سورة
اية:

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهم، وأنه المطلع على ما فيهن لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت خفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: { قل إن تخفوا مافي صدوركم أو تبدوه يعلمه اللّه} ، وقال: { يعلم السر وأخفى} ، والآيات في ذلك كثيرة جداً وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لمّا نزلت هذه هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي اللّه عنهم وخافوا منها ومن محاسبة اللّه لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { للّه ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللّه على كل شيء قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول اللّه، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، فلما أقرَّ بها القوم وذلَّت بها ألسنتهم أنزل اللّه في أثرها: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه فأنزل قوله: { لا يكلف اللّه نفساً إلى وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إلى آخره، ورواه مسلم عن أبي هريرة ولفظه: فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه فأنزل الله: { لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال: نعم، { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} ، قال: نعم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ، قال: نعم { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال: نعم. طريق أخرى : قال ابن جرير عن سعيد بن مرجانة سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: { للّه ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء} الآية، فقال: والله لئن واخذنا اللّه بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها فقال ابن عباس: يغفر اللّه لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللّه بن عمر فأنزل اللّه بعدها: { لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها} إلى آخر السورة، قال ابن عباس فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللّه عزّ وجلّ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. طريق أخرى : عن سالم أن أباه قرأ: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه} فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم اللّه أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أنزلت فنسختها الآية التي بعدها: { لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها} ، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن اللّه تجاوز لي عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (قال اللّه إذا همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشراً). وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إذا أحسن أحد إسلامه فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى اللّه عزّ وجلّ) ""رواه مسلم"" وقال مسلم عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى قال: (إن اللّه كتب الحسنات والسيئات - ثم بيَّن ذلك - فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة وإن هم بها فعملها كتبها اللّه عنده سيئة واحدة) ""أخرجهما مسلم"" وروي عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ذاك صريح الإيمان) . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال: (تلك صريح الإيمان) ""أخرجهما مسلم"". وروى ابن جرير عن مجاهد والضحّاك أنه قال: هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر وهو يطوف إذا عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (يدنو المؤمن من ربه عزّ وجلّ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد { هؤلاء الذي كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين} ""الحديث مخرج في الصحيحين من طرق متعددة""

تفسير الجلالين

{ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا } تظهروا { ما في أنفسكم } من السوء والعزم عليه { أو تخفوه } تسروه { يحاسبكم } يخبركم { به الله } يوم القيامة { فيغفرْ لمن يشاء } المغفرة له { ويعذبْ من يشاء } تعذيبه والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع أي فهو { والله على كل شيء قدير } ومنه محاسبتكم وجزاؤكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } لِلَّهِ مُلْك كُلّ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ صَغِير وَكَبِير , وَإِلَيْهِ تَدْبِير جَمِيعه , وَبِيَدِهِ صَرْفه وَتَقْلِيبه , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , لِأَنَّهُ مُدَبِّره وَمَالِكه وَمُصَرِّفه . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كِتْمَان الشُّهُود الشَّهَادَة , يَقُول : لَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَة أَيّهَا الشُّهُود , وَمَنْ يَكْتُمهَا يَفْجُر قَلْبه , وَلَنْ يَخْفَى عَلَيَّ كِتْمَانه , وَذَلِكَ لِأَنِّي بِكُلِّ شَيْء عَلِيم , وَبِيَدِي صَرْف كُلّ شَيْء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمُلْكه , أُعْلِمهُ خَفِيّ ذَلِكَ وَجَلِيّه , فَاتَّقُوا عِقَابِي إيَّاكُمْ عَلَى كِتْمَانكُمْ الشَّهَادَة . وَعِيدًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ مَنْ كَتَمَهَا وَتَخْوِيفًا مِنْهُ لَهُ بِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا هُوَ فَاعِل بِهِمْ فِي آخِرَتهمْ , وَبِمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ انْطَوَى كَشْحًا عَلَى مَعْصِيَة فَأَضْمَرَهَا , أَوْ أَظْهَرَ مُوبِقَة فَأَبْدَاهَا مِنْ نَفْسه مِنْ الْمُحَاسَبَة عَلَيْهَا , فَقَالَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يَقُول : وَإِنْ تُظْهِرُوا فِيمَا عِنْدكُمْ مِنْ الشَّهَادَة عَلَى حَقّ رَبّ الْمَال الْجُحُود وَالْإِنْكَار , أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فَتُضْمِرُوهُ فِي أَنْفُسكُمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَيِّئ أَعْمَالكُمْ , { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَحْتَسِب بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ أَعْمَاله , فَيُجَازِي مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيئِينَ بِسُوءِ عَمَله , وَغَافِر لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيئِينَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الشُّهُود فِي كِتْمَانهمْ الشَّهَادَة , وَأَنَّهُ لَاحِق بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ أَضْمَرَ مَعْصِيَة أَوْ أَبْدَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5062 - حَدَّثَنِي أَبُو زَائِدَة زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا أَبُو نُفَيْل , عَنْ يَزِيد ابْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : يَعْنِي فِي الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . 5063 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : سُئِلَ دَاوُد عَنْ قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَحَدَّثَنَا عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : هِيَ الشَّهَادَة إذَا كَتَمْتهَا . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَمْرو وَأَبِي سَعِيد أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . 5064 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَزَلَتْ فِي كِتْمَان الشَّهَادَة وَإِقَامَتهَا . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَعْنِي كِتْمَان الشَّهَادَة وَإِقَامَتهَا عَلَى وَجْههَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إعْلَامًا مِنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَاده أَنَّهُ مُؤَاخِذهمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهمْ وَحَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5065 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُصْعَب بْن ثَابِت , عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْم , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّث بِهِ أَنْفُسنَا ؟ هَلَكْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 186 الْآيَة , إلَى قَوْله : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه : نَعَمْ " . { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } 2 286 إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَعَمْ " . 5066 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ آدَم بْن سُلَيْمَان مَوْلَى خَالِد بْن خَالِد , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يُحَدِّث عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلهَا مِنْ شَيْء , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا " . قَالَ : فَأَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه } 2 285 قَالَ أَبُو كُرَيْب : فَقَرَأَ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ : فَقَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . 5067 - حَدَّثَنِي أَبُو الرِّدَاد الْمِصْرِيّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد السَّلَام , قَالَ : ثنا أَبُو زُرْعَة وَهْب اللَّه بْن رَاشِد , عَنْ حَيْوَةَ بْن شُرَيْح , قَالَ : سَمِعْت يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , يَقُول : قَالَ ابْن شِهَاب : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَرْجَانَة , قَالَ : جِئْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } ثُمَّ قَالَ ابْن عُمَر : لَئِنْ آخَذَنَا بِهَذِهِ الْآيَة لَنَهْلَكَنَّ . ثُمَّ بَكَى ابْن عُمَر حَتَّى سَالَتْ دُمُوعه . قَالَ : ثُمَّ جِئْت عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس , فَقُلْت : يَا أَبَا عَبَّاس , إنِّي جِئْت ابْن عُمَر فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة , ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ وَاخَذَنَا بِهَذِهِ الْآيَة لَنَهْلَكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعه . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : يَغْفِر اللَّه لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر لَقَدْ فَرَّقَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا كَمَا فَرَّقَ ابْن عُمَر مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَنَسَخَ اللَّه الْوَسْوَسَة , وَأَثْبَتَ الْقَوْل وَالْفِعْل . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس بْن يَزِيد , عَنْ ابْن شِهَاب , عَنْ سَعِيد بْن مَرْجَانَة يُحَدِّث : أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِس سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة , فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ آخَذَنَا اللَّه بِهَذَا لَنَهْلَكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى ابْن عُمَر حَتَّى سَمِعَ نَشِيجه . فَقَالَ ابْن مَرْجَانَة : فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت ابْن عَبَّاس , فَذَكَرْت لَهُ مَا تَلَا ابْن عُمَر , وَمَا فَعَلَ حِين تَلَاهَا , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِين أُنْزِلَتْ مِثْل مَا وَجَدَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 إلَى آخِر السُّورَة . قَالَ ابْن عَبَّاس : فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَة مِمَّا لَا طَاقَة لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا , وَصَارَ الْأَمْر إلَى أَنْ قَضَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل . 5068 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : سَمِعْت الزُّهْرِيّ يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : قَرَأَهَا ابْن عُمَر , فَبَكَى وَقَالَ : إنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّث بِهِ أَنْفُسنَا ! فَبَكَى حَتَّى سَمِعَ نَشِيجه , فَقَامَ رَجُل مِنْ عِنْده , فَأَتَى ابْن عَبَّاس , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : رَحِمَ اللَّه ابْن عُمَر لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوًا مِمَّا وَجَدَ , حَتَّى نَزَلَتْ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5069 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كُنْت عِنْد ابْن عُمَر فَقَالَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة . فَبَكَى ! فَدَخَلْت عَلَى ابْن عَبَّاس , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ , فَضَحِكَ ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه ابْن عُمَر , أَوَ مَا يَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ إنَّ هَذِهِ الْآيَة حِين أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا , وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلَكْنَا ! فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " , فَنَسَخَتْهَا : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْ رُسُله } 2 285 إلَى قَوْله : { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَتَجَوَّزَ لَهُمْ مِنْ حَدِيث النَّفْس , وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ . 5070 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُونَ , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَالِم أَنَّ أَبَاهُ قَرَأَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَدَمَعَتْ عَيْنه . فَبَلَغَ صَنِيعه ابْن عَبَّاس , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ! لَقَدْ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ , فَنَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5071 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5072 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ آدَم بْن سُلَيْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالُوا : أَنُؤَاخَذُ بِمَا حَدَّثْنَا بِهِ أَنْفُسنَا وَلَمْ تَعْمَل بِهِ جَوَارِحنَا ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ : وَيَقُول : قَدْ فَعَلْت . قَالَ : فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة خَوَاتِيم سُورَة الْبَقَرَة , لَمْ تُعْطَهَا الْأُمَم قَبْلهَا . 5073 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَرِير بْن نُوح , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل , عَنْ عَامِر : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } قَالَ : فَنَسَخَتْهَا الْآيَة بَعْدهَا قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5074 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 وَقَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا } قَالَ : يُحَاسَب بِمَا أَبْدَى مِنْ سِرّ أَوْ أَخْفَى مِنْ سِرّ , فَنَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدهَا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيَّار , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } قَالَ : فَكَانَ فِيهَا شِدَّة حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 قَالَ : فَنَسَخَتْ مَا كَانَ قَبْلهَا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن عَوْن , قَالَ : ذَكَرُوا عِنْد الشَّعْبِيّ : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } حَتَّى بَلَغَ : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } قَالَ : فَقَالَ الشَّعْبِيّ : إلَى هَذَا صَارَ , رَجَعْت إلَى آخِر الْآيَة . 5075 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : قَالَ ابْن مَسْعُود : كَانَتْ الْمُحَاسَبَة قَبْل أَنْ تَنْزِل : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَلَمَّا نَزَلَتْ نَسَخَتْ الْآيَة الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , يَذْكُر عَنْ ابْن مَسْعُود , نَحْوه . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ بَيَان , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : نَسَخَتْ { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5076 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب وَسُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ مُجَاهِد , وَعَنْ إبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد , قَالُوا : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 { إذْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة . 5077 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَعَامِر , بِمِثْلِهِ . 5078 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : مَحَتْهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5079 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة , يَعْنِي قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } . .. 2 286 الْآيَة الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5080 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني ابْن زَيْد , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } . .. إلَى آخِر الْآيَة , اشْتَدَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَشَقَّتْ مَشَقَّة شَدِيدَة , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه لَوْ وَقَعَ فِي أَنْفُسنَا شَيْء لَمْ نَعْمَل بِهِ وَاخَذَنَا اللَّه بِهِ ؟ قَالَ : " فَلَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ كَمَا قَالَ بَنُو إسْرَائِيل سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " , قَالُوا : بَلْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا يَا رَسُول اللَّه . قَالَ : فَنَزَلَ الْقُرْآن يُفَرِّجهَا عَنْهُمْ : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أَنْزَل إلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله } 2 285 إلَى قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 قَالَ : فَصَيَّرَهُ إلَى الْأَعْمَال , وَتَرَكَ مَا يَقَع فِي الْقُلُوب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ سَيَّار , عَنْ أَبِي الْحَكَم , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5081 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة كَانُوا يُؤَاخَذُونَ بِمَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسهمْ وَمَا عَمِلُوا , فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : إنْ عَمِلَ أَحَدنَا وَإِنْ لَمْ يَعْمَل أُخِذْنَا بِهِ ؟ وَاَللَّه مَا نَمْلِك الْوَسْوَسَة ! فَنَسَخَهَا اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا بِقَوْلِهِ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 فَكَانَ حَدِيث النَّفْس مِمَّا لَمْ تُطِيقُوا . 5082 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : نَسَخَتْهَا قَوْله : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ : " الْإِعْلَام مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِبَاده أَنَّهُ مُؤَاخِذهمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهمْ وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحهمْ , وَبِمَا حَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوهُ " . هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُحَاسِب خَلْقه عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا أَصَرُّوهُ فِي أَنْفُسهمْ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ , فَيَغْفِرهُ لِلْمُؤْمِنِينَ , وَيُؤَاخِذ بِهِ أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5083 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخ , وَلَكِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إذَا جَمَعَ الْخَلَائِق يَوْم الْقِيَامَة , يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إنِّي أُخْبِركُمْ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ مِمَّا لَمْ تَطَّلِع عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي , فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرهُمْ وَيَغْفِر لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسهمْ , وَهُوَ قَوْله : { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : يُخْبِركُمْ . وَأَمَّا أَهْل الشَّكّ وَالرَّيْب , فَيُخْبِرهُمْ بِمَا أَخْفَوْا مِنْ التَّكْذِيب , وَهُوَ قَوْله : { فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } وَهُوَ قَوْله : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبكُمْ } 2 225 مِنْ الشَّكّ وَالنِّفَاق . 5084 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَذَلِكَ سِرّ عَمَلكُمْ وَعَلَانِيَته , يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه , فَلَيْسَ مِنْ عَبْد مُؤْمِن يُسِرّ فِي نَفْسه خَيْرًا لِيَعْمَل بِهِ , فَإِنْ عَمِلَ بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ عَشْر حَسَنَات , وَإِنْ هُوَ لَمْ يَقْدِر لَهُ أَنْ يَعْمَل بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ حَسَنَة مِنْ أَجْل أَنَّهُ مُؤْمِن , وَاَللَّه يَرْضَى سِرّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَانِيَتهمْ , وَإِنْ كَانَ سُوءًا حَدَّثَ بِهِ نَفْسه اطَّلَعَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ يَوْم تُبْلَى السَّرَائِر , وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَل بِهِ لَمْ يُؤَاخِذهُ اللَّه بِهِ حَتَّى يَعْمَل بِهِ , فَإِنْ هُوَ عَمِلَ بِهِ تَجَاوَزَ اللَّه عَنْهُ , كَمَا قَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّل عَنْهُمْ أَحْسَن مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَز عَنْ سَيِّئَاتهمْ } 46 16 5085 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ اللَّه } . .. الْآيَة . قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إنَّ اللَّه يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : إنَّ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا مِنْ أَعْمَالكُمْ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا , فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ فَأَنَا أُحَاسِبكُمْ بِهِ الْيَوْم , فَأَغْفِر لِمَنْ شِئْت , وَأُعَذِّب مَنْ شِئْت . 5086 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا بَيَان , عَنْ بِشْر , عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم , قَالَ : إذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْمَع الْخَلَائِق : إنَّمَا كَانَ كُتَّابِي يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا ظَهَرَ مِنْكُمْ , فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فَلَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَهُ , وَلَا يَعْلَمُونَهُ , أَنَا اللَّه أَعْلَم بِذَلِكَ كُلّه مِنْكُمْ , فَأَغْفِر لِمَنْ شِئْت , وَأُعَذِّب مَنْ شِئْت . 5087 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إذَا دُعِيَ النَّاس لِلْحِسَابِ , أَخْبَرَهُمْ اللَّه بِمَا كَانُوا يُسِرُّونَ فِي أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ , فَيَقُول : إنَّهُ كَانَ لَا يَعْزُب عَنِّي شَيْء , وَإِنِّي مُخْبِركُمْ بِمَا كُنْتُمْ تُسِرُّونَ مِنْ السُّوء , وَلَمْ تَكُنْ حَفَظَتكُمْ عَلَيْكُمْ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ . فَهَذِهِ الْمُحَاسَبَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , نَحْوه . 5088 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : هِيَ مُحْكَمَة لَمْ يَنْسَخهَا شَيْء , يَقُول : يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه , يَقُول : يَعْرِفهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة أَنَّك أَخْفَيْت فِي صَدْرك كَذَا وَكَذَا لَا يُؤَاخِذهُ . 5089 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : هِيَ مُحْكَمَة لَمْ تُنْسَخ . 5090 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : مِنْ الشَّكّ وَالْيَقِين . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : فِي الْيَقِين وَالشَّكّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . فَتَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة عَلَى قَوْل ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ } مِنْ شَيْء مِنْ الْأَعْمَال , فَتُظْهِرُوهُ بِأَبْدَانِكُمْ وَجَوَارِحكُمْ , أَوْ تُخْفُوهُ فَتُسِرُّوهُ فِي أَنْفُسكُمْ , فَلَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ أَحَد مِنْ خَلْقِي , أُحَاسِبكُمْ بِهِ , فَأَغْفِر كُلّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِيمَان , وَأُعَذِّب أَهْل الشِّرْك وَالنِّفَاق فِي دِينِي . وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الضَّحَّاك مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن سُلَيْمَان عَنْهُ , وَعَلَى مَا قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس , فَإِنَّ تَأْوِيلهَا : إنْ تُظْهِرُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ فَتَعْمَلُوهُ مِنْ الْمَعَاصِي , أَوْ تُضْمِرُوا إرَادَته فِي أَنْفُسكُمْ , فَتُخْفُوهُ , يُعْلِمكُمْ بِهِ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء , وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء . وَأَمَّا قَوْل مُجَاهِد فَشَبِيه مَعْنَاهُ بِمَعْنَى قَوْل ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ : " هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة وَهِيَ غَيْر مَنْسُوخَة " وَوَافَقُوا الَّذِينَ قَالُوا : " مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمَ عِبَاده مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ فِيمَا أَبْدَوْا وَأَخْفَوْا مِنْ أَعْمَالهمْ " مَعْنَاهَا : أَنَّ اللَّه مُحَاسِب جَمِيع خَلْقه بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ سَيِّئ أَعْمَالهمْ , وَجَمِيع مَا أَسَرُّوهُ , وَمُعَاقِبهمْ عَلَيْهِ , غَيْر أَنَّ عُقُوبَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا أَخْفَوْهُ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ مَا يَحْدُث لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمَصَائِب , وَالْأُمُور الَّتِي يَحْزَنُونَ عَلَيْهَا وَيَأْلَمُونَ مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5091 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَقُول : مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا أَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْهَمّ وَالْحُزْن مِثْل الَّذِي هَمَّ بِهِ مِنْ السَّيِّئَة فَلَمْ يَعْمَلهَا , فَكَانَتْ كَفَّارَته . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : كَانَتْ عَائِشَة تَقُول : كُلّ عَبْد يَهِمّ بِمَعْصِيَةٍ , أَوْ يُحَدِّث بِهَا نَفْسه , حَاسَبَهُ اللَّه بِهَا فِي الدُّنْيَا , يَخَاف وَيَحْزَن وَيَهْتَمّ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة فِي ذَلِكَ : كُلّ عَبْد هَمَّ بِسُوءٍ وَمَعْصِيَة , وَحَدَّثَ نَفْسه بِهِ , حَاسَبَهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا , يَخَاف وَيَحْزَن وَيَشْتَدّ هَمّه , لَا يَنَالهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , كَمَا هَمَّ بِالسُّوءِ وَلَمْ يَعْمَل مِنْهُ شَيْئًا . 5092 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أُمّه أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَة عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ } 4 123 فَقَالَتْ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَد مُذْ سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " يَا عَائِشَة , هَذِهِ مُتَابَعَة اللَّه الْعَبْد بِمَا يُصِيبهُ مِنْ الْحُمَّى وَالنَّكْبَة وَالشَّوْكَة , حَتَّى الْبِضَاعَة يَضَعهَا فِي كُمّه فَيَفْقِدهَا فَيَفْزَع لَهَا , فَيَجِدهَا فِي ضِبْنه حَتَّى إنَّ الْمُؤْمِن لِيَخْرُج مِنْ ذُنُوبه كَمَا يَخْرُج التِّبْر الْأَحْمَر مِنْ الْكِير " . وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّهَا مُحْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْخ لَا يَكُون فِي حُكْم إلَّا يَنْفِيه بِآخَر لَهُ نَافٍ مِنْ كُلّ وُجُوهه , وَلَيْسَ فِي قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 نَفَى الْحُكْم الَّذِي أَعْلَمَ عِبَاده بِقَوْلِهِ : { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } لِأَنَّ الْمُحَاسَبَة لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ عُقُوبَة , وَلَا مُؤَاخَذَة بِمَا حُوسِبَ عَلَيْهِ الْعَبْد مِنْ ذُنُوبه , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ حِين تُعْرَض عَلَيْهِمْ كُتُب أَعْمَالهمْ يَوْم الْقِيَامَة , يَقُولُونَ : { يَا وَيْلَتنَا مَا لِهَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إلَّا أَحْصَاهَا } 18 49 فَأَخْبَرَ أَنَّ كُتُبهمْ مُحْصِيَة عَلَيْهِمْ صَغَائِر أَعْمَالهمْ وَكَبَائِرهَا , فَلَمْ تَكُنْ الْكُتُب وَإِنْ أَحْصَتْ صَغَائِر الذُّنُوب وَكَبَائِرهَا بِمُوجِبِ إحْصَائِهَا عَلَى أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَأَهْل الطَّاعَة لَهُ , أَنْ يَكُونُوا بِكُلِّ مَا أَحْصَتْهُ الْكُتُب مِنْ الذُّنُوب مُعَاقَبِينَ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُمْ الْعَفْو عَنْ الصَّغَائِر بِاجْتِنَابِهِمْ الْكَبَائِر , فَقَالَ فِي تَنْزِيله : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } 4 31 فَدَلَّ أَنَّ مُحَاسَبَة اللَّه عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُوَ مُحَاسِبهمْ بِهِ مِنْ الْأُمُور الَّتِي أَخْفَتْهَا أَنْفُسهمْ غَيْر مُوجِبَة لَهُمْ مِنْهُ عُقُوبَة , بَلْ مُحَاسَبَته إيَّاهُمْ إنْ شَاءَ اللَّه عَلَيْهَا لِيُعَرِّفهُمْ تَفَضُّله عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا كَمَا بَلَغَنَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَر الَّذِي : 5093 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , عَنْ ابْن عُمَر , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُدْنِي اللَّه عَبْده الْمُؤْمِن يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُول : هَلْ تَعْرِف ؟ فَيَقُول نَعَمْ , فَيَقُول : سَتَرْتهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرهَا الْيَوْم . ثُمَّ يُظْهِر لَهُ حَسَنَاته , فَيَقُول : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابَيْهِ " أَوْ كَمَا قَالَ : " وَأَمَّا الْكَافِر , فَإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد " . 5094 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَسَعِيد وَهِشَام , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام , قَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثهمَا , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نَطُوف بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَهُوَ يَطُوف , إذْ عَرَضَ لَهُ رَجُل , فَقَالَ : يَا ابْن عُمَر أَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَدْنُو الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِف كَذَا ؟ فَيَقُول : رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَيْنِ , حَتَّى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا , وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم " , قَالَ : " فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته أَوْ كِتَابه بِيَمِينِهِ . وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ , فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ , أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ " . إنَّ اللَّه يَفْعَل بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِن مِنْ تَعْرِيفه إيَّاهُ سَيِّئَات أَعْمَاله حَتَّى يُعَرِّفهُ تَفَضُّله عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ لَهُ عَنْهَا , فَكَذَلِكَ فِعْله تَعَالَى ذِكْره فِي مُحَاسَبَته إيَّاهُ بِمَا أَبْدَاهُ مِنْ نَفْسه , وَبِمَا أَخْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ يَغْفِر لَهُ كُلّ ذَلِكَ بَعْد تَعْرِيفه تَفَضُّله وَتَكَرُّمه عَلَيْهِ , فَيَسْتُرهُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْمَغْفِرَة الَّتِي وَعَدَ اللَّه عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : يَغْفِر لِمَنْ يَشَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ قَوْله : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 يُنْبِئ عَنْ أَنَّ جَمِيع الْخَلْق غَيْر مُؤَاخَذِينَ إلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ أَنْفُسهمْ مِنْ ذَنْب , وَلَا مُثَابِينَ إلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ مِنْ خَيْر . قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَغَيْر مُؤَاخَذ الْعَبْد بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْ فِعْله , أَوْ تَرْك مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا مَعْنَى وَعِيد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إيَّانَا عَلَى مَا أَخْفَتْهُ أَنْفُسنَا بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } إنْ كَانَ { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 وَمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبنَا وَأَخْفَتْهُ أَنْفُسنَا , مِنْ هَمّ بِذَنْبٍ , أَوْ إرَادَة لِمَعْصِيَةٍ , لَمْ تَكْتَسِبهُ جَوَارِحنَا ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوا لَهُمْ عَمَّا هُوَ أَعْظَم مِمَّا هَمَّ بِهِ أَحَدهمْ مِنْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَفْعَلهُ , وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَعْده إيَّاهُمْ الْعَفْو عَنْ صَغَائِر ذُنُوبهمْ إذَا هُمْ اجْتَنَبُوا كَبَائِرهَا , وَإِنَّمَا الْوَعِيد مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نُفُوس الَّذِينَ كَانَتْ أَنْفُسهمْ تُخْفِي الشَّكّ فِي اللَّه , وَالْمِرْيَة فِي وَحْدَانِيّته , أَوْ فِي نُبُوَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , أَوْ فِي الْمُعَاد وَالْبَعْث مِنْ الْمُنَافِقِينَ , عَلَى نَحْو مَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلهمَا أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } عَلَى الشَّكّ وَالْيَقِين . غَيْر أَنَّا نَقُول إنَّ الْمُتَوَعِّد بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } هُوَ مَنْ كَانَ إخْفَاء نَفْسه مَا تُخْفِيه الشَّكّ وَالْمِرْيَة فِي اللَّه , وَفِيمَا يَكُون الشَّكّ فِيهِ بِاَللَّهِ كُفْرًا , وَالْمَوْعُود الْغُفْرَان بِقَوْلِهِ : { فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء } هُوَ الَّذِي أَخْفَى , وَمَا يُخْفِيه الْهِمَّة بِالتَّقَدُّمِ عَلَى بَعْض مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاء تَحْلِيله وَإِبَاحَته , فَحَرَّمَهُ عَلَى خَلْقه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , أَوْ عَلَى تَرْك بَعْض مَا أَمَرَ اللَّه بِفِعْلِهِ مِمَّا كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاء إبَاحَة تَرْكه , فَأَوْجَبَ فِعْله عَلَى خَلْقه . فَإِنَّ الَّذِي يَهِمّ بِذَلِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إذَا هُوَ لَمْ يُصَحِّح هَمّه بِمَا يَهِمّ بِهِ , وَيُحَقِّق مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه مِنْ ذَلِكَ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا , كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة , وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا لَمْ تُكْتَب عَلَيْهِ " , فَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَا , هُوَ الَّذِي يُحَاسِب اللَّه بِهِ مُؤْمِنِي عِبَاده ثُمَّ لَا يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه شَكًّا فِي اللَّه وَارْتِيَابًا فِي نُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ , فَذَلِكَ هُوَ الْهَالِك الْمُخَلَّد فِي النَّار , الَّذِي أَوْعَدَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَذَاب الْأَلِيم بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ } أَيّهَا النَّاس , فَتُظْهِرُوهُ { أَوْ تُخْفُوهُ } فَتَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسكُمْ , { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَيَعْرِف مُؤْمِنكُمْ تَفَضُّله بِعَفْوِهِ عَنْهُ , وَمَغْفِرَته لَهُ , فَيَغْفِرهُ لَهُ , وَيُعَذِّب مُنَافِقكُمْ عَلَى الشَّكّ الَّذِي انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسه فِي وَحْدَانِيَّة خَالِقه وَنُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } لِلَّهِ مُلْك كُلّ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ صَغِير وَكَبِير , وَإِلَيْهِ تَدْبِير جَمِيعه , وَبِيَدِهِ صَرْفه وَتَقْلِيبه , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , لِأَنَّهُ مُدَبِّره وَمَالِكه وَمُصَرِّفه . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كِتْمَان الشُّهُود الشَّهَادَة , يَقُول : لَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَة أَيّهَا الشُّهُود , وَمَنْ يَكْتُمهَا يَفْجُر قَلْبه , وَلَنْ يَخْفَى عَلَيَّ كِتْمَانه , وَذَلِكَ لِأَنِّي بِكُلِّ شَيْء عَلِيم , وَبِيَدِي صَرْف كُلّ شَيْء فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمُلْكه , أُعْلِمهُ خَفِيّ ذَلِكَ وَجَلِيّه , فَاتَّقُوا عِقَابِي إيَّاكُمْ عَلَى كِتْمَانكُمْ الشَّهَادَة . وَعِيدًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ مَنْ كَتَمَهَا وَتَخْوِيفًا مِنْهُ لَهُ بِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا هُوَ فَاعِل بِهِمْ فِي آخِرَتهمْ , وَبِمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ انْطَوَى كَشْحًا عَلَى مَعْصِيَة فَأَضْمَرَهَا , أَوْ أَظْهَرَ مُوبِقَة فَأَبْدَاهَا مِنْ نَفْسه مِنْ الْمُحَاسَبَة عَلَيْهَا , فَقَالَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يَقُول : وَإِنْ تُظْهِرُوا فِيمَا عِنْدكُمْ مِنْ الشَّهَادَة عَلَى حَقّ رَبّ الْمَال الْجُحُود وَالْإِنْكَار , أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فَتُضْمِرُوهُ فِي أَنْفُسكُمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ سَيِّئ أَعْمَالكُمْ , { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَحْتَسِب بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ أَعْمَاله , فَيُجَازِي مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيئِينَ بِسُوءِ عَمَله , وَغَافِر لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيئِينَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الشُّهُود فِي كِتْمَانهمْ الشَّهَادَة , وَأَنَّهُ لَاحِق بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ أَضْمَرَ مَعْصِيَة أَوْ أَبْدَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5062 - حَدَّثَنِي أَبُو زَائِدَة زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا أَبُو نُفَيْل , عَنْ يَزِيد ابْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : يَعْنِي فِي الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . 5063 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : سُئِلَ دَاوُد عَنْ قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَحَدَّثَنَا عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : هِيَ الشَّهَادَة إذَا كَتَمْتهَا . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَمْرو وَأَبِي سَعِيد أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . 5064 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : فِي الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَزَلَتْ فِي كِتْمَان الشَّهَادَة وَإِقَامَتهَا . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَعْنِي كِتْمَان الشَّهَادَة وَإِقَامَتهَا عَلَى وَجْههَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة إعْلَامًا مِنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَاده أَنَّهُ مُؤَاخِذهمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهمْ وَحَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5065 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُصْعَب بْن ثَابِت , عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْم , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّث بِهِ أَنْفُسنَا ؟ هَلَكْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 186 الْآيَة , إلَى قَوْله : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه : نَعَمْ " . { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } 2 286 إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ أَبِي : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَعَمْ " . 5066 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ آدَم بْن سُلَيْمَان مَوْلَى خَالِد بْن خَالِد , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يُحَدِّث عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلهَا مِنْ شَيْء , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا " . قَالَ : فَأَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه } 2 285 قَالَ أَبُو كُرَيْب : فَقَرَأَ : { رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ : فَقَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { رَبّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَة لَنَا بِهِ } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } 2 286 قَالَ : " قَدْ فَعَلْت " . 5067 - حَدَّثَنِي أَبُو الرِّدَاد الْمِصْرِيّ عَبْد اللَّه بْن عَبْد السَّلَام , قَالَ : ثنا أَبُو زُرْعَة وَهْب اللَّه بْن رَاشِد , عَنْ حَيْوَةَ بْن شُرَيْح , قَالَ : سَمِعْت يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , يَقُول : قَالَ ابْن شِهَاب : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن مَرْجَانَة , قَالَ : جِئْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } ثُمَّ قَالَ ابْن عُمَر : لَئِنْ آخَذَنَا بِهَذِهِ الْآيَة لَنَهْلَكَنَّ . ثُمَّ بَكَى ابْن عُمَر حَتَّى سَالَتْ دُمُوعه . قَالَ : ثُمَّ جِئْت عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس , فَقُلْت : يَا أَبَا عَبَّاس , إنِّي جِئْت ابْن عُمَر فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة , ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ وَاخَذَنَا بِهَذِهِ الْآيَة لَنَهْلَكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعه . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : يَغْفِر اللَّه لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر لَقَدْ فَرَّقَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا كَمَا فَرَّقَ ابْن عُمَر مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَنَسَخَ اللَّه الْوَسْوَسَة , وَأَثْبَتَ الْقَوْل وَالْفِعْل . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس بْن يَزِيد , عَنْ ابْن شِهَاب , عَنْ سَعِيد بْن مَرْجَانَة يُحَدِّث : أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِس سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة , فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ آخَذَنَا اللَّه بِهَذَا لَنَهْلَكَنَّ ! ثُمَّ بَكَى ابْن عُمَر حَتَّى سَمِعَ نَشِيجه . فَقَالَ ابْن مَرْجَانَة : فَقُمْت حَتَّى أَتَيْت ابْن عَبَّاس , فَذَكَرْت لَهُ مَا تَلَا ابْن عُمَر , وَمَا فَعَلَ حِين تَلَاهَا , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : يَغْفِر اللَّه لِأَبِي عَبْد الرَّحْمَن , لَعَمْرِي لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِين أُنْزِلَتْ مِثْل مَا وَجَدَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 إلَى آخِر السُّورَة . قَالَ ابْن عَبَّاس : فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَة مِمَّا لَا طَاقَة لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا , وَصَارَ الْأَمْر إلَى أَنْ قَضَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل . 5068 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : سَمِعْت الزُّهْرِيّ يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : قَرَأَهَا ابْن عُمَر , فَبَكَى وَقَالَ : إنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نُحَدِّث بِهِ أَنْفُسنَا ! فَبَكَى حَتَّى سَمِعَ نَشِيجه , فَقَامَ رَجُل مِنْ عِنْده , فَأَتَى ابْن عَبَّاس , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : رَحِمَ اللَّه ابْن عُمَر لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوًا مِمَّا وَجَدَ , حَتَّى نَزَلَتْ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5069 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كُنْت عِنْد ابْن عُمَر فَقَالَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة . فَبَكَى ! فَدَخَلْت عَلَى ابْن عَبَّاس , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ , فَضَحِكَ ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه ابْن عُمَر , أَوَ مَا يَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ إنَّ هَذِهِ الْآيَة حِين أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا , وَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه هَلَكْنَا ! فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " , فَنَسَخَتْهَا : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْ رُسُله } 2 285 إلَى قَوْله : { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَتَجَوَّزَ لَهُمْ مِنْ حَدِيث النَّفْس , وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ . 5070 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُونَ , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَالِم أَنَّ أَبَاهُ قَرَأَ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَدَمَعَتْ عَيْنه . فَبَلَغَ صَنِيعه ابْن عَبَّاس , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ! لَقَدْ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أُنْزِلَتْ , فَنَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5071 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5072 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ آدَم بْن سُلَيْمَان , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالُوا : أَنُؤَاخَذُ بِمَا حَدَّثْنَا بِهِ أَنْفُسنَا وَلَمْ تَعْمَل بِهِ جَوَارِحنَا ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } 2 286 قَالَ : وَيَقُول : قَدْ فَعَلْت . قَالَ : فَأُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة خَوَاتِيم سُورَة الْبَقَرَة , لَمْ تُعْطَهَا الْأُمَم قَبْلهَا . 5073 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَرِير بْن نُوح , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل , عَنْ عَامِر : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } قَالَ : فَنَسَخَتْهَا الْآيَة بَعْدهَا قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5074 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 وَقَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا } قَالَ : يُحَاسَب بِمَا أَبْدَى مِنْ سِرّ أَوْ أَخْفَى مِنْ سِرّ , فَنَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدهَا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيَّار , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } قَالَ : فَكَانَ فِيهَا شِدَّة حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 قَالَ : فَنَسَخَتْ مَا كَانَ قَبْلهَا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن عَوْن , قَالَ : ذَكَرُوا عِنْد الشَّعْبِيّ : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } حَتَّى بَلَغَ : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } قَالَ : فَقَالَ الشَّعْبِيّ : إلَى هَذَا صَارَ , رَجَعْت إلَى آخِر الْآيَة . 5075 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قَالَ : قَالَ ابْن مَسْعُود : كَانَتْ الْمُحَاسَبَة قَبْل أَنْ تَنْزِل : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 فَلَمَّا نَزَلَتْ نَسَخَتْ الْآيَة الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , يَذْكُر عَنْ ابْن مَسْعُود , نَحْوه . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ بَيَان , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : نَسَخَتْ { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5076 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب وَسُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ مُجَاهِد , وَعَنْ إبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد , قَالُوا : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 { إذْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } . .. الْآيَة . 5077 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَعَامِر , بِمِثْلِهِ . 5078 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : مَحَتْهَا : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5079 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة , يَعْنِي قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } . .. 2 286 الْآيَة الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْهَا قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 5080 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني ابْن زَيْد , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } . .. إلَى آخِر الْآيَة , اشْتَدَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَشَقَّتْ مَشَقَّة شَدِيدَة , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه لَوْ وَقَعَ فِي أَنْفُسنَا شَيْء لَمْ نَعْمَل بِهِ وَاخَذَنَا اللَّه بِهِ ؟ قَالَ : " فَلَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ كَمَا قَالَ بَنُو إسْرَائِيل سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " , قَالُوا : بَلْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا يَا رَسُول اللَّه . قَالَ : فَنَزَلَ الْقُرْآن يُفَرِّجهَا عَنْهُمْ : { آمَنَ الرَّسُول بِمَا أَنْزَل إلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله } 2 285 إلَى قَوْله : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 قَالَ : فَصَيَّرَهُ إلَى الْأَعْمَال , وَتَرَكَ مَا يَقَع فِي الْقُلُوب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ سَيَّار , عَنْ أَبِي الْحَكَم , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 5081 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة كَانُوا يُؤَاخَذُونَ بِمَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسهمْ وَمَا عَمِلُوا , فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : إنْ عَمِلَ أَحَدنَا وَإِنْ لَمْ يَعْمَل أُخِذْنَا بِهِ ؟ وَاَللَّه مَا نَمْلِك الْوَسْوَسَة ! فَنَسَخَهَا اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا بِقَوْلِهِ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا } 2 286 فَكَانَ حَدِيث النَّفْس مِمَّا لَمْ تُطِيقُوا . 5082 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : نَسَخَتْهَا قَوْله : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ : " الْإِعْلَام مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِبَاده أَنَّهُ مُؤَاخِذهمْ بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهمْ وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحهمْ , وَبِمَا حَدَّثَتْهُمْ بِهِ أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوهُ " . هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُحَاسِب خَلْقه عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا أَصَرُّوهُ فِي أَنْفُسهمْ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ , فَيَغْفِرهُ لِلْمُؤْمِنِينَ , وَيُؤَاخِذ بِهِ أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5083 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخ , وَلَكِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إذَا جَمَعَ الْخَلَائِق يَوْم الْقِيَامَة , يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إنِّي أُخْبِركُمْ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ مِمَّا لَمْ تَطَّلِع عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي , فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرهُمْ وَيَغْفِر لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسهمْ , وَهُوَ قَوْله : { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : يُخْبِركُمْ . وَأَمَّا أَهْل الشَّكّ وَالرَّيْب , فَيُخْبِرهُمْ بِمَا أَخْفَوْا مِنْ التَّكْذِيب , وَهُوَ قَوْله : { فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } وَهُوَ قَوْله : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبكُمْ } 2 225 مِنْ الشَّكّ وَالنِّفَاق . 5084 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَذَلِكَ سِرّ عَمَلكُمْ وَعَلَانِيَته , يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه , فَلَيْسَ مِنْ عَبْد مُؤْمِن يُسِرّ فِي نَفْسه خَيْرًا لِيَعْمَل بِهِ , فَإِنْ عَمِلَ بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ عَشْر حَسَنَات , وَإِنْ هُوَ لَمْ يَقْدِر لَهُ أَنْ يَعْمَل بِهِ كُتِبَتْ لَهُ بِهِ حَسَنَة مِنْ أَجْل أَنَّهُ مُؤْمِن , وَاَللَّه يَرْضَى سِرّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَانِيَتهمْ , وَإِنْ كَانَ سُوءًا حَدَّثَ بِهِ نَفْسه اطَّلَعَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ يَوْم تُبْلَى السَّرَائِر , وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَل بِهِ لَمْ يُؤَاخِذهُ اللَّه بِهِ حَتَّى يَعْمَل بِهِ , فَإِنْ هُوَ عَمِلَ بِهِ تَجَاوَزَ اللَّه عَنْهُ , كَمَا قَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّل عَنْهُمْ أَحْسَن مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَز عَنْ سَيِّئَاتهمْ } 46 16 5085 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ اللَّه } . .. الْآيَة . قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إنَّ اللَّه يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : إنَّ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا مِنْ أَعْمَالكُمْ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا , فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فِي أَنْفُسكُمْ فَأَنَا أُحَاسِبكُمْ بِهِ الْيَوْم , فَأَغْفِر لِمَنْ شِئْت , وَأُعَذِّب مَنْ شِئْت . 5086 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا بَيَان , عَنْ بِشْر , عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم , قَالَ : إذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْمَع الْخَلَائِق : إنَّمَا كَانَ كُتَّابِي يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا ظَهَرَ مِنْكُمْ , فَأَمَّا مَا أَسْرَرْتُمْ فَلَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَهُ , وَلَا يَعْلَمُونَهُ , أَنَا اللَّه أَعْلَم بِذَلِكَ كُلّه مِنْكُمْ , فَأَغْفِر لِمَنْ شِئْت , وَأُعَذِّب مَنْ شِئْت . 5087 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إذَا دُعِيَ النَّاس لِلْحِسَابِ , أَخْبَرَهُمْ اللَّه بِمَا كَانُوا يُسِرُّونَ فِي أَنْفُسهمْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ , فَيَقُول : إنَّهُ كَانَ لَا يَعْزُب عَنِّي شَيْء , وَإِنِّي مُخْبِركُمْ بِمَا كُنْتُمْ تُسِرُّونَ مِنْ السُّوء , وَلَمْ تَكُنْ حَفَظَتكُمْ عَلَيْكُمْ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ . فَهَذِهِ الْمُحَاسَبَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , نَحْوه . 5088 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : هِيَ مُحْكَمَة لَمْ يَنْسَخهَا شَيْء , يَقُول : يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه , يَقُول : يَعْرِفهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة أَنَّك أَخْفَيْت فِي صَدْرك كَذَا وَكَذَا لَا يُؤَاخِذهُ . 5089 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : هِيَ مُحْكَمَة لَمْ تُنْسَخ . 5090 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : مِنْ الشَّكّ وَالْيَقِين . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } يَقُول : فِي الْيَقِين وَالشَّكّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . فَتَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة عَلَى قَوْل ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ } مِنْ شَيْء مِنْ الْأَعْمَال , فَتُظْهِرُوهُ بِأَبْدَانِكُمْ وَجَوَارِحكُمْ , أَوْ تُخْفُوهُ فَتُسِرُّوهُ فِي أَنْفُسكُمْ , فَلَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ أَحَد مِنْ خَلْقِي , أُحَاسِبكُمْ بِهِ , فَأَغْفِر كُلّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِيمَان , وَأُعَذِّب أَهْل الشِّرْك وَالنِّفَاق فِي دِينِي . وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الضَّحَّاك مِنْ رِوَايَة عُبَيْد بْن سُلَيْمَان عَنْهُ , وَعَلَى مَا قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس , فَإِنَّ تَأْوِيلهَا : إنْ تُظْهِرُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ فَتَعْمَلُوهُ مِنْ الْمَعَاصِي , أَوْ تُضْمِرُوا إرَادَته فِي أَنْفُسكُمْ , فَتُخْفُوهُ , يُعْلِمكُمْ بِهِ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء , وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء . وَأَمَّا قَوْل مُجَاهِد فَشَبِيه مَعْنَاهُ بِمَعْنَى قَوْل ابْن عَبَّاس الَّذِي رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ : " هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة وَهِيَ غَيْر مَنْسُوخَة " وَوَافَقُوا الَّذِينَ قَالُوا : " مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمَ عِبَاده مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ فِيمَا أَبْدَوْا وَأَخْفَوْا مِنْ أَعْمَالهمْ " مَعْنَاهَا : أَنَّ اللَّه مُحَاسِب جَمِيع خَلْقه بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ سَيِّئ أَعْمَالهمْ , وَجَمِيع مَا أَسَرُّوهُ , وَمُعَاقِبهمْ عَلَيْهِ , غَيْر أَنَّ عُقُوبَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا أَخْفَوْهُ مِمَّا لَمْ يَعْمَلُوهُ مَا يَحْدُث لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمَصَائِب , وَالْأُمُور الَّتِي يَحْزَنُونَ عَلَيْهَا وَيَأْلَمُونَ مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5091 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تَقُول : مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا أَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْهَمّ وَالْحُزْن مِثْل الَّذِي هَمَّ بِهِ مِنْ السَّيِّئَة فَلَمْ يَعْمَلهَا , فَكَانَتْ كَفَّارَته . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } قَالَ : كَانَتْ عَائِشَة تَقُول : كُلّ عَبْد يَهِمّ بِمَعْصِيَةٍ , أَوْ يُحَدِّث بِهَا نَفْسه , حَاسَبَهُ اللَّه بِهَا فِي الدُّنْيَا , يَخَاف وَيَحْزَن وَيَهْتَمّ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة فِي ذَلِكَ : كُلّ عَبْد هَمَّ بِسُوءٍ وَمَعْصِيَة , وَحَدَّثَ نَفْسه بِهِ , حَاسَبَهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا , يَخَاف وَيَحْزَن وَيَشْتَدّ هَمّه , لَا يَنَالهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , كَمَا هَمَّ بِالسُّوءِ وَلَمْ يَعْمَل مِنْهُ شَيْئًا . 5092 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أُمّه أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَة عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ } 4 123 فَقَالَتْ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَد مُذْ سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " يَا عَائِشَة , هَذِهِ مُتَابَعَة اللَّه الْعَبْد بِمَا يُصِيبهُ مِنْ الْحُمَّى وَالنَّكْبَة وَالشَّوْكَة , حَتَّى الْبِضَاعَة يَضَعهَا فِي كُمّه فَيَفْقِدهَا فَيَفْزَع لَهَا , فَيَجِدهَا فِي ضِبْنه حَتَّى إنَّ الْمُؤْمِن لِيَخْرُج مِنْ ذُنُوبه كَمَا يَخْرُج التِّبْر الْأَحْمَر مِنْ الْكِير " . وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّهَا مُحْكَمَة وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْخ لَا يَكُون فِي حُكْم إلَّا يَنْفِيه بِآخَر لَهُ نَافٍ مِنْ كُلّ وُجُوهه , وَلَيْسَ فِي قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 نَفَى الْحُكْم الَّذِي أَعْلَمَ عِبَاده بِقَوْلِهِ : { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } لِأَنَّ الْمُحَاسَبَة لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ عُقُوبَة , وَلَا مُؤَاخَذَة بِمَا حُوسِبَ عَلَيْهِ الْعَبْد مِنْ ذُنُوبه , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ حِين تُعْرَض عَلَيْهِمْ كُتُب أَعْمَالهمْ يَوْم الْقِيَامَة , يَقُولُونَ : { يَا وَيْلَتنَا مَا لِهَذَا الْكِتَاب لَا يُغَادِر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إلَّا أَحْصَاهَا } 18 49 فَأَخْبَرَ أَنَّ كُتُبهمْ مُحْصِيَة عَلَيْهِمْ صَغَائِر أَعْمَالهمْ وَكَبَائِرهَا , فَلَمْ تَكُنْ الْكُتُب وَإِنْ أَحْصَتْ صَغَائِر الذُّنُوب وَكَبَائِرهَا بِمُوجِبِ إحْصَائِهَا عَلَى أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَأَهْل الطَّاعَة لَهُ , أَنْ يَكُونُوا بِكُلِّ مَا أَحْصَتْهُ الْكُتُب مِنْ الذُّنُوب مُعَاقَبِينَ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُمْ الْعَفْو عَنْ الصَّغَائِر بِاجْتِنَابِهِمْ الْكَبَائِر , فَقَالَ فِي تَنْزِيله : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } 4 31 فَدَلَّ أَنَّ مُحَاسَبَة اللَّه عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُوَ مُحَاسِبهمْ بِهِ مِنْ الْأُمُور الَّتِي أَخْفَتْهَا أَنْفُسهمْ غَيْر مُوجِبَة لَهُمْ مِنْهُ عُقُوبَة , بَلْ مُحَاسَبَته إيَّاهُمْ إنْ شَاءَ اللَّه عَلَيْهَا لِيُعَرِّفهُمْ تَفَضُّله عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا كَمَا بَلَغَنَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَر الَّذِي : 5093 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , عَنْ ابْن عُمَر , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُدْنِي اللَّه عَبْده الْمُؤْمِن يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُول : هَلْ تَعْرِف ؟ فَيَقُول نَعَمْ , فَيَقُول : سَتَرْتهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرهَا الْيَوْم . ثُمَّ يُظْهِر لَهُ حَسَنَاته , فَيَقُول : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابَيْهِ " أَوْ كَمَا قَالَ : " وَأَمَّا الْكَافِر , فَإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد " . 5094 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَسَعِيد وَهِشَام , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام , قَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثهمَا , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نَطُوف بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَهُوَ يَطُوف , إذْ عَرَضَ لَهُ رَجُل , فَقَالَ : يَا ابْن عُمَر أَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَدْنُو الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِف كَذَا ؟ فَيَقُول : رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَيْنِ , حَتَّى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا , وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم " , قَالَ : " فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته أَوْ كِتَابه بِيَمِينِهِ . وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ , فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ , أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ " . إنَّ اللَّه يَفْعَل بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِن مِنْ تَعْرِيفه إيَّاهُ سَيِّئَات أَعْمَاله حَتَّى يُعَرِّفهُ تَفَضُّله عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ لَهُ عَنْهَا , فَكَذَلِكَ فِعْله تَعَالَى ذِكْره فِي مُحَاسَبَته إيَّاهُ بِمَا أَبْدَاهُ مِنْ نَفْسه , وَبِمَا أَخْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ يَغْفِر لَهُ كُلّ ذَلِكَ بَعْد تَعْرِيفه تَفَضُّله وَتَكَرُّمه عَلَيْهِ , فَيَسْتُرهُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْمَغْفِرَة الَّتِي وَعَدَ اللَّه عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : يَغْفِر لِمَنْ يَشَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ قَوْله : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 يُنْبِئ عَنْ أَنَّ جَمِيع الْخَلْق غَيْر مُؤَاخَذِينَ إلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ أَنْفُسهمْ مِنْ ذَنْب , وَلَا مُثَابِينَ إلَّا بِمَا كَسَبَتْهُ مِنْ خَيْر . قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَغَيْر مُؤَاخَذ الْعَبْد بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْ فِعْله , أَوْ تَرْك مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا مَعْنَى وَعِيد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إيَّانَا عَلَى مَا أَخْفَتْهُ أَنْفُسنَا بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } إنْ كَانَ { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } 2 286 وَمَا أَضْمَرَتْهُ قُلُوبنَا وَأَخْفَتْهُ أَنْفُسنَا , مِنْ هَمّ بِذَنْبٍ , أَوْ إرَادَة لِمَعْصِيَةٍ , لَمْ تَكْتَسِبهُ جَوَارِحنَا ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوا لَهُمْ عَمَّا هُوَ أَعْظَم مِمَّا هَمَّ بِهِ أَحَدهمْ مِنْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَفْعَلهُ , وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَعْده إيَّاهُمْ الْعَفْو عَنْ صَغَائِر ذُنُوبهمْ إذَا هُمْ اجْتَنَبُوا كَبَائِرهَا , وَإِنَّمَا الْوَعِيد مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نُفُوس الَّذِينَ كَانَتْ أَنْفُسهمْ تُخْفِي الشَّكّ فِي اللَّه , وَالْمِرْيَة فِي وَحْدَانِيّته , أَوْ فِي نُبُوَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , أَوْ فِي الْمُعَاد وَالْبَعْث مِنْ الْمُنَافِقِينَ , عَلَى نَحْو مَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلهمَا أَنَّ تَأْوِيل قَوْله : { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } عَلَى الشَّكّ وَالْيَقِين . غَيْر أَنَّا نَقُول إنَّ الْمُتَوَعِّد بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } هُوَ مَنْ كَانَ إخْفَاء نَفْسه مَا تُخْفِيه الشَّكّ وَالْمِرْيَة فِي اللَّه , وَفِيمَا يَكُون الشَّكّ فِيهِ بِاَللَّهِ كُفْرًا , وَالْمَوْعُود الْغُفْرَان بِقَوْلِهِ : { فَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء } هُوَ الَّذِي أَخْفَى , وَمَا يُخْفِيه الْهِمَّة بِالتَّقَدُّمِ عَلَى بَعْض مَا نَهَاهُ اللَّه عَنْهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاء تَحْلِيله وَإِبَاحَته , فَحَرَّمَهُ عَلَى خَلْقه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , أَوْ عَلَى تَرْك بَعْض مَا أَمَرَ اللَّه بِفِعْلِهِ مِمَّا كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاء إبَاحَة تَرْكه , فَأَوْجَبَ فِعْله عَلَى خَلْقه . فَإِنَّ الَّذِي يَهِمّ بِذَلِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إذَا هُوَ لَمْ يُصَحِّح هَمّه بِمَا يَهِمّ بِهِ , وَيُحَقِّق مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه مِنْ ذَلِكَ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا , كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة , وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا لَمْ تُكْتَب عَلَيْهِ " , فَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَا , هُوَ الَّذِي يُحَاسِب اللَّه بِهِ مُؤْمِنِي عِبَاده ثُمَّ لَا يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه شَكًّا فِي اللَّه وَارْتِيَابًا فِي نُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ , فَذَلِكَ هُوَ الْهَالِك الْمُخَلَّد فِي النَّار , الَّذِي أَوْعَدَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَذَاب الْأَلِيم بِقَوْلِهِ : { وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء } فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ } أَيّهَا النَّاس , فَتُظْهِرُوهُ { أَوْ تُخْفُوهُ } فَتَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسكُمْ , { يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه } فَيَعْرِف مُؤْمِنكُمْ تَفَضُّله بِعَفْوِهِ عَنْهُ , وَمَغْفِرَته لَهُ , فَيَغْفِرهُ لَهُ , وَيُعَذِّب مُنَافِقكُمْ عَلَى الشَّكّ الَّذِي انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسه فِي وَحْدَانِيَّة خَالِقه وَنُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَفْو عَمَّا أَخْفَتْهُ نَفْس هَذَا الْمُؤْمِن مِنْ الْهِمَّة بِالْخَطِيئَةِ , وَعَلَى عِقَاب هَذَا الْكَافِر عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه مِنْ الشَّكّ فِي تَوْحِيد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَنُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ , وَمُجَازَاة كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى كُلّ مَا كَانَ مِنْهُ , وَعَلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور قَادِر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَفْو عَمَّا أَخْفَتْهُ نَفْس هَذَا الْمُؤْمِن مِنْ الْهِمَّة بِالْخَطِيئَةِ , وَعَلَى عِقَاب هَذَا الْكَافِر عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسه مِنْ الشَّكّ فِي تَوْحِيد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَنُبُوَّة أَنْبِيَائِهِ , وَمُجَازَاة كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى كُلّ مَا كَانَ مِنْهُ , وَعَلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور قَادِر .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { لله ما في السماوات وما في الأرض} تقدم معناه. قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فيه مسألتان اختلف الأولى: الناس في معنى قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} على أقوال خمسة : [الأول] أنها منسوخة، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة والتابعين، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة : 286]. وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا) قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا} قال : (قد فعلت) { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} قال : (قد فعلت) { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة : 286] قال : (قد فعلت) في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وسيأتي. الثاني : قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إنها محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. الثالث : أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقاله مجاهد أيضا. الرابع : أنها محكمة عامة غير منسوخة، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا. روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول : (إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم) فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله { يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة : 284] وهو قوله عز وجل { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة : 225] من الشك والنفاق. وقال الضحاك : يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفي الخبر : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يخبروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء) فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه، لا يقال : فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به). فإنا نقول : ذلك محمول على أحكام الدنيا، مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة. وقال الحسن : الآية محكمة ليست بمنسوخة. قال الطبري : وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا : إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى، وهو [القول الخامس] : ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة : قال ابن عطية : وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبين الله لهم ما أراد بالآية الأخرى، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب، فكان في هذا البيان فرجهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها : ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم : (قولوا سمعنا وأطعنا) يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران. فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال : 65] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا واثبتوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين. قال ابن عطية : وهذه الآية في "البقرة" أشبه شيء بها. وقيل : في الكلام إضمار وتقييد، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء، وعلى هذا فلا نسخ. وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس : إنها عامة، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، واللفظ لمسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جل وعز حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله). وقد قيل : إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله، قاله الواقدي ومقاتل. واستدلوا بقوله تعالى في (آل عمران) { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} ـ من ولاية الكفار ـ { يعلمه الله} [آل عمران : 29] يدل عليه ما قبله من قوله { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} [آل عمران : 28]. قلت : وهذا فيه بعد، لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإنما ذلك بين في "آل عمران" والله أعلم. وقد قال سفيان بن عيينة : بلغني أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} . قوله تعالى { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي "فيغفر" "ويعذب" بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع، أي فهو يغفر ويعذب. وروي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدري بالنصب فيهما على إضمار "أن". وحقيقته أنه عطف على المعنى، كما في قوله تعالى { فيضاعفه له} وقد تقدم. والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة، كما قال الشاعر : ومتى ما يع منك كلاما ** يتكلم فيجبك بعقل قال النحاس : وروي عن طلحة بن مصرف { يحاسبكم به الله يغفر} بغير فاء على البدل. ابن عطية : وبها قرأ الجعفي وخلاد. وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال ابن جني : هي على البدل من { يحاسبكم} وهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر : رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ** تلاقوا غدا خيلي على سفوان تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ** إذا ما غدت في المأزق المتداني فهذا على البدل. وكرر الشاعر الفعل، لأن الفائدة فيما يليه من القول. قال النحاس : وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفع، يكون في موضع الحال، كما قال الشاعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ** تجد خير نار عندها خير موقد

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 282 - 284


سورة البقرة الايات 284 - 286

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

استهلت الآية بتقديم { لله } على ما في السماوات والأرض، والحق سبحانه يقول: { للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ذلك هو الظرف الكائنة فيه المخلوقات، السماوات والأرض لم يدع أحد أنها له، لكن قد يوجد في السماوات أو في الأرض أشياء يدعي ملكيتها المخلوقون، فإذا ما نظرنا إلى خيرات الأرض فإننا نجدها مملوكة في بعض الأحيان لأناس بما ملكهم الله، والبشر الذين صعدوا إلى السماء وأداروا في جوها ما أداروا من أقمار صناعية ومراكب فضائية فمن الممكن أن يعلنوا ملكيتهم لهذه الأقمار وتلك المراكب.

ويلفتنا الحق سبحانه هنا بقوله: { للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } وهو يوضح لنا: إنه إن كان في ظاهر الأمر أن الله قد أعطى ملكية السببية لخلقه فهو لم يعط هذه الملكية إلا عَرَضَاً يؤخذ منهم، فإما أن يزولوا عنه فيموتوا، وإما أن يزول عنهم فيؤخذ منهم عن بيع أو هبة أو غصب أو نهب.

وكلمة " لله " تفيد الاختصاص، وتفيد القصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله، ولا يدعي أحد بسببية ما آتاه الله أنه يملك شيئا لماذا؟ لأن المالك من البشر لا يملك نفسه أن يدوم.

نحن لم نر واحداً لم تنله الأغيار، وما دامت الأغيار تنال كل إنسان فعلينا أن نعلم أن الله يريد من خلقه أن يتعاطفوا، وأن يتكاملوا، ويريد الله من خلقه أن يتعاونوا، والحق لا يفعل ذلك لأن الأمر خرج من يده ـ والعياذ بالله ـ لا، إن الله يبلغنا: أنا لي ما في السماوات وما في الأرض، وأستطيع أن أجعل دولاً بين الناس.

ولذلك نقول للذين يَصلون إلى المرتبة العالية في الغنى، أو الجاه، أو أي مجال، لهؤلاء نقول: احذر حين تتم لك النعمة، لماذا؟ لأن النعمة إن تمت لك علواً وغنىً وعافيةً وأولاداً، أنت من الأغيار، وما دامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لاشك من الأغيار، فإن النعمة تتغير إلى الأقل. فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فلا بد له أن ينزل عن هذه القمة، ولذا يقول الشاعر:
إذا تـم شـيء بـدا نقـصـه   تـرقـب زوالاً إذا قـيـل تـم
والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربية التي دخلت على الخليفة وقالت له: أتم الله عليك نعمته. وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا، وأعلنوا سرورهم، لكن الخليفة قال لهم: والله ما فهمتم ما تقول، إنها تقول: أتم الله عليك نعمته، فإنها إن تمت تزول؛ لأن الأغيار تلاحق الخلق. وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة.

والشاعر يقول:
نفـسي التي تمـلك الأشـياء ذاهبة   فكـيف آسـى على شيء لها ذهـبا
إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة؛ فكيف يحزن على شيء له ضاع منه؟

والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي: أن الكون كله لله، والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفر على الله، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب، بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا.إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه.. فسبحانه يقول:
{  وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }
[الإسراء: 13-14]

والحساب معناه أن للإنسان رصيدا، وعليه أيضا رصيد. والحق سبحانه وتعالى يفسر لنا (له وعليه) بالميزان كما نعرف في موازين الأشياء عندنا وهو سبحانه يقول:
{  وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ }
[الأعراف: 8-9]

إن حساب الحق دقيق عادل، فالذين ثقلت كفة أعمالهم الحسنة هم الذين يفوزون بالفردوس، والذين باعوا أنفسهم للشيطان وهوى النفس تثقل كفة أعمالهم السيئة، فصاروا من أصحاب النار.

إذن نحن أمام نوعين من البشر، هؤلاء الذين ثقلت كفة الخير في ميزان الحساب، وهؤلاء الذين ثقلت كفة السيئات والشرور في ميزان الحساب. فماذا عن الذين تساوت الكفتان في أعمالهم. استوت حسناتهم مع سيئاتهم؟ إنهم أصحاب الأعراف، الذين ينالون المغفرة من الله؛ لأن مغفرة الله وهو الرحمن الرحيم قد سبقت غضبه جل وعلا. ولو لم يجيء أمر أصحاب الأعراف في القرآن لقال واحد: لقد قال الله لنا خبر الذين ثقلت موازينهم، وأخبار الذين خفت موازين الخير عندهم، ولم يقل لنا خبر الذين تساوت شرورهم مع حسناتهم.

لكن الحليم الخبير قد أوضح لنا خبر كل أمر وأوضح لنا أن المغفرة تسبق الغضب عنده، لذلك فالحساب لا يكتفي الحق فيه بالعلم فقط، ولكن بالتسجيل الواضح الدقيق، لذلك يطمئننا الحق سبحانه فيقول:
{  إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }
[الفرقان: 70]

إن الحق يطمئننا على أن ما نصنعه من خير نجده في كفة الميزان، ويطمئننا أيضا على أنه ـ سبحانه ـ سيجازينا على ما أصابنا من شر الأشرار وأننا سنأخذ من حسناتهم لتضاف إلى ميزاننا، إذن فالطمأنينة جاءت من طرفين: طمأننا الحق على ما فعلناه من خير، فلا يُنسى أنه يدخل في حسابنا، وطمأننا أيضا على ما أصابنا من شر الأشرار وسيأخذ الحق من حسناتهم ليضيفها لنا.

ونحن نجد في الكون كثيراً من الناس قد يحبهم الله لخصلة من خصال الخير فيهم، وقد تكون هذه الخصلة الخيّرة خفية فلا يراها أحد، لكن الله الذي لا تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في الإنسان، ويحبه الله من أجلها، ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة، فيجعل بعض الخلق يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلاء ليزيد في حسنات هذا الرجل.ومعنى { تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ } أي تصيروا الوجدانيات إلى نزوعيات عملية، ولكن هل معنى { أَوْ تُخْفُوهُ } هو ألا تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية؟ لا، فليس لكل شيء نزوع عملي، ومثال ذلك الحب؛ إن الإنسان قد يحب، ولا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه محترق في حبه، وكذلك الذي يحقد قد لا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده، إذن فهناك أعمال تستقر في القلوب، فهل يؤاخذ الله بما استقر في النفوس؟

إن هذه المسألة تحتاج إلى دقة بالغة؛ لأننا وجدنا بعضا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقفوا فيها موقفا أبكى بعضهم، هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حينما سمع هذه الآية قال: لئن آخذنا الله على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن. وبكى حتى سُمع نشيجه بالبكاء. وبلغ ذلك الأمر ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد وجد إخوانه المسلمون مثلما وجد من هذه الآية. فأنزل الله بعدها { لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } إلى آخر السورة. ولنعلم أن نوازع النفس كثيرة؛ فهناك شيء اسمه " هاجس " وهناك شيء آخر اسمه " خاطر " وهناك ما يسمى " حديث نفس " ، وهناك " هم " وهناك " عزم " ، إنها خمس حالات، والأربع الأولى من هذه الحالات ليس فيها شيء، إنما الأخيرة التي يكون فيها القصد واضحا يجب أن نتنبه لها ولنتناول كل حالة بالتفصيل.

إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر دفعة واحدة، أما الخاطر فهو يخطر.. أي يسير في النفس قليلا، وأما حديث النفس فإن النفس تظل تتردد فيه، وأما الهم فهو استجماع الوسائل، وسؤال النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها الإنسان رغباته، أما العزم (القصد) فهو الوصول إلى النهاية والبدء في تنفيذ الأمر.

والقصد هو الذي يُعني به قوله تعالى: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ } وقد وجدنا كثيرا من العلماء قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء: هل الآية التي جاءت بعد ذلك والتي يقول فيها: { لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } هل هي نسخ للآية السابقة عليها؟

ولكن نحن نعرف أن الآية هي خبر، والأخبار لا تنسخ إنما الأحكام هي التي يتم نسخها، وعلى ذلك يكون القصد والعزم على تنفيذ الأمر هو المعنى بقوله الحق: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ } فهذا هو الذي يحاسبنا الله عليه.

وعندما يقول الحق سبحانه: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } فمن هم؟ لقد بين الله من يشاء المغفرة لهم، إنهم الذين تابوا، وهم الذين أنابوا إلى الله، هم الذين قال فيهم الحق:
{  إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }
[الفرقان: 70]

وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها الإنسان المكلف من الله وقفة ليرى فضل الله، لأن الذي صنع سيئة ثم آلمته، فكما آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها، فإن الله يكتب له حسنة. ولكن الذي لم يصنع سيئة لا تفزعه هذه، وبعض العارفين يقول: رُبّ معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة. أورثت عزا واستكبارا.

إنك لتجد الخير الشائع في الوجود كله ربما كان من أصحاب الإسراف على أنفسهم في شيء ما قد اقترفوه وتابوا عنه ولكنه لا يزال يؤرقهم.

يكون الواحد منهم قويا في كل شيء، إلا أنه ضعيف أمام مسألة واحدة، وضعفه أمام هذه المسألة الواحدة جعله يعصي الله بها وهو يحاول جاهداً في النواحي التي ليس ضعيفاً فيها أن يزيد كثيراً في حسناته، حتى يمحو ويذهب الله هذه بهذه. فالخير الشائع في الوجود ربما كان من أصحاب السيئات الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية من النواحي، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم متجهين إلى نواحٍ من الخير قائلين: ربما هذه تحمل تلك.

لكن الذي يظل رتيباً هكذا لا تلذعه معصية ربما تظل المسائل فاترة في نفسه. ولذلك يجب أن ننظر إلى الذين أسرفوا على أنفسهم لا في زاوية واحدة، ولكن في زوايا متعددة، ونتأدب أمامهم وندعو الله أن يعفيهم مما نعرفه عنهم، وأن يبارك لهم فيما قدموه؛ ليزيل الله عنهم أوزار ما فعلوا.

وبعض العلماء يرى في قوله الحق: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } أن الله قد جعل المغفرة أمراً متعلقاً بالعابد لله، فإن شئت أن يغفر الله لك فاكثر من الحسنات حتى يبدل الله سيئاتك إلى حسنات. وإن شئت أن تعذب ـ وهذا أمر لا يشاؤه أحد ـ فلا تصنع الحسنات.

وهذه المسألة تجعلنا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا الإيمان به فإنه يُملكنا الزمام. وبمجرد إيماننا به فنحن نتلقى منه زمام الاختيار، والدليل واضح في الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله ـ عز وجل ـ: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني. إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأهم خيرٌ منهم وان تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلىّ ذراعا، تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً ".

إذن فبمجرد إيمانك ملكك الله الزمام، فإن أردت أن يتقرب الله إليك ذراعا، فتقرب أنت إليه شبرا، فالزمام في يدك.وإن شئت أن يتقرب الله منك باعا، فتقرب أنت ذراعا. وإن شئت أنت أن يأتي ربك إليك مهرولاً ـ جرياً ـ فأت إليه مشيا. فبمجرد أن يراك الله وأنت تقبل وتتجه إليه، كأنه يقول لك: لا.. استرح أنت، أنا الذي آتي إليك.

ولذلك قلنا من قبل في مسألة الصلاة حين تؤمن ـ أيها العبد ـ بالله وبعد ذلك ينادي المؤذن للصلاة، فتذهب أنت إلى الصلاة، صحيح أنت تذهب إلى الصلاة المفروضة، لكن هل منعك الله أن تقف بين يديه في أية لحظة؟. لقد طلب الله منك أن تحضر بين يديه خمس مرات في اليوم، وبعد ذلك ترك الباب مفتوحاً لك ـ أيها المؤمن ـ فالله لا يمل حتى يمل العبد.

والإنسان في حياته العادية ـ ولله المثل الأعلى ـ إذا أراد أن يقابل عظيماً من العظماء فإن الإنسان يطلب الميعاد، فإما أن يقبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد أو يرفض. وإذا قبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد، فإن العظيم من البشر يحدد الزمن، ويحدد المكان، وربما طلب العظيم من البشر أن يعرف سبب وموضوع المقابلة. لكن الله يترك الباب مفتوحاً أمام العبد المؤمن، يلقى الله عبده في أي شيء، وفي أي وقت، وفي أي مكان، وفي أي زمان.
حسب نفسي عزاً بأنَّيَ عبد   يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ
هو في قدسه الأعز ولكن   أنا ألقى متى وأين أحبُّ
الزمام إذن في يد من؟. إن الزمام في يد العبد المؤمن. لذلك فالذين قالوا في فهم { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } إن البشر في أيديهم أمر المغفرة لهم، فإن شاء البشر أن يغفر الله لهم فإنهم يفعلون أسباب المغفرة، ويتوبون إلى الله، ويكثرون من الحسنات، ومن يريد أن يتعذب فليظل سادراً في غيه في فعل السيئات. ثم بعد ذلك يقول الله عز وجل: { آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ... }


www.alro7.net