سورة
اية:

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

تفسير بن كثير

الإيمان في اللغة يُطلق على التصديق المحض كما قال تعالى { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا عملا، هكذا ذهب أكثر الائمة وحكاه الشافعي وأحمد إجماعا: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص وقد ورد فيه آثار كثيرة أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ومنهم من فسره بالخشية: { إنّ الذين يخشون ربهم بالغيب} والخشيةُ خلاصة الإيمان العلم: { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء} . وأما الغيب المراد ههنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، فقال أبو العالية: يؤمنون باللّه وملائكته وكتبه ورسله، وجنته ولقائه، وبالحياة بعد الموت فهذا غيبٌ كله. وقال السُّدي عن ابن عباس وابن مسعود: الغيبُ ما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن. وقال عطاء: من آمن باللّه فقد آمن بالغيب. فكل هذه متقاربة في معنى واحد والجميع مراد. روى ابن كثير بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: (كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فذكرنا أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بَيِّنا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحدٌ قط إيمانا أفضلَ من إيمانٍ بغيب، ثم قرأ: { الذين يؤمنون بالغيب - إلى قوله - المفلحون ""رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم: وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه""} وفي معنى هذا الحديث ما رواه أحمد عن ""ابن محيريزٍ""قال: قلت لأبي جمعة حدثْنا حديثا سَمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال نعم أحدثك حديثا جيدا: (تغدينا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال يا رسول اللّه: هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، قال: نعم قومٌ من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني) ""رواه أحمد عن أبي جمعة الأنصاري وله طرق أخرى""وفي رواية أُخرى عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببيت المقدس يصلي فيه ومعنا يومئذ ""رجاء بن حيوة""رضي اللّه عنه، فلما انصرف خرجنا نشيِّعه فلما أراد الانصراف قال: إنَّ لكم جائزة وحقا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلنا: هات رحمك اللّه، قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ومعنا معاذ ابن جبل عاشر عشرة - فقلنا يا رسول اللّه: هل من قومٍ أعظم منا أجرا ؟ آمنا بك واتبعناك، قال: (ما يمنعكم من ذلك ورسول اللّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين، يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا، أولئك أعظم منكم أجرا (""رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن صالح بن جبير عن أبي جمعة"". وقوله تعالى: { ويقيمون الصلاة} قال ابن عباس إقامة الصلاة: إتمامُ الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها. وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى: لها حارسٌ لا يبرح الدهرَ بيتَها ** وإن ذبحت صلَّى عليها وزمزما وقال الأعشى أيضا: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ** نوما فإن لجنب المرء مضطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود بشروطها المعروفة وصفاتها المشهورة. { ومما رزقناهم ينفقون} قال ابن عباس: زكاة أموالهم. وقال ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نفقةُ الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال قتادة: فأنفقوا مما أعطاكم اللّه، هذه الأموال عوارٍ وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات. قال ابن كثير: كثيرا ما يقرن اللّه تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق اللّه وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والانفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكلٌ من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخلٌ في قوله تعالى: { وممّا رزقناهم ينفقون} .

تفسير الجلالين

{ الذين يؤمنون } يصدِّقون { بالغيب } بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار { ويقيمون الصلاة } أي يأتون بها بحقوقها { ومما رزقناهم } أعطيناهم { ينفقون } في طاعة الله.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } 220 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } قَالَ : يُصَدِّقُونَ . حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عُثْمَان بْن صَالِح السَّهْمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يُؤْمِنُونَ } يُصَدِّقُونَ . 221 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { يُؤْمِنُونَ } يَخْشَوْنَ . 222 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ : الْإِيمَان : الْعَمَل . 223 - وَحَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب بْن رَافِع , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : الْإِيمَان : التَّصْدِيق . وَمَعْنَى الْإِيمَان عِنْد الْعَرَب : التَّصْدِيق , فَيَدَّعِي الْمُصَدِّق بِالشَّيْءِ قَوْلًا مُؤْمِنًا بِهِ , وَيَدَّعِي الْمُصَدِّق قَوْله بِفِعْلِهِ مُؤْمِنًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } 12 17 يَعْنِي : وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلنَا . وَقَدْ تَدْخُل الْخَشْيَة لِلَّهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَان الَّذِي هُوَ تَصْدِيق الْقَوْل بِالْعَمَلِ . وَالْإِيمَان كَلِمَة جَامِعَة لِلْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله , وَتَصْدِيق الْإِقْرَار بِالْفِعْلِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة وَأَشْبَهَ بِصِفَّةِ الْقَوْم : أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالتَّصْدِيقِ بِالْغَيْبِ , قَوْلًا , وَاعْتِقَادًا , وَعَمَلًا , إذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْصُرهُمْ مِنْ مَعْنَى الْإِيمَان عَلَى مَعْنًى دُون مَعْنًى , بَلْ أَجْمَلَ وَصْفَهُمْ بِهِ مِنْ غَيْر خُصُوص شَيْء مِنْ مَعَانِيه أَخَرَجَهُ مِنْ صِفَتهمْ بِخَبَرٍ وَلَا عَقْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } 220 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } قَالَ : يُصَدِّقُونَ . حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عُثْمَان بْن صَالِح السَّهْمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يُؤْمِنُونَ } يُصَدِّقُونَ . 221 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { يُؤْمِنُونَ } يَخْشَوْنَ . 222 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ : الْإِيمَان : الْعَمَل . 223 - وَحَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب بْن رَافِع , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : الْإِيمَان : التَّصْدِيق . وَمَعْنَى الْإِيمَان عِنْد الْعَرَب : التَّصْدِيق , فَيَدَّعِي الْمُصَدِّق بِالشَّيْءِ قَوْلًا مُؤْمِنًا بِهِ , وَيَدَّعِي الْمُصَدِّق قَوْله بِفِعْلِهِ مُؤْمِنًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } 12 17 يَعْنِي : وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلنَا . وَقَدْ تَدْخُل الْخَشْيَة لِلَّهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَان الَّذِي هُوَ تَصْدِيق الْقَوْل بِالْعَمَلِ . وَالْإِيمَان كَلِمَة جَامِعَة لِلْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله , وَتَصْدِيق الْإِقْرَار بِالْفِعْلِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة وَأَشْبَهَ بِصِفَّةِ الْقَوْم : أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالتَّصْدِيقِ بِالْغَيْبِ , قَوْلًا , وَاعْتِقَادًا , وَعَمَلًا , إذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْصُرهُمْ مِنْ مَعْنَى الْإِيمَان عَلَى مَعْنًى دُون مَعْنًى , بَلْ أَجْمَلَ وَصْفَهُمْ بِهِ مِنْ غَيْر خُصُوص شَيْء مِنْ مَعَانِيه أَخَرَجَهُ مِنْ صِفَتهمْ بِخَبَرٍ وَلَا عَقْل .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِالْغَيْبِ } 224 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { بِالْغَيْبِ } قَالَ : بِمَا جَاءَ بِهِ , يَعْنِي مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . 225 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ : { بِالْغَيْبِ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَأَمْر النَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ - يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعَرَب - مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . 226 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ , قَالَ : الْغَيْب : الْقُرْآن . 227 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قَالَ : آمَنُوا بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث بَعْد الْمَوْت وَبِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَكُلّ هَذَا غَيْب . 228 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } آمَنُوا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر وَجَنَّته وَنَاره وَلِقَائِهِ , وَآمَنُوا بِالْحَيَاةِ بَعْد الْمَوْت , فَهَذَا كُلّه غَيْب . وَأَصْل الْغَيْب : كُلّ مَا غَابَ عَنْك مِنْ شَيْء , وَهُوَ مِنْ قَوْلك : غَابَ فُلَان يَغِيب غَيْبًا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَعْيَانِ الْقَوْم الَّذِينَ أَنَزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة فِيهِمْ , وَفِي نَعْتهمْ وَصِفَتهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ , وَسَائِر الْمَعَانِي الَّتِي حَوَتْهَا الْآيَتَانِ مِنْ صِفَاتهمْ غَيْره . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ مُؤْمِنُو الْعَرَب خَاصَّة , دُون غَيْرهمْ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ وَحَقِيقَة تَأْوِيلهمْ بِالْآيَةِ الَّتِي تَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } قَالُوا : فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ كِتَاب قَبْل الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدِين بِتَصْدِيقِهِ وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل بِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْكِتَاب لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ غَيْرهَا . قَالُوا : فَلَمَّا قَصَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبَأ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله بَعْد اقْتِصَاصه نَبَأ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ , عَلِمْنَا أَنَّ كُلّ صِنْف مِنْهُمْ غَيْر الصِّنْف الْآخَر , وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ نَوْع غَيْر النَّوْع الْمُصَدِّق بِالْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدهمَا مُنَزَّل عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْآخَر مِنْهُمَا عَلَى مَنْ قَبْله مِنْ رُسُل اللَّه تَعَالَى ذِكْره . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْبَعْث , وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَجَمِيع مَا كَانَتْ الْعَرَب لَا تَدِين بِهِ فِي جَاهِلِيَّتهَا , بِمَا أَوَجَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى عِبَاده الدَّيْنُونَة بِهِ دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 229 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس ; وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْعَرَب , { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَالنَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات الْأَرْبَع فِي مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب خَاصَّة , لِإِيمَانِهِمْ بِالْقُرْآنِ عِنْد إخْبَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِيهِ عَنْ الْغُيُوب الَّتِي كَانُوا يَخْفُونَهَا بَيْنهمْ وَيُسِرُّونَهَا , فَعَلِمُوا عِنْد إظْهَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي تَنْزِيله أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقُوا بِالْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَار عَنْ الْغُيُوب الَّتِي لَا عِلْم لَهُمْ بِهَا لَمَا اسْتَقَرَّ عِنْدهمْ بِالْحُجَّةِ الَّتِي احْتَجَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابه , مِنْ الْإِخْبَار فِيهِ عَمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنْ ضَمَائِرهمْ ; أَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ الْآيَات الْأَرْبَع مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة أُنْزِلَتْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَلِكَ صِفَتهمْ مِنْ الْعَرَب وَالْعَجَم وَأَهْل الْكِتَابَيْنِ [ و ] سِوَاهُمْ , وَإِنَّمَا هَذِهِ صِفَة صِنْف مِنْ النَّاس , وَالْمُؤْمِن بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله هُوَ الْمُؤْمِن بِالْغَيْبِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَبِمَا أَنَزَلَ إلَى مَنْ قَبْله بَعْد تَقَضِّي وَصْفه إيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ ; لِأَنَّ وَصْفه إيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ الْإِيمَان بِالْغَيْبِ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث , وَسَائِر الْأُمُور الَّتِي كَلَّفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْإِيمَانِ بِهَا مِمَّا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَأْتِ بَعْد مِمَّا هُوَ آتٍ , دُون الْإِخْبَار عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل وَالْكُتُب . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ مَعْنَى قَوْله { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } غَيْر مَوْجُود فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } كَانَتْ الْحَاجَة مِنْ الْعِبَاد إلَى مَعْرِفَة صِفَتهمْ بِذَلِكَ لِيُعَرِّفهُمْ نَظِير حَاجَتهمْ إلَى مَعْرِفَتهمْ بِالصِّفَّةِ الَّتِي وُصِفُوا بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ لِيَعْلَمُوا مَا يُرْضِي اللَّه مِنْ أَفْعَال عِبَاده , وَيُحِبّهُ مِنْ صِفَاتهمْ , فَيَكُونُوا بِهِ إنْ وَفَّقَهُمْ لَهُ رَبّهمْ [ مُؤْمِنِينَ ] ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 230 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْعَبَّاس الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون الْمَكِّيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أَرْبَع آيَات مِنْ سُورَة الْبَقَرَة فِي نَعْت الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَانِ فِي نَعْت الْكَافِرِينَ وَثَلَاث عَشْرَة فِي الْمُنَافِقِينَ . * حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد بِمِثْلِهِ . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُود , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ أَنَّ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 231 - وَحَدَّثَتْ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : أَرْبَع آيَات مِنْ فَاتِحَة هَذِهِ السُّورَة - يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة - فِي الَّذِينَ آمَنُوا , وَآيَتَانِ فِي قَادَة الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُمَا بِتَأْوِيلِ الْكِتَاب , الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ : أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ , وَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ غَيْر الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد وَاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَل قَبْل لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَمِمَّا يَدُلّ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ جِنْس - بَعْد وَصْف الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَصَفَ , وَبَعْد تَصْنِيفه إلَى كُلّ صِنْف مِنْهُمَا عَلَى مَا صَنَّفَ الْكُفَّار - جِنْسَيْنِ , فَجَعَلَ أَحَدهمَا مَطْبُوعًا عَلَى قَلْبه مَخْتُومًا عَلَيْهِ مَأْيُوسًا مِنْ إيمَانه , وَالْآخَر مُنَافِقًا يُرَائِي بِإِظْهَارِ الْإِيمَان فِي الظَّاهِر , وَيَسْتَسِرّ النِّفَاق فِي الْبَاطِن , فَصَيَّرَ الْكُفَّار جِنْسَيْنِ كَمَا صَيَّرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل السُّورَة جِنْسَيْنِ . ثُمَّ عَرَّفَ عِبَاده نَعْت كُلّ صِنْف مِنْهُمْ وَصِفَتهمْ وَمَا أَعَدَّ لِكُلِّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ ثَوَاب أَوْ عِقَاب , وَذَمَّ أَهْل الذَّمّ مِنْهُمْ وَشَكَرَ سَعْي أَهْل الطَّاعَة مِنْهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِالْغَيْبِ } 224 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { بِالْغَيْبِ } قَالَ : بِمَا جَاءَ بِهِ , يَعْنِي مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . 225 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ : { بِالْغَيْبِ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَأَمْر النَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ - يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعَرَب - مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . 226 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ , قَالَ : الْغَيْب : الْقُرْآن . 227 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قَالَ : آمَنُوا بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث بَعْد الْمَوْت وَبِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَكُلّ هَذَا غَيْب . 228 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } آمَنُوا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر وَجَنَّته وَنَاره وَلِقَائِهِ , وَآمَنُوا بِالْحَيَاةِ بَعْد الْمَوْت , فَهَذَا كُلّه غَيْب . وَأَصْل الْغَيْب : كُلّ مَا غَابَ عَنْك مِنْ شَيْء , وَهُوَ مِنْ قَوْلك : غَابَ فُلَان يَغِيب غَيْبًا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَعْيَانِ الْقَوْم الَّذِينَ أَنَزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة فِيهِمْ , وَفِي نَعْتهمْ وَصِفَتهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ , وَسَائِر الْمَعَانِي الَّتِي حَوَتْهَا الْآيَتَانِ مِنْ صِفَاتهمْ غَيْره . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ مُؤْمِنُو الْعَرَب خَاصَّة , دُون غَيْرهمْ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ وَحَقِيقَة تَأْوِيلهمْ بِالْآيَةِ الَّتِي تَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } قَالُوا : فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ كِتَاب قَبْل الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدِين بِتَصْدِيقِهِ وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل بِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْكِتَاب لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ غَيْرهَا . قَالُوا : فَلَمَّا قَصَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبَأ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله بَعْد اقْتِصَاصه نَبَأ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ , عَلِمْنَا أَنَّ كُلّ صِنْف مِنْهُمْ غَيْر الصِّنْف الْآخَر , وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ نَوْع غَيْر النَّوْع الْمُصَدِّق بِالْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدهمَا مُنَزَّل عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْآخَر مِنْهُمَا عَلَى مَنْ قَبْله مِنْ رُسُل اللَّه تَعَالَى ذِكْره . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْبَعْث , وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَجَمِيع مَا كَانَتْ الْعَرَب لَا تَدِين بِهِ فِي جَاهِلِيَّتهَا , بِمَا أَوَجَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى عِبَاده الدَّيْنُونَة بِهِ دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 229 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس ; وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْعَرَب , { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَالنَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات الْأَرْبَع فِي مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب خَاصَّة , لِإِيمَانِهِمْ بِالْقُرْآنِ عِنْد إخْبَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِيهِ عَنْ الْغُيُوب الَّتِي كَانُوا يَخْفُونَهَا بَيْنهمْ وَيُسِرُّونَهَا , فَعَلِمُوا عِنْد إظْهَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي تَنْزِيله أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقُوا بِالْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَار عَنْ الْغُيُوب الَّتِي لَا عِلْم لَهُمْ بِهَا لَمَا اسْتَقَرَّ عِنْدهمْ بِالْحُجَّةِ الَّتِي احْتَجَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابه , مِنْ الْإِخْبَار فِيهِ عَمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنْ ضَمَائِرهمْ ; أَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ الْآيَات الْأَرْبَع مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة أُنْزِلَتْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَلِكَ صِفَتهمْ مِنْ الْعَرَب وَالْعَجَم وَأَهْل الْكِتَابَيْنِ [ و ] سِوَاهُمْ , وَإِنَّمَا هَذِهِ صِفَة صِنْف مِنْ النَّاس , وَالْمُؤْمِن بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله هُوَ الْمُؤْمِن بِالْغَيْبِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَبِمَا أَنَزَلَ إلَى مَنْ قَبْله بَعْد تَقَضِّي وَصْفه إيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ ; لِأَنَّ وَصْفه إيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ الْإِيمَان بِالْغَيْبِ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث , وَسَائِر الْأُمُور الَّتِي كَلَّفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْإِيمَانِ بِهَا مِمَّا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَأْتِ بَعْد مِمَّا هُوَ آتٍ , دُون الْإِخْبَار عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل وَالْكُتُب . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ مَعْنَى قَوْله { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } غَيْر مَوْجُود فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } كَانَتْ الْحَاجَة مِنْ الْعِبَاد إلَى مَعْرِفَة صِفَتهمْ بِذَلِكَ لِيُعَرِّفهُمْ نَظِير حَاجَتهمْ إلَى مَعْرِفَتهمْ بِالصِّفَّةِ الَّتِي وُصِفُوا بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ لِيَعْلَمُوا مَا يُرْضِي اللَّه مِنْ أَفْعَال عِبَاده , وَيُحِبّهُ مِنْ صِفَاتهمْ , فَيَكُونُوا بِهِ إنْ وَفَّقَهُمْ لَهُ رَبّهمْ [ مُؤْمِنِينَ ] ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 230 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْعَبَّاس الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون الْمَكِّيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : أَرْبَع آيَات مِنْ سُورَة الْبَقَرَة فِي نَعْت الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَانِ فِي نَعْت الْكَافِرِينَ وَثَلَاث عَشْرَة فِي الْمُنَافِقِينَ . * حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد بِمِثْلِهِ . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُود , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ أَنَّ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 231 - وَحَدَّثَتْ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : أَرْبَع آيَات مِنْ فَاتِحَة هَذِهِ السُّورَة - يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة - فِي الَّذِينَ آمَنُوا , وَآيَتَانِ فِي قَادَة الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُمَا بِتَأْوِيلِ الْكِتَاب , الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ : أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ , وَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ غَيْر الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد وَاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَل قَبْل لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَمِمَّا يَدُلّ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ جِنْس - بَعْد وَصْف الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَصَفَ , وَبَعْد تَصْنِيفه إلَى كُلّ صِنْف مِنْهُمَا عَلَى مَا صَنَّفَ الْكُفَّار - جِنْسَيْنِ , فَجَعَلَ أَحَدهمَا مَطْبُوعًا عَلَى قَلْبه مَخْتُومًا عَلَيْهِ مَأْيُوسًا مِنْ إيمَانه , وَالْآخَر مُنَافِقًا يُرَائِي بِإِظْهَارِ الْإِيمَان فِي الظَّاهِر , وَيَسْتَسِرّ النِّفَاق فِي الْبَاطِن , فَصَيَّرَ الْكُفَّار جِنْسَيْنِ كَمَا صَيَّرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل السُّورَة جِنْسَيْنِ . ثُمَّ عَرَّفَ عِبَاده نَعْت كُلّ صِنْف مِنْهُمْ وَصِفَتهمْ وَمَا أَعَدَّ لِكُلِّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ ثَوَاب أَوْ عِقَاب , وَذَمَّ أَهْل الذَّمّ مِنْهُمْ وَشَكَرَ سَعْي أَهْل الطَّاعَة مِنْهُمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُقِيمُونَ } إقَامَتهَا : أَدَاؤُهَا بِحُدُودِهَا وَفُرُوضهَا وَالْوَاجِب فِيهَا عَلَى مَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ , كَمَا يُقَال : أَقَامَ الْقَوْم سُوقهمْ , إذَا لَمْ يُعَطِّلُوهَا مِنْ الْبَيْع وَالشِّرَاء فِيهَا , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَقَمْنَا لِأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوق الضْ وضِرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعًا 232 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة بِفُرُوضِهَا 233 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : إقَامَة الصَّلَاة : تَمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتِّلَاوَة وَالْخُشُوع وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا فِيهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُقِيمُونَ } إقَامَتهَا : أَدَاؤُهَا بِحُدُودِهَا وَفُرُوضهَا وَالْوَاجِب فِيهَا عَلَى مَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ , كَمَا يُقَال : أَقَامَ الْقَوْم سُوقهمْ , إذَا لَمْ يُعَطِّلُوهَا مِنْ الْبَيْع وَالشِّرَاء فِيهَا , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَقَمْنَا لِأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوق الضْ وضِرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعًا 232 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة بِفُرُوضِهَا 233 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : إقَامَة الصَّلَاة : تَمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتِّلَاوَة وَالْخُشُوع وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا فِيهَا . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الصَّلَاة } 234 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة } يَعْنِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . وَأَمَّا الصَّلَاة فِي كَلَام الْعَرَب فَإِنَّهَا الدُّعَاء كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : لَهَا حَارِس لَا يَبْرَح الدَّهْر بَيْتهَا وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : دَعَا لَهَا , وَكَقَوْلِ الْآخَر أَيْضًا وَقَابَلَهَا الرِّيح فِي دَنِّهَا وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ وَأَرَى أَنَّ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة سُمِّيَتْ صَلَاة ; لِأَنَّ الْمُصَلِّي مُتَعَرِّض لِاسْتِنْجَاحِ طِلْبَته مِنْ ثَوَاب اللَّه بِعَمَلِهِ مَعَ مَا يَسْأَل رَبّه فِيهَا مِنْ حَاجَاته تُعَرِّض الدَّاعِي بِدُعَائِهِ رَبّه اسْتِنْجَاح حَاجَاته وَسُؤْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الصَّلَاة } 234 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة } يَعْنِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . وَأَمَّا الصَّلَاة فِي كَلَام الْعَرَب فَإِنَّهَا الدُّعَاء كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : لَهَا حَارِس لَا يَبْرَح الدَّهْر بَيْتهَا وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : دَعَا لَهَا , وَكَقَوْلِ الْآخَر أَيْضًا وَقَابَلَهَا الرِّيح فِي دَنِّهَا وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ وَأَرَى أَنَّ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة سُمِّيَتْ صَلَاة ; لِأَنَّ الْمُصَلِّي مُتَعَرِّض لِاسْتِنْجَاحِ طِلْبَته مِنْ ثَوَاب اللَّه بِعَمَلِهِ مَعَ مَا يَسْأَل رَبّه فِيهَا مِنْ حَاجَاته تُعَرِّض الدَّاعِي بِدُعَائِهِ رَبّه اسْتِنْجَاح حَاجَاته وَسُؤْله .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 235 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : يُؤْتَوْنَ الزَّكَاة احْتِسَابًا بِهَا . 236 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : زَكَاة أَمْوَالهمْ . 237 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : كَانَتْ النَّفَقَات قُرُبَات يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّه عَلَى قَدْر مَيْسُورهمْ وَجَهْدهمْ , حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِض الصَّدَقَات سَبْع آيَات فِي سُورَة بَرَاءَة , مِمَّا يَذْكُر فِيهِنَّ الصَّدَقَات , هُنَّ الْمُثْبِتَات النَّاسِخَات . وَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 238 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } هِيَ نَفَقَة الرَّجُل عَلَى أَهْله , وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ وَأَحَقّهَا بِصِفَةِ الْقَوْم أَنْ يَكُونُوا كَانُوا لِجَمِيعِ اللَّازِم لَهُمْ فِي أَمْوَالهمْ , مُؤَدِّينَ زَكَاة كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَفَقَة مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَته مِنْ أَهْل وَعِيَال وَغَيْرهمْ , مِمَّنْ تَجِب عَلَيْهِمْ نَفَقَته بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْك وَغَيْر ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ وَصْفهمْ , إذْ وَصَفَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ , فَمَدْحهمْ بِذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إذْ لَمْ يَخْصُصْ مَدْحهمْ وَوَصَفَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا دُون نَوْع بِخَبَرٍ وَلَا غَيْره أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِجَمِيعِ مَعَانِي النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا مِنْ طِيب مَا رَزَقَهُمْ رَبّهمْ مِنْ أَمْوَالهمْ وَأَمْلَاكِهِمْ , وَذَلِكَ الْحَلَال مِنْهُ الَّذِي لَمْ يُشْبِه حَرَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 235 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : يُؤْتَوْنَ الزَّكَاة احْتِسَابًا بِهَا . 236 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : زَكَاة أَمْوَالهمْ . 237 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : كَانَتْ النَّفَقَات قُرُبَات يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّه عَلَى قَدْر مَيْسُورهمْ وَجَهْدهمْ , حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِض الصَّدَقَات سَبْع آيَات فِي سُورَة بَرَاءَة , مِمَّا يَذْكُر فِيهِنَّ الصَّدَقَات , هُنَّ الْمُثْبِتَات النَّاسِخَات . وَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 238 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } هِيَ نَفَقَة الرَّجُل عَلَى أَهْله , وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ وَأَحَقّهَا بِصِفَةِ الْقَوْم أَنْ يَكُونُوا كَانُوا لِجَمِيعِ اللَّازِم لَهُمْ فِي أَمْوَالهمْ , مُؤَدِّينَ زَكَاة كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَفَقَة مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَته مِنْ أَهْل وَعِيَال وَغَيْرهمْ , مِمَّنْ تَجِب عَلَيْهِمْ نَفَقَته بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْك وَغَيْر ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ وَصْفهمْ , إذْ وَصَفَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ , فَمَدْحهمْ بِذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إذْ لَمْ يَخْصُصْ مَدْحهمْ وَوَصَفَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا دُون نَوْع بِخَبَرٍ وَلَا غَيْره أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِجَمِيعِ مَعَانِي النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا مِنْ طِيب مَا رَزَقَهُمْ رَبّهمْ مِنْ أَمْوَالهمْ وَأَمْلَاكِهِمْ , وَذَلِكَ الْحَلَال مِنْهُ الَّذِي لَمْ يُشْبِه حَرَام .'

تفسير القرطبي

الأولى:قوله تعالى { الذين} في موضع خفض نعت { للمتقين} ، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. { يؤمنون} يصدقون. والإيمان في اللغة : التصديق، وفي التنزيل { وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17 ]. أي بمصدق، ويتعدى بالباء واللام، كما قال { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران :73 ] { فما آمن لموسى} [يونس: 83 ]. و روى حجاج بن حجاج الأحول - ويلقب بزقّ العسل - قال سمعت قتادة يقول : يا ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السأمة والفترة والملة، ولكن المؤمن هو المتحامل، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية. الثانية: قوله تعالى { بالغيب} الغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب، والغيبة معروفة. وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها، ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطة من الأرض، والغيابة : الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب، لأنه غاب عن البصر. الثالثة: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية : الله سبحانه. وضعفه ابن العربي. وقال آخرون : القضاء والقدر. وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. قلت : وهذا الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان. قال : (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال : صدقت. وذكر الحديث. وقال عبدالله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ { الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3 ]. قلت : وفي التنزيل { وما كنا غائبين} [الأعراف:7 ]. وقال { الذين يخشون ربهم بالغيب} [الأنبياء: 49 ]. فهو سبحانه غائب عن الأبصار، غير مرئي في هذه الدار، غير غائب بالنظر والاستدلال، فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم بإطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض، والحمد لله. وقيل { بالغيب} أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين، وهذا قول حسن. وقال الشاعر : وبالغيب أمنا وقد كان قومنا ** يصلّون للأوثان قبل محمد الرابعة: قوله تعالى { ويقيمون الصلاة} معطوف جملة على جملة. وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها، على ما يأتي بيانه. يقال : قام الشيء أي دام وثبت، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت، قال الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساق وقال آخر : وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ** حتى تقيم الخيل سوق طعان وقيل { يقيمون} يديمون، وأقامه أي أدامه، وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. الخامسة: إقامة الصلاة معروفة، وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على تاركها. وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر، وروي عن مالك، واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي (وأقم) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء. قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. قال ابن عبدالبر قوله : (وتحريمها التكبير) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن، والله أعلم. السادسة: واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا). رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا ثوب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك). وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة، وروي عن مالك نحوه، وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب، لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي. قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه. ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عُجْرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة). فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة:9 ]. وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام، وإنما عنى العمل والفعل، هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم. السابعة: واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : (وما فاتكم فأتموا) وقوله : (واقض ما سبقك) هل هما بمعنى واحد أو لا؟ فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام، قال الله تعالى { فإذا قضيت الصلاة} [الجمعة: 10 ]. وقال { فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة: 200 ]. وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح، ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو أخرها؟ فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم - ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة، فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال. قال ابن عبدالبر : وهو المشهور من المذهب. وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي. و روى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبدالحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبدالوهاب : وهو مشهور مذهب مالك. قال ابن عبدالبر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام، لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في أخرها، فمن ههنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله : (فأتموا) والتمام هو الآخر. واحتج الآخرون بقوله : (فاقضوا) والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من روى { فأتموا} أكثر، وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد، إلا ما قاله عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجِشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها، فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم، رضي الله عنهم. الثامنة: الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) خّرجه مسلم وغيره، فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها، لقوله تعالى { ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33 ]. وخاصة إذا صلى ركعة منها. وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. التاسعة: واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة، فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد - التي تصلى فيها الجمعة - اللاصقة بالمسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب، ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الأوزاعي، إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة. وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد. وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك، وهو الصحيح في ذلك، لقوله عليه السلام. (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). وركعتا الفجر إما سنة، وإما فضيلة، وإما َرغِيبة، والحجة عند التنازع حجة السنة. ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة، ثم إنه صلى مع الإمام. ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبدالله بن مسعود أنه دخل المسجد. وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما. قالوا : (وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد)، روى مسلم عن عبدالله بن مالك ابن بُحَينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال : (أتصلي الصبح أربعا) وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت، لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك، والله أعلم. العاشرة: الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، ومنه قوله عليه السلام : (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل) أي فليدع. وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة، فيصلي ركعتين وينصرف، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما ولدت أسماء عبدالله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه، أي دعا له. وقال تعالى { وصل عليهم} [التوبة: 103 ]. أي ادع لهم. وقال الأعشى : تقول بِنتي وقد قرُبتُ مرتحلا ** يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليكِ مثلَ الذي صليتِ فاغتمضي ** نوما فإن لجنب المرء مضطجعا وقال الأعشى أيضا : وقابلها الريح في دِنِّها ** وصلّى على دنها وارتسم ارتسم الرجل : كبر ودعا، قال في الصحاح، وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صَلْوَي السابق، فاشتقت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع تثنى صلَواه. والصلاة : مغرز الذنب من الفرس، والاثنان صلوان. والمصلي : تالي السابق، لأن رأسه عند صلاه. وقال علي رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلّث عمر. وقيل : هي مأخوذة من اللزوم، ومنه صلي بالنار إذا لزمها، ومنه { تصلى نارا حامية} [الغاشية: 4] . وقال الحارث بن عُباد : لم أكن من جُناتها علم اللـ ** ـه وإني بحرها اليوم صال أي ملازم لحرها، وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به. وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء. والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود، فإن فتحت الصاد قصرت، فقلت صلا النار، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع، قال الخارزنجي : فلا تعجل بأمرك واستدمه ** فما صلى عصاك كمستديم والصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة، ومنه : (اللهم صل على محمد) الحديث. والصلاة : العبادة، ومنه قوله تعالى { وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال:35 ]. أي عبادتهم. والصلاة : النافلة، ومنه قوله تعالى { وأمر أهلك بالصلاة} [طه: 132 ]. والصلاة التسبيح، ومنه قوله تعالى { فلولا أنه كان من المسبحين} [الصافات: 143 ]. أي من المصلين. ومنه سبحة الضحى. وقد قيل في تأويل { نسبح بحمدك} [البقرة: 30 ]. نصلي. والصلاة : القراءة، ومنه قوله تعالى { ولا تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110 ]. فهي لفظ مشترك. والصلاة : بيت يصلّى فيه، قاله ابن فارس. وقد قيل : إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة، فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع، ولم يخل شرع من صلاة، حكاه أبو نصر القشيري. قلت : فعلى هذا القول لا اشتقاق لها، وعلى قول الجمهور وهي : - الحادية عشرة: اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي، وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام، أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. هنا اختلافهم والأول أصح، لأن الشريعة ثبتت بالعربية، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين، ولكن للعرب تحكم في الأسماء، كالدابة وضعت لكل ما يدب، ثم خصصها العرف بالبهائم، فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء، والله أعلم. الثانيةعشرة: واختلف في المراد بالصلاة هنا، فقيل : الفرائض. وقيل : الفرائض والنوافل معا، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما. الثالثةعشرة : الصلاة سبب للرزق، قال الله تعالى { وأمر أهلك بالصلاة} [مريم 132 ]. الآية، على ما يأتي بيانه في { طه} إن شاء الله تعالى. وشفاء من وجع البطن وغيره، روى ابن ماجة عن أبي هريرة قال : هجّر النبي صلى الله عليه وسلم فهجّرت فصليت ثم جلست، فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (أشكمت درده) قلت : نعم يا رسول الله، قال : (قم فصل فإن في الصلاة شفاء). في رواية : (أشكمت درد) يعني تشتكي بطنك بالفارسية، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. الرابعة عشرة: الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض، فمن شروطها : الطهارة، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة. وستر العورة، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى. وأما فروضها : فاستقبال القبلة، والنية، وتكبيرة الإحرام والقيام لها، وقراءة أم القرآن والقيام لها، والركوع والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه، والسجود والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من السجود، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والسجود الثاني والطمأنينة فيه. والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخلّ بها، فقال له : (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) خّرجه مسلم. ومثله حديث رفاعة بن رافع، أخرجه الدارقطني وغيره. قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات، وعن التسبيح في الركوع والسجود، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام. أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما. وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء، لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع. وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام. وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة، وهو قول الحميدي، ورواية عن الأوزاعي. واحتجوا بقوله عليه السلام : (صلوا كما رأيتموني أصلي) أخرجه البخاري. قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل، لأنه المبلغ عن الله مراده. وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور. وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبيرة في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد قبل السلام، وإن لم يسجد بطلت صلاته، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها. وهذا يدل على أن عُظْم التكبير وجملته عنده فرض، وأن اليسير منه متجاوز عنه. وقال أصْبَغ بن الفرج وعبدالله بن عبدالحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام، فإن تركه ساهيا سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شيء عليه، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا، لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية. قلت : هذا هو الصحيح، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم. وقد ترجم البخاري رحمه الله (باب إتمام التكبير في الركوع والسجود) وساق حديث مُطرّف بن عبدالله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال : أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أُمّ لك فدلّك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم. روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بهذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، قال أبو موسى : فإما نسيناها وإما تركناها عمدا. قلت : أتراهم أعادوا الصلاة فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه، وبالله التوفيق. الخامسة عشرة: وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور، وأوجبه إسحاق بن راهويه، وأن من تركه أعاد الصلاة، لقوله عليه السلام : (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم ). السادسةعشرة: وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان. وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة، والقراض من الإجارات، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا. واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة. احتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به، كما لو ترك سجدة أو ركعة، ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما. وفي حديث عبدالله بن بُحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو، لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم. واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك .وهي : السابعة عشرة: على خمسة أقوال : أحدها : أن الجلوس فرض والتشهيد فرض والسلام فرض. وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة، وبه قال داود. قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه. وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد. واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض، لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل وقد قال صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي ) القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب، وإنما ذلك كله سنة مسنونة، هذا قول بعض البصريين، وإليه ذهب إبراهيم بن عُلية، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى، فخالف الجمهور وشذ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله. ومن حجتهم حديث عبدالله بن عمرو بن العاص (وفي النسخة : العاصي) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته) وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر، وقد بيناه في كتاب المقتبس. وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس. القول الثالث : إن الجلوس مقدار التشهد فرض، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا. قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين. واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبدالرحمن بن زياد وهو ضعيف، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته). قال ابن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس : ويرى الخروج من الصلاة بضرطة ** أين الضراط من السلام عليكم قال ابن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين، أما أحدهما : فروى عبدالملك عن عبدالملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا، فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه، وهذا مذهب أهل العراق بعينه. وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام أنه يجزئ من خلفه، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى، وإن عمرت به المجالس للذكرى. القول الرابع : إن الجلوس فرض والسلام فرض، وليس التشهد بواجب. وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية. واحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن. القول الخامس : أن التشهد والجلوس واجبان، وليس السلام بواجب، قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه، واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك). قال الدارقطني : قوله (إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك) أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وشبابة ثقة. وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك، جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: واختلف العلماء في السلام، فقيل : واجب، وقيل : ليس بواجب. والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبدالرحمن بن مهدي : لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه، وهذا تصحيح من عبدالرحمن بن مهدي لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. وحسبك به! وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي: التاسعة عشرة: فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبدالرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة، وهو الصواب وعليه الجمهور، وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة. الموفية عشرين: واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة، فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير، لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد. هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين، ولا يجزئ عند مالك إلا الله أكبر لا غير ذلك. وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ الله الأكبر و الله الكبير والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ { الحمد لله رب العالمين} . وحديث علي : وتحريمها التكبير. وحديث الأعرابي : فكبر. وفي سنن ابن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبدالحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال الله أكبر وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير، قال الشاعر : رأيت الله أكبر كل شيء ** محاولة وأعظمه جنودا ثم إنه يتضمن القدم، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم، فكان أبلغ في المعنى، والله أعلم. وقال أبو حنيفة : إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه، وإن قال : اللهم اغفر لي لم يجزه، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير. وكان الحكم بن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. قال ابن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره، كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها. وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية. قال ابن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال. والله أعلم. الحادية والعشرون : واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة، وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه. قال ابن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها، أو قبل ذلك بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها، كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله. قال ابن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة، قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل، وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة، لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل، وتذكارها يكون في لحظة، ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها، إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها، فقلت له ما هذا؟ فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها. قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة، ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف، في النساء والأوقات في هود وسبحان والروم وصلاة الليل في المزمل وسجود التلاوة في الأعراف وسجود الشكر في ص كل في موضعه إن شاء الله تعالى. الثانية والعشرون : قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون} رزقناهم : أعطيناهم، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك. قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا. وهذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه. والذي يدل على أنه لا رازق سواه قول الحق { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} [فاطر: 3 ]. وقال { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات:51 ] . وقال { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6 ]. وهذا قاطع، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم تجوّزا، لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها، إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما، وجميع ذلك رزق. وقد خرّج بعض النبلاء من قوله تعالى { كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} [سبأ: 15 ]. فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. الثالثة والعشرون: قوله تعالى { ومما رزقناهم} الرزق مصدر رزق يرزق رَزقا ورِزقا، فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه أرزاق، والرزق : العطاء. والرازقية : ثياب كتان بيض. وارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم. والرزقة : المرة الواحدة، هكذا قال أهل اللغة. وقال ابن السكيت : الرزق بلغة أزْدِشَنوءة : الشكر، وهو قوله عز وجل { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82 ]. أي شكركم التكذيب. ويقول : رزقني أي شكرني. الرابعة والعشرون: قوله تعالى { ينفقون} ينفقون : يخرجون. والإنفاق : إخراج المال من اليد، ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري. ونفقت الدابة : خرجت روحها، ومنه النافقاء لجُحْر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى. ومنه المنافق، لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه. ونَيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها. ونفِق الزاد : فنى وأنفقه صاحبه. وأنفق القوم : فني زادهم، ومنه قوله تعالى { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100 ]. الخامسة والعشرون: واختلف العلماء في المراد بالنفقة ههنا، فقيل : الزكاة المفروضة - روي عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاة. وقيل : نفقة الرجل على أهله - روي عن ابن مسعود - لأن ذلك أفضل النفقة. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك). وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله) قال أبو قِلابة : وبدأ بالعيال [ثم] قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. وقيل : المراد صدقة التطوع - روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع. قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جِدَتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في براءة . وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة، لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها. وقيل : هو عام وهو الصحيح، لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا، وذلك لا يكون إلا من الحلال، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعنّ في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه. وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب. وإقام الصلاة حظ البدن. ومما رزقناهم ينفقون حظ المال، وهذا ظاهر. وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون} أي مما علّمناهم يعلّمون، حكاه أبو نصر عبدالرحيم بن عبدالكريم القُشيري.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 1 - 3


سورة البقرة الايات 3 - 4


سورة البقرة الايات 1 - 4

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب ـ وهو القرآن الكريم ـ { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }.. أي أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية.. أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومن هم.. وأول صفة هي قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ }..

ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى.. وفي الوقاية من النار ومن غضب الله؟..

الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس. فالأشياء المحسة التي نراها ونلمسها لا يختلف فيها أحد.. ولذلك يقال ليس مع العين أين.. لأن ما تراه لا تريد عليه دليلا.. ولكن الغيب لا تدركه الحواس.. إنما يدرك بغيرها..

ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.. ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس..

لنفرض أن أمامنا حقيبتين.. الشكل نفسه والحجم نفسه. هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من الأخرى؟. هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟.. لا.. لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل..

بأي شيء أدركت هذا الثقل؟.. بحاسة العضل.. لأن عضلاتك أُجهدت عندما حملت احدى الحقيبتين، ولم تجهد عندما حملت الثانية.. فعرفت بالدقة أيهما أثقل.. لا تقل باللمس؛ لأنك لو لمست احداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما أثقل.. إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء..

ولنفرض أنك دخلت محلا لبيع القماش، وأمامك نوعان من قماش واحد.. ولكن أحدهما أرق من الآخر.. بمجرد أن تضع القماشين بين أنامِلك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر سمكا.. بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها لا يخطئ..

وعندما تشعر بالجوع.. بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟.. ليس بالحواس الظاهرة.. وكذلك عندما تظمأ.. ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج الى الماء.. وعندما تكون نائما.. أي حاسة تلك التي توقظك من النوم.. لا أحد يعرف..

اذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة.. وهناك ادراكات في النفس.. وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها.. لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفا للنفس البشرية نقول لهم: ماذا تعرفون عن هذه النفس؟!.. انكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.. ولكن هناك أشياء داخل النفس لا تعرفونها.. هناك ادراكات لا يعلم عنها الانسان شيئا، وهي ادراكات كثيرة ومتعددة.. لذلك يخطئ من يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب.. لأن هناك ملكات وادراكات متعددة تعمل بغير علم منا.

لو أعطى لطالب تمرين هندسي فحله وأتى بالجواب.. هل نقول أنه عَلِمَ غيبا؟.. لأن حل التمرين كان غيبا عنه ثم وصل اليه.. لا.. لأن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل.. والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي اليه، وهل عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح.. أتكون قد عَلِمَتْ غيبا؟.. لا.. لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها الى نتائج وهذا ليس غيباً..

واذا جاء أحد من الدجالين وقال لك ان ما سرق منك عند فلان.. أيكون قد علم الغيب؟.. لا.. لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوما لمثلك.. وما سرق منك معلوم لمثلك.. فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي سرق، وما الذي حدث.. والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل الى السارق ومن اشترى المسروقات.. وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون الجن.. والمعروف أن الجن مستورعنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها.. والله سبحانه وتعالى يقول عن الشيطان:
{  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ }
[الأعراف: 27].

فقد يكون هذا المستعان به من الجن قد رأى شيئا.. أو انتقل من مكان إلى آخر.. فيعرف شيئا لا تعرفه أنت.. هذا لا يكون غيباً لأنك جهلته، ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها الله له.. والعلماء الذين يكتشفون أسرار الكون.. أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟.. لا.. لأن هؤلاء العلماء اكتشفوا موجوداً له مقدمات فوصلوا الى هذه النتائج فهو ليس غيبا.

ولكن ما هو الغيب؟..

هو الشيء الذي ليس له مقدمات ولا يمكن أن يصل اليه علم خَلْقٍ من خلق الله حتى الملائكة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى حينما عَلَّمَ آدم الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة قال جل جلاله:
{  وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }
[البقرة: 31 - 33].

والجن أيضا لا يعلم الغيب.. ولذلك عندما مات سليمان عليه السلام.. وكان الله سبحانه وتعالى قد سَخَّرَ له الجن لم تعلم الجن بموته إلا عندما أكلت دابة الأرض عصاه.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ }
[سبأ: 14].

إذن فالغيب هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.. واقرأ قول الحق جل جلاله:
{  عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً }
[الجن: 26 - 27].

وهكذا فإن الرسل لا يعلمون الغيب.. ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمهم بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمن اتبعوهم.

وقمة الغيب هي الايمان بالله سبحانه وتعالى.. والايمان بملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر.. كل هذه أمور غيبية، وحينما يخبرنا الله تبارك وتعالى عن ملائكته ونحن لا نراهم.. نقول مادام الله قد أخبرنا بهم فنحن نؤمن بوجودهم.. وإذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر.. فمادام الله قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الآخر.. لأن الذي أخبرنا به هو الله جل جلاله.. آمنت به أنه اله.. واستخدمت في هذا الايمان الدليل العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلهاً وخالقاً.. وما يأتيني عن الله حيثية الايمان به أن الله سبحانه وتعالى هو القائل.

ولابد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماما عن ادراك هذا الشيء.. فأنت لك روح في جسدك تهبك الحياة.. أرأيتها؟.. أسمعتها؟.. أذقتها؟.. أشممتها؟.. ألمستها؟.. الجواب طبعا لا.. فبأي وسيلة من وسائل الادراك تدرك أن لك روحا في جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد..

إذن فقد عرفت الروح بأثرها، والروح مخلوق لله.. فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها.. ان تدرك الله سبحانه وتعالى بحواسك.

ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو الله جل جلاله.. فلابد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نَرَه.. ولقد أراد الله تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء، وادراك هذا الوجود شيئان منفصلان تماما..

فالجراثيم مثلا موجودة في الكون تؤدي مهمتها منذ بداية الخلق.. وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب.. فلما ارتقى العلم وأذن الله لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم.. جعل الله العقول قادرة على أن تكتشف المجهر.. الذي يعطينا الصورة مكبرة.. لأن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة.. فلما اكتشف العلم المجهر.. استطعنا أن نرى هذا الجراثيم.. ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه الله لنا من علم كما تقدم الزمن..

إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء لا يعني أنه غير موجود.. ولكن آلة الإدراك ـ وهي البصر ـ عاجزة عن أن تراه، لأنه غاية في الصغر.. فاذا جئت بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين.. ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلا على أنها خلقت ساعة رأيناها.. بل هي موجودة تؤدي مهمتها.. سواء رأيناها أو لم نرها.

فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين.. هل كنا نصدق؟.. والله سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي الانسان ويدرك بعد ذلك.. وكان المفروض أنه يزداد ايمانا.. عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وان كنا لا نراه..

والله تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقا.. فالشمس والقمر والنجوم والأرض والانسان والحيوان والجماد لا يستطيع أحد أن يدعي انه خلقهم.. ولا أحد يمكن أن يدعي أنه خلق نفسه أو غيره.. ولا يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد مصادفة؛ لأن المصادفات أحداث غير مرتبة أو غير منظمة.. ولو وجد هذا الكون بالصدفة لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والأرض ولاختل الليل والنهار..

ولكن كل ما في الكون من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت.. فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون فلابد أن نصدقه.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ }.. والصلاة هي إدامة ولاء العبودية للحق تبارك وتعالى وهي لا تسقط عن الانسان أبدا.. فالانسان يصلي وهو واقف، فإن لم يستطع يصلي وهو جالس. فإن لم يستطع، فيصلي وهو راقد.. ولا تسقط الصلاة عن الانسان من ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات..

ويقول الحق تبارك وتعالى: { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }.. وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال.. نقول له لا.. الرزق هو ما ينتفع به فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتواضع رزق.. وكل ما فيه حركة للحياة رزق.. فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال.. وتتصدق بها على العاجز والمريض.. وان كان عندك حلم.. فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك.. وان كان عندك علم انفقه لتعلم الجاهل.. وهكذا نرى: { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } تستوعب جميع حركة الحياة.


www.alro7.net