وهب والأشهر من مذهب الشافعي. قال المزني : وأحفظ للشافعي قولا آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها السبع أو التردي إلى ما لا حياة معه؛ وهو قول المدنيين، والمشهور من قول مالك، وهو الذي ذكره عبدالوهاب في تلقينه، وروي عن زيد بن ثابت؛ ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيين البغداديين. والاستثناء على هذا القول منقطع؛ أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم. قال ابن العربي : اختلف قول مالك في هذه الأشياء؛ فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذكي بذكاة صحيحة؛ والذي في الموطأ أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري، وهي تضطرب فليأكل؛ وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره؛ فهو أولى من الروايات النادرة. وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة؛ وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت من الشبهة الفكر !. وقال أبو عمرو : قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذنبها أو نحو ذلك؛ وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها؛ وكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكم المتردية وما ذكر معها في الآية. والله أعلم. الثامنة: قوله تعالى { ذكيتم} الذكاة في كلام العرب الذبح؛ قاله قطرب. وقال ابن سيده في [المحكم] والعرب تقول (ذكاة الجنين ذكاة أمه)؛ قال ابن عطية : وهذا إنما هو حديث. وذكى الحيوان ذبحه؛ ومنه قول الشاعر : يذكيها الأسل قلت : الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ذكاة الجنين ذكاة أمه). وبه يقول جماعة أهل العلم، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال : إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا لم يحل أكله؛ لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. قال ابن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ذكاة الجنين ذكاة أمه) دليل على أن الجنين غير الأم، وهو يقول : لو أعتقت أمة حامل أن عتقه عتق أمه؛ وهذا يلزمه أن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه إذا أجاز أن يكون عتق واحد عتق اثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين؛ على أن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جل الناس مستغنى به عن قول كل قائل. وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة له، واختلفوا إذا ذكيت الأم وفي بطنها جنين؛ فقال مالك وجميع أصحابه : ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج به رمق من الحياة، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم بنفسه أكل. وقال ابن القاسم : ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم؛ فأمرت أهلي أن يشووه. وقال عبدالله بن كعب بن مالك. كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه. قال ابن المنذر : وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وإسحاق. قال القاضي أبو الوليد الباجي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر) إلا أنه حديث ضعيف؛ فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال الذي عليه عامة فقهاء الأمصار. وبالله التوفيق. التاسعة: قوله تعالى { ذكيتم} الذكاة في اللغة أصلها التمام، ومنه تمام السن. والفرس المذكى الذي يأتي بعد تمام القروح بسنة، وذلك تمام استكمال القوة. ويقال : ذكى يذكي، والعرب تقول : جري المذكيات غلاب. والذكاء حدة القلب؛ وقال الشاعر : يفضله إذا اجتهدوا عليه ** تمام السن منه والذكاء والذكاء سرعة الفطنة، والفعل منه ذكي يذكى ذكا، والذكوة ما تذكو به النار، وأذكيت الحرب والنار أو قدتهما. وذكاء اسم الشمس؛ وذلك أنها تذكو كالنار، والصحيح ابن ذكاء لأنه من ضوئها. فمعنى { ذكيتم} أدركتم ذكاته على التمام. ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب؛ يقال : رائحة ذكية؛ فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف؛ وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما (ذكاة الأرض يبسها) يريد طهارتها من النجاسة؛ فالذكاة في الذبيحة لها، وإباحة لأكلها فجعل يبس الأرض بعد النجاسة تطهيرا لها وإباحة الصلاة فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة؛ وهو قول أهل العراق. وإذا تقرر هذا فأعلم أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور، مقرونا بنية القصد لله وذكره عليه؛ على ما يأتي بيانه. العاشرة: واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة؛ فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو من آلات الذكاة ما خلا السن والعظم؛ على هذا تواترت الآثار، وقال به فقهاء الأمصار. والسن والظفر المنهي عنهما في التذكية هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقا؛ وكذلك قال ابن عباس : ذلك الخنق؛ فأما المنزوعان فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما عندهم. وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل حال؛ منزوعة أو غير منزوعة؛ منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد، وروي عن الشافعي؛ وحجتهم ظاهر حديث رافع بن خديج قال : قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى - في رواية - فنذكي بالليط ؟. وفي موطأ مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو سعد بن معاذ : أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : (لا بأس بها وكلوها). وفي مصنف أبي داود : أنذبح بالمروة وشقة العصا ؟ قال : (أعجل وأرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) الحديث أخرجه مسلم. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ما ذبح بالليطة والشطير والظرر فحل ذكي. الليطة: فلقة القصبة ويمكن بها الذبح والنحر. والشطير: فلقة العود، وقد يمكن بها الذبح لأن لها جانبا دقيقا. والظُّرر: فلقة الحجر يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر؛ وعكسه الشظاظ ينحر به، لأنه كطرف السنان ولا يمكن به الذبح. الحادية عشرة: قال مالك وجماعة : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. وقال الشافعي : يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين؛ لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت. ومالك وغيره اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال - وهو اللحم - من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة؛ وعليه يدل حديث رافع بن خديج في قوله : (ما أنهر الدم). وحكى البغداديون عن مالك أنه يشترط قطع أربع : الحلقوم والودجين والمريء؛ وهو قول أبي ثور، والمشهور ما تقدم وهو قول الليث. ثم اختلف أصحابنا في قطع أحد الودجين والحلقوم هل هو ذكاة أم لا ؟ على قولين. الثانية عشرة: وأجمع العلماء على أن الذبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة فقد تمت الذكاة؛ واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن هل ذلك ذكاة أم لا، على قولين : وقد روي عن مالك أنها لا تؤكل؛ وكذلك لو ذبحها من القفا واستوفى القطع وأنهر الدم وقطع الحلقوم والودجين لم تؤكل. وقال الشافعي : تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل. وهذا ينبني على أصل، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود منها إنهار الدم ففيها ضرب من التعبد؛ وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونحر في اللبة وقال : (إنما الذكاة في الحلق واللبة) فبين محلها وعين موضعها، وقال مبينا لفائدتها : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل). فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنية ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حظ التعبد، فلم تؤكل لذلك. والله أعلم. الثالثة عشرة: واختلفوا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في الفور وأكمل الذكاة؛ فقيل : يجزئه. وقيل : لا يجزئه؛ والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها. الرابعة عشرة: ويستحب ألا يذبح إلا من ترضى حاله، وكل من أطاقه وجاء به على سنته من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلما أو كتابيا، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي، ولا يذبح نسكا إلا مسلم؛ فإن ذبح النسك كتابي فقد اختلف فيه؛ ولا يجوز في تحصيل المذهب، وقد أجازه أشهب. الخامسة عشرة: وما استوحش من الإنسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسي، في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد؛ وكذلك المتردي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق واللبة على سنة الذكاة. وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم؛ وفي الباب حديث رافع بن خديج وقد تقدم، وتمامه بعد قوله : (فمدى الحبشة) قال : وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا - وفي رواية - فكلوه). وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ قال الشافعي : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة؛ واحتج بما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الشعراء عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟ قال : (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك). قال يزيد بن هارون : وهو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل ورواه عن أبي داود، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه. قال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة؛ وهو قول انفرد به عن مالك وأصحابه. قال أبو عمر : قول الشافعي أظهر في أهل العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي؛ لحديث رافع بن خديج؛ وهو قول ابن عباس وابن مسعود؛ ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسي؛ لأنه صار مقدورا عليه؛ فكذلك ينبغي في القياس إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي. قلت : أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره؛ لقوله : (فحبسه) ولم يقل إن السهم قتله؛ وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد. وقد صرح الحديث بأن السهم حبسه وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه؛ فلا يؤكل إلا بالذبح والنحر. والله أعلم. وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه الترمذي (حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. واختلفوا في اسم أبي الشعراء؛ فقال بعضهم : اسمه أسامة بن قهطم، ويقال : اسمه يسار بن برز - ويقال : بلز - ويقال : اسمه عطارد نسب إلى جده). فهذا سند مجهول لا حجة فيه؛ ولو سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حجة؛ إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره، ولا قائل به في المقدور؛ فظاهره ليس بمراد قطعا. وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه؛ فلا يكون فيه حجة، والله أعلم. قال أبو عمر : وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا. وهذا لا حجة فيه؛ لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه. السادسة عشرة: ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم عن شداد بن أوس قال : اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله كتب) فذكره. قال علماؤنا : إحسان الذبح في البهائم الرفق بها؛ فلا يصرعها بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى القبلة، والإجهاز، وقطع الودجين والحلقوم، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله بالمنة، والشكر له بالنعمة؛ بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا. وقال ربيعة : من إحسان الذبح ألا يذبح بهيمة وأخرى تنظر إليها؛ وحكي جوازه عن مالك؛ والأول أحسن. وأما حسن القتلة فعام في كل شيء من التذكية والقصاص والحدود وغيرها. وقد روى أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان، زاد ابن عيسى في حديثه (وهي التي تذبح فتقطع ولا تفرى الأوداج ثم تترك فتموت). السابعة عشرة: قوله تعالى { وما ذبح على النصب} قال ابن فارس { النصب} حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، وهو النصب أيضا. والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وغبار منتصب مرتفع. وقيل { النصب} جمع، واحده نصاب كحمار وحمر. وقيل : هو اسم مفرد والجمع أنصاب؛ وكانت ثلاثمائة وستين حجرا. وقرأ طلحة { النصْب} بجزم الصاد. وروي عن ابن عمر { النَّصْب} بفتح النون وجزم الصاد. الجحدري : بفتح النون والصاد جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب؛ كالأجمال والأجبال. قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة؛ فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك؛ فأنزل الله تعالى { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج : 37] ونزلت { وما ذبح على النصب} المعنى : والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، وقال الأعشى : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ** لعافية والله ربك فاعبدا وقيل { على} بمعنى اللام؛ أي لأجلها؛ قال قطرب قال ابن زيد : ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد. قال ابن عطية : ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله، ولكن خص بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وتشرف الموضع وتعظيم النفوس له. الثامنة عشرة: قوله تعالى { وأن تستقسموا بالأزلام} معطوف على ما قبله، و { أن} في محل رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام. والأزلام قداح الميسر، واحدها زَلَم وزُلَم؛ قال : بات يقاسيها غلام كالزَّلم وقال آخر، فجمع : فلئن جذيمة قتّلت سرواتها ** فنساؤها يضربن بالأزلام وذكر محمد بن جرير : أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير : قال لنا سفيان بن وكيع : هي الشطرنج. فأما قول لبيد : تزل عن الثرى أزلامها فقالوا : أراد أظلاف البقرة الوحشية. والأزلام العرب ثلاثة أنواع : منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها أفعل، وعلى الثاني لا تفعل، والثالث مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب؛ وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة؛ وإنما قيل لهذا الفعل : استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون؛ كما يقال : الاستسقاء في الاستدعاء للسقي. ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل نجم كذا. وقال جل وعز { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} الآية [لقمان : 34]. وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله. والنوع الثاني : سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه كتاب؛ قدح فيه العقل من أم الديات، وفي آخر (منكم) وفي آخر (من غيركم)، وفي آخر (ملصق)، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك، وهي التي ضرب بها عبدالمطلب على بنيه إذ كان نذر نحر أحدهم إذا كملوا عشرة؛ الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق. وهذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم؛ على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث : هو قداح الميسر وهي عشرة؛ سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف. وقال مجاهد : الأزلام هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها. وقال سفيان ووكيع : هي الشطرنج؛ فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب كما بينا؛ وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كله؛ وهو ضرب من التكهن والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز منداد : ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على الطرقات من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال الكيا الطبري : وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب؛ فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر؛ فاستنبط بعض الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العتق، ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بني على الأخبار الصحيحة، وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام؛ فإن العتق حكم شرعي، يجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على إثبات حكم العتق قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل : إذا فعلت كذا أو قلت كذا فذلك يدلك في المستقبل على أمر من الأمور، فلا يجوز أن يجعل خروج القداح علما على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن يجعل خروج القرعة علما على العتق قطعا؛ فظهر افتراق البابين. التاسعة عشرة: وليس من هذا الباب طلب الفأل، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح؛ أخرجه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب؛ وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل؛ فيحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال : (أنا عند ظن عبدي بي). وكان عليه السلام يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل. قال الخطابي : الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال الأصمعي : سألت ابن عون عن الفأل فقال : هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم، أو يكون باغيا فيسمع يا واجد؛ وهذا معنى حديث الترمذي، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لا طيرة وخيرها الفأل)، قيل : يا رسول الله وما الفأل ؟ قال : (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم). وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى. روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا؛ من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة). الموفية عشرين: قوله تعالى { ذلكم فسق} إشارة إلى الاستقسام بالأزلام. والفسق الخروج، وقد تقدم. وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات، وكل شيء منها فسق وخروج من الحلال إلى الحرام، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود، إذ قال { أوفوا بالعقود} [المائدة : 1]. الحادية والعشرون: قوله تعالى { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا. قال الضحاك : نزلت هذه الآية حين فتح مكة؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، ويقال : سنة ثمان، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن). وفي { يئس} لغتان، يئس ييأس يأسا، وأيس يأيس إياسا وإياسة؛ قاله النضر بن شميل. { فلا تخشوهم واخشوني} أي لا تخافوهم وخافوني فإني أنا القادر على نصركم. الثانية والعشرون: قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حج؛ فلما حج وكمل الدين نزلت هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم} الآية؛ على ما نبينه. روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا؛ قال : وأي آية ؟ قال { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة. لفظ مسلم. وعند النسائي ليلة جمعة. وروي أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما يبكيك) ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (صدقت). وروى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة. قلت : القول الأول أصح، أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت. و { اليوم} قد يعبر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه؛ تقول : فعلنا في شهر كذا وكذا وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة؛ وذلك مستعمل في لسان العرب والعجم. والدين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا؛ فإنها نزلت نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم، قاله ابن عباس والسدي. وقال الجمهور : المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا : وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الربا، ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج، إذا لم يطف معهم في هذه السنة مشرك، ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة. وقيل { أكملت لكم دينكم} بأن أهلكت لكم عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول : قد تم لنا ما نريد إذا كُفيت عدوك. الثالثة والعشرون: قوله تعالى { وأتممت عليكم نعمتي} أي بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام كما وعدتكم، إذ قلت { ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة : 150] وهي دخول مكة آمنين مطمئنين وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالى. الرابعة والعشرون: لعل قائلا يقول : قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم} يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا والحديبية وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهم من أنواع المحن ماتوا على دين ناقص، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كان يدعو الناس إلى دين ناقص، ومعلوم أن النقص عيب، ودين الله تعالى قيم، كما قال تعالى { دينا قيما} [الأنعام : 161] فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه ؟ ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل كون عيبا، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها، ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} [فاطر : 11] أهو عيب له، ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل، ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر صاحبه، فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالى هذه ليست بشين ولا عيب، وما أنكرت أن معنى قول الله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم} يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له : إنه كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه؛ كالرجل يبلغه الله مائة سنة فيقال : أكمل الله عمره؛ ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين كان ناقصا نقص قصور وخلل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر). ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال : كان ناقصا عما كان عند الله تعالى أنه مبلغه إياه ومعمره إليه. وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات؛ فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب عن ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل؛ ولو قيل : كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامه إليها وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا، هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله الدين منتهاه الذي كان له عنده. والله أعلم. والوجه الآخر : أنه أراد بقوله { اليوم أكملت لكم دينكم} أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره، فحجوا؛ فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه وقياما بفرائضه؛ فإنه يقول عليه السلام : (بني الإسلام على خمس) الحديث. وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا؛ فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} فإنما أراد أكمل وضعه لهم؛ وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام. الخامسة والعشرون: قوله تعالى { ورضيت لكم الإسلام دينا} أي أعلمتكم برضاي به لكم دينا؛ فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا؛ فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره. و { دينا} نصب على التمييز، وإن شئت على مفعول ثان. وقيل : المعنى ورضيت عنكم إذا أنقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم. ويحتمل أن يريد { رضيت لكم الإسلام دينا} أي ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية لا أنسخ منه شيئا. والله أعلم. و { الإسلام} في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى { إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 19] وهو الذي يفسر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الإيمان والأعمال والشعب. السادسة والعشرين: قوله تعالى { فمن اضطر في مخمصة} يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية. والمخمصة الجوع وخلاء البطن من الطعام. والخمص ضمور البطن. ورجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة؛ ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع والغرث؛ قال الأعشى : تبيتون في المشتى مِلاءً بطونكم ** وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن. وقال النابغة في خمص البطن من جهة ضمره : والبطن ذو عُكَنٍ خَمِيص لين ** والنحر تَنْفُجُه بثدي مقعد وفي الحديث : (خماص البطون خفاف الظهور). الخماص جمع الخميص البطن، وهو الضامر. أخبر أنهم أعفاء عن أموال الناس؛ ومنه الحديث : (إن الطير تغدو خماصا وتروح بطانا). والخميصة أيضا ثوب؛ قال الأصمعي : الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة، وهي سوداء، كانت من لباس الناس. وقد تقدم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة. السابعة والعشرون: قوله تعالى { غير متجانف لإثم} أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى { غير باغ ولا عاد} [البقرة : 173] وقد تقدم. والجنف الميل، والإثم الحرام؛ ومنه قول عمر رضي الله عنه : ما تجانفنا فيه لإثم؛ أي ما ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه : وكل مائل فهو متجانف وجنف. وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي { متجنف} دون ألف، وهو أبلغ في المعني، لأن شد العين يقتضي مبالغة وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه؛ وتفاعل إنما هو محاكاة الشيء والتقرب منه؛ ألا ترك أنك إذا قلت : تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأودا ومقاربة ميل، وإذا قلت : تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون الرجل وتصون، وتعاقل وتعقل؛ فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده؛ قاله قتادة والشافعي. { فإن الله غفور رحيم} أي فإن الله له غفور رحيم فحذف، وأنشد سيبويه : قد أصبحت أم الخيار تدعي ** علي ذنبا كله لم أصنع أراد لم أصنعه فحذف. والله أعلم.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الآية تبدأ بقوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } ونلحظ أن البداية فعل مبني للمجهول. على الرغم من أن الفاعل في التحريم واضح وهو الله. ولم يقتحم سبحانه على أحد، فالإنسان نفسه اشترك في العقد الإيماني مع ربِّه فألزمه - سبحانه - والعبد من جانبه التزم؛ لذلك يقول الحق: " حرمت " ، حرمها سبحانه كإله وشاركه في ذلك العبد الذي آمن بالله إلها.

والميتة هي التي ذهبت منها الحياة أو خرجت منها الروح بدون نقض للبنية، أي ماتت حتف أنفها، فذهاب الحياة له طريقان: طريق هو الموت أي بدون نقض بنية، وطريق بنقض البنية؛ فعندما يخنق الإنسان كائنا آخر يمنع عنه النفس وفي هذا إزهاق للروح بنقض شيء في البنية؛ لأن التنفس أمر ضروري، وقد يزهق الإنسان روحا آخر يضربه بالرصاص؛ لأن الروح لا تحل إلا في جسد له مواصفات خاصة.

لكَن هناك جوارح يمكن أن تبقى الروح في الجسم دونها، والمثال على ذلك اليد إن قطعت، أما إن توقف قلب الإنسان فقد يشقون صدره ويدلكون هذا القلب فينبض مرة أخرى بشرط أن يكون المخ مازال حيا، وأقصى مدة لحياة المخ دون هواء سبع دقائق في حالات نادرة. فما أن يصاب المخ بالعطب حتى يحدث الموت. ولذلك عرف الأطباء الموت الإكلينيكي بأنه توقف المخ. إذن فهناك موت، وهناك قتل، وفي كليهما ذهاب للروح.

وفي الموت تذهب الروح أولاً، وفي القتل تذهب الروح بسبب نقض البنية. والميتة هي التي ذهبت منها الحياة بدون نقض البنية، ومن رحمة الله أن حرم الميتة؛ لأنها ماتت بسبب لا نراه في عضو من أعضائها، حتى لا نأكلها بدائها.

وكذلك حرم الدم، وهو السائل الذي يجري في الأوردة والشرايين ويعطي الجسم الدفء والحرارة وينقل الغذاء، وللدم مجالان في الجريان؛ فهو يحمل الفضلات من الكلى والرئة، وهناك دم نقي يحمل الغذاء، والأوعية الدموية بها لونان من الدم: دم فاسد ودم صالح. وعندما نأخذ هذا الدم قد يكون فيه النوع الصالح ويكون فيه أيضاً النوع الذي لم تخرج منه الشوائب التي في الكلى والرئة، ولذلك يسمونه الدم المسفوح، أي الجاري؛ وكانوا يأخذونه قديما ويملأون به أمعاء الذبائح ويقومون بشيه ويأكلونه.

وهناك دم غير فاسد، مثال ذلك الكبد، فهو قطعة متوحدة، وكذلك الطحال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

" أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال "

إذن فالكبد والطحال مستثنيان من الدم، لكن إذا جئنا للدم المسفوح فهو حرام. والحكمة في تحليل السمك والجراد هي عدم وجود نفس سائلة بهما، فليس في لحمها دم سائل، وعندما نقطع سمكة كبيرة لا ينزل منها دم.بل يوجد فقط عند الأغشية التي في الرأس ولا يوجد في شعيراته. وعندما يموت السمك ويؤكل فلا خطر منه، وكذلك الجراد.

ويأتي بعد ذلك في سلسلة المحرمات { وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ }. ولا يقولن مؤمن: لماذا حرم الله لحم الخنزير؟ لقد ذهب العلم إلى كل مبحث ليعرف لماذا حرم الله الميتة وكذلك الدم حتى عرف العلماء أن الله لا يريد أن ينقل داء من حيوان ميت إلى الإنسان، وكذلك حرم الله الدم لأن به فضلات سامة " كالبولينا " وغيرها.

ولكل تحريم حكمة قد تكون ظاهرة، وقد تكون خافية. والقرآن قد نزل على رسول أمي في أمة أمية لا تعرف المسائل العلمية الشديدة التعقيد، وطبق المؤمنون الأوائل تعاليم القرآن لأن الله الذي آمنا به إلها حكيما هو قائلها، وهو يريد صيانة صنعته؛ وكل صانع من البشر يضع قواعد صيانة ما صنع. ولم نجد صانع أثاث - مثلا - يحطم دولاب ملابس، بل نجده باذلا الجهد ليجمل الصنعة، ومادام الله هو الذي خلقنا وآمنا به إلها؛ فلا بد لنا أن ننفذ ما يأمرنا به، وأن نتجنب ما نهانا عنه، ولا يمنع ذلك أن نتلمس أسباب العلم، رغبة في ازدياد أسباب الإيمان بالله ومن أجل أن نرد على أي فضولي مجادل، على الرغم من أنه ليس من حق أحد أن يجادل في دين الله؛ لأن الذي يرغب في الجدال فليجادل في القمة أولاً؛ وهي وجود الله، وفي البلاغ عن الله بواسطة الرسول؛ فإن اقتنع، فعليه أن يطبق ما قاله الله. فالدين لا يمكن أن نبحثه من أذنابه، ولكن يبحث الدين من قمته. ونحن ننفذ أوامر الله. ولذلك نجد أول حكم يأتي لم يقل الحق فيه: يا أيها الناس كتب عليكم كذا، ولكن سبحانه يقول: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أي يا من آمنت بي خذ الحكم مني.

وأكرر المثل الذي ضربته سابقاً: أثمن ما عند الإنسان صحته، فإذا تعرضت صحته للاختلال فهو يدرس الأسباب؛ إن كان يرهقه الطعام يختار طبيبا على درجة علم عالية في الجهاز الهضمي، ويكتب الطبيب الدواء، ولا يقول المريض للطبيب: أنا لن أتناول هذا الدواء إلا إذا قلت لي لماذا وماذا سيفعل هذا الدواء.

إذن فالعقل مهمته أن ينتهي إلى الطبيب الذي اقتنع به، وما كتبه الطبيب من تعاليم فعليك تنفيذها، وكذلك الإيمان بالله، فمادام الإنسان قد آمن بالله إلها فعليه أن ينفذ الأوامر في حركة الحياة بـ " افعل " و " لا تفعل " ، والمريض لا يناقش طبيبا، فكيف يناقش أي إنسان ربه: " لم كتبت علي هذا "؟

والطبيب من البشر قد يخطئ؛ وقد يتسبب في موت مريض، وعندما نشك في قدرة طبيب ما نستدعي عدداً من الأطباء لاستشارة كبيرة.وننفذ أوامر الأطباء، ولا يجرؤ أحد أن يناقش الله سبحانه وتعالى بل نقول: كل أوامرك مطاعة.

إننا ننفذ أوامر الأطباء فكيف لا ننفذ أوامر الله؟ إن الإنسان يضع ثثقته في البشر الخطائين، ولا يمكن - إذن - أن تعلو على الثقة في رب السماء؛ لذلك فالعاقلون هم الذين أخذوا أوامر الله وطبقوها جون من مناقشة؛ لأن العقل كالمطية يوصل الإنسان إلى عتبة السلطان، ولكن لا يدخل معك عليه، وحين تسمع من الله فأنت تنفذ ما أمر به.

{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ } وقد أثبتت التحليلات أن بلحم الخنزير دودة شريطية ودودة حلزونية وعددا آخر من الديدان التي لا يقهرها علاج.

والمحرمات من بعد ذلك { وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } أي رفع الصوت به لغير الله كقولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه، ولا يقال عند ذبحه: " الله أكبر بسم الله "؛ لأن الإنسان منتفع في الكون الذي يعيش فيه بالأجناس التي طرأ عليها، لقد وجد الإنسان هذه الأجناس في انتظاره لتخدمه لأنه خليفة الله في الأرض، والحيوان له روح ولكنه يقل عن الإنسان بالتفكير، والنبات تحت الحيوان، والجماد أقل من النبات. وساعة يأخذ الإنسان خدمة هذه المسخرات، فعليه أن يذكر الخالق المنعم، وعندما يذبح الإنسان حيوانا، فهو يذبحه بإذن الأكبر من الإنسان والحيوان والكون كله، يذبحه باسم الخالق.

إن هناك من ينظر إلى اللحم قائلاً: أنا لا آكل لحم الحيوانات لأني لا أحب الذبح للحيوان شفقة ورحمة، لكن آكل النبات. ونقول: لو أدركت ما في النبات من حياة أكنت تمتنع عن أكله؟ لقد ثبت في عصرنا أن للنبات حياة، بل وللجماد حياة أيضاً؛ لأنك عندما تفتت حصوة من الصوان أو أي نوع من الأحجار، فأنت تعاند بدقات المطرقة ما في تلك الحصوة من تعانق الجزيئات المتماسكة، وقد تفعل ذلك وأنت لا تدري أن فيها حياة.
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ }
[الإسراء: 44]

والصالحون من عباد الله يعرفون ذلك ويديرون لأعمالهم وتعاملهم مع ما سواهم من المخلوقات جميعا - حيوان أو جماد - على أنها مسبّحة لذلك لا يمتهنون الأشياء ولا يحتقرونها مهما دقت وحقرت وإنما يتلطفون معها حتى لو ذبحوا حيوانا فإنهم يرحمون ذلك الحيوان فلا يشحذون ولا يسنون السكين أمامه ولا يذبحون حيوانا أمام حيوان آخر فضلا على أنهم يطعمون ويسقون ما يرديون ذبحه لأنهم يعلمون أنه مسبح ولكنهم فعلوا فيه ما فعلوا لأن الله أباح لهم ذلك ليستديموا حياتهم بأكله فهم أهل تكليف من الله، أما ما عداهم فهم أهل تسخير.

{ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تشرح لنا أن الحق هو الذي حلل لنا أن نأكل من الذي له حس وحركة، كالحيوان الذي يتطامن للإنسان فيذبحه، ولا بد للإنسان أن يعرف الشكر لواهب النعمة، فـ " بسم الله الله أكبر " تؤكد أنك لم تذبحه إلا باسم من أحله لك.
{  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }
[يس: 71-72]

إذن فالأكل من ضمن التذليل، وعندما تذبح الحيوان لا بد أن تذكر من ذلل لك ذلك. ويحرم الحق أكل المنخنقة، أي الحيوان الذي مات خنقاً؛ لأن قوام الحياة ثلاثة؛ طعام، شراب، هواء، وهذا من حكمة الخالق الذي خلق الصنعة ورتب الأمر حسب الأهم والمهم، فالإنسان قد يصبر على الجوع إلى ثلاثين يوماً؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى قدر لك - أيها الإنسان - ظروف الأغيار، فجعل في جسمك مخزونا لزمن قد تجوع فيه، وجعل للإنسان شهوة إلى الطعام، وغالبا لا يأكل الإنسان ليسد الرمق فقط، ولكن بشهوة في الأكل.

إن ربنا يوضح لنا: أنا أحترم شهوتك للطعام، ولتأخذ حركتُك الضروريَّ لها من الطاقة، والزائد سيُخزن في الجسم كدهون ولحم، فإن جاء يوم لا تجد فيه طعاماً أخذت من الدهون المخزونة طاقة لك. وهذه من دقة الصنعة، وإن قارنتها بسيارة صنعها الإنسان إذا ما فرغ منها الوقود فإنها تقف ولا تسير، أما صنعة الخالق فهي لا تقف إن توقف الطعام بل تستمر إلى ثلاثين يوماً، وربما حن على الإنسان قلب إنسان آخر فأحضر له الطعام، وربما احتال الإنسان ليخرج من مأزق عدم وجود الطعام.

إن المرأة العربية وصفت الشدة والعوز فقالت: " سنة أذابت الشحم، وسنة أذهبت اللحم، وسنة محت العظم " أي أن الأمر درجات، فالإنسان يتغذى من دهنه ثم من لحمه ثم من عظامه، ويصبر الإنسان على الماء مدة تترواح ما بين ثلاثة، وعشرة أيام، حسب كمية المياه المخزونة في الجسم. أما الهواء فلا يصبر عنه الإنسان إلا بمقدار الشهيق والزفير، فإن حُبس الهواء عن الإنسان مات. فالنَفَس هو أهم ضرورة للحياة، ولذلك نجد من حكمة الحق سبحانه أنه لم يملّك الهواء لأحد؛ لأن أحداً لو امتلك الهواء بالنسبة لإنسان آخر فقد يمنع عنه الهواء لحظة غضب فتنتهي منه الحياة.

واللغة العربية فيها من السعة ومن دقة الأداء ما يدل على أن هناك أسرارا للمعاني، تلتقي عند شيء ما، فمثلاً إذا قلت: نَفْس، أو نفيس، أو نفَس، نجد أنها ثلاث كلمات مكونة من مادة واحدة هي " النون والفاء والسين " ، النفْس هي اتصال الروح بالمادة فتنشأ الحياة بها، ويلهم ربنا النفس فجورها وتقواها، والنَّفَس: وهو الريح تدخل وتخرج من فم وأنف الحي ذي الرئة حال التنفس ولا تدوم الحياة إلا به، ومادام أساس الحياة هو النفَس فيجب ألا تكون حياتك إلا من أجل نفيس، ويجب أن تحترم خلق الله لك وألا يكون سعيك في الدنيا إلا من أجل نفيس، ولا نفيس إلا الإيمان.وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لما يسمى بالجناس، فنحن نسمي الأكل في الميعاد " وجبة " ، ونسمي المسئولية " واجبا " ونسمي دقة القلب " الوجيب ". ولذلك عندما أراد الشعراء أن يتفننوا جاء واحد منهم بلفظين متماثلين ولكل منهما معنى مختلف فقال:
رحلت عن الديار لكم أسير   وقلبي في محبتكم أسير
فأسير في الشطر الأول يمعنى أمشي، وأسير في الشطر الثاني من البيت بمعنى مأسور ومقيد.

فالمنخنقة إذن هي التي منع عنها النفس، ومادام مَنْع النفس أوصلها إلى الخنق فهي إلى الموت، فلماذا جاء ذكرها مرة أخرى بعد الميتة؟ لقد جاء ذكر المنخنقة لأن الإنسان قد يلحقها بالذبح، فإن سال منها دم، وطرفت فيها عين أو تحرك الذيل فهي حلال. أما إن لم يلحقها الإنسان وذبحها ولم يسل منها دم فهي حرام، ويحرم الحق الموقوذة، وهي البهيمة التي يتم ضربها بأي شيء إلى أن تصل للموت، فهي قد ماتت، بنقض بنية وكذلك المتردية التي وقعت من ارتفاع حتى ماتت، وكذلك { وَٱلنَّطِيحَةُ } أي التي نطحها حيوان آخر إلى أن ماتت. { وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } وهو ما يبقى من أكل السبع من لحم ما افترسه من حيوان مأكول، { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } ، والذكاة هي الذبح الذي يسيل منه الدم وتأتي بعده حركة من المذبوح. والمقصود بقوله { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } هو المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن أدركها الإنسان وذبحها وسال منها دم وصدرت منها حركة فهي حلال.

هذا هو رأي علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو مفتي الإيمان. وابن عباس - رضي الله عنه - وهو حَبْر الأمة قال - أيضا - في قوله الحق: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } هو استثناء لغير الميتة والدم ولحم الخنزير ومقصود به المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وهذا يوضح لنا أن هناك حيوانات شرسة قد لا يقوى الإنسان عليها. وأحياناً قد يقدر الإنسان عليها فيقوم بتكتيفها بالحبال، وأحيانا يضربها بآلة لتختل وتضعف قليلا ويتملكها الجزار ليذبحها.

ونلاحظ أن الحق لم يحدد الحيز من الجسم الذي أصيبت فيه الموقوذة سواء أكان البطن أم الرأس أم الظهر، فالحيوان المضروب رميا بالحجارة قد تأتي الأحجار في الرأس أو البطن أو الظهر، فمن الجائز أن يضرب الإنسان الحيوان الشرس ليستطيع أن يذبحه.

والحجة عندنا في التحليل أو التحريم هي: أيسيل منها الدم ساعة الذبح أم لا؟ وهل يصدر عن جسمها حركة ولو طرفة عين؟ فإن توافر ذلك في الذبيحة فهي حلال، وهكذا نعرف أن قوله الحق: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } هو استثناء لغير الثلاثة الأول وهي: الميتة والدم ولحم الخنزير ومعها ما أهل لغير الله به لأنه محرم بطبيعة الإيمان العقدي.{ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } ويحرم الحق ما أكله السبع إلا إذا كان الحيوان الذي أكله السبع لم يمت واستطاع واحد أن يذبحه الذبح الشرعي. وسبحانه يحريم ما لم يذبح بالأسلوب الشرعي، فلا يحل ذَبْح بعظم أو بِسِنّ والذي ذبح على النصب، أي المذبوح على الأحجار المنصوبة كالأصنام فهو حرام، والكلام هنا عقدي، والتحريم هنا بعارض عقدي.

و " النُّصُب " من الألفاظ التي وردت مفرداً ووردت جمعاً. فـ " نصُب " هي جمع، مثلما نجمع كلمة " حمار " ونقول " حُمُر " ، وفي هذه الحالة يكون مفردها " نِصاب " ، ومرة تكون " نصب " مفرداً، مثلها مثل " طُنُب " وهو الحبل وجمعها " أطناب " أي حبال، وفي هذه الحالة يكون جمع " نُصُب " هو " أنْصَاب ".

والنُّصُب هي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقرباً للآلهة. والتحريم هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به، فما أهل لغير الله فيه شرك بالله فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك. وكذلك أيضاً ما ذبح على النصب محرم؛ لأن النصب غير واهب ولا معط، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب.

{ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ } واستسقم أي طلب القسمة، وكانت القسمة في بعض الأحيان عملية محرجة فيريدون إلصاقها بعيرهم، وهنا يقال: " إن الأزلام هي التي أمرتني ". والأزلام هي قداح من الخشب مكتوب على بعضها: " أمرني ربي " ومكتوب على البعض الآخر: " نهاني ربي " وبعض من هذه القداح غفل بغير كتابة. وكان المشرك إذا أراد السفر فهو يذهب إلى سادن الكعبة أو الكاهن، ويخرج السادن أو الكاهن الأزلام من الكيس، ويحرك القداح ويختار المشرك قِدْحاً، فإن قرأ عليه " أمرني ربي " يسافر إلى المهمة التي يريدها، وإن لم يقرأ عليه ووجده غفلا فهو يعيد الكَرَّةَ؛ فإن وجد " نهاني ربي " لا يسافر.

ونسأل: من هو الرب الذي أمر؟ هل هو الرب الأعلى، أو الرب الذي كانوا يعبدونه؟ أي إله كانوا يقصدون؟ إن كان المقصود به الإله الأعلى، فمن أدراهم أن الله أمر بهذا السفر أو نهى عن ذلك السفر؟ إن ذلك كذب على الله. وإن كان الذي أمر هو الرب الذي يعبدونه، فهذا أمر باطل من أساسه، إذن فـ " استقسم " أي أنّه طلب حظه وقسمته بواسطة القداح. وكان الاستقسام يتم في مسائل الزواج أو عدم الزواج، والكلام هنا في هذه الآية عن الأكل؛ فالسياق عن تحليل ألوان الطعام فلماذا هذا الاستقسام؟

من هذا نعرف أنهم كانوا في الجاهلية يخضعون للون من الاستقسام بالأزلام، كانت عندهم عشرة قداح وكان مكتوبا عليها أسماء، فواحد على سبيل المثال مكتوب عليه " الفذ " وعليه علامة واحدة.أي أن الذي يسحب هذا القدح يأخذ نصيبا واحداً؛ أما المكتوب عليه " التوأم " فيأخذ نصيبين، والمكتوب عليه " الرقيب " يأخذ ثلاثة أنصباء، والمكتوب عليه " الحِلس " يأخذ أربعة أنصباء، والمكتوب عليه " النافر " يأخذ خمسة أنصباء؛ والمكتوب عليه " المُسْبل " يأخذ ستة أنصبة، ووالمكتوب عليه " المُعلّي " يأخذ سبعة أنصبة، والباقي ثلاثة أنواع مكتوب على كل واحد منها إما " المنيح " وإمّا " السفيح " وإمّا " الوغد ".

وعندما يقومون بذبح الجمل كانوا يقسمونه إلى ثمانية وعشرين نصيباً بعدد الأنصبة التي ينالها الأشخاص السبعة الأوائل، أما من خرج لهم " المنيح " أو " السفيح " أو " الوغد " فلا نصيب لهم ويدفعون ثمن الذبيحة.

إذن فقوله الحق: { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ } أي أن مسألة طلب القسمة بواسطة الأزلام هو أسلوب مجحف وحرام، وهو لون من الميسر، والاستقسام بالأزلام خلاف القرعة، فالقرعة تكون بين اثنين متساويين ولا يريد أحدهما أن يظلم الآخر، فيخرجا الهوى من الاختيار.

مثال ذلك: اثنان من البشر يملكان بيتاً، وتحري كل منهما العدل في القسمة ويلجآن إلى القرعة بأن يكتب كل منهما اسمه في ورقة ثم يضعا الورقتين في إناء ضيق ويحضر طفل صغير لا يعرف المسألة ويغمض عينيه ويشد ورقة من الاثنتين، فيأخذ كل واحد النصيب الذي حددته القرعة.

ومثال آخر: الرجل المتزوج بأكثر من واحدة، عليه أن يقرع بين النساء إن أراد صحبة إحداهن في سفر، والقرعة هنا حتى لا تغضب واحدة من الزوجات، وحتى لا يكون الهوى هو الحكم، وبذلك يخرج من دائرة لوم مَن لا تخرج قرعتها.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فعندما أراد صلى الله عليه وسلم ألا يكسر خاطر أي واحد من الأنصار عندما هاجر إلى المدينة، وتطلع كل واحد من الأنصار إلى أن ينزل رسول الله في بيته، وحاول كل واحد أن يمسك بزمام الناقة وأن يجعلها تقف أمام بيته، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" خلوا سبيلها فإنها مأمورة "

فعندما تميل الناقة وتقف عند أي بيت لن يقول أحد: إن النبي آثر فلاناً على فلان. جعلها الرسول في يد من لا يقدر أحد على ان يخالفه عليه، وكذلك فالاستخارة غير الاستقسام. إذن فالاستقسام بالأزلام هو المحرم شرعاً؛ لأنها عملية غير مناسبة وهي ظالمة، ووردت هنا في سياق ألوان الطعام.ويقول سبحانه عن كل تلك الألوان من المحرمات؛ إنَّ ارتكابها فسق. { ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } والفسق هو الخروج عن الطاعة. والمعاني - كما علمنا من قبل - مأخوذة من المحسّات؛ لأن إلف الإنسان في أول إدراكاته بالمحسات، فهو يرى ويسمع ويشم، وبعد ذلك تأتي الأمور العقلية.

وأصل الفسق هو خروج الرطبة عن قشرتها؛ فالبلحة عندما تترطب تنكمش الثمرة داخل القشرة وتخرج منها عندئذ يقال: " فسقت الرطبة " أي خرجت من قشرتها، وكذلك من يخرج عن منهج الله يسمونه فاسقاً؛ تماماً مثل الرطبة، وفي هذا رمزية تدل على أن شرع الله سياج يحيط بالإنسان؛ فالذي يخرج عن منهج الله يكون فاسقاً. وإياك أيها المسلم أن تخرج عن شرع الله؛ لأن الرطبة عندما تخرج عن القشرة فالذباب يحوم حولها ويصيبها التراب وتعافها النفس، فَكَان دين الله كإطار يحمي الإنسان بالإيمان.

وهذه الأحكام كلها تبني قضية الدين، قضية عقدية في الألوهية، قضية البلاغ عن الألوهية بواسطة الرسالة. وأحكام تنظم حركة المجتمع بالعقود والأمانات والأنكحة وغيرها، كل هذه الأحكام تصنع هيكل الدين العام. وقد مر هيكل الدين العام بمرحلتين: المرحلة المكية وكان كل هدفها التركيز على العقيدة والإيمان بوحدانية الله والنبوات والبلاغ عن الله، وبعد ذلك في المرحلة المدنية جاءت سورة النساء وسورة المائدة لتتكلما عن الأحكام.

وبالعقيدة وبالبلاغ عن الله وبالأحكام يكتمل الدين؛ لذلك يقول الحق: { ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } كأن الكافرين كان لهم أمل في أن يحبطوا هذا الدين وأن يبطلوه وأن ينقضوه، وكذلك المؤمنون بأديان سابقة أو بكتب سابقة كانوا يحبون أن يطرأ على القرآن الأفعال التي مارسوها مع كتابهم من النسيان والترك والتحريف، وسبحانه هو القائل عن أصحاب الكتب السابقة:
{  وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ }
[المائدة: 13]

إذن فقد أرادوا أن ينسى المسلمون - أيضاً - حظاً من القرآن، لكن الحق يخبر بأنهم يئسوا أن ينسى المسلمون حظا مما ذكروا به؛ لأن الصحابة حفظوا القرآن في الصدور وكتبوه في السطور ومن لسان الرسول مباشرة. ولم يحدث مثلما حدث مع الرسل السابقين. فقد تم تسجيل هذه الكتب المنزلة عليهم بعد ثلاثة أو أربعة قرون، بل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن من فور نزول كل نجم من الآيات، وكان يأمر بوضع الآيات بترتيب معين.

إن على الذين كفروا أن ييأسوا من أن ينسى المسلمون حظاً مما ذكروا به. وهؤلاء القوم من أهل الكتاب لم ينسوا حظاً مما ذكروا به فقط، لا أيضاً حرفوا الكتاب عن مواضعه وكتموا ما أنزل الله:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ }
[البقرة: 174]

وهم يئسوا من أن يكتم المسلمون ما أنزل الله، بدليل أن رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يأتي بحكم في شيء، ثم يغير الله ذلك الحكم، فلا يستحي رسول الله أن يبلغ: أن الحكم الذي قلته لكم قد غيره الله لي.وهل يستنكف أن يعدل الله له؟ وهذا دليل على أمانة البلاغ عن الله؛ لذلك يئس الكافرون بألوانهم المختلفة من أن ينسى المؤمنون حظا مما ذكروا به؛ لأن تسجيل القرآن كان أمينا بصورة لا نهاية لها، وظل القرآن مكتوباً في السطور ومحفوظاً في الصدور.

والحق يعلن عن يأس الكفار من مشركين وأهل كتاب بقوله: { ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } يئسوا لأن المراحل التي مرت بالكتب السابقة لن تمر بهذا الدين. وقد توهم أهل الكتاب أن الإسلام سيمر بما طرأ عليهم، وظن بعضهم أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب من ترك لدينهم وإهدار له. وكذلك ظن بعض كفار قريش أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب، فقد كانت عندهم التوراة وهم مع ذلك لا يتبعون كتابهم، فيرد الحق على كل هؤلاء: { ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ }.

وقوله: " اليوم " يعني الزمان الذي مضى والزمان المستبقل، فقد أتم الله دين الإسلام ورضيه لنا وفتحت مكة للمسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجا. وصار القرآن مكتوباً ومحفوظاً. وبذلك تأكد يأس الكافرين والمشركين أن يُنسى القرآن أو أن يُكتم القرآن؛ لأن من أنزل عليه الكتاب، كان إذا جاء أمر يتعلق به فهو يقوله. وعندما مال قلب المسلمين ذات مرة إلى تبرئة المسلم الذي سرق وأن تلصق التهمة باليهودي البريء، هنا نزل من القرآن قوله:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105]

لقد أمر الحق أن يكون النبي هو الحكم العدل حتى ولو كان حكماً ضد مسلم, ويأمر الحق رسوله أن يستغفر الله إن كان قد ألم به خاطر أن ينصر المسلم الخائن على اليهودي الذي لم يسرق، إنها سماحة دين الإسلام.

{ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ }. ولقد تم دين الله. ودخل الناس إلى الإسلام أفواجا. ولن يُنسى القرآن. ولن يكتم القرآن أحد. ولن يحرف القرآن أحد. ولن يحدث للقرآن ما حدث للكتب السابقة من نسيان وكتمان وتحريف، أو الإتيان بأشياء أخرى والقول والزعم بأنها من عند الله، وهي ليست من عند الله. إذن فقد يئس الذين كفروا من أن يتزيد المسلمون في دينهم. ولن توجد بين المسلمين تلك المثالب والعيوب التي ظهرت في الأقوام السابقة.

{ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْْ } لقد يئسوا من أن يُغلب الإسلام، بل إن الإسلام سَيَغْلب. وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره.{ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } وقد حكم سبحانه ألا يأتي أمر يحقق لأعداء الإسلام الشماتة به، أو أن تتحقق لهم الفرصة في انكسار الإسلام، فلا تخشوهم أيها المسلمون لأنكم منصورون عليهم، ولن تدخلوا في أسباب الخيبة التي دخلوا فيها. وعليكم أيها المؤمنون بخشية الله.

ولو أراد أحد تغيير شيء من منهجه سبحانه سيلقى العقاب، وسبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فكتاب الله معكم وترك فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجه، فإن خالفتم المنهج فستتلقون العقاب، كما هزم الله المسلمين في أحُد أمام المشركين لأنهم خالفوا المنهج. فما نفعهم أنهم كانوا مسلمين منسوبين للإسلام بينما هم يخالفون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فلا خشية من المسلمين لأعدائهم. ولكن الخشية تكون لله، فإن خفتم فخافوا الله وحافظوا على تنفيذ منهج الله. ومادام سبحانه هو الآمر: لا تخش أعداء الله لأنه زرع في قلوبهم اليأس من أن ينسى المسلمون المنهج، او أن يتزايدوا في الدين، أو يكتموا الدين، فهم لا يحرفونه ولا يزيدون فيه. إذن فالعيب كل العيب ألا تطبقوا منهج الله.

{ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والإكمال هو أن يأتي الشيء على كماله، وكمال الشيء باستيفاء أجزائه، واستيفاء كل جزء للمراد منه. وقد أتم الله استمرار النعمة بتمام المنهج.

لقد رضي الحق الإسلام ديناً للمسلمين. ومادام رضي سبحانه الإسلام منهجاً، فإياكم أن يرتفع رأس ليقول: لنستدرك على الله؛ لأن الله قال: " أكملت " فلا نقص. وقال: " أتممت " فلا زيادة. وعندما يأتي من يقول: إن التشريع الإسلامي لا يناسب العصر. نرد: إن الإسلام يناسب كل عصر، وإياك أن تستدرك على الله؛ لأنك بمثل هذا القول تريد أن تقول: إن الله قد غفل عن كذا وأريد أو أصوب لله، وسبحانه قال: " أكملت " فلا تزيد، وقال: " أتممت " فلا استدراك، وقال: " ورضيت " فمن خالف ذلك فقد غَلَّب رضاه على رضا ربه.

إن الخالق سبحانه هو أعلم بخلقه تمام العلم، ويعلم جل وعلا أن الخلق ذو أغيار، وقد تطرأ عليهم ظروف تجعل تطبيق المنهج بحذافيره عسيراً عليهم أو معتذراً فلا يترك لهم أن يترخصوا هم، بل هو الذي يرخص، فلا يقولن أحد: إن هذه مسألة ليست في طاقتنا. فساعة علم الحق أن هناك أمراً ليس في طاقة المسلم فقد خففه من البداية. وما دمنا ذوي أغيار، وصاحب الأغيار ينتقل مرة من قوة إلى ضعف، ومن وجود إلى عدم، ومن عزة إلى ذلة؛ لذلك قدر سبحانه أن يكون من المؤمنين بهذا المنهج الكامل من لا يستطيع القيام لمرض أو مخمصة، فرخص لنا سبحانه وتعالى: { فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.إذن فالحق قد ذكر أن شيئاً من الأغيار قد يطرأ على النفس البشرية، وما دام استبقاء الحياة يتطلب القوت، والإنسان قد يمر بمخمصة وهي المجاعة التي تسبب الضمور في البطن، هنا يرخص الحق للجائع في مخمصة أن يأكل الميتة أو ما في حكمها بشرط الاضطرار لاستبقاء الحياة، فلا يقول واحد على سبيل المثال:

أنا مضطر أن أتعامل مع البنك بالربا لأني أريد أن أتاجر في مائة ألف جنيه وليس معي إلا ألف جنيه. وهذا ما هو حادث في كل الناس. هنا أقول: لا. عليك بالتجارة في الألف التي تملكها ولا تقل أنا مضطر للتعامل في الربا. فالمضطر هو الذي يعيش في مجاعة وإن لم يفعل ذلك يموت أو يموت من يعول. وقد رخص الشرع للإنسان الذي لا يملك مالاً أن يقترض من المرابي إن لم يجد من يقرضه ليشتري دواء أو طعاماً أو شيئا يضطر إليه لنفسه أو لمن يعول. والإثم هنا يكون على المرابي، لا على المقترض لأنه مضطر.

ولذلك قال الحق: { فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } ، أي أنه كاره للإثم وإن ذهب إليه. ولذلك يباح للمضطر على قدر الضرورة. لدرجة أن رجال الشريعة قالوا: إن على الإنسان المضطر ألا يأكل من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع، بل يأخذ أقل الطعام الذي يمسك عليه رمقه ويبقى حياته فقط. فإذا كان يسير في الصحراء فعليه ألا يأخذ من الميتة أو ما في حكمها إلاَّ قدراً يسيراً لأنه لا يجد شيئاً يتقوت به.

إذن فمعنى اضطر في مخمصة شرط أن يكون غير متجانف لإثم، أي لا يكون مائلاً إلى الإثم فرحا به، فعليه ألا يأخذ إلا على قدر الضرورة. ومادام على قدر الضرورة فهو لن يحمل معه من هذه الأشياء المحرمة إلا ما يقيم أوده ويمسك روحه. والمضطر هو من فقد الأسباب البشرية. وسبحانه وتعالى قد بسط أسبابه في الكون ومد بها يديه إلى خلقه، وأمر الأسباب: استجيبي لهم مؤمنين كانوا أو كافرين، فالذي يزرع ويحسن الزراعة والري والبذر والحرث فالله يعطيه، والذي يتقن عمله كتاجر تتسع تجارته وتزيد أرباحه.
{  مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }
[الشورى: 20]

إن عطاء الأسباب هو عطاء الربوبية. والمضطر هو من فقد أسبابه. ولذلك فالحق يجيب المضطر إذا دعاه. وقد يقول قائل: إنني أدعو الله ولا يجيبني. ونقول: إنك غير مضطر لأنك تدعو - على سبيل المثال - بأن تسكن في قصر بدلاً من الشقة التي تسكنها، وأنت تدعو بأن يعطيك الله سيارة فارهة وأنت تملك وسيلة مواصلات عادية.فالمضطر - إذن - هو الذي فقد الأسباب ومقومات الحياة.
{  أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }
[النمل: 62]

وقد ضربنا من قبل المثل - ولله المثل الأعلى - بتاجر يستورد بضائع تصله من الخارج في صناديق ثقيلة. تحملها السيارات الضخمة، ويقوم أحد العمال أمامه بحمل صندوق ضخم، فغلب الصندوقُ العامل. وهنا يقفز التاجر ليسند العامل.

وهذه هي المساندة في المجال البشري، إذن فلا يَردّ واحد أسبابَ الله من يده ويقول من بعد ذلك: يارب أعني؛ لأن الله في تلك اللحظة يوضح للعبد: إنّ عندك أسبابي ومادامت أسبابي موجودة، فلا تطلب من ذاتي إلا بعد أن تنفذ أسبابي من عندك؛ لذلك يباح للمضطر أن يأخذ القدر الذي يردّ به السوء عن نفسه.

{ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ومادام سبحانه قد رخص لنا ذلك، فما الداعي أن يذيل الآية بمغفرته ورحمته؟ ولنفهم أن الإنسان يأخذ الغفر مرة على أنه ستر العقاب عنه، وقد يكون الغفر سترَ الذنب عن العبد لأن الله رحيم. وهذا ما يشرح لنا ما قاله الحق لرسوله:
{  لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ }
[الفتح: 2]

فسبحانه يغفر بستر العقاب، ويقدم الغفر لستر الذنب فلا يفارقه الإنسان ويقول الحق بعد ذلك: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ... }


www.alro7.net