سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير عن سعيد بن المسيب أنه بلغه: أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّين. فقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين آجل مسمى فاكتبوه} ، هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبّه على هذا في آخر الآية حيث قال: { ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا} ، وقال مجاهد عن ابن عباس في قوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} . قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم، وقال قتادة عن ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن اللّه أحله وأذن فيه، ثم قرأ: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} رواه البخاري. وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، وقوله: { فاكتبوه} أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب أن الدِّين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً، لأن كتاب اللّه قد سهل اللّه ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضاً محفوظة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، والذي أمر اللّه بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم. قال ابن جريج: من أدّان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهد، وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلاً صحب كعباً فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوماً دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعاً إلى أجل فلم يُشْهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه فدعا ربه فلم يستجب له لأنه قد عصى ربه، وقال الحسن وابن جريج: كان ذلك واجباً ثم نسخ بقوله: { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته} . والدليل على ذلك أيضاً الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقرراً في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم؟ قال: كفى باللّه شهيداً. قال: ائتني بكفيل، قال: كفى باللّه كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج أصلح موضع ما نقره موضعها ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أين استسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى باللّه كفيلاً فرضي بذلك، وسألني شهيداً فقلت: كفى باللّه شهيداً فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركباً أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركباً وإني أستودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركباً إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهل حطباً، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار وقال: واللّه ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن اللّه قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشداً ""قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقاً بصيغة الجزم"" وقوله تعالى: { فليكتب بينكم كاتب بالعدل} أي بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: { ولا يأب كاتب أن يكتب أن يكتب كما علمه اللّه فليكتب} أي ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علَّمه اللّه ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: (إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)، وفي الحديث الآخر:(من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)، وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب، وقوله: { وليملل الذي عليه الحق وليتق اللّه ربه} ، أي وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق اللّه في ذلك، { ولا يبخس منه شيئا} أي لا يكتم منه شيئاً، { فإن كان الذي عليه الحق سفيها} محجوراً عليه بتبذيره ونحوه { أو ضعيفاً} أي صغيراً أو مجنوناً { أو لا يستطيع أن يمل هو} إما لعيّ أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه { فليملل وليه بالعدل} . وقوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم} أمر بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول اللّه أكثر أهل النار؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن). قالت: يا رسول اللّه ما نقصان العقل والدين؟ قال: (أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين). وقوله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء} فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيَّد حكَم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدلالة على أن يكون الشاهد عدلاً مرضياً. وقوله: { أن تضل إحداهما} يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة { فتذكر إحداهما الأخرى} أي يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد. وقوله تعالى: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ، قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع، وهذا كقوله: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه اللّه فليكتب} ، ومن ههنا استفيد أن تحمُّل الشهادة فرض كفاية، قيل: هو مذهب الجمهور والمراد بقوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} للأداء لحقيقة قوله: { الشهداء} والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية واللّه أعلم، وقال مجاهد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْألها)، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: (ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يُستشهَدوا)، وكذا قوله: (ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم وتسبق شهادتهم أيمانهم) وفي رواية: (ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون) فهؤلاء شهود الزور. وقوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلىأجله} هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيراً كان أو كبيراً، فقال: { ولا تسأموا} أي لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله. وقوله: { ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} أي هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً، هو { أقسط عند اللّه} أي أعدل، { ,أقوم للشهادة} أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه كما هو الواقع غالباً، { وأدنى أن لا ترتابوا} وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة. وقوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونا بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها} أي إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها. فأما الإشهاد على البيع فقد قال تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم} يعني أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشهدوا على حقكم على كل حال، وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: { فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ، وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي صلى اللّه عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي قال: أوليس قد ابتعته منه؟ قال الأعرابي: لا واللّه ما بعتك، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (بل قد ابتعته منك)، فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى اللّه عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيداً يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى اللّه عليه وسلم على خزيمة فقال (بم تشهد)؟ فقال: بتصديقك يا رسول اللّه، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين ""رواه الإمام أحمد"" ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ ابن مردويه والحاكم في مستدركه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ثلاثة يدعون اللّه فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلاً مالاً فلم يُشهد) ""قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه"". وقوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا شهيد} قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يُمْلَى، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة، وقيل: معناه لا يُضِر بهما. وقوله تعالى: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} أي إن خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: { واتقوا اللّه} أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره، { ويعلمكم اللّه} كقوله { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا} وكقوله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به} ، وقوله: { واللّه بكل شيء عليم} أي هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم } تعاملتم { بدين } كسلم وقرض { إلى أجل مسمى } معلوم { فاكتبوه } استيثاقا ودفعا للنزاع { وليكتب } كتاب الدين { بينكم كاتب بالعدل } بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص { ولا يأب } يمتنع { كاتب } من { أن يكتب } إذا دُعي إليها { كما علَّمه الله } أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها والكاف متعلقة بيأب { فليكتب } تأكيد { وليملل } على الكاتب { الذي عليه الحق } الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه { وليتق الله ربه } في إملائه { ولا يبخس } ينقص { منه } أي الحق { شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها } مبذرا { أو ضعيفا } عن الإملاء لصغر أو كبر { أو لا يستطيع أن يُملَّ هو } لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك { فَلْيُمْلِلْ وليُّه } متولي أمره من والد ووصي وقيِّم ومترجم { بالعدل واستشهدوا } أشهدوا على الدَّين { شهيدين } شاهدين { من رجالكم } أي بالغي المسلمين الأحرار { فإن لم يكونا } أي الشهيدان { رجلين فرجل وامرأتان } يشهدون { ممن ترضون من الشهداء } لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل { أن تضل } تنسى { إحداهما } الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن { فَتُذكِّرَ } بالتخفيف والتشديد { إحداهما } الذاكرة { الأخرى } الناسية وجملة الإذكار محل العلة أي لتذكر أن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر أن شرطية ورفع تذكر استئناف جوابه { ولا يأب الشهداء إذا ما } زائدة { دُعوا } إلى تحمل الشهادة وأدائها { ولا تسأموا } تملوا من { أن تكتبوه } أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك { صغيرا } كان { أو كبيرا } قليلا أو كثيرا { إلى أجله } وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه { ذلكم } أي الكتب { أقسط } أعدل { عند الله وأقوم للشهادة } أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها { وأدنى } اقرب إلى { أ } ن { لا ترتابوا } تشكوا في قدر الحق والأجل { إلا أن تكون } تقع { تجارةٌ حاضرةٌ } وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة { تديرونها بينكم } أي تقبضونها ولا أجل فيها { فليس عليكم جُناح } في { ألا تكتبوها } والمراد بها المتجر فيه { وأشهدوا إذا تبايعتم } عليه فأنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب { ولا يُضارّ كاتب ولا شهيد } صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفها ما لا يليق في الكتابة والشهادة { وإن تفعلوا } ما نُهيتم عنه { فإنه فسوق } خروج عن الطاعة لاحق { بكم واتقوا الله } في أمره ونهيه { ويعلمكم الله } مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف { والله بكل شيء عليم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله { إذَا تَدَايَنْتُمْ } يَعْنِي إذَا تَبَايَعْتُمْ بِدَيْنٍ أَوْ اشْتَرَيْتُمْ بِهِ , أَوْ تَعَاطَيْتُمْ , أَوْ أَخَذْتُمْ بِهِ { إلَى أَجَل مُسَمَّى } يَقُول : إلَى وَقْت مَعْلُوم وَقَّتُّمُوهُ بَيْنكُمْ . وَقَدْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ الْقَرْض وَالسَّلَم فِي كُلّ مَا جَازَ . السَّلَم شَرَى أَجْل بَيْعه يَصِير دَيْنًا عَلَى بَائِع مَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِيهِ , وَيَحْتَمِل بَيْع الْحَاضِر الْجَائِز بَيْعه مِنْ الْأَمْلَاك بِالْأَثْمَانِ الْمُؤَجَّلَة كُلّ ذَلِكَ مِنْ الدُّيُون الْمُؤَجَّلَة إلَى أَجَل مُسَمَّى إذَا كَانَتْ آجَالهَا مَعْلُومَة بِحَدٍّ مَوْقُوف عَلَيْهِ . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي السَّلَم خَاصَّة . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 4946 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس فِي : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } قَالَ : السَّلَم فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الصَّامِت , قَالَ : ثنا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي السَّلَم فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن أَبِي الزَّرْقَاء , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ رَجُل , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } فِي السَّلَم فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُحَبَّب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان التَّيْمِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } فِي السَّلَف فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . 4947 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : أَشْهَد أَنَّ السَّلَف الْمَضْمُون إلَى أَجَل مُسَمَّى أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَلَّهُ , وَأَذِنَ فِيهِ . وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه قَوْله : { بِدَيْنٍ } وَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ : { إذَا تَدَايَنْتُمْ } عَلَيْهِ ؟ وَهَلْ تَكُون مُدَايَنَة بِغَيْرِ دَيْن , فَاحْتِيجَ إلَى أَنْ يُقَال بِدَيْنٍ ؟ قِيلَ : إنَّ الْعَرَب لَمَّا كَانَ مَقُولًا عِنْدهَا تَدَايَنَّا بِمَعْنَى تَجَازَيْنَا وَبِمَعْنَى تَعَاطَيْنَا الْأَخَذ وَالْإِعْطَاء بِدَيْنٍ , أَبَانَ اللَّه بِقَوْلِهِ " بِدَيْنٍ " الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَ تَعْرِيفه مِنْ قَوْله " تَدَايَنْتُمْ " حُكْمه , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ حُكْم الدَّيْن دُون حُكْم الْمُجَازَاة . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيد كَقَوْلِهِ : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ } 15 30 وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله { إذَا تَدَايَنْتُمْ } يَعْنِي إذَا تَبَايَعْتُمْ بِدَيْنٍ أَوْ اشْتَرَيْتُمْ بِهِ , أَوْ تَعَاطَيْتُمْ , أَوْ أَخَذْتُمْ بِهِ { إلَى أَجَل مُسَمَّى } يَقُول : إلَى وَقْت مَعْلُوم وَقَّتُّمُوهُ بَيْنكُمْ . وَقَدْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ الْقَرْض وَالسَّلَم فِي كُلّ مَا جَازَ . السَّلَم شَرَى أَجْل بَيْعه يَصِير دَيْنًا عَلَى بَائِع مَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِيهِ , وَيَحْتَمِل بَيْع الْحَاضِر الْجَائِز بَيْعه مِنْ الْأَمْلَاك بِالْأَثْمَانِ الْمُؤَجَّلَة كُلّ ذَلِكَ مِنْ الدُّيُون الْمُؤَجَّلَة إلَى أَجَل مُسَمَّى إذَا كَانَتْ آجَالهَا مَعْلُومَة بِحَدٍّ مَوْقُوف عَلَيْهِ . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي السَّلَم خَاصَّة . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 4946 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس فِي : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } قَالَ : السَّلَم فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن الصَّامِت , قَالَ : ثنا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي السَّلَم فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن أَبِي الزَّرْقَاء , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ رَجُل , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } فِي السَّلَم فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُحَبَّب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حَيَّان التَّيْمِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } فِي السَّلَف فِي الْحِنْطَة فِي كَيْل مَعْلُوم إلَى أَجَل مَعْلُوم . 4947 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : أَشْهَد أَنَّ السَّلَف الْمَضْمُون إلَى أَجَل مُسَمَّى أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَلَّهُ , وَأَذِنَ فِيهِ . وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه قَوْله : { بِدَيْنٍ } وَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ : { إذَا تَدَايَنْتُمْ } عَلَيْهِ ؟ وَهَلْ تَكُون مُدَايَنَة بِغَيْرِ دَيْن , فَاحْتِيجَ إلَى أَنْ يُقَال بِدَيْنٍ ؟ قِيلَ : إنَّ الْعَرَب لَمَّا كَانَ مَقُولًا عِنْدهَا تَدَايَنَّا بِمَعْنَى تَجَازَيْنَا وَبِمَعْنَى تَعَاطَيْنَا الْأَخَذ وَالْإِعْطَاء بِدَيْنٍ , أَبَانَ اللَّه بِقَوْلِهِ " بِدَيْنٍ " الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَ تَعْرِيفه مِنْ قَوْله " تَدَايَنْتُمْ " حُكْمه , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ حُكْم الدَّيْن دُون حُكْم الْمُجَازَاة . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيد كَقَوْلِهِ : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ } 15 30 وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاكْتُبُوهُ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَاكْتُبُوهُ } فَاكْتُبُوا الدَّيْن الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إلَى أَجَل مُسَمَّى مِنْ بَيْع كَانَ ذَلِكَ أَوْ قَرْض . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي اكْتِتَاب الْكِتَاب بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ , هَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ هُوَ نَدْب ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حَقّ وَاجِب , وَفَرْض لَازِم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4948 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } قَالَ : مَنْ بَاعَ إلَى أَجَل مُسَمَّى أُمِرَ أَنْ يَكْتُب صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَل مُسَمَّى . 4950 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } قَالَ : فَمَنْ ادَّانَ دَيْنًا فَلْيَكْتُبْ , وَمَنْ بَاعَ فَلْيُشْهِدْ . 4951 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا . 4952 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ , وَزَادَ فِيهِ : قَالَ : ثُمَّ قَامَتْ الرُّخْصَة وَالسِّعَة . قَالَ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه } 4953 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا سُلَيْمَان الْمَرْعَشِيّ كَانَ رَجُلًا صَحِبَ كَعْبًا فَقَالَ ذَات يَوْم لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَعْلَمُونَ مَظْلُومًا دَعَا رَبّه فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ ؟ قَالَ : رَجُل بَاعَ شَيْئًا فَلَمْ يَكْتُب وَلَمْ يُشْهِد , فَلَمَّا حَلَّ مَاله جَحَدَهُ صَاحِبه , فَدَعَا رَبّه , فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ , لِأَنَّهُ قَدْ عَصَى رَبّه . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ اكْتِتَاب الْكِتَاب بِالدَّيْنِ فَرْضًا , فَنَسَخَهُ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4954 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ ابْن شُبْرُمَةَ , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَا بَأْس إذَا أَمِنْته أَنْ لَا تَكْتُب , وَلَا تُشْهِد ; لِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ ابْن عُيَيْنَةَ : قَالَ ابْن شُبْرُمَةَ عَنْ الشَّعْبِيّ : إلَى هَذَا انْتَهَى . 4955 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } حَتَّى بَلَغَ هَذَا الْمَكَان : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : رُخِّصَ فِي ذَلِكَ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْتَمِن صَاحِبه فَلْيَأْتَمِنْهُ . 4956 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُونَ , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَاصِم , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : إنْ ائْتَمَنَهُ فَلَا يُشْهِد عَلَيْهِ وَلَا يَكْتُب . 4957 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } نَسَخَتْ مَا قَبْلهَا مِنْ الْكِتَابَة وَالشُّهُود رُخْصَة وَرَحْمَة مِنْ اللَّه . 4958 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ غَيْر عَطَاء : نَسَخَتْ الْكِتَاب وَالشَّهَادَة : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } 4959 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : نَسَخَ ذَلِكَ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : فَلَوْلَا هَذَا الْحَرْف لَمْ يُبَحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّانَ بِدَيْنٍ إلَّا بِكِتَابٍ وَشُهَدَاء , أَوْ بِرَهْنٍ , فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ نَسَخَتْ هَذَا كُلّه , صَارَ إلَى الْأَمَانَة . 4960 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , قَالَ : سَأَلْت الْحَسَن قُلْت : كُلّ مَنْ بَاعَ بَيْعًا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشْهِد ؟ قَالَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } حَتَّى بَلَغَ هَذَا الْمَكَان : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : رَخَّصَ فِي ذَلِكَ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْتَمِن صَاحِبه فَلْيَأْتَمِنْهُ . 4961 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ : إنْ أَشْهَدْت فَحَزْم , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد فَفِي حِلّ وَسِعَة . 4962 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : أَرَأَيْت الرَّجُل يَسْتَدِين مِنْ الرَّجُل الشَّيْء , أَحَتْم عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِد ؟ قَالَ : فَقَرَأَ إلَى قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَدْ نَسَخَ مَا كَانَ قَبْله . 4963 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مَرْوَان الْعَقِيلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي نَضْرَة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّهُ قَرَأَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } قَالَ : فَقَرَأَ إلَى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ : هَذِهِ نَسَخَتْ مَا قَبْلهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاكْتُبُوهُ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَاكْتُبُوهُ } فَاكْتُبُوا الدَّيْن الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إلَى أَجَل مُسَمَّى مِنْ بَيْع كَانَ ذَلِكَ أَوْ قَرْض . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي اكْتِتَاب الْكِتَاب بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ , هَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ هُوَ نَدْب ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حَقّ وَاجِب , وَفَرْض لَازِم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4948 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } قَالَ : مَنْ بَاعَ إلَى أَجَل مُسَمَّى أُمِرَ أَنْ يَكْتُب صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَل مُسَمَّى . 4950 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } قَالَ : فَمَنْ ادَّانَ دَيْنًا فَلْيَكْتُبْ , وَمَنْ بَاعَ فَلْيُشْهِدْ . 4951 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا . 4952 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ , وَزَادَ فِيهِ : قَالَ : ثُمَّ قَامَتْ الرُّخْصَة وَالسِّعَة . قَالَ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه } 4953 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا سُلَيْمَان الْمَرْعَشِيّ كَانَ رَجُلًا صَحِبَ كَعْبًا فَقَالَ ذَات يَوْم لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَعْلَمُونَ مَظْلُومًا دَعَا رَبّه فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ ؟ قَالَ : رَجُل بَاعَ شَيْئًا فَلَمْ يَكْتُب وَلَمْ يُشْهِد , فَلَمَّا حَلَّ مَاله جَحَدَهُ صَاحِبه , فَدَعَا رَبّه , فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ , لِأَنَّهُ قَدْ عَصَى رَبّه . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ اكْتِتَاب الْكِتَاب بِالدَّيْنِ فَرْضًا , فَنَسَخَهُ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4954 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ ابْن شُبْرُمَةَ , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَا بَأْس إذَا أَمِنْته أَنْ لَا تَكْتُب , وَلَا تُشْهِد ; لِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ ابْن عُيَيْنَةَ : قَالَ ابْن شُبْرُمَةَ عَنْ الشَّعْبِيّ : إلَى هَذَا انْتَهَى . 4955 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } حَتَّى بَلَغَ هَذَا الْمَكَان : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : رُخِّصَ فِي ذَلِكَ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْتَمِن صَاحِبه فَلْيَأْتَمِنْهُ . 4956 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُونَ , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَاصِم , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : إنْ ائْتَمَنَهُ فَلَا يُشْهِد عَلَيْهِ وَلَا يَكْتُب . 4957 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } نَسَخَتْ مَا قَبْلهَا مِنْ الْكِتَابَة وَالشُّهُود رُخْصَة وَرَحْمَة مِنْ اللَّه . 4958 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ غَيْر عَطَاء : نَسَخَتْ الْكِتَاب وَالشَّهَادَة : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } 4959 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : نَسَخَ ذَلِكَ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : فَلَوْلَا هَذَا الْحَرْف لَمْ يُبَحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّانَ بِدَيْنٍ إلَّا بِكِتَابٍ وَشُهَدَاء , أَوْ بِرَهْنٍ , فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ نَسَخَتْ هَذَا كُلّه , صَارَ إلَى الْأَمَانَة . 4960 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , قَالَ : سَأَلْت الْحَسَن قُلْت : كُلّ مَنْ بَاعَ بَيْعًا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشْهِد ؟ قَالَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } حَتَّى بَلَغَ هَذَا الْمَكَان : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } قَالَ : رَخَّصَ فِي ذَلِكَ , فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْتَمِن صَاحِبه فَلْيَأْتَمِنْهُ . 4961 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ : إنْ أَشْهَدْت فَحَزْم , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد فَفِي حِلّ وَسِعَة . 4962 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : أَرَأَيْت الرَّجُل يَسْتَدِين مِنْ الرَّجُل الشَّيْء , أَحَتْم عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِد ؟ قَالَ : فَقَرَأَ إلَى قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَدْ نَسَخَ مَا كَانَ قَبْله . 4963 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مَرْوَان الْعَقِيلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي نَضْرَة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّهُ قَرَأَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } قَالَ : فَقَرَأَ إلَى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } قَالَ : هَذِهِ نَسَخَتْ مَا قَبْلهَا . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلْيَكْتُبْ } كِتَاب الدَّيْن إلَى أَجَل مُسَمَّى بَيْن الدَّائِن وَالْمَدِين { كَاتِب بِالْعَدْلِ } يَعْنِي بِالْحَقِّ وَالْإِنْصَاف فِي الْكِتَاب الَّذِي يَكْتُبهُ بَيْنهمَا , بِمَا لَا يَحِيف ذَا الْحَقّ حَقّه , وَلَا يَبْخَسهُ , وَلَا يُوجِب لَهُ حُجَّة عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنه فِيهِ بِبَاطِلٍ , وَلَا يُلْزِمهُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ . كَمَا : 4964 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ } قَالَ : اتَّقَى اللَّه كَاتِب فِي كِتَابه , فَلَا يَدَعَن مِنْهُ حَقًّا , وَلَا يَزِيدَن فِيهِ بَاطِلًا . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يَأْبَيَن كَاتِب اسْتَكْتَبَ ذَلِكَ أَنْ يَكْتُب بَيْنهمْ كِتَاب الدَّيْن , كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه كِتَابَته فَخَصَّهُ بِعِلْمِ ذَلِكَ , وَحَرَمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقه . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي وُجُوب الْكِتَاب عَلَى الْكَاتِب إذَا اسْتَكْتَبَ ذَلِكَ نَظِير اخْتِلَافهمْ فِي وُجُوب الْكِتَاب عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4965 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } قَالَ : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب . 4966 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب } أَوَاجِب أَنْ لَا يَأْبَى أَنْ يَكْتُب ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ وَقَالَ مُجَاهِد : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } بِمِثْلِهِ . 4967 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر وَعَطَاء قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } قَالَا : إذَا لَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا فَدُعِيت فَلَا تَأْبَ أَنْ تَكْتُب لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة . قَدْ ذَكَرْنَا جَمَاعَة مِمَّنْ قَالَ : كُلّ مَا فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ الْأَمْر بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَاد وَالرَّهْن مَنْسُوخ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرهَا , وَأَذْكُر قَوْل مَنْ تَرَكْنَا ذِكْره هُنَالِكَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي : 4968 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } قَالَ : كَانَتْ عَزِيمَة فَنَسَخَتْهَا : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } 4969 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا عَلَى الْكِتَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى الْوُجُوب , وَلَكِنَّهُ وَاجِب عَلَى الْكَاتِب فِي حَال فَرَاغه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4970 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } يَقُول : لَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب إنْ كَانَ فَارِغًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ الْمُتَدَايِنَيْنِ إلَى أَجَل مُسَمَّى بِاكْتِتَابِ كَتْب الدَّيْن بَيْنهمْ , وَأَمَرَ الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب ذَلِكَ بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ , وَأَمْر اللَّه فَرْض لَازِم , إلَّا أَنْ تَقُوم حُجَّة بِأَنَّهُ إرْشَاد وَنَدْب . وَلَا دَلَالَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ أَمْره جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاكْتِتَابِ الْكَتْب فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ تَقَدُّمه إلَى الْكَاتِب أَنْ لَا يَأْبَى كِتَابَة ذَلِكَ نَدْب وَإِرْشَاد , فَذَلِكَ فَرْض عَلَيْهِمْ لَا يَسَعهُمْ تَضْيِيعه , وَمَنْ ضَيَّعَهُ مِنْهُمْ كَانَ حَرِجًا بِتَضْيِيعِهِ . وَلَا وَجْه لِاعْتِلَالِ مَنْ اعْتَلَّ بِأَنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا أَذِنَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِ , حَيْثُ لَا سَبِيل إلَى الْكِتَاب , أَوْ إلَى الْكَاتِب فَأَمَّا وَالْكِتَاب وَالْكَاتِب مَوْجُودَانِ , فَالْفَرْض إذَا كَانَ الدَّيْن إلَى أَجَل مُسَمَّى مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِ فِي قَوْله : { فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } وَإِنَّمَا يَكُون النَّاسِخ مَا لَمْ يَجُزْ اجْتِمَاع حُكْمه وَحُكْم الْمَنْسُوخ فِي حَال وَاحِدَة عَلَى السَّبِيل الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا , فَأَمَّا مَا كَانَ أَحَدهمَا غَيْر نَافٍ حُكْم الْآخَر , فَلَيْسَ مِنْ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ فِي شَيْء . وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُون قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } نَاسِخًا قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } لَوَجَبَ أَنْ يَكُون قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَد مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } 5 6 نَاسِخًا الْوُضُوء بِالْمَاءِ فِي الْحَضَر عِنْد وُجُود الْمَاء فِيهِ , وَفِي السَّفَر الَّذِي فَرَضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِق } 5 6 وَأَنْ يَكُون قَوْله فِي كَفَّارَة الظِّهَار : { فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } 58 4 نَاسِخًا قَوْله : { فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } 58 3 فَيَسْأَل الْقَائِل إنَّ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } نَاسِخ قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } مَا الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْقَائِل فِي التَّيَمُّم وَمَا ذَكَرْنَا قَوْله , فَزَعَمَ أَنَّ كُلّ مَا أُبِيحَ فِي حَال الضَّرُورَة لِعِلَّةِ الضَّرُورَة نَاسِخ حُكْمه فِي حَال الضَّرُورَة حُكْمه فِي كُلّ أَحْوَاله , نَظِير قَوْله فِي أَنَّ الْأَمْر بِاكْتِتَابِ كَتْب الدُّيُون وَالْحُقُوق مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ؟ فَإِنْ قَالَ : الْفَرْق بَيْنِي وَبَيْنه أَنَّ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } كَلَام مُنْقَطِع عَنْ قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة } وَقَدْ انْتَهَى الْحُكْم فِي السَّفَر إذَا عَدِمَ فِيهِ الْكَاتِب بِقَوْلِهِ : { فَرِهَان مَقْبُوضَة } وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى , فَأَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا , فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته . قِيلَ لَهُ : وَمَا الْبُرْهَان عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْل أَوْ قِيَاس وَقَدْ انْقَضَى الْحُكْم فِي الدَّيْن الَّذِي فِيهِ إلَى الْكَاتِب وَالْكِتَاب سَبِيل بِقَوْلِهِ : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ قَوْله : { فَاكْتُبُوهُ } وَقَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } عَلَى وَجْه النَّدْب وَالْإِرْشَاد , فَإِنَّهُمْ يَسْأَلُونَ الْبُرْهَان عَلَى دَعْوَاهُمْ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ يُعَارِضُونَ بِسَائِرِ أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَمَرَ فِي كِتَابه , وَيَسْأَلُونَ الْفَرْق بَيْن مَا ادَّعَوْا فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ فِي غَيْره , فَلَنْ يَقُولُوا فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إلَّا أَلْزَمُوا بِالْآخَرِ مِثْله . ذِكْر مَنْ قَالَ الْعَدْل فِي قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ } الْحَقّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلْيَكْتُبْ } كِتَاب الدَّيْن إلَى أَجَل مُسَمَّى بَيْن الدَّائِن وَالْمَدِين { كَاتِب بِالْعَدْلِ } يَعْنِي بِالْحَقِّ وَالْإِنْصَاف فِي الْكِتَاب الَّذِي يَكْتُبهُ بَيْنهمَا , بِمَا لَا يَحِيف ذَا الْحَقّ حَقّه , وَلَا يَبْخَسهُ , وَلَا يُوجِب لَهُ حُجَّة عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنه فِيهِ بِبَاطِلٍ , وَلَا يُلْزِمهُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ . كَمَا : 4964 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ } قَالَ : اتَّقَى اللَّه كَاتِب فِي كِتَابه , فَلَا يَدَعَن مِنْهُ حَقًّا , وَلَا يَزِيدَن فِيهِ بَاطِلًا . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يَأْبَيَن كَاتِب اسْتَكْتَبَ ذَلِكَ أَنْ يَكْتُب بَيْنهمْ كِتَاب الدَّيْن , كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه كِتَابَته فَخَصَّهُ بِعِلْمِ ذَلِكَ , وَحَرَمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقه . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي وُجُوب الْكِتَاب عَلَى الْكَاتِب إذَا اسْتَكْتَبَ ذَلِكَ نَظِير اخْتِلَافهمْ فِي وُجُوب الْكِتَاب عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4965 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } قَالَ : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب . 4966 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب } أَوَاجِب أَنْ لَا يَأْبَى أَنْ يَكْتُب ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ وَقَالَ مُجَاهِد : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } بِمِثْلِهِ . 4967 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر وَعَطَاء قَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } قَالَا : إذَا لَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا فَدُعِيت فَلَا تَأْبَ أَنْ تَكْتُب لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة . قَدْ ذَكَرْنَا جَمَاعَة مِمَّنْ قَالَ : كُلّ مَا فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ الْأَمْر بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَاد وَالرَّهْن مَنْسُوخ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرهَا , وَأَذْكُر قَوْل مَنْ تَرَكْنَا ذِكْره هُنَالِكَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي : 4968 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } قَالَ : كَانَتْ عَزِيمَة فَنَسَخَتْهَا : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } 4969 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا عَلَى الْكِتَاب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى الْوُجُوب , وَلَكِنَّهُ وَاجِب عَلَى الْكَاتِب فِي حَال فَرَاغه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4970 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } يَقُول : لَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب إنْ كَانَ فَارِغًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ الْمُتَدَايِنَيْنِ إلَى أَجَل مُسَمَّى بِاكْتِتَابِ كَتْب الدَّيْن بَيْنهمْ , وَأَمَرَ الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب ذَلِكَ بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ , وَأَمْر اللَّه فَرْض لَازِم , إلَّا أَنْ تَقُوم حُجَّة بِأَنَّهُ إرْشَاد وَنَدْب . وَلَا دَلَالَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ أَمْره جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاكْتِتَابِ الْكَتْب فِي ذَلِكَ , وَأَنَّ تَقَدُّمه إلَى الْكَاتِب أَنْ لَا يَأْبَى كِتَابَة ذَلِكَ نَدْب وَإِرْشَاد , فَذَلِكَ فَرْض عَلَيْهِمْ لَا يَسَعهُمْ تَضْيِيعه , وَمَنْ ضَيَّعَهُ مِنْهُمْ كَانَ حَرِجًا بِتَضْيِيعِهِ . وَلَا وَجْه لِاعْتِلَالِ مَنْ اعْتَلَّ بِأَنَّ الْأَمْر بِذَلِكَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا أَذِنَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِ , حَيْثُ لَا سَبِيل إلَى الْكِتَاب , أَوْ إلَى الْكَاتِب فَأَمَّا وَالْكِتَاب وَالْكَاتِب مَوْجُودَانِ , فَالْفَرْض إذَا كَانَ الدَّيْن إلَى أَجَل مُسَمَّى مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِ فِي قَوْله : { فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } وَإِنَّمَا يَكُون النَّاسِخ مَا لَمْ يَجُزْ اجْتِمَاع حُكْمه وَحُكْم الْمَنْسُوخ فِي حَال وَاحِدَة عَلَى السَّبِيل الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا , فَأَمَّا مَا كَانَ أَحَدهمَا غَيْر نَافٍ حُكْم الْآخَر , فَلَيْسَ مِنْ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ فِي شَيْء . وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُون قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } نَاسِخًا قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } لَوَجَبَ أَنْ يَكُون قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَد مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } 5 6 نَاسِخًا الْوُضُوء بِالْمَاءِ فِي الْحَضَر عِنْد وُجُود الْمَاء فِيهِ , وَفِي السَّفَر الَّذِي فَرَضَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِق } 5 6 وَأَنْ يَكُون قَوْله فِي كَفَّارَة الظِّهَار : { فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } 58 4 نَاسِخًا قَوْله : { فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } 58 3 فَيَسْأَل الْقَائِل إنَّ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } نَاسِخ قَوْله : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ } مَا الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْقَائِل فِي التَّيَمُّم وَمَا ذَكَرْنَا قَوْله , فَزَعَمَ أَنَّ كُلّ مَا أُبِيحَ فِي حَال الضَّرُورَة لِعِلَّةِ الضَّرُورَة نَاسِخ حُكْمه فِي حَال الضَّرُورَة حُكْمه فِي كُلّ أَحْوَاله , نَظِير قَوْله فِي أَنَّ الْأَمْر بِاكْتِتَابِ كَتْب الدُّيُون وَالْحُقُوق مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ؟ فَإِنْ قَالَ : الْفَرْق بَيْنِي وَبَيْنه أَنَّ قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } كَلَام مُنْقَطِع عَنْ قَوْله : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة } وَقَدْ انْتَهَى الْحُكْم فِي السَّفَر إذَا عَدِمَ فِيهِ الْكَاتِب بِقَوْلِهِ : { فَرِهَان مَقْبُوضَة } وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا } إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى , فَأَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا , فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته . قِيلَ لَهُ : وَمَا الْبُرْهَان عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْل أَوْ قِيَاس وَقَدْ انْقَضَى الْحُكْم فِي الدَّيْن الَّذِي فِيهِ إلَى الْكَاتِب وَالْكِتَاب سَبِيل بِقَوْلِهِ : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ قَوْله : { فَاكْتُبُوهُ } وَقَوْله : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب } عَلَى وَجْه النَّدْب وَالْإِرْشَاد , فَإِنَّهُمْ يَسْأَلُونَ الْبُرْهَان عَلَى دَعْوَاهُمْ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ يُعَارِضُونَ بِسَائِرِ أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَمَرَ فِي كِتَابه , وَيَسْأَلُونَ الْفَرْق بَيْن مَا ادَّعَوْا فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ فِي غَيْره , فَلَنْ يَقُولُوا فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إلَّا أَلْزَمُوا بِالْآخَرِ مِثْله . ذِكْر مَنْ قَالَ الْعَدْل فِي قَوْله : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ } الْحَقّ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلْيَكْتُبْ الْكَاتِب , وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ , وَهُوَ الْغَرِيم الْمَدِين . يَقُول : لِيَتَوَلَّ الْمَدِين إمْلَال كِتَاب مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْن رَبّ الْمَال عَلَى الْكَاتِب , وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه الْمُمْلِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ , فَلْيَحْذَرْ عِقَابه فِي بَخْس الَّذِي لَهُ الْحَقّ مِنْ حَقّه شَيْئًا , أَنْ يُنْقِصهُ مِنْهُ ظُلْمًا , أَوْ يَذْهَب بِهِ مِنْهُ تَعَدِّيًا , فَيُؤْخَذ بِهِ حَيْثُ لَا يَقْدِر عَلَى قَضَائِهِ إلَّا مِنْ حَسَنَاته , أَوْ أَنْ يَتَحَمَّل مِنْ سَيِّئَاته . كَمَا : 4971 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا , { وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } يَقُول : لَا يَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا . 4972 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } قَالَ : لَا يُنْقِص مِنْ حَقّ هَذَا الرَّجُل شَيْئًا إذَا أَمْلَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلْيَكْتُبْ الْكَاتِب , وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ , وَهُوَ الْغَرِيم الْمَدِين . يَقُول : لِيَتَوَلَّ الْمَدِين إمْلَال كِتَاب مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْن رَبّ الْمَال عَلَى الْكَاتِب , وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه الْمُمْلِي الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ , فَلْيَحْذَرْ عِقَابه فِي بَخْس الَّذِي لَهُ الْحَقّ مِنْ حَقّه شَيْئًا , أَنْ يُنْقِصهُ مِنْهُ ظُلْمًا , أَوْ يَذْهَب بِهِ مِنْهُ تَعَدِّيًا , فَيُؤْخَذ بِهِ حَيْثُ لَا يَقْدِر عَلَى قَضَائِهِ إلَّا مِنْ حَسَنَاته , أَوْ أَنْ يَتَحَمَّل مِنْ سَيِّئَاته . كَمَا : 4971 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ } فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا , { وَلْيَتَّقِ اللَّه رَبّه وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } يَقُول : لَا يَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا . 4972 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَبْخَس مِنْهُ شَيْئًا } قَالَ : لَا يُنْقِص مِنْ حَقّ هَذَا الرَّجُل شَيْئًا إذَا أَمْلَى . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } فَإِنْ كَانَ الْمَدِين الَّذِي عَلَيْهِ الْمَال سَفِيهًا , يَعْنِي جَاهِلًا بِالصَّوَابِ فِي الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُمِلّهُ عَلَى الْكَاتِب . كَمَا : 4973 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } أَمَّا السَّفِيه : فَالْجَاهِل بِالْإِمْلَاءِ وَالْأُمُور . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع الَّذِي عَنَاهُ اللَّه : الطِّفْل الصَّغِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4974 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } أَمَّا السَّفِيه : فَهُوَ الصَّغِير . 4975 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } قَالَ : هُوَ الصَّبِيّ الصَّغِير , { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , تَأْوِيل مَنْ قَالَ : السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْجَاهِل بِالْإِمْلَاءِ وَمَوْضِع صَوَاب ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ , لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّفَه فِي كَلَام الْعَرَب : الْجَهْل . وَقَدْ يَدْخُل فِي قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } كُلّ جَاهِل بِصَوَابِ مَا يُمْلِ مِنْ خَطَئِهِ مِنْ صَغِير وَكَبِير , وَذَكَر وَأُنْثَى . غَيْر أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْآيَة أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهَا كُلّ جَاهِل بِمَوْضِعِ خَطَأ مَا يُمْلِ وَصَوَابه مِنْ بَالِغِي الرِّجَال الَّذِينَ لَا يُولَى عَلَيْهِمْ , وَالنِّسَاء ; لِأَنَّهُ أَجَلَّ ذِكْره ابْتَدَأَ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَيَّنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } وَالصَّبِيّ وَمَنْ يُولَى عَلَيْهِ لَا يَجُوز مُدَايَنَته , وَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ اسْتَثْنَى مِنْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِمْلَالِ كِتَاب الدَّيْن مَعَ السَّفِيه الضَّعِيف وَمَنْ لَا يَسْتَطِيع إمْلَاله , فَفِي فَصْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ الضَّعِيف مِنْ السَّفِيه وَمَنْ لَا يَسْتَطِيع إمْلَاء الْكِتَاب فِي الصِّفَة الَّتِي وَصَفَ بِهَا كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَا أَنْبَأَ عَنْ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّه صِفَاتهمْ غَيْر الصِّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَوْصُوف بِالسَّفَهِ مِنْهُمْ دُون الضَّعْف هُوَ ذُو الْقُوَّة عَلَى الْإِمْلَال , غَيْر أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ فَرْض الْإِمْلَال بِجَهْلِهِ بِمَوْضِعِ صَوَاب ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ , وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ هُوَ الْعَاجِز عَنْ إمْلَاله وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا رَشِيدًا إمَّا لِعِيِّ لِسَانه أَوْ خَرَس بِهِ , وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمْلِ هُوَ الْمَمْنُوع مِنْ إمْلَاله , إمَّا بِالْحَبْسِ الَّذِي لَا يَقْدِر مَعَهُ عَلَى حُضُور الْكَاتِب الَّذِي يَكْتُب الْكِتَاب فَيُمْلِ عَلَيْهِ , وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِع الْإِمْلَال فَهُوَ غَيْر قَادِر مِنْ أَجْل غَيْبَته عَنْ إمْلَال الْكِتَاب . فَوَضَعَ اللَّه عَنْهُمْ فَرْض إمْلَال ذَلِكَ لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا إذَا كَانَتْ بِهِمْ , وَعُذْرهمْ بِتَرْكِ الْإِمْلَال مِنْ أَجْلهَا , وَأَمَرَ عِنْد سُقُوط فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلِيّ الْحَقّ بِإِمْلَالِهِ فَقَالَ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَعْنِي وَلِيّ الْحَقّ . وَلَا وَجْه لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ الصَّغِير , وَأَنَّ الضَّعِيف هُوَ الْكَبِير الْأَحْمَق ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَمَا قَالَ يُوجِب أَنْ يَكُون قَوْله : { أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ } هُوَ الْعَاجِز مِنْ الرِّجَال الْعُقَلَاء الْجَائِزِي الْأَمْر فِي أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ عَنْ الْإِمْلَال , إمَّا لِعِلَّةٍ بِلِسَانِهِ مِنْ خَرَس أَوْ غَيْره مِنْ الْعِلَل , وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِع الْكِتَاب . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ , بَطَلَ مَعْنَى قَوْله : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } لِأَنَّ الْعَاقِل الرَّشِيد لَا يُولَى عَلَيْهِ فِي مَاله وَإِنْ كَانَ أَخْرَس أَوْ غَائِبًا , وَلَا يَجُوز حُكْم أَحَد فِي مَاله إلَّا بِأَمْرِهِ . وَفِي صِحَّة مَعْنَى ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ الطِّفْل الصَّغِير أَوْ الْكَبِير الْأَحْمَق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4976 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَقُول : وَلِيّ الْحَقّ . 4977 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } قَالَ : يَقُول : إنْ كَانَ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَمَلّ صَاحِب الدَّيْن بِالْعَدْلِ . ذِكْر الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ : عَنَى بِالضَّعِيفِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْأَحْمَق . وَبِقَوْلِهِ : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } وَلِيّ السَّفِيه وَالضَّعِيف . 4978 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ } قَالَ : أَمَرَ وَلِيّ السَّفِيه أَوْ الضَّعِيف أَنْ يُمِلّ بِالْعَدْلِ . 4979 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا الضَّعِيف , فَهُوَ الْأَحْمَق . 4980 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : أَمَّا الضَّعِيف فَالْأَحْمَق . 4981 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } لَا يَعْرِف فَيُثْبِت لِهَذَا حَقّه وَيَجْهَل ذَلِكَ , فَوَلِيّه بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى يَضَع لِهَذَا حَقّه . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْحَقِّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } فَإِنْ كَانَ الْمَدِين الَّذِي عَلَيْهِ الْمَال سَفِيهًا , يَعْنِي جَاهِلًا بِالصَّوَابِ فِي الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُمِلّهُ عَلَى الْكَاتِب . كَمَا : 4973 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } أَمَّا السَّفِيه : فَالْجَاهِل بِالْإِمْلَاءِ وَالْأُمُور . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع الَّذِي عَنَاهُ اللَّه : الطِّفْل الصَّغِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4974 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } أَمَّا السَّفِيه : فَهُوَ الصَّغِير . 4975 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } قَالَ : هُوَ الصَّبِيّ الصَّغِير , { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , تَأْوِيل مَنْ قَالَ : السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْجَاهِل بِالْإِمْلَاءِ وَمَوْضِع صَوَاب ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ , لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّفَه فِي كَلَام الْعَرَب : الْجَهْل . وَقَدْ يَدْخُل فِي قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا } كُلّ جَاهِل بِصَوَابِ مَا يُمْلِ مِنْ خَطَئِهِ مِنْ صَغِير وَكَبِير , وَذَكَر وَأُنْثَى . غَيْر أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْآيَة أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهَا كُلّ جَاهِل بِمَوْضِعِ خَطَأ مَا يُمْلِ وَصَوَابه مِنْ بَالِغِي الرِّجَال الَّذِينَ لَا يُولَى عَلَيْهِمْ , وَالنِّسَاء ; لِأَنَّهُ أَجَلَّ ذِكْره ابْتَدَأَ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَيَّنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَل مُسَمَّى } وَالصَّبِيّ وَمَنْ يُولَى عَلَيْهِ لَا يَجُوز مُدَايَنَته , وَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ اسْتَثْنَى مِنْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِمْلَالِ كِتَاب الدَّيْن مَعَ السَّفِيه الضَّعِيف وَمَنْ لَا يَسْتَطِيع إمْلَاله , فَفِي فَصْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ الضَّعِيف مِنْ السَّفِيه وَمَنْ لَا يَسْتَطِيع إمْلَاء الْكِتَاب فِي الصِّفَة الَّتِي وَصَفَ بِهَا كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَا أَنْبَأَ عَنْ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّه صِفَاتهمْ غَيْر الصِّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَوْصُوف بِالسَّفَهِ مِنْهُمْ دُون الضَّعْف هُوَ ذُو الْقُوَّة عَلَى الْإِمْلَال , غَيْر أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ فَرْض الْإِمْلَال بِجَهْلِهِ بِمَوْضِعِ صَوَاب ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ , وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ هُوَ الْعَاجِز عَنْ إمْلَاله وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا رَشِيدًا إمَّا لِعِيِّ لِسَانه أَوْ خَرَس بِهِ , وَأَنَّ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمْلِ هُوَ الْمَمْنُوع مِنْ إمْلَاله , إمَّا بِالْحَبْسِ الَّذِي لَا يَقْدِر مَعَهُ عَلَى حُضُور الْكَاتِب الَّذِي يَكْتُب الْكِتَاب فَيُمْلِ عَلَيْهِ , وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِع الْإِمْلَال فَهُوَ غَيْر قَادِر مِنْ أَجْل غَيْبَته عَنْ إمْلَال الْكِتَاب . فَوَضَعَ اللَّه عَنْهُمْ فَرْض إمْلَال ذَلِكَ لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا إذَا كَانَتْ بِهِمْ , وَعُذْرهمْ بِتَرْكِ الْإِمْلَال مِنْ أَجْلهَا , وَأَمَرَ عِنْد سُقُوط فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلِيّ الْحَقّ بِإِمْلَالِهِ فَقَالَ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَعْنِي وَلِيّ الْحَقّ . وَلَا وَجْه لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ الصَّغِير , وَأَنَّ الضَّعِيف هُوَ الْكَبِير الْأَحْمَق ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَمَا قَالَ يُوجِب أَنْ يَكُون قَوْله : { أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ } هُوَ الْعَاجِز مِنْ الرِّجَال الْعُقَلَاء الْجَائِزِي الْأَمْر فِي أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ عَنْ الْإِمْلَال , إمَّا لِعِلَّةٍ بِلِسَانِهِ مِنْ خَرَس أَوْ غَيْره مِنْ الْعِلَل , وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَوْضِع الْكِتَاب . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ , بَطَلَ مَعْنَى قَوْله : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } لِأَنَّ الْعَاقِل الرَّشِيد لَا يُولَى عَلَيْهِ فِي مَاله وَإِنْ كَانَ أَخْرَس أَوْ غَائِبًا , وَلَا يَجُوز حُكْم أَحَد فِي مَاله إلَّا بِأَمْرِهِ . وَفِي صِحَّة مَعْنَى ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّفِيه فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ الطِّفْل الصَّغِير أَوْ الْكَبِير الْأَحْمَق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4976 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } يَقُول : وَلِيّ الْحَقّ . 4977 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } قَالَ : يَقُول : إنْ كَانَ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَمَلّ صَاحِب الدَّيْن بِالْعَدْلِ . ذِكْر الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ : عَنَى بِالضَّعِيفِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْأَحْمَق . وَبِقَوْلِهِ : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } وَلِيّ السَّفِيه وَالضَّعِيف . 4978 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمِلّ هُوَ } قَالَ : أَمَرَ وَلِيّ السَّفِيه أَوْ الضَّعِيف أَنْ يُمِلّ بِالْعَدْلِ . 4979 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا الضَّعِيف , فَهُوَ الْأَحْمَق . 4980 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : أَمَّا الضَّعِيف فَالْأَحْمَق . 4981 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } لَا يَعْرِف فَيُثْبِت لِهَذَا حَقّه وَيَجْهَل ذَلِكَ , فَوَلِيّه بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى يَضَع لِهَذَا حَقّه . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيّه بِالْعَدْلِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْحَقِّ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْتَشْهِدُوا عَلَى حُقُوقكُمْ شَاهِدَيْنِ , يُقَال : فُلَان شَهِيدِي عَلَى هَذَا الْمَال وَشَاهِدِي عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ رِجَالكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ أَحْرَاركُمْ الْمُسْلِمِينَ دُون عَبِيدكُمْ , وَدُون أَحْرَاركُمْ الْكُفَّار . كَمَا : 4982 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } قَالَ : الْأَحْرَار . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن سَعِيد , عَنْ هُشَيْم , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْتَشْهِدُوا عَلَى حُقُوقكُمْ شَاهِدَيْنِ , يُقَال : فُلَان شَهِيدِي عَلَى هَذَا الْمَال وَشَاهِدِي عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ رِجَالكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ أَحْرَاركُمْ الْمُسْلِمِينَ دُون عَبِيدكُمْ , وَدُون أَحْرَاركُمْ الْكُفَّار . كَمَا : 4982 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } قَالَ : الْأَحْرَار . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن سَعِيد , عَنْ هُشَيْم , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ , فَلْيَكُنْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَة . وَرُفِعَ الرَّجُل وَالْمَرْأَتَانِ بِالرَّدِّ عَلَى الْكَوْن , وَإِنْ شِئْت قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ عَلَى ذَلِكَ , وَإِنْ شِئْت فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ; وَإِنْ قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ كَانَ صَوَابًا كُلّ ذَلِكَ جَائِز , وَلَوْ كَانَ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ نَصْبًا كَانَ جَائِزًا عَلَى تَأْوِيل : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ , فَاسْتَشْهِدُوا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ . وَقَوْله : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } يَعْنِي مِنْ الْعُدُول الْمُرْتَضَى دِينهمْ وَصَلَاحهمْ . كَمَا : 4983 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } يَقُول فِي الدَّيْن , { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ } وَذَلِكَ فِي الدَّيْن مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء . يَقُول : عُدُول . 4984 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُشْهِدُوا ذَوِي عَدْل مِنْ رِجَالهمْ , { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ , فَلْيَكُنْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ عَلَى الشَّهَادَة . وَرُفِعَ الرَّجُل وَالْمَرْأَتَانِ بِالرَّدِّ عَلَى الْكَوْن , وَإِنْ شِئْت قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ عَلَى ذَلِكَ , وَإِنْ شِئْت فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ; وَإِنْ قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ كَانَ صَوَابًا كُلّ ذَلِكَ جَائِز , وَلَوْ كَانَ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ نَصْبًا كَانَ جَائِزًا عَلَى تَأْوِيل : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ , فَاسْتَشْهِدُوا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ . وَقَوْله : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } يَعْنِي مِنْ الْعُدُول الْمُرْتَضَى دِينهمْ وَصَلَاحهمْ . كَمَا : 4983 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } يَقُول فِي الدَّيْن , { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ } وَذَلِكَ فِي الدَّيْن مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء . يَقُول : عُدُول . 4984 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ } أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُشْهِدُوا ذَوِي عَدْل مِنْ رِجَالهمْ , { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَ عَامَّة أَهْل الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْعِرَاق : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " وَنَصْب " تَضِلّ " و " تُذَكِّر " , بِمَعْنَى : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنْ ضَلَّتْ . وَهُوَ عِنْدهمْ مِنْ الْمُقَدَّم الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِير ; لِأَنَّ التَّذْكِير عِنْدهمْ هُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يَكُون مَكَان تَضِلّ , لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا فِي قَوْلهمْ . وَقَالُوا : إنَّمَا نَصَبْنَا " تُذَكِّر " , لِأَنَّ الْجَزَاء لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْله فَصَارَ جَوَابه مَرْدُودًا عَلَيْهِ , كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : إنَّهُ لَيُعْجِبنِي أَنْ يَسْأَل السَّائِل فَيُعْطَى , بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيُعْجِبنِي أَنْ يُعْطَى السَّائِل إنْ سَأَلَ أَوْ إذَا سَأَلَ , فَاَلَّذِي يُعْجِبك هُوَ الْإِعْطَاء دُون الْمَسْأَلَة . وَلَكِنْ قَوْله " أَنْ يَسْأَل " لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْله , وَهُوَ قَوْله : " لَيُعْجِبنِي " فَتْح " أَنْ " وَنُصِبَ بِهَا , ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْله : " يُعْطَى " , فَنَصَبَهُ بِنَصْبِ قَوْله : " لَيُعْجِبنِي أَنْ يَسْأَل " , نَسَقًا عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجَزَاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ كَذَلِكَ , غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ بِتَسْكِينِ الذَّال مِنْ " تُذَكِّر " وَتَخْفِيف كَافهَا . وَقَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي تَأْوِيل قِرَاءَتهمْ إيَّاهُ كَذَلِكَ . وَكَانَ بَعْضهمْ يُوَجِّههُ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : فَتُصَيِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَكَرًا بِاجْتِمَاعِهِمَا , بِمَعْنَى أَنَّ شَهَادَتهَا إذَا اجْتَمَعَتْ وَشَهَادَة صَاحِبَتهَا جَازَتْ , كَمَا تَجُوز شَهَادَة الْوَاحِد مِنْ الذُّكُور فِي الدَّيْن , لِأَنَّ شِهَاده كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة غَيْر جَائِزَة فِيمَا جَازَتْ فِيهِ مِنْ الدُّيُون إلَّا بِاجْتِمَاعِ اثْنَتَيْنِ عَلَى شَهَادَة وَاحِد , فَتَصِير شَهَادَتهمَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَة شَهَادَة وَاحِد مِنْ الذُّكُور . فَكَأَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي قَوْل مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ بِهَذَا الْمَعْنَى صَيَّرَتْ صَاحِبَتهَا مَعَهَا ذَكَرًا ; وَذَهَبَ إلَى قَوْل الْعَرَب : لَقَدْ أَذْكَرَتْ بِفُلَانٍ أُمّه , أَيْ وَلَدَتْهُ ذَكَرًا , فَهِيَ تُذْكَر بِهِ , وَهِيَ امْرَأَة مُذَكَّرَة إذَا كَانَتْ تَلِد الذُّكُور مِنْ الْأَوْلَاد . وَهَذَا قَوْل يُرْوَى عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ . 4985 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام أَنَّهُ قَالَ : حُدِّثْت عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ تَأْوِيل قَوْله : { فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } مِنْ الذِّكْر بَعْد النِّسْيَان إنَّمَا هُوَ مِنْ الذِّكْر , بِمَعْنَى أَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ مَعَ الْأُخْرَى صَارَتْ شَهَادَتهمَا كَشَهَادَةِ الذَّكَر . وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يُوَجِّهُونَهُ إلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الذِّكْر بَعْد النِّسْيَان . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : " إنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى " بِكَسْرِ " إنْ " مِنْ قَوْله : " إنْ تَضِلّ " وَرَفْع " تُذَكِّر " وَتَشْدِيده . كَأَنَّهُ بِمَعْنَى ابْتِدَاء الْخَبَر عَمَّا تَفْعَل الْمَرْأَتَانِ , إنْ نَسِيَتْ إحْدَاهُمَا شَهَادَتهَا تُذَكِّرهَا الْأُخْرَى مِنْ تَثْبِيت الذَّاكِرَة النَّاسِيَة وَتَذْكِيرهَا ذَلِكَ , وَانْقِطَاع ذَلِكَ عَمَّا قَبْله . وَمَعْنَى الْكَلَام عِنْد قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ , فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء , فَإِنَّ إحْدَاهُمَا إنْ ضَلَّتْ ذَكَرَتْهَا الْأُخْرَى ; عَلَى اسْتِئْنَاف الْخَبَر عَنْ فِعْلهَا إنْ نَسِيَتْ إحْدَاهُمَا شَهَادَتهَا مِنْ تَذْكِير الْأُخْرَى مِنْهُمَا صَاحِبَتهَا النَّاسِيَة . وَهَذِهِ قِرَاءَة كَانَ الْأَعْمَش يَقْرَؤُهَا وَمَنْ أَخَذَهَا عَنْهُ . وَإِنَّمَا نَصَبَ الْأَعْمَش " تَضِلّ " لِأَنَّهَا فِي مَحَلّ جَزْم بِحَرْفِ الْجَزَاء , وَهُوَ " إنْ " . وَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى قِرَاءَته : إنْ تَضْلِلْ , فَلَمَّا أُدْغِمَتْ إحْدَى اللَّامَيْنِ فِي الْأُخْرَى حَرَّكَهَا إلَى أَخَفّ الْحَرَكَات وَرَفَعَ تُذَكِّر بِالْفَاءِ , لِأَنَّهُ جَوَاب الْجَزَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ " أَنْ " مِنْ قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } وَبِتَشْدِيدِ الْكَاف مِنْ قَوْله : { فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَنَصْب الرَّاء مِنْهُ , بِمَعْنَى : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ فِي إنْ ضَلَّتْ إحْدَاهُمَا ذَكَّرَتْهَا الْأُخْرَى . وَأَمَّا نَصْب " فَتُذَكِّر " فَبِالْعَطْفِ عَلَى " تَضِلّ " , وَفُتِحَتْ " أَنْ " بِحُلُولِهَا مَحَلّ " كَيْ " , وَهِيَ فِي مَوْضِع جَزَاء , وَالْجَوَاب بَعْده اكْتِفَاء بِفَتْحِهَا , أَعْنِي بِفَتْحِ " أَنْ " مِنْ " كَيْ " وَنَسْق الثَّانِي , أَعْنِي " فَتُذَكِّر " عَلَى " تَضِلّ " , لِيَعْلَم أَنَّ الَّذِي قَامَ مَقَام مَا كَانَ يَعْمَل فِيهِ وَهُوَ ظَاهِر قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ وَأَدَّى عَنْ مَعْنَاهُ وَعَمَله , أَيْ عَنْ " كَيْ " . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَة لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ قُدَمَاء الْقُرَّاء والمتأخرين عَلَى ذَلِكَ , وَانْفِرَاد الْأَعْمَش وَمَنْ قَرَأَ قِرَاءَته فِي ذَلِكَ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ , وَلَا يَجُوز تَرْك قِرَاءَة جَاءَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضَة بَيْنهمْ إلَى غَيْرهَا . وَأَمَّا اخْتِيَارنَا " فَتُذَكِّر " بِتَشْدِيدِ الْكَاف , فَإِنَّهُ بِمَعْنَى تَأْدِيَة الذِّكْر مِنْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَتَعْرِيفهَا بِإِنْهَاءِ ذَلِكَ لِتُذَكِّر , فَالتَّشْدِيد بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخْفِيف . وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْن عُيَيْنَةَ مِنْ التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , فَتَأْوِيل خَطَأ لَا مَعْنَى لَهُ لِوُجُوهٍ شَتَّى : أَحَدهَا : أَنَّهُ خِلَاف لِقَوْلِ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَعْلُوم بِأَنَّ ضَلَال إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَة الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ خَطَؤُهَا عَنْهَا بِنِسْيَانِهَا إيَّاهَا كَضَلَالِ الرَّجُل فِي دَيْنه إذَا تَحَيَّرَ فِيهِ , فَعَدَلَ عَنْ الْحَقّ , وَإِذَا صَارَتْ إحْدَاهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَة فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ تَصِير الْأُخْرَى ذَكَرًا مَعَهَا مَعَ نِسْيَانهَا شَهَادَتهَا وَضَلَالهَا فِيهَا ؟ فَالضَّالَّة مِنْهُمَا فِي شَهَادَتهَا حِينَئِذٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا إلَى التَّذْكِير أَحْوَج مِنْهَا إلَى الْإِذْكَار , إلَّا إنْ أَرَادَ أَنَّ الذَّاكِرَة إذَا ضَعُفَتْ صَاحِبَتهَا عَنْ ذِكْر شَهَادَتهَا سَتُجَرِّئُهَا عَلَى ذِكْر مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْره فَنَسِيَتْهُ , فَقَوَّتْهَا بِالذِّكْرِ حَتَّى صَيَّرَتْهَا كَالرَّجُلِ فِي قُوَّتهَا فِي ذِكْر مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْره مِنْ ذَلِكَ , كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْقَوِيّ فِي عَمَله : ذِكْر , وَكَمَا يُقَال لِلسَّيْفِ الْمَاضِي فِي ضَرْبه : سَيْف ذَكَر , وَرَجُل ذَكَر , يُرَاد بِهِ مَاضٍ فِي عَمَله , قَوِيّ الْبَطْش , صَحِيح الْعَزْم . فَإِنْ كَانَ ابْن عُيَيْنَةَ هَذَا أَرَادَ , فَهُوَ مَذْهَب مِنْ مَذَاهِب تَأْوِيل ذَلِكَ ؟ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , صَارَ تَأْوِيله إلَى نَحْو تَأْوِيلنَا الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِيهِ , وَإِنْ خَالَفَتْ الْقِرَاءَة بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْقِرَاءَة الَّتِي اخْتَرْنَاهَا بِأَنْ تُغَيِّر الْقِرَاءَة حِينَئِذٍ الصَّحِيحَة بِاَلَّذِي اخْتَارَ قِرَاءَته مِنْ تَخْفِيف الْكَاف مِنْ قَوْله : فَتُذَكِّر , وَلَا نَعْلَم أَحَدًا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَيُسْتَحَبّ قِرَاءَته كَذَلِكَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى . فَالصَّوَاب فِي قَوْله إذْ كَانَ الْأَمْر عَامًّا عَلَى مَا وَصَفْنَا مَا اخْتَرْنَا . ذِكْر مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } نَحْو تَأْوِيلنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ : 4986 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } عَلِمَ اللَّه أَنْ سَتَكُونَ حُقُوق , فَأَخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْض الثِّقَة , فَخُذُوا بِثِقَةِ اللَّه , فَإِنَّهُ أَطْوَع لِرَبِّكُمْ , وَأَدْرَكَ لِأَمْوَالِكُمْ . وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ تَقِيًّا لَا يَزِيدهُ الْكِتَاب إلَّا خَيْرًا , وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُؤَدِّي إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ شُهُودًا . 4987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } يَقُول : أَنْ تَنْسَى إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4988 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } يَقُول : تَنْسَى إحْدَاهُمَا الشَّهَادَة فَتُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4989 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } يَقُول : إنْ تَنْسَ إحْدَاهُمَا , تُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4990 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } قَالَ : كِلَاهُمَا لُغَة وَهُمَا سَوَاء , وَنَحْنُ نَقْرَأ : { فَتُذَكِّر } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَ عَامَّة أَهْل الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْعِرَاق : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " وَنَصْب " تَضِلّ " و " تُذَكِّر " , بِمَعْنَى : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنْ ضَلَّتْ . وَهُوَ عِنْدهمْ مِنْ الْمُقَدَّم الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِير ; لِأَنَّ التَّذْكِير عِنْدهمْ هُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يَكُون مَكَان تَضِلّ , لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا فِي قَوْلهمْ . وَقَالُوا : إنَّمَا نَصَبْنَا " تُذَكِّر " , لِأَنَّ الْجَزَاء لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْله فَصَارَ جَوَابه مَرْدُودًا عَلَيْهِ , كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : إنَّهُ لَيُعْجِبنِي أَنْ يَسْأَل السَّائِل فَيُعْطَى , بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيُعْجِبنِي أَنْ يُعْطَى السَّائِل إنْ سَأَلَ أَوْ إذَا سَأَلَ , فَاَلَّذِي يُعْجِبك هُوَ الْإِعْطَاء دُون الْمَسْأَلَة . وَلَكِنْ قَوْله " أَنْ يَسْأَل " لَمَّا تَقَدَّمَ اتَّصَلَ بِمَا قَبْله , وَهُوَ قَوْله : " لَيُعْجِبنِي " فَتْح " أَنْ " وَنُصِبَ بِهَا , ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْله : " يُعْطَى " , فَنَصَبَهُ بِنَصْبِ قَوْله : " لَيُعْجِبنِي أَنْ يَسْأَل " , نَسَقًا عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجَزَاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ كَذَلِكَ , غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ بِتَسْكِينِ الذَّال مِنْ " تُذَكِّر " وَتَخْفِيف كَافهَا . وَقَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي تَأْوِيل قِرَاءَتهمْ إيَّاهُ كَذَلِكَ . وَكَانَ بَعْضهمْ يُوَجِّههُ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : فَتُصَيِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَكَرًا بِاجْتِمَاعِهِمَا , بِمَعْنَى أَنَّ شَهَادَتهَا إذَا اجْتَمَعَتْ وَشَهَادَة صَاحِبَتهَا جَازَتْ , كَمَا تَجُوز شَهَادَة الْوَاحِد مِنْ الذُّكُور فِي الدَّيْن , لِأَنَّ شِهَاده كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة غَيْر جَائِزَة فِيمَا جَازَتْ فِيهِ مِنْ الدُّيُون إلَّا بِاجْتِمَاعِ اثْنَتَيْنِ عَلَى شَهَادَة وَاحِد , فَتَصِير شَهَادَتهمَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَة شَهَادَة وَاحِد مِنْ الذُّكُور . فَكَأَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي قَوْل مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ بِهَذَا الْمَعْنَى صَيَّرَتْ صَاحِبَتهَا مَعَهَا ذَكَرًا ; وَذَهَبَ إلَى قَوْل الْعَرَب : لَقَدْ أَذْكَرَتْ بِفُلَانٍ أُمّه , أَيْ وَلَدَتْهُ ذَكَرًا , فَهِيَ تُذْكَر بِهِ , وَهِيَ امْرَأَة مُذَكَّرَة إذَا كَانَتْ تَلِد الذُّكُور مِنْ الْأَوْلَاد . وَهَذَا قَوْل يُرْوَى عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولهُ . 4985 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام أَنَّهُ قَالَ : حُدِّثْت عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ تَأْوِيل قَوْله : { فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } مِنْ الذِّكْر بَعْد النِّسْيَان إنَّمَا هُوَ مِنْ الذِّكْر , بِمَعْنَى أَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ مَعَ الْأُخْرَى صَارَتْ شَهَادَتهمَا كَشَهَادَةِ الذَّكَر . وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يُوَجِّهُونَهُ إلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الذِّكْر بَعْد النِّسْيَان . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : " إنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى " بِكَسْرِ " إنْ " مِنْ قَوْله : " إنْ تَضِلّ " وَرَفْع " تُذَكِّر " وَتَشْدِيده . كَأَنَّهُ بِمَعْنَى ابْتِدَاء الْخَبَر عَمَّا تَفْعَل الْمَرْأَتَانِ , إنْ نَسِيَتْ إحْدَاهُمَا شَهَادَتهَا تُذَكِّرهَا الْأُخْرَى مِنْ تَثْبِيت الذَّاكِرَة النَّاسِيَة وَتَذْكِيرهَا ذَلِكَ , وَانْقِطَاع ذَلِكَ عَمَّا قَبْله . وَمَعْنَى الْكَلَام عِنْد قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ , فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء , فَإِنَّ إحْدَاهُمَا إنْ ضَلَّتْ ذَكَرَتْهَا الْأُخْرَى ; عَلَى اسْتِئْنَاف الْخَبَر عَنْ فِعْلهَا إنْ نَسِيَتْ إحْدَاهُمَا شَهَادَتهَا مِنْ تَذْكِير الْأُخْرَى مِنْهُمَا صَاحِبَتهَا النَّاسِيَة . وَهَذِهِ قِرَاءَة كَانَ الْأَعْمَش يَقْرَؤُهَا وَمَنْ أَخَذَهَا عَنْهُ . وَإِنَّمَا نَصَبَ الْأَعْمَش " تَضِلّ " لِأَنَّهَا فِي مَحَلّ جَزْم بِحَرْفِ الْجَزَاء , وَهُوَ " إنْ " . وَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى قِرَاءَته : إنْ تَضْلِلْ , فَلَمَّا أُدْغِمَتْ إحْدَى اللَّامَيْنِ فِي الْأُخْرَى حَرَّكَهَا إلَى أَخَفّ الْحَرَكَات وَرَفَعَ تُذَكِّر بِالْفَاءِ , لِأَنَّهُ جَوَاب الْجَزَاء . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ " أَنْ " مِنْ قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } وَبِتَشْدِيدِ الْكَاف مِنْ قَوْله : { فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَنَصْب الرَّاء مِنْهُ , بِمَعْنَى : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُل وَامْرَأَتَانِ فِي إنْ ضَلَّتْ إحْدَاهُمَا ذَكَّرَتْهَا الْأُخْرَى . وَأَمَّا نَصْب " فَتُذَكِّر " فَبِالْعَطْفِ عَلَى " تَضِلّ " , وَفُتِحَتْ " أَنْ " بِحُلُولِهَا مَحَلّ " كَيْ " , وَهِيَ فِي مَوْضِع جَزَاء , وَالْجَوَاب بَعْده اكْتِفَاء بِفَتْحِهَا , أَعْنِي بِفَتْحِ " أَنْ " مِنْ " كَيْ " وَنَسْق الثَّانِي , أَعْنِي " فَتُذَكِّر " عَلَى " تَضِلّ " , لِيَعْلَم أَنَّ الَّذِي قَامَ مَقَام مَا كَانَ يَعْمَل فِيهِ وَهُوَ ظَاهِر قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ وَأَدَّى عَنْ مَعْنَاهُ وَعَمَله , أَيْ عَنْ " كَيْ " . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَة لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ قُدَمَاء الْقُرَّاء والمتأخرين عَلَى ذَلِكَ , وَانْفِرَاد الْأَعْمَش وَمَنْ قَرَأَ قِرَاءَته فِي ذَلِكَ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ , وَلَا يَجُوز تَرْك قِرَاءَة جَاءَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضَة بَيْنهمْ إلَى غَيْرهَا . وَأَمَّا اخْتِيَارنَا " فَتُذَكِّر " بِتَشْدِيدِ الْكَاف , فَإِنَّهُ بِمَعْنَى تَأْدِيَة الذِّكْر مِنْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَتَعْرِيفهَا بِإِنْهَاءِ ذَلِكَ لِتُذَكِّر , فَالتَّشْدِيد بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخْفِيف . وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْن عُيَيْنَةَ مِنْ التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , فَتَأْوِيل خَطَأ لَا مَعْنَى لَهُ لِوُجُوهٍ شَتَّى : أَحَدهَا : أَنَّهُ خِلَاف لِقَوْلِ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَعْلُوم بِأَنَّ ضَلَال إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَة الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ خَطَؤُهَا عَنْهَا بِنِسْيَانِهَا إيَّاهَا كَضَلَالِ الرَّجُل فِي دَيْنه إذَا تَحَيَّرَ فِيهِ , فَعَدَلَ عَنْ الْحَقّ , وَإِذَا صَارَتْ إحْدَاهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَة فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ تَصِير الْأُخْرَى ذَكَرًا مَعَهَا مَعَ نِسْيَانهَا شَهَادَتهَا وَضَلَالهَا فِيهَا ؟ فَالضَّالَّة مِنْهُمَا فِي شَهَادَتهَا حِينَئِذٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا إلَى التَّذْكِير أَحْوَج مِنْهَا إلَى الْإِذْكَار , إلَّا إنْ أَرَادَ أَنَّ الذَّاكِرَة إذَا ضَعُفَتْ صَاحِبَتهَا عَنْ ذِكْر شَهَادَتهَا سَتُجَرِّئُهَا عَلَى ذِكْر مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْره فَنَسِيَتْهُ , فَقَوَّتْهَا بِالذِّكْرِ حَتَّى صَيَّرَتْهَا كَالرَّجُلِ فِي قُوَّتهَا فِي ذِكْر مَا ضَعُفَتْ عَنْ ذِكْره مِنْ ذَلِكَ , كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْقَوِيّ فِي عَمَله : ذِكْر , وَكَمَا يُقَال لِلسَّيْفِ الْمَاضِي فِي ضَرْبه : سَيْف ذَكَر , وَرَجُل ذَكَر , يُرَاد بِهِ مَاضٍ فِي عَمَله , قَوِيّ الْبَطْش , صَحِيح الْعَزْم . فَإِنْ كَانَ ابْن عُيَيْنَةَ هَذَا أَرَادَ , فَهُوَ مَذْهَب مِنْ مَذَاهِب تَأْوِيل ذَلِكَ ؟ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , صَارَ تَأْوِيله إلَى نَحْو تَأْوِيلنَا الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِيهِ , وَإِنْ خَالَفَتْ الْقِرَاءَة بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْقِرَاءَة الَّتِي اخْتَرْنَاهَا بِأَنْ تُغَيِّر الْقِرَاءَة حِينَئِذٍ الصَّحِيحَة بِاَلَّذِي اخْتَارَ قِرَاءَته مِنْ تَخْفِيف الْكَاف مِنْ قَوْله : فَتُذَكِّر , وَلَا نَعْلَم أَحَدًا تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَيُسْتَحَبّ قِرَاءَته كَذَلِكَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى . فَالصَّوَاب فِي قَوْله إذْ كَانَ الْأَمْر عَامًّا عَلَى مَا وَصَفْنَا مَا اخْتَرْنَا . ذِكْر مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } نَحْو تَأْوِيلنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ : 4986 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاء أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } عَلِمَ اللَّه أَنْ سَتَكُونَ حُقُوق , فَأَخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْض الثِّقَة , فَخُذُوا بِثِقَةِ اللَّه , فَإِنَّهُ أَطْوَع لِرَبِّكُمْ , وَأَدْرَكَ لِأَمْوَالِكُمْ . وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَ تَقِيًّا لَا يَزِيدهُ الْكِتَاب إلَّا خَيْرًا , وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُؤَدِّي إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ شُهُودًا . 4987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } يَقُول : أَنْ تَنْسَى إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4988 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } يَقُول : تَنْسَى إحْدَاهُمَا الشَّهَادَة فَتُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4989 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا } يَقُول : إنْ تَنْسَ إحْدَاهُمَا , تُذَكِّرهَا الْأُخْرَى . 4990 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { أَنْ تَضِلّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّر إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } قَالَ : كِلَاهُمَا لُغَة وَهُمَا سَوَاء , وَنَحْنُ نَقْرَأ : { فَتُذَكِّر } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَال الَّتِي نَهَى اللَّه الشُّهَدَاء عَنْ إبَاء الْإِجَابَة إذَا دُعُوا بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَا يَأْبَ الشُّهَدَاء أَنْ يُجِيبُوا إذَا دُعُوا لِيَشْهَدُوا عَلَى الْكِتَاب وَالْحُقُوق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4991 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } كَانَ الرَّجُل يَطُوف فِي الْحِوَاء الْعَظِيم فِيهِ الْقَوْم , فَيَدْعُوهُمْ إلَى الشَّهَادَة فَلَا يَتْبَعهُ أَحَد مِنْهُمْ . قَالَ : وَكَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّل هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } لِيَشْهَدُوا لِرَجُلٍ عَلَى رَجُل . 4992 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَطُوف فِي الْقَوْم الْكَثِير يَدْعُوهُمْ لِيَشْهَدُوا , فَلَا يَتْبَعهُ أَحَد مِنْهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } 4993 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لَا تَأْبَ أَنْ تَشْهَد إذَا مَا دُعِيت إلَى شَهَادَة . وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى هَؤُلَاءِ , إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِب فَرْض ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُعِيَ لِلْإِشْهَادِ عَلَى الْحُقُوق إذَا لَمْ يُوجَد غَيْره , فَأَمَّا إذَا وَجَدَ غَيْره فَهُوَ فِي الْإِجَابَة إلَى ذَلِكَ مُخَيَّر إنْ شَاءَ أَجَابَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4994 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : { لَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إنْ شَاءَ شَهِدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَد , فَإِذَا لَمْ يُوجَد غَيْره شَهِدَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا لِلشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَ الدَّاعِي إشْهَاده عَلَيْهِ , وَالْقِيَام بِمَا عِنْده مِنْ الشَّهَادَة مِنْ الْإِجَابَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4995 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْإِقَامَة وَالشَّهَادَة . 4996 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : جَمَعْت أَمْرَيْنِ لَا تَأْبَ إذَا كَانَتْ عِنْدك : شَهَادَة أَنْ تَشْهَد , وَلَا تَأْبَ إذَا دُعِيت إلَى شَهَادَة . 4997 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَعْنِي مَنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَ عَلَى شَهَادَة إنْ كَانَتْ عِنْده , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْبَى إذَا مَا دُعِيَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لِإِقَامَتِهَا , وَلَا يُبْدَأ بِهَا إذَا دَعَاهُ لِيَشْهَدهُ , وَإِذَا دَعَاهُ لِيُقِيمَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي عِنْدهمْ لِلدَّاعِي مِنْ إجَابَته إلَى الْقِيَام بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4998 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا شَهِدَ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانُوا قَدْ شَهِدُوا قَبْل ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَقُول : إذَا كَانُوا قَدْ أُشْهِدُوا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانَتْ عِنْدك شَهَادَة فَدُعِيت . 4999 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانَتْ شَهَادَة فَأَقِمْهَا , فَإِذَا دُعِيت لِتَشْهَد , فَإِنْ شِئْت فَاذْهَبْ , وَإِنْ شِئْت فَلَا تَذْهَب . 5000 - حَدَّثَنَا سِوَار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَاح , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قُلْت لِأَبِي مِجْلَز : نَاس يَدْعُونَنِي لِأَشْهَد بَيْنهمْ , وَأَنَا أَكْرَه أَنْ أَشْهَد بَيْنهمْ ؟ قَالَ : دَعْ مَا تَكْرَه , فَإِذَا شَهِدْت فَأَجِب إذَا دُعِيت . 5001 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : الشَّاهِد بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَشْهَد . 5002 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لِإِقَامَةِ الشَّهَادَة . 5003 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ أَبِي عَامِر , عَنْ عَطَاء قَالَ : فِي إقَامَة الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر الْمُزَنِيُّ , قَالَ : سَمِعْت عَطَاء يَقُول : ذَلِكَ فِي إقَامَة الشَّهَادَة , يَعْنِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } 5004 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَرَّة , أَخْبَرَنَا عَنْ الْحَسَن : أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِل قَالَ : أُدْعَى إلَى الشَّهَادَة وَأَنَا أَكْرَه أَنْ أَشْهَد عَلَيْهَا ؟ قَالَ : فَلَا تَجِب إنْ شِئْت . 5005 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , قَالَ : سَأَلْت إبْرَاهِيم قُلْت : أُدْعَى إلَى الشَّهَادَة وَأَنَا أَخَاف أَنْ أَنْسَى ؟ قَالَ : فَلَا تَشْهَد إنْ شِئْت . 5006 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , عَنْ عَطَاء , قَالَ : لِلْإِقَامَةِ . 5007 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانُوا قَدْ شَهِدُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : هُوَ الَّذِي عِنْده الشَّهَادَة . 5008 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَقُول : لَا يَأْبَ الشَّاهِد أَنْ يَتَقَدَّم فَيَشْهَد إذَا كَانَ فَارِغًا . 5009 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } ؟ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ قَدْ شَهِدُوا . قَالَ : وَلَا يَضُرّ إنْسَانًا أَنْ يَأْبَى أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ . قُلْت لِعَطَاءٍ : مَا شَأْنه ؟ إذَا دُعِيَ أَنْ يَكْتُب وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْبَى , وَإِذَا دُعِيَ أَنْ يَشْهَد لَمْ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ ؟ قَالَ : كَذَلِكَ يَجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب , وَلَا يَجِب عَلَى الشَّاهِد أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ ; الشُّهَدَاء كَثِير . 5010 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا شَهِدَ فَلَا يَأْبَ إذَا دُعِيَ أَنْ يَأْتِي يُؤَدِّي شَهَادَة وَيُقِيمهَا . 5011 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء } قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَتَأَوَّلهَا إذَا كَانَتْ عِنْده شَهَادَة فَدُعِيَ لِيُقِيمَهَا . 5012 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَتَبَ الرَّجُل شَهَادَته , أَوْ أَشْهَد لِرَجُلٍ فَشَهِدَ , وَالْكَاتِب الَّذِي يَكْتُب الْكِتَاب ; دُعُوا إلَى مَقْطَع الْحَقّ , فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوا , وَأَنْ يَشْهَدُوا بِمَا أُشْهِدُوا عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَمْر مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الرَّجُل وَالْمَرْأَة بِالْإِجَابَةِ إذَا دُعِيَ لِيَشْهَد عَلَى مَا لَمْ يَشْهَد عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق ابْتِدَاء لَا إقَامَة الشَّهَادَة , وَلَكِنَّهُ أَمْر نَدْب لَا فَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5013 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة الْعَبْدِيّ إسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : أُمِرْت أَنْ تَشْهَد , فَإِنْ شِئْت فَاشْهَدْ , وَإِنْ شِئْت فَلَا تَشْهَد . 5014 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ مُحَمَّد بْن ثَابِت الْعَصْرِيّ , عَنْ عَطَاء , بِمِثْلِهِ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء مِنْ الْإِجَابَة إذَا دُعُوا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَة وَأَدَائِهَا عِنْد ذِي سُلْطَان أَوْ حَاكِم يَأْخُذ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ لِلَّذِي هُوَ لَهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل بِالصَّوَابِ أَوْلَى فِي ذَلِكَ مِنْ سَائِر الْأَقْوَال غَيْره , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِجَابَةِ لِلدُّعَاءِ لِلشَّهَادَةِ وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ اسْم الشُّهَدَاء , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُلْزِمهُمْ اسْم الشُّهَدَاء إلَّا وَقَدْ اُسْتُشْهِدُوا قَبْل ذَلِكَ , فَشَهِدُوا عَلَى مَا أَلْزَمَهُمْ شَهَادَتهمْ عَلَيْهِ اسْم الشُّهَدَاء , فَأَمَّا قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَدُوا عَلَى شَيْء فَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال لَهُمْ شُهَدَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْم لَوْ كَانَ يَلْزَمهُمْ وَلَمَّا يُسْتَشْهَدُوا عَلَى شَيْء يَسْتَوْجِبُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْض أَحَد لَهُ عَقْل صَحِيح إلَّا وَهُوَ مُسْتَحِقّ أَنْ يُقَال لَهُ شَاهِد , بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَشْهَدُ , أَوْ أَنَّهُ يَصْلُح لِأَنْ يَشْهَد وَإِنْ كَانَ خَطَأ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْم إلَّا مَنْ عِنْده شَهَادَة لِغَيْرِهِ , أَوْ مَنْ قَدْ قَامَ بِشَهَادَتِهِ , فَلَزِمَهُ لِذَلِكَ هَذَا الِاسْم ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } مَنْ وَصَفْنَا صِفَته مِمَّنْ قَدْ اسْتَرْعَى شَهَادَة أَوْ شَهِدَ , فَدُعِيَ إلَى الْقِيَام بِهَا , لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يُسْتَشْهَد وَلَمْ يَسْتَرْعِ شَهَادَة قَبْل الْإِشْهَاد غَيْر مُسْتَحِقّ اسْم شَهِيد وَلَا شَاهِد , لِمَا قَدْ وَصَفْنَا قَبْل . مَعَ أَنَّ فِي دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي " الشُّهَدَاء " دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّى بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْك الْإِجَابَة لِلشَّهَادَةِ أَشْخَاص مَعْلُومُونَ قَدْ عُرِفُوا بِالشَّهَادَةِ , وَأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَهْل الْحُقُوق بِاسْتِشْهَادِهِمْ بِقَوْلِهِ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُمْ إنَّمَا أُمِرُوا بِإِجَابَةِ دَاعِيهمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتهمْ بَعْد مَا اُسْتُشْهِدُوا فَشَهِدُوا ; وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لِمَنْ أَعْرَضَ مِنَ النَّاس فَدُعِيَ إلَى الشَّهَادَة يَشْهَد عَلَيْهَا لَقِيلَ : وَلَا يَأْبَ شَاهِد إذَا مَا دُعِيَ . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي نَقُول بِهِ فِي الَّذِي يُدْعَى لِشَهَادَةٍ لِيَشْهَد عَلَيْهَا إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ سِوَاهُ مِمَّنْ يَصْلُح لِلشَّهَادَةِ , فَإِنَّ الْفَرْض عَلَيْهِ إجَابَة دَاعِيه إلَيْهَا كَمَا فُرِضَ عَلَى الْكَاتِب إذَا اسْتَكْتَبَ بِمَوْضِعٍ لَا كَاتِب بِهِ سِوَاهُ , فَفَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُب , كَمَا فَرَضَ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا أَحَد بِهِ سِوَاهُ يَعْرِف الْإِيمَان وَشَرَائِع الْإِسْلَام , فَحَضَرَهُ جَاهِل بِالْإِيمَانِ وَبِفَرَائِض اللَّه فَسَأَلَهُ تَعْلِيمه , وَبَيَان ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعْلِمهُ وَيُبَيِّنهُ لَهُ . وَلَمْ نُوجِب مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الرَّجُل مِنْ الْإِجَابَة لِلشَّهَادَةِ إذَا دُعِيَ ابْتِدَاء لِيَشْهَد عَلَى مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة , وَلَكِنْ بِأَدِلَّةٍ سِوَاهَا , وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ فَرَضْنَا عَلَى الرَّجُل إحْيَاء مَا قَدَرَ عَلَى إحْيَائِهِ مِنْ حَقّ أَخِيهِ الْمُسْلِم . وَالشُّهَدَاء : جَمْع شَهِيد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَال الَّتِي نَهَى اللَّه الشُّهَدَاء عَنْ إبَاء الْإِجَابَة إذَا دُعُوا بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَا يَأْبَ الشُّهَدَاء أَنْ يُجِيبُوا إذَا دُعُوا لِيَشْهَدُوا عَلَى الْكِتَاب وَالْحُقُوق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4991 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } كَانَ الرَّجُل يَطُوف فِي الْحِوَاء الْعَظِيم فِيهِ الْقَوْم , فَيَدْعُوهُمْ إلَى الشَّهَادَة فَلَا يَتْبَعهُ أَحَد مِنْهُمْ . قَالَ : وَكَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّل هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } لِيَشْهَدُوا لِرَجُلٍ عَلَى رَجُل . 4992 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَطُوف فِي الْقَوْم الْكَثِير يَدْعُوهُمْ لِيَشْهَدُوا , فَلَا يَتْبَعهُ أَحَد مِنْهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } 4993 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لَا تَأْبَ أَنْ تَشْهَد إذَا مَا دُعِيت إلَى شَهَادَة . وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى هَؤُلَاءِ , إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِب فَرْض ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُعِيَ لِلْإِشْهَادِ عَلَى الْحُقُوق إذَا لَمْ يُوجَد غَيْره , فَأَمَّا إذَا وَجَدَ غَيْره فَهُوَ فِي الْإِجَابَة إلَى ذَلِكَ مُخَيَّر إنْ شَاءَ أَجَابَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِبْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4994 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : { لَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إنْ شَاءَ شَهِدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَد , فَإِذَا لَمْ يُوجَد غَيْره شَهِدَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا لِلشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَ الدَّاعِي إشْهَاده عَلَيْهِ , وَالْقِيَام بِمَا عِنْده مِنْ الشَّهَادَة مِنْ الْإِجَابَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4995 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْإِقَامَة وَالشَّهَادَة . 4996 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : جَمَعْت أَمْرَيْنِ لَا تَأْبَ إذَا كَانَتْ عِنْدك : شَهَادَة أَنْ تَشْهَد , وَلَا تَأْبَ إذَا دُعِيت إلَى شَهَادَة . 4997 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَعْنِي مَنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَ عَلَى شَهَادَة إنْ كَانَتْ عِنْده , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْبَى إذَا مَا دُعِيَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لِإِقَامَتِهَا , وَلَا يُبْدَأ بِهَا إذَا دَعَاهُ لِيَشْهَدهُ , وَإِذَا دَعَاهُ لِيُقِيمَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي عِنْدهمْ لِلدَّاعِي مِنْ إجَابَته إلَى الْقِيَام بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4998 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا شَهِدَ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانُوا قَدْ شَهِدُوا قَبْل ذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَقُول : إذَا كَانُوا قَدْ أُشْهِدُوا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانَتْ عِنْدك شَهَادَة فَدُعِيت . 4999 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانَتْ شَهَادَة فَأَقِمْهَا , فَإِذَا دُعِيت لِتَشْهَد , فَإِنْ شِئْت فَاذْهَبْ , وَإِنْ شِئْت فَلَا تَذْهَب . 5000 - حَدَّثَنَا سِوَار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَاح , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قُلْت لِأَبِي مِجْلَز : نَاس يَدْعُونَنِي لِأَشْهَد بَيْنهمْ , وَأَنَا أَكْرَه أَنْ أَشْهَد بَيْنهمْ ؟ قَالَ : دَعْ مَا تَكْرَه , فَإِذَا شَهِدْت فَأَجِب إذَا دُعِيت . 5001 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : الشَّاهِد بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَشْهَد . 5002 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : لِإِقَامَةِ الشَّهَادَة . 5003 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ أَبِي عَامِر , عَنْ عَطَاء قَالَ : فِي إقَامَة الشَّهَادَة . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر الْمُزَنِيُّ , قَالَ : سَمِعْت عَطَاء يَقُول : ذَلِكَ فِي إقَامَة الشَّهَادَة , يَعْنِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } 5004 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَرَّة , أَخْبَرَنَا عَنْ الْحَسَن : أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِل قَالَ : أُدْعَى إلَى الشَّهَادَة وَأَنَا أَكْرَه أَنْ أَشْهَد عَلَيْهَا ؟ قَالَ : فَلَا تَجِب إنْ شِئْت . 5005 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , قَالَ : سَأَلْت إبْرَاهِيم قُلْت : أُدْعَى إلَى الشَّهَادَة وَأَنَا أَخَاف أَنْ أَنْسَى ؟ قَالَ : فَلَا تَشْهَد إنْ شِئْت . 5006 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , عَنْ عَطَاء , قَالَ : لِلْإِقَامَةِ . 5007 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَانُوا قَدْ شَهِدُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : هُوَ الَّذِي عِنْده الشَّهَادَة . 5008 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } يَقُول : لَا يَأْبَ الشَّاهِد أَنْ يَتَقَدَّم فَيَشْهَد إذَا كَانَ فَارِغًا . 5009 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } ؟ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ قَدْ شَهِدُوا . قَالَ : وَلَا يَضُرّ إنْسَانًا أَنْ يَأْبَى أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ . قُلْت لِعَطَاءٍ : مَا شَأْنه ؟ إذَا دُعِيَ أَنْ يَكْتُب وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْبَى , وَإِذَا دُعِيَ أَنْ يَشْهَد لَمْ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ ؟ قَالَ : كَذَلِكَ يَجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب , وَلَا يَجِب عَلَى الشَّاهِد أَنْ يَشْهَد إنْ شَاءَ ; الشُّهَدَاء كَثِير . 5010 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا شَهِدَ فَلَا يَأْبَ إذَا دُعِيَ أَنْ يَأْتِي يُؤَدِّي شَهَادَة وَيُقِيمهَا . 5011 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء } قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَتَأَوَّلهَا إذَا كَانَتْ عِنْده شَهَادَة فَدُعِيَ لِيُقِيمَهَا . 5012 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : إذَا كَتَبَ الرَّجُل شَهَادَته , أَوْ أَشْهَد لِرَجُلٍ فَشَهِدَ , وَالْكَاتِب الَّذِي يَكْتُب الْكِتَاب ; دُعُوا إلَى مَقْطَع الْحَقّ , فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوا , وَأَنْ يَشْهَدُوا بِمَا أُشْهِدُوا عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَمْر مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الرَّجُل وَالْمَرْأَة بِالْإِجَابَةِ إذَا دُعِيَ لِيَشْهَد عَلَى مَا لَمْ يَشْهَد عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق ابْتِدَاء لَا إقَامَة الشَّهَادَة , وَلَكِنَّهُ أَمْر نَدْب لَا فَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5013 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة الْعَبْدِيّ إسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ فِي قَوْله : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } قَالَ : أُمِرْت أَنْ تَشْهَد , فَإِنْ شِئْت فَاشْهَدْ , وَإِنْ شِئْت فَلَا تَشْهَد . 5014 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ مُحَمَّد بْن ثَابِت الْعَصْرِيّ , عَنْ عَطَاء , بِمِثْلِهِ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء مِنْ الْإِجَابَة إذَا دُعُوا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَة وَأَدَائِهَا عِنْد ذِي سُلْطَان أَوْ حَاكِم يَأْخُذ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ لِلَّذِي هُوَ لَهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل بِالصَّوَابِ أَوْلَى فِي ذَلِكَ مِنْ سَائِر الْأَقْوَال غَيْره , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِجَابَةِ لِلدُّعَاءِ لِلشَّهَادَةِ وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ اسْم الشُّهَدَاء , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُلْزِمهُمْ اسْم الشُّهَدَاء إلَّا وَقَدْ اُسْتُشْهِدُوا قَبْل ذَلِكَ , فَشَهِدُوا عَلَى مَا أَلْزَمَهُمْ شَهَادَتهمْ عَلَيْهِ اسْم الشُّهَدَاء , فَأَمَّا قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَدُوا عَلَى شَيْء فَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال لَهُمْ شُهَدَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْم لَوْ كَانَ يَلْزَمهُمْ وَلَمَّا يُسْتَشْهَدُوا عَلَى شَيْء يَسْتَوْجِبُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْض أَحَد لَهُ عَقْل صَحِيح إلَّا وَهُوَ مُسْتَحِقّ أَنْ يُقَال لَهُ شَاهِد , بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَشْهَدُ , أَوْ أَنَّهُ يَصْلُح لِأَنْ يَشْهَد وَإِنْ كَانَ خَطَأ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْم إلَّا مَنْ عِنْده شَهَادَة لِغَيْرِهِ , أَوْ مَنْ قَدْ قَامَ بِشَهَادَتِهِ , فَلَزِمَهُ لِذَلِكَ هَذَا الِاسْم ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } مَنْ وَصَفْنَا صِفَته مِمَّنْ قَدْ اسْتَرْعَى شَهَادَة أَوْ شَهِدَ , فَدُعِيَ إلَى الْقِيَام بِهَا , لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يُسْتَشْهَد وَلَمْ يَسْتَرْعِ شَهَادَة قَبْل الْإِشْهَاد غَيْر مُسْتَحِقّ اسْم شَهِيد وَلَا شَاهِد , لِمَا قَدْ وَصَفْنَا قَبْل . مَعَ أَنَّ فِي دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي " الشُّهَدَاء " دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّى بِالنَّهْيِ عَنْ تَرْك الْإِجَابَة لِلشَّهَادَةِ أَشْخَاص مَعْلُومُونَ قَدْ عُرِفُوا بِالشَّهَادَةِ , وَأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَهْل الْحُقُوق بِاسْتِشْهَادِهِمْ بِقَوْلِهِ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُمْ إنَّمَا أُمِرُوا بِإِجَابَةِ دَاعِيهمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتهمْ بَعْد مَا اُسْتُشْهِدُوا فَشَهِدُوا ; وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لِمَنْ أَعْرَضَ مِنَ النَّاس فَدُعِيَ إلَى الشَّهَادَة يَشْهَد عَلَيْهَا لَقِيلَ : وَلَا يَأْبَ شَاهِد إذَا مَا دُعِيَ . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الَّذِي نَقُول بِهِ فِي الَّذِي يُدْعَى لِشَهَادَةٍ لِيَشْهَد عَلَيْهَا إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ سِوَاهُ مِمَّنْ يَصْلُح لِلشَّهَادَةِ , فَإِنَّ الْفَرْض عَلَيْهِ إجَابَة دَاعِيه إلَيْهَا كَمَا فُرِضَ عَلَى الْكَاتِب إذَا اسْتَكْتَبَ بِمَوْضِعٍ لَا كَاتِب بِهِ سِوَاهُ , فَفَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُب , كَمَا فَرَضَ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا أَحَد بِهِ سِوَاهُ يَعْرِف الْإِيمَان وَشَرَائِع الْإِسْلَام , فَحَضَرَهُ جَاهِل بِالْإِيمَانِ وَبِفَرَائِض اللَّه فَسَأَلَهُ تَعْلِيمه , وَبَيَان ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعْلِمهُ وَيُبَيِّنهُ لَهُ . وَلَمْ نُوجِب مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الرَّجُل مِنْ الْإِجَابَة لِلشَّهَادَةِ إذَا دُعِيَ ابْتِدَاء لِيَشْهَد عَلَى مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة , وَلَكِنْ بِأَدِلَّةٍ سِوَاهَا , وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ فَرَضْنَا عَلَى الرَّجُل إحْيَاء مَا قَدَرَ عَلَى إحْيَائِهِ مِنْ حَقّ أَخِيهِ الْمُسْلِم . وَالشُّهَدَاء : جَمْع شَهِيد .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَسْأَمُوا أَيّهَا الَّذِينَ تُدَايِنُونَ النَّاس إلَى أَجَل أَنْ تَكْتُبُوا صَغِير الْحَقّ , يَعْنِي قَلِيله أَوْ كَبِيره - يَعْنِي أَوْ كَثِيره - { إلَى أَجَله } إلَى أَجَل الْحَقّ , فَإِنَّ الْكِتَاب أَحْصَى لِلْأَجَلِ وَالْمَال . 5015 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } قَالَ : هُوَ الدَّيْن . وَمَعْنَى قَوْله : { وَلَا تَسْأَمُوا } لَا تَمَلُّوا , يُقَال مِنْهُ : سَئِمْت فَأَنَا أَسْأَم سَآمَة وَسَأْمَة , وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد : وَلَقَدْ سَئِمْت مِنَ الْحَيَاة وَطُولهَا وَسُؤَال هَذَا النَّاس : كَيْفَ لَبِيد وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : سَئِمْت تَكَالِيف الْحَيَاة وَمَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَك يَسْأَم يَعْنِي مَلَلْت . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : تَأْوِيل قَوْله : { إلَى أَجَله } إلَى أَجَل الشَّاهِد , وَمَعْنَاهُ : إلَى الْأَجَل الَّذِي تَجُوز شَهَادَته فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَسْأَمُوا أَيّهَا الَّذِينَ تُدَايِنُونَ النَّاس إلَى أَجَل أَنْ تَكْتُبُوا صَغِير الْحَقّ , يَعْنِي قَلِيله أَوْ كَبِيره - يَعْنِي أَوْ كَثِيره - { إلَى أَجَله } إلَى أَجَل الْحَقّ , فَإِنَّ الْكِتَاب أَحْصَى لِلْأَجَلِ وَالْمَال . 5015 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } قَالَ : هُوَ الدَّيْن . وَمَعْنَى قَوْله : { وَلَا تَسْأَمُوا } لَا تَمَلُّوا , يُقَال مِنْهُ : سَئِمْت فَأَنَا أَسْأَم سَآمَة وَسَأْمَة , وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد : وَلَقَدْ سَئِمْت مِنَ الْحَيَاة وَطُولهَا وَسُؤَال هَذَا النَّاس : كَيْفَ لَبِيد وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : سَئِمْت تَكَالِيف الْحَيَاة وَمَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَك يَسْأَم يَعْنِي مَلَلْت . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : تَأْوِيل قَوْله : { إلَى أَجَله } إلَى أَجَل الشَّاهِد , وَمَعْنَاهُ : إلَى الْأَجَل الَّذِي تَجُوز شَهَادَته فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِيهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ أَقْسَط عِنْد اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكُمْ اكْتِتَاب كِتَاب الدَّيْن إلَى أَجَله , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ أَقْسَط : أَعْدَل عِنْد اللَّه , يُقَال مِنْهُ : أَقْسَطَ الْحَاكِم فَهُوَ يُقْسِط إقْسَاطًا وَهُوَ مُقْسِط , إذَا عَدَلَ فِي حُكْمه , وَأَصَابَ الْحَقّ فِيهِ , فَإِذَا جَارَ قِيلَ : قَسَطَ فَهُوَ يُقْسِط قُسُوطًا , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } 72 15 يَعْنِي الْجَائِرِينَ . وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5016 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { ذَلِكُمْ أَقْسَط عِنْد اللَّه } يَقُول : أَعْدَل عِنْد اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ أَقْسَط عِنْد اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكُمْ اكْتِتَاب كِتَاب الدَّيْن إلَى أَجَله , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ أَقْسَط : أَعْدَل عِنْد اللَّه , يُقَال مِنْهُ : أَقْسَطَ الْحَاكِم فَهُوَ يُقْسِط إقْسَاطًا وَهُوَ مُقْسِط , إذَا عَدَلَ فِي حُكْمه , وَأَصَابَ الْحَقّ فِيهِ , فَإِذَا جَارَ قِيلَ : قَسَطَ فَهُوَ يُقْسِط قُسُوطًا , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } 72 15 يَعْنِي الْجَائِرِينَ . وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5016 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { ذَلِكُمْ أَقْسَط عِنْد اللَّه } يَقُول : أَعْدَل عِنْد اللَّه . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْوَم لِلشَّهَادَةِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَصْوَب لِلشَّهَادَةِ . وَأَصْله مِنَ قَوْل الْقَائِل : أَقَمْته مِنَ عِوَجه , إذَا سَوَّيْته فَاسْتَوَى . وَإِنَّمَا كَانَ الْكِتَاب أَعْدَل عِنْد اللَّه وَأَصْوَب لِشَهَادَةِ الشُّهُود عَلَى مَا فِيهِ , لِأَنَّهُ يَحْوِي الْأَلْفَاظ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا الْبَائِع وَالْمُشْتَرِي وَرَبّ الدَّيْن وَالْمُسْتَدِين عَلَى نَفْسه , فَلَا يَقَع بَيْن الشُّهُود اخْتِلَاف فِي أَلْفَاظهمْ بِشَهَادَتِهِمْ لِاجْتِمَاعِ شَهَادَتهمْ عَلَى مَا حَوَاهُ الْكِتَاب , وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شَهَادَتهمْ عَلَى ذَلِكَ , كَانَ فَصْل الْحَكَم بَيْنهمْ أَبْيَن لِمَنْ احْتَكَمَ إلَيْهِ مِنَ الْحُكَّام , مَعَ غَيْر ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَاب , وَهُوَ أَعْدَل عِنْد اللَّه , لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ , وَاتِّبَاع أَمْر اللَّه لَا شَكَّ أَنَّهُ عِنْد اللَّه أَقْسَط وَأَعْدَل مِنَ تَرْكه وَالِانْحِرَاف عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْوَم لِلشَّهَادَةِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَصْوَب لِلشَّهَادَةِ . وَأَصْله مِنَ قَوْل الْقَائِل : أَقَمْته مِنَ عِوَجه , إذَا سَوَّيْته فَاسْتَوَى . وَإِنَّمَا كَانَ الْكِتَاب أَعْدَل عِنْد اللَّه وَأَصْوَب لِشَهَادَةِ الشُّهُود عَلَى مَا فِيهِ , لِأَنَّهُ يَحْوِي الْأَلْفَاظ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا الْبَائِع وَالْمُشْتَرِي وَرَبّ الدَّيْن وَالْمُسْتَدِين عَلَى نَفْسه , فَلَا يَقَع بَيْن الشُّهُود اخْتِلَاف فِي أَلْفَاظهمْ بِشَهَادَتِهِمْ لِاجْتِمَاعِ شَهَادَتهمْ عَلَى مَا حَوَاهُ الْكِتَاب , وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شَهَادَتهمْ عَلَى ذَلِكَ , كَانَ فَصْل الْحَكَم بَيْنهمْ أَبْيَن لِمَنْ احْتَكَمَ إلَيْهِ مِنَ الْحُكَّام , مَعَ غَيْر ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَاب , وَهُوَ أَعْدَل عِنْد اللَّه , لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ , وَاتِّبَاع أَمْر اللَّه لَا شَكَّ أَنَّهُ عِنْد اللَّه أَقْسَط وَأَعْدَل مِنَ تَرْكه وَالِانْحِرَاف عَنْهُ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَدْنَى } وَأَقْرَب , مِنَ الدُّنُوّ : وَهُوَ الْقُرْب . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَنْ لَا تَرْتَابُوا } مِنَ أَنْ لَا تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَة . كَمَا : 5017 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا } يَقُول : أَنْ لَا تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَة . وَهُوَ تَفْتَعِل مِنَ الرِّيبَة . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تَمَلُّوا أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَكْتُبُوا الْحَقّ الَّذِي لَكُمْ قِبَل مَنْ دَايَنْتُمُوهُ مِنَ النَّاس إلَى أَجَل صَغِيرًا كَانَ ذَلِكَ الْحَقّ , قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا , فَإِنَّ كِتَابكُمْ ذَلِكَ أَعْدَل عِنْد اللَّه وَأَصْوَب لِشَهَادَةِ شُهُودكُمْ عَلَيْهِ , وَأَقْرَب لَكُمْ أَنْ لَا تَشُكُّوا فِيمَا شَهِدَ بِهِ شُهُودكُمْ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقّ وَالْأَجَل إذَا كَانَ مَكْتُوبًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَدْنَى } وَأَقْرَب , مِنَ الدُّنُوّ : وَهُوَ الْقُرْب . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَنْ لَا تَرْتَابُوا } مِنَ أَنْ لَا تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَة . كَمَا : 5017 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا } يَقُول : أَنْ لَا تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَة . وَهُوَ تَفْتَعِل مِنَ الرِّيبَة . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تَمَلُّوا أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَكْتُبُوا الْحَقّ الَّذِي لَكُمْ قِبَل مَنْ دَايَنْتُمُوهُ مِنَ النَّاس إلَى أَجَل صَغِيرًا كَانَ ذَلِكَ الْحَقّ , قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا , فَإِنَّ كِتَابكُمْ ذَلِكَ أَعْدَل عِنْد اللَّه وَأَصْوَب لِشَهَادَةِ شُهُودكُمْ عَلَيْهِ , وَأَقْرَب لَكُمْ أَنْ لَا تَشُكُّوا فِيمَا شَهِدَ بِهِ شُهُودكُمْ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقّ وَالْأَجَل إذَا كَانَ مَكْتُوبًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ذِكْره مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ أَنْ يَسْأَمُوهُ مِنْ اكْتِتَاب كَتْب حُقُوقهمْ عَلَى غُرَمَائِهِمْ بِالْحُقُوقِ الَّتِي لَهُمْ عَلَيْهِمْ , مَا وَجَبَ لَهُمْ قِبَلهمْ مِنْ حَقّ عَنْ مُبَايَعَة بِالنُّقُودِ الْحَاضِرَة يَدًا بِيَدٍ , فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي تَرْك اكْتِتَاب الْكَتْب بِذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ , أَعْنِي مِنْ الْبَاعَة وَالْمُشْتَرِينَ , يَقْبِض - إذَا كَانَ الْوَاجِب بَيْنهمْ فِيمَا يَتَبَايَعُونَهُ نَقْدًا - مَا وَجَبَ لَهُ قِبَل مُبَايِعِيهِ قَبْل الْمُفَارَقَة , فَلَا حَاجَة لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى اكْتِتَاب أَحَد الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْفَرِيق الْآخَر كِتَابًا بِمَا وَجَبَ لَهُمْ قِبَلهمْ وَقَدْ تَقَابَضُوا الْوَاجِب لَهُمْ عَلَيْهِمْ , فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } لَا أَجَل فِيهَا وَلَا تَأْخِير وَلَا نَسَاء , { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } يَقُول : فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا , يَعْنِي التِّجَارَة الْحَاضِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5018 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } يَقُول : مَعَكُمْ بِالْبَلَدِ تَرَوْنَهَا فَتُؤْخَذ وَتُعْطَى , فَلَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ جُنَاح أَنْ لَا يَكْتُبُوهَا . 5019 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } إلَى قَوْله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } قَالَ : أَمَرَ اللَّه أَنْ لَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَثِيرًا إلَى أَجَله , وَأَمَرَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ أَنْ يُشْهِد عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُبُوهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَعَامَّة الْقُرَّاء : " إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة " بِالرَّفْعِ , وَانْفَرَدَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ فَقَرَأَهُ بِالنَّصْبِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّة , إذْ كَانَتْ الْعَرَب تَنْصِب النَّكِرَات وَالْمَنْعُوتَات مَعَ " كَانَ " , وَتُضْمِر مَعَهَا فِي " كَانَ " مَجْهُولًا , فَتَقُول : إنْ كَانَ طَعَامًا طَيِّبًا فَأْتِنَا بِهِ , وَتَرْفَعهَا فَتَقُول : إنْ كَانَ طَعَام طَيِّب فَأْتِنَا بِهِ , فَتَتْبَع النَّكِرَة خَبَرهَا بِمِثْلِ إعْرَابهَا . فَإِنَّ الَّذِي اخْتَارَ مِنْ الْقِرَاءَة , ثُمَّ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَة بِغَيْرِهِ , الرَّفْع فِي " التِّجَارَة الْحَاضِرَة " , لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاء عَلَى ذَلِكَ , وَشُذُوذ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ نَصْبًا عَنْهُمْ , وَلَا يَعْتَرِض بِالشَّاذِّ عَلَى الْحُجَّة . وَمِمَّا جَاءَ نَصْبًا قَوْل الشَّاعِر : أَعَيْنَيَّ هَلْ تَبْكِيَانِ عِفَاقًا إذَا كَانَ طَعْنًا بَيْنهمْ وَعَنَاقًا وَقَوْل الْآخَر : وَلِلَّهِ قُومِي أَيِّ قَوْم لِحُرَّةٍ إذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِب أَشْنَعَا وَإِنَّمَا تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي النَّكِرَات لِمَا وَصَفْنَا مِنْ إتْبَاع أَخْبَار النَّكِرَات أَسْمَاءَهَا , وَكَانَ مِنْ حُكْمهَا أَنْ يَكُون مَعَهَا مَرْفُوع وَمَنْصُوب , فَإِذَا رَفَعُوهُمَا جَمِيعهمَا تَذَكَّرُوا إتْبَاع النَّكِرَة خَبَرهَا , وَإِذَا نَصَبُوهُمَا تَذَكَّرُوا صُحْبَة " كَانَ " لِمَنْصُوبٍ وَمَرْفُوع , وَوَجَدُوا النَّكِرَة يَتْبَعهَا خَبَرهَا , وَأَضْمَرُوا فِي كَانَ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِهَا الضَّمِير . وَقَدْ ظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة } إنَّمَا قَرَأَهُ عَلَى مَعْنَى : إلَّا أَنْ يَكُون تِجَارَة حَاضِرَة , فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَلْزَم قَارِئ ذَلِكَ أَنْ يَقْرَأ " يَكُون " بِالْيَاءِ , وَأَغْفَلَ مَوْضِع صَوَاب قِرَاءَته مِنْ جِهَة الْإِعْرَاب , وَأَلْزَمَهُ غَيْر مَا يَلْزَمهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إذَا جَعَلُوا مَعَ كَانَ نَكِرَة مُؤَنَّثًا بِنَعْتِهَا أَوْ خَبَرهَا , أَنَّثُوا " كَانَ " مَرَّة وَذَكَرُوهَا أُخْرَى , فَقَالُوا : إنْ كَانَتْ جَارِيَة صَغِيرَة فَاشْتَرُوهَا , وَإِنَّ كَانَ جَارِيَة صَغِيرَة فَاشْتَرُوهَا , تُذْكَر " كَانَ " وَإِنْ نُصِبَتْ النَّكِرَة الْمَنْعُوتَة أَوْ رُفِعَتْ أَحْيَانًا وَتُؤَنَّث أَحْيَانًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ قَوْله : " إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَةُ حَاضِرَةُ " مَرْفُوعَة فِيهِ التِّجَارَة الْحَاضِرَة لِأَنَّ يَكُون بِمَعْنَى التَّمَام , وَلَا حَاجَة بِهَا إلَى الْخَبَر , بِمَعْنَى : إلَّا أَنْ تُوجَد أَوْ تَقَع أَوْ تَحْدُث , فَأَلْزَم نَفْسه مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَازِمًا , لِأَنَّهُ إنَّمَا أَلْزَمَ نَفْسه ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ يَجِد لَكَانَ مَنْصُوبًا , وَوَجَدَ التِّجَارَة الْحَاضِرَة مَرْفُوعَة , وَأَغْفَلَ جَوَاز قَوْله : { تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } أَنْ يَكُون خَبَرًا " ل " كَانَ , فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ إلْزَام نَفْسه مَا أَلْزَمَ . وَاَلَّذِي قَالَ مَنْ حَكَمْنَا قَوْله مِنْ الْبَصْرِيِّينَ غَيْر خَطَأ فِي الْعَرَبِيَّة , غَيْر أَنَّ الَّذِي قُلْنَا بِكَلَامِ الْعَرَب أَشْبَه , وَفِي الْمَعْنَى أَصَحّ , وَهُوَ أَنْ يَكُون فِي قَوْله : { تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى أَنَّهُ حَلَّ مَحَلّ خَبَر " كَانَ " , وَالتِّجَارَة الْحَاضِرَة اسْمهَا . وَالْآخَر : أَنَّهُ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إتْبَاع التِّجَارَة الْحَاضِرَة , لِأَنَّ خَبَر النَّكِرَة يَتْبَعهَا , فَيَكُون تَأْوِيله : إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة دَائِرَة بَيْنكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ذِكْره مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ أَنْ يَسْأَمُوهُ مِنْ اكْتِتَاب كَتْب حُقُوقهمْ عَلَى غُرَمَائِهِمْ بِالْحُقُوقِ الَّتِي لَهُمْ عَلَيْهِمْ , مَا وَجَبَ لَهُمْ قِبَلهمْ مِنْ حَقّ عَنْ مُبَايَعَة بِالنُّقُودِ الْحَاضِرَة يَدًا بِيَدٍ , فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي تَرْك اكْتِتَاب الْكَتْب بِذَلِكَ ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ , أَعْنِي مِنْ الْبَاعَة وَالْمُشْتَرِينَ , يَقْبِض - إذَا كَانَ الْوَاجِب بَيْنهمْ فِيمَا يَتَبَايَعُونَهُ نَقْدًا - مَا وَجَبَ لَهُ قِبَل مُبَايِعِيهِ قَبْل الْمُفَارَقَة , فَلَا حَاجَة لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى اكْتِتَاب أَحَد الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْفَرِيق الْآخَر كِتَابًا بِمَا وَجَبَ لَهُمْ قِبَلهمْ وَقَدْ تَقَابَضُوا الْوَاجِب لَهُمْ عَلَيْهِمْ , فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } لَا أَجَل فِيهَا وَلَا تَأْخِير وَلَا نَسَاء , { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } يَقُول : فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا , يَعْنِي التِّجَارَة الْحَاضِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5018 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } يَقُول : مَعَكُمْ بِالْبَلَدِ تَرَوْنَهَا فَتُؤْخَذ وَتُعْطَى , فَلَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ جُنَاح أَنْ لَا يَكْتُبُوهَا . 5019 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَله } إلَى قَوْله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } قَالَ : أَمَرَ اللَّه أَنْ لَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَثِيرًا إلَى أَجَله , وَأَمَرَ مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ أَنْ يُشْهِد عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُبُوهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَعَامَّة الْقُرَّاء : " إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة " بِالرَّفْعِ , وَانْفَرَدَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ فَقَرَأَهُ بِالنَّصْبِ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّة , إذْ كَانَتْ الْعَرَب تَنْصِب النَّكِرَات وَالْمَنْعُوتَات مَعَ " كَانَ " , وَتُضْمِر مَعَهَا فِي " كَانَ " مَجْهُولًا , فَتَقُول : إنْ كَانَ طَعَامًا طَيِّبًا فَأْتِنَا بِهِ , وَتَرْفَعهَا فَتَقُول : إنْ كَانَ طَعَام طَيِّب فَأْتِنَا بِهِ , فَتَتْبَع النَّكِرَة خَبَرهَا بِمِثْلِ إعْرَابهَا . فَإِنَّ الَّذِي اخْتَارَ مِنْ الْقِرَاءَة , ثُمَّ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَة بِغَيْرِهِ , الرَّفْع فِي " التِّجَارَة الْحَاضِرَة " , لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاء عَلَى ذَلِكَ , وَشُذُوذ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ نَصْبًا عَنْهُمْ , وَلَا يَعْتَرِض بِالشَّاذِّ عَلَى الْحُجَّة . وَمِمَّا جَاءَ نَصْبًا قَوْل الشَّاعِر : أَعَيْنَيَّ هَلْ تَبْكِيَانِ عِفَاقًا إذَا كَانَ طَعْنًا بَيْنهمْ وَعَنَاقًا وَقَوْل الْآخَر : وَلِلَّهِ قُومِي أَيِّ قَوْم لِحُرَّةٍ إذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِب أَشْنَعَا وَإِنَّمَا تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي النَّكِرَات لِمَا وَصَفْنَا مِنْ إتْبَاع أَخْبَار النَّكِرَات أَسْمَاءَهَا , وَكَانَ مِنْ حُكْمهَا أَنْ يَكُون مَعَهَا مَرْفُوع وَمَنْصُوب , فَإِذَا رَفَعُوهُمَا جَمِيعهمَا تَذَكَّرُوا إتْبَاع النَّكِرَة خَبَرهَا , وَإِذَا نَصَبُوهُمَا تَذَكَّرُوا صُحْبَة " كَانَ " لِمَنْصُوبٍ وَمَرْفُوع , وَوَجَدُوا النَّكِرَة يَتْبَعهَا خَبَرهَا , وَأَضْمَرُوا فِي كَانَ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِهَا الضَّمِير . وَقَدْ ظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة } إنَّمَا قَرَأَهُ عَلَى مَعْنَى : إلَّا أَنْ يَكُون تِجَارَة حَاضِرَة , فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَلْزَم قَارِئ ذَلِكَ أَنْ يَقْرَأ " يَكُون " بِالْيَاءِ , وَأَغْفَلَ مَوْضِع صَوَاب قِرَاءَته مِنْ جِهَة الْإِعْرَاب , وَأَلْزَمَهُ غَيْر مَا يَلْزَمهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إذَا جَعَلُوا مَعَ كَانَ نَكِرَة مُؤَنَّثًا بِنَعْتِهَا أَوْ خَبَرهَا , أَنَّثُوا " كَانَ " مَرَّة وَذَكَرُوهَا أُخْرَى , فَقَالُوا : إنْ كَانَتْ جَارِيَة صَغِيرَة فَاشْتَرُوهَا , وَإِنَّ كَانَ جَارِيَة صَغِيرَة فَاشْتَرُوهَا , تُذْكَر " كَانَ " وَإِنْ نُصِبَتْ النَّكِرَة الْمَنْعُوتَة أَوْ رُفِعَتْ أَحْيَانًا وَتُؤَنَّث أَحْيَانًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ قَوْله : " إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَةُ حَاضِرَةُ " مَرْفُوعَة فِيهِ التِّجَارَة الْحَاضِرَة لِأَنَّ يَكُون بِمَعْنَى التَّمَام , وَلَا حَاجَة بِهَا إلَى الْخَبَر , بِمَعْنَى : إلَّا أَنْ تُوجَد أَوْ تَقَع أَوْ تَحْدُث , فَأَلْزَم نَفْسه مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَازِمًا , لِأَنَّهُ إنَّمَا أَلْزَمَ نَفْسه ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ يَجِد لَكَانَ مَنْصُوبًا , وَوَجَدَ التِّجَارَة الْحَاضِرَة مَرْفُوعَة , وَأَغْفَلَ جَوَاز قَوْله : { تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } أَنْ يَكُون خَبَرًا " ل " كَانَ , فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ إلْزَام نَفْسه مَا أَلْزَمَ . وَاَلَّذِي قَالَ مَنْ حَكَمْنَا قَوْله مِنْ الْبَصْرِيِّينَ غَيْر خَطَأ فِي الْعَرَبِيَّة , غَيْر أَنَّ الَّذِي قُلْنَا بِكَلَامِ الْعَرَب أَشْبَه , وَفِي الْمَعْنَى أَصَحّ , وَهُوَ أَنْ يَكُون فِي قَوْله : { تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى أَنَّهُ حَلَّ مَحَلّ خَبَر " كَانَ " , وَالتِّجَارَة الْحَاضِرَة اسْمهَا . وَالْآخَر : أَنَّهُ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إتْبَاع التِّجَارَة الْحَاضِرَة , لِأَنَّ خَبَر النَّكِرَة يَتْبَعهَا , فَيَكُون تَأْوِيله : إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة دَائِرَة بَيْنكُمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَشْهِدُوا عَلَى صَغِير مَا تَبَايَعْتُمْ وَكَبِيره مِنْ حُقُوقكُمْ , عَاجِل ذَلِكَ وَآجِله , وَنَقْده وَنَسَائِهِ , فَإِنَّ إرْخَاصِي لَكُمْ فِي تَرْك اكْتِتَاب الْكُتُب بَيْنكُمْ فِيمَا كَانَ مِنْ حُقُوق تَجْرِي بَيْنكُمْ لِبَعْضِكُمْ مِنْ قِبَل بَعْض عَنْ تِجَارَة حَاضِرَة دَائِرَة بَيْنكُمْ يَدًا بِيَدٍ وَنَقْدًا لَيْسَ بِإِرْخَاصٍ مِنِّي لَكُمْ فِي تَرْك الْإِشْهَاد مِنْكُمْ عَلَى مَنْ بِعْتُمُوهُ شَيْئًا أَوْ ابْتَعْتُمْ مِنْهُ , لِأَنَّ فِي تَرْككُمْ الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ خَوْف الْمَضَرَّة عَلَى كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . أَمَّا عَلَى الْمُشْتَرِي فَأَنْ يَجْحَد الْبَائِع الْمَبِيع , وَلَهُ بَيِّنَة عَلَى مِلْكه مَا قَدْ بَاعَ , وَلَا بَيِّنَة لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى الشِّرَاء مِنْهُ فَيَكُون الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل الْبَائِع مَعَ يَمِينه وَيَقْضِي لَهُ بِهِ , فَيَذْهَب مَال الْمُشْتَرِي بَاطِلًا . وَأَمَّا عَلَى الْبَائِع فَأَنْ يَجْحَد الْمُشْتَرِي الشِّرَاء , وَقَدْ زَالَ مِلْك الْبَائِع عَمَّا بَاعَ , وَوَجَبَ لَهُ قِبَل الْمُبْتَاع ثَمَن مَا بَاعَ , فَيَحْلِف عَلَى ذَلِكَ فَيَبْطُل حَقّ الْبَائِع قِبَل الْمُشْتَرِي مِنْ ثَمَن مَا بَاعَهُ . فَأَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْفَرِيقَيْنِ بِالْإِشْهَادِ , لِئَلَّا يَضِيع حَقّ أَحَد الْفَرِيقَيْنِ قِبَل الْفَرِيق الْآخَر . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَهُوَ أَمْر مِنْ اللَّه وَاجِب بِالْإِشْهَادِ عِنْد الْمُبَايَعَة , أَمْ هُوَ نَدْب ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ نَدْب إنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5020 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ الْحَسَن وَشَقِيق , عَنْ رَجُل , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } قَالَ : إنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد , أَلَمْ تَسْمَع إلَى قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ؟ 5021 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا الرَّبِيع بْن صُبَيْح , قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } ؟ قَالَ : إنْ أَشْهَدْت عَلَيْهِ فَهُوَ ثِقَة لِلَّذِي لَك , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد عَلَيْهِ فَلَا بَأْس . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن صُبَيْح , قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيد قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَبِيع الرَّجُل وَأَنَا أَعْلَم أَنَّهُ لَا يَنْقُد فِي شَهْرَيْنِ وَلَا ثَلَاثَة , أَتَرَى بَأْسًا أَلَّا أُشْهِد عَلَيْهِ ؟ قَالَ : إنْ أَشْهَدْت فَهُوَ ثِقَة لِلَّذِي لَك , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد فَلَا بَأْس . 5022 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } قَالَ : إنْ شَاءُوا أَشْهَدُوا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُشْهِدُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ وَاجِب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5023 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } وَلَكِنْ أَشْهِدُوا عَلَيْهَا إذَا تَبَايَعْتُمْ أَمَرَ اللَّه مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ , أَنْ يُشْهِدُوا عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا . 5024 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : مَا كَانَ مِنْ بَيْع حَاضِر , فَإِنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد . وَمَا كَانَ مِنْ بَيْع إلَى أَجَل , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ يَكْتُب وَيُشْهِد عَلَيْهِ , وَذَلِكَ فِي الْمُقَام . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , أَنَّ الْإِشْهَاد عَلَى كُلّ مَبِيع وَمُشْتَرَى حَقّ وَاجِب وَفَرْض لَازِم , لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ كُلّ أَمْر لِلَّهِ فَفَرْض , إلَّا مَا قَامَتْ حُجَّته مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِأَنَّهُ نَدْب وَإِرْشَاد . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وَهْي قَوْل مَنْ قَالَ ذَلِكَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } فِيمَا مَضَى فَأَغْنَى عَنْ إعَادَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَشْهِدُوا عَلَى صَغِير مَا تَبَايَعْتُمْ وَكَبِيره مِنْ حُقُوقكُمْ , عَاجِل ذَلِكَ وَآجِله , وَنَقْده وَنَسَائِهِ , فَإِنَّ إرْخَاصِي لَكُمْ فِي تَرْك اكْتِتَاب الْكُتُب بَيْنكُمْ فِيمَا كَانَ مِنْ حُقُوق تَجْرِي بَيْنكُمْ لِبَعْضِكُمْ مِنْ قِبَل بَعْض عَنْ تِجَارَة حَاضِرَة دَائِرَة بَيْنكُمْ يَدًا بِيَدٍ وَنَقْدًا لَيْسَ بِإِرْخَاصٍ مِنِّي لَكُمْ فِي تَرْك الْإِشْهَاد مِنْكُمْ عَلَى مَنْ بِعْتُمُوهُ شَيْئًا أَوْ ابْتَعْتُمْ مِنْهُ , لِأَنَّ فِي تَرْككُمْ الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ خَوْف الْمَضَرَّة عَلَى كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . أَمَّا عَلَى الْمُشْتَرِي فَأَنْ يَجْحَد الْبَائِع الْمَبِيع , وَلَهُ بَيِّنَة عَلَى مِلْكه مَا قَدْ بَاعَ , وَلَا بَيِّنَة لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى الشِّرَاء مِنْهُ فَيَكُون الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل الْبَائِع مَعَ يَمِينه وَيَقْضِي لَهُ بِهِ , فَيَذْهَب مَال الْمُشْتَرِي بَاطِلًا . وَأَمَّا عَلَى الْبَائِع فَأَنْ يَجْحَد الْمُشْتَرِي الشِّرَاء , وَقَدْ زَالَ مِلْك الْبَائِع عَمَّا بَاعَ , وَوَجَبَ لَهُ قِبَل الْمُبْتَاع ثَمَن مَا بَاعَ , فَيَحْلِف عَلَى ذَلِكَ فَيَبْطُل حَقّ الْبَائِع قِبَل الْمُشْتَرِي مِنْ ثَمَن مَا بَاعَهُ . فَأَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْفَرِيقَيْنِ بِالْإِشْهَادِ , لِئَلَّا يَضِيع حَقّ أَحَد الْفَرِيقَيْنِ قِبَل الْفَرِيق الْآخَر . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَهُوَ أَمْر مِنْ اللَّه وَاجِب بِالْإِشْهَادِ عِنْد الْمُبَايَعَة , أَمْ هُوَ نَدْب ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ نَدْب إنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5020 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ الْحَسَن وَشَقِيق , عَنْ رَجُل , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } قَالَ : إنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد , أَلَمْ تَسْمَع إلَى قَوْله : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } ؟ 5021 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا الرَّبِيع بْن صُبَيْح , قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } ؟ قَالَ : إنْ أَشْهَدْت عَلَيْهِ فَهُوَ ثِقَة لِلَّذِي لَك , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد عَلَيْهِ فَلَا بَأْس . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن صُبَيْح , قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيد قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَبِيع الرَّجُل وَأَنَا أَعْلَم أَنَّهُ لَا يَنْقُد فِي شَهْرَيْنِ وَلَا ثَلَاثَة , أَتَرَى بَأْسًا أَلَّا أُشْهِد عَلَيْهِ ؟ قَالَ : إنْ أَشْهَدْت فَهُوَ ثِقَة لِلَّذِي لَك , وَإِنْ لَمْ تُشْهِد فَلَا بَأْس . 5022 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } قَالَ : إنْ شَاءُوا أَشْهَدُوا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُشْهِدُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِشْهَاد عَلَى ذَلِكَ وَاجِب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5023 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة حَاضِرَة تُدِيرُونَهَا بَيْنكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا } وَلَكِنْ أَشْهِدُوا عَلَيْهَا إذَا تَبَايَعْتُمْ أَمَرَ اللَّه مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ , أَنْ يُشْهِدُوا عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا . 5024 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : مَا كَانَ مِنْ بَيْع حَاضِر , فَإِنْ شَاءَ أَشْهَدَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُشْهِد . وَمَا كَانَ مِنْ بَيْع إلَى أَجَل , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ يَكْتُب وَيُشْهِد عَلَيْهِ , وَذَلِكَ فِي الْمُقَام . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , أَنَّ الْإِشْهَاد عَلَى كُلّ مَبِيع وَمُشْتَرَى حَقّ وَاجِب وَفَرْض لَازِم , لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ كُلّ أَمْر لِلَّهِ فَفَرْض , إلَّا مَا قَامَتْ حُجَّته مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِأَنَّهُ نَدْب وَإِرْشَاد . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وَهْي قَوْل مَنْ قَالَ ذَلِكَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَته } فِيمَا مَضَى فَأَغْنَى عَنْ إعَادَته .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ نَهْي مِنْ اللَّه لِكَاتِبِ الْكِتَاب بَيْن أَهْل الْحُقُوق وَالشَّهِيد أَنْ يُضَارّ أَهْله , فَيَكْتُب هَذَا مَا لَمْ يُمْلِلْهُ الْمُمْلِي , وَيَشْهَد هَذَا بِمَا لَمْ يَسْتَشْهِدهُ الشَّهِيد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5025 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } وَلَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب مَا لَمْ يُمِلّ عَلَيْهِ , وَلَا شَهِيد فَيَشْهَد بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَد . 5026 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيُرِيد شَيْئًا أَوْ يُحَرِّف , وَلَا شَهِيد , قَالَ : لَا يَكْتُم الشَّهَادَة . وَلَا يَشْهَد إلَّا بِحَقٍّ . 5027 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : اتَّقَى اللَّه شَاهِد فِي شَهَادَته لَا يُنْقِص مِنْهَا حَقًّا وَلَا يَزِيد فِيهَا بَاطِلًا . اتَّقَى اللَّه كَاتِب فِي كِتَابه , فَلَا يَدَعَن مِنْهُ حَقًّا وَلَا يَزِيدَن فِيهِ بَاطِلًا . 5028 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب مَا لَمْ يُمْلِلْ , وَلَا شَهِيد فَيَشْهَد بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ نَحْوه . 5029 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أُمْلِيَ عَلَيْهِ , قَالَ : وَالْكِتَاب يَوْمئِذٍ قَلِيل , وَلَا يَدْرُونَ أَيّ شَيْء يَكْتُب , فَيُضَارّ , فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أُمْلِيَ عَلَيْهِ , فَيُبْطِل حَقّهمْ . قَالَ : وَالشَّهِيد : يُضَارّ فَيُحَوِّل شَهَادَته , فَيُبْطِل حَقّهمْ . فَأَصْل الْكَلِمَة عَلَى تَأْوِيل مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ : وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد , ثُمَّ أُدْغِمَتْ الرَّاء فِي الرَّاء لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْس وَحُرِّكَتْ إلَى الْفَتْح وَمَوْضِعهَا جَزْم ; لِأَنَّ الْفَتْح أَخَفّ الْحَرَكَات . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ تَأَوَّلَ هَذِهِ الْكَلِمَة هَذَا التَّأْوِيل : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد بِالِامْتِنَاعِ عَمَّنْ دَعَاهُمَا إلَى أَدَاء مَا عِنْدهمَا مِنْ الْعِلْم أَوْ الشَّهَادَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5030 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : أَنْ يُؤَدِّيَا مَا قَبْلهمَا . 5031 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : " لَا يُضَارّ " أَنْ يُؤَدِّيَا مَا عِنْدهمَا مِنْ الْعِلْم . 5032 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { لَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : أَنْ يَدْعُوهُمَا فَيَقُولَانِ : إنَّ لَنَا حَاجَة . 5033 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء وَمُجَاهِد : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَا : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب , { وَلَا شَهِيد } قَالَا : إذَا كَانَ قَدْ شَهِدَا قَبْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ الْمُسْتَكْتَب وَالْمُسْتَشْهَد الْكَاتِب وَالشَّهِيد . وَتَأْوِيل الْكَلِمَة عَلَى مَذْهَبهمْ : وَلَا يُضَارَرْ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5034 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرو , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : كَانَ عُمَر يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد " . 5035 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , قَالَ : كَانَ ابْن مَسْعُود يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ " . 5036 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد " , وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيلهَا : يَنْطَلِق الَّذِي لَهُ الْحَقّ فَيَدْعُو كَاتِبه وَشَاهِده إلَى أَنْ يَشْهَد , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُون فِي شَغْل أَوْ حَاجَة لِيُؤَثِّمهُ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِشَغْلِهِ وَحَاجَته . وَقَالَ مُجَاهِد : لَا يَقُمْ عَنْ شَغْله وَحَاجَته , فَيَجِد فِي نَفْسه أَوْ يُحْرَج . 5037 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } وَالضِّرَار : أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ وَهُوَ عَنْهُ غَنِيّ : إنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَك أَنْ لَا تَأْتِي إذَا دُعِيت , فَيُضَارّهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مُكْتَفٍ بِغَيْرِهِ . فَنَهَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ , وَقَالَ : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } 5038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : إنَّهُ يَكُون لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِد حَاجَة لَيْسَ مِنْهَا بُدّ , فَيَقُول : خَلُّوا سَبِيله . 5039 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : يَكُون بِهِ الْعِلَّة , أَوْ يَكُون مَشْغُولًا . يَقُول : فَلَا يُضَارّهُ . 5040 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : لَا يَأْتِ الرَّجُل فَيَقُول : انْطَلِقْ فَاكْتُبْ لِي وَاشْهَدْ لِي , فَيَقُول : إنَّ لِي حَاجَة فَالْتَمِسْ غَيْرِي , فَيَقُول : اتَّقِ اللَّه فَإِنَّك قَدْ أُمِرْت أَنْ تَكْتُب لِي . فَهَذِهِ الْمُضَارَّة ; وَيَقُول : دَعْهُ وَالْتَمِسْ غَيْره , وَالشَّاهِد بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة . 5041 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : يَدْعُو الرَّجُل الْكَاتِب أَوْ الشَّهِيد , فَيَقُول الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد : إنَّ لَنَا حَاجَة ! فَيَقُول الَّذِي يَدْعُوهُمَا : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا فِي الْكِتَابَة وَالشَّهَادَة ! يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضَارّهُمَا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } هُوَ الرَّجُل يَدْعُو الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد وَهُمَا عَلَى حَاجَة مُهِمَّة , فَيَقُولَانِ : إنَّا عَلَى حَاجَة مُهِمَّة , فَاطْلُبْ غَيْرنَا ! فَيَقُول : اللَّه أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا , فَأَمَرَهُ أَنْ يَطْلُب غَيْرهمَا وَلَا يُضَارّهُمَا , يَعْنِي لَا يَشْغَلهُمَا عَنْ حَاجَتهمَا الْمُهِمَّة وَهُوَ يَجِد غَيْرهمَا . 5042 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْتَرِض رَجُلًا لَهُ حَاجَة فَتُضَارّهُ فَتَقُول لَهُ : اُكْتُبْ لِي ! فَلَا تَتْرُكهُ حَتَّى يَكْتُب لَك وَتُفَوِّتهُ حَاجَته . وَلَا شَاهِدًا مِنْ شُهُودك وَهُوَ مَشْغُول , فَتَقُول : اذْهَبْ فَاشْهَدْ لِي تَحْبِسهُ عَنْ حَاجَته , وَأَنْتَ تَجِد غَيْره . 5043 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } كَانَ أَحَدهمْ يَجِيء إلَى الْكَاتِب فَيَقُول : اُكْتُبْ لِي ! فَيَقُول : إنِّي مَشْغُول أَوْ لِي حَاجَة , فَانْطَلِقْ إلَى غَيْرِي ! فَيَلْزَمهُ وَيَقُول : إنَّك قَدْ أُمِرْت أَنْ تَكْتُب لِي . فَلَا يَدْعُهُ وَيُضَارّهُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَجِد غَيْره . وَيَأْتِي الرَّجُل فَيَقُول : انْطَلِقْ مَعِي ! فَيَقُول : اذْهَبْ إلَى غَيْرِي فَإِنِّي مَشْغُول أَوْ لِي حَاجَة , فَيَلْزَمهُ وَيَقُول : قَدْ أُمِرْت أَنْ تَتْبَعنِي . فَيُضَارّهُ بِذَلِكَ , وَهُوَ يَجِد غَيْره , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } 5044 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : إنَّ لِي حَاجَة فَدَعْنِي ! فَيَقُول : اُكْتُبْ لِي . " وَلَا شَهِيد " كَذَلِكَ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد , بِمَعْنَى : وَلَا يُضَارّهُمَا مَنْ اسْتَكْتَبَ هَذَا أَوْ اسْتَشْهَدَ هَذَا بِأَنْ يَأْبَى عَلَى هَذَا إلَّا أَنْ يَكْتُب لَهُ وَهُوَ مَشْغُول بِأَمْرِ نَفْسه , وَيَأْبَى عَلَى هَذَا إلَّا أَنْ يُجِيب إلَى الشَّهَادَة وَهُوَ غَيْر فَارِغ , عَلَى مَا قَالَهُ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْل . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ الْخِطَاب مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ مُبْتَدَئِهَا إلَى انْقِضَائِهَا عَلَى وَجْه افْعَلُوا أَوْ لَا تَفْعَلُوا , إنَّمَا هُوَ خِطَاب لِأَهْلِ الْحُقُوق وَالْمَكْتُوب بَيْنهمْ الْكِتَاب وَالْمَشْهُود لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ بِاَلَّذِي تَدَايَنُوهُ بَيْنهمْ مِنْ الدُّيُون . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْر أَوْ نَهْي فِيهَا لِغَيْرِهِمْ , فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْه الْأَمْر وَالنَّهْي لِلْغَائِبِ غَيْر الْمُخَاطَب كَقَوْلِهِ : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب } وَكَقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ , فَالْوَاجِب إذَا كَانَ الْمَأْمُورُونَ فِيهَا مُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } أَشْبَه مِنْهُ بِأَنْ يَكُون مَرْدُودًا عَلَى الْكَاتِب وَالشَّهِيد , وَمَعَ ذَلِكَ إنَّ الْكَاتِب وَالشَّهِيد لَوْ كَانَا هُمَا الْمَنْهِيَّيْنِ عَنْ الضِّرَار لَقِيلَ : وَإِنْ يَفْعَلَا فَإِنَّهُ فُسُوق بِهِمَا , لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ , وَإِنَّمَا غَيْر مُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ } بَلْ النَّهْي بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ } نَهْي لِلْغَائِبِ غَيْر الْمُخَاطَب . فَتَوْجِيه الْكَلَام إلَى مَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا فِي سِيَاق الْآيَة , أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهه إلَى مَا كَانَ مُنْعَدِلًا عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ نَهْي مِنْ اللَّه لِكَاتِبِ الْكِتَاب بَيْن أَهْل الْحُقُوق وَالشَّهِيد أَنْ يُضَارّ أَهْله , فَيَكْتُب هَذَا مَا لَمْ يُمْلِلْهُ الْمُمْلِي , وَيَشْهَد هَذَا بِمَا لَمْ يَسْتَشْهِدهُ الشَّهِيد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5025 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } وَلَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب مَا لَمْ يُمِلّ عَلَيْهِ , وَلَا شَهِيد فَيَشْهَد بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَد . 5026 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيُرِيد شَيْئًا أَوْ يُحَرِّف , وَلَا شَهِيد , قَالَ : لَا يَكْتُم الشَّهَادَة . وَلَا يَشْهَد إلَّا بِحَقٍّ . 5027 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : اتَّقَى اللَّه شَاهِد فِي شَهَادَته لَا يُنْقِص مِنْهَا حَقًّا وَلَا يَزِيد فِيهَا بَاطِلًا . اتَّقَى اللَّه كَاتِب فِي كِتَابه , فَلَا يَدَعَن مِنْهُ حَقًّا وَلَا يَزِيدَن فِيهِ بَاطِلًا . 5028 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب مَا لَمْ يُمْلِلْ , وَلَا شَهِيد فَيَشْهَد بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ نَحْوه . 5029 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَا يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أُمْلِيَ عَلَيْهِ , قَالَ : وَالْكِتَاب يَوْمئِذٍ قَلِيل , وَلَا يَدْرُونَ أَيّ شَيْء يَكْتُب , فَيُضَارّ , فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أُمْلِيَ عَلَيْهِ , فَيُبْطِل حَقّهمْ . قَالَ : وَالشَّهِيد : يُضَارّ فَيُحَوِّل شَهَادَته , فَيُبْطِل حَقّهمْ . فَأَصْل الْكَلِمَة عَلَى تَأْوِيل مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ : وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد , ثُمَّ أُدْغِمَتْ الرَّاء فِي الرَّاء لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْس وَحُرِّكَتْ إلَى الْفَتْح وَمَوْضِعهَا جَزْم ; لِأَنَّ الْفَتْح أَخَفّ الْحَرَكَات . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ تَأَوَّلَ هَذِهِ الْكَلِمَة هَذَا التَّأْوِيل : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد بِالِامْتِنَاعِ عَمَّنْ دَعَاهُمَا إلَى أَدَاء مَا عِنْدهمَا مِنْ الْعِلْم أَوْ الشَّهَادَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5030 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : أَنْ يُؤَدِّيَا مَا قَبْلهمَا . 5031 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : " لَا يُضَارّ " أَنْ يُؤَدِّيَا مَا عِنْدهمَا مِنْ الْعِلْم . 5032 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد , عَنْ مِقْسَم , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { لَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : أَنْ يَدْعُوهُمَا فَيَقُولَانِ : إنَّ لَنَا حَاجَة . 5033 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء وَمُجَاهِد : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَا : وَاجِب عَلَى الْكَاتِب أَنْ يَكْتُب , { وَلَا شَهِيد } قَالَا : إذَا كَانَ قَدْ شَهِدَا قَبْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ الْمُسْتَكْتَب وَالْمُسْتَشْهَد الْكَاتِب وَالشَّهِيد . وَتَأْوِيل الْكَلِمَة عَلَى مَذْهَبهمْ : وَلَا يُضَارَرْ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5034 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرو , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : كَانَ عُمَر يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد " . 5035 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , قَالَ : كَانَ ابْن مَسْعُود يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ " . 5036 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا يُضَارَرْ كَاتِب وَلَا شَهِيد " , وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيلهَا : يَنْطَلِق الَّذِي لَهُ الْحَقّ فَيَدْعُو كَاتِبه وَشَاهِده إلَى أَنْ يَشْهَد , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُون فِي شَغْل أَوْ حَاجَة لِيُؤَثِّمهُ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِشَغْلِهِ وَحَاجَته . وَقَالَ مُجَاهِد : لَا يَقُمْ عَنْ شَغْله وَحَاجَته , فَيَجِد فِي نَفْسه أَوْ يُحْرَج . 5037 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } وَالضِّرَار : أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ وَهُوَ عَنْهُ غَنِيّ : إنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَك أَنْ لَا تَأْتِي إذَا دُعِيت , فَيُضَارّهُ بِذَلِكَ وَهُوَ مُكْتَفٍ بِغَيْرِهِ . فَنَهَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ , وَقَالَ : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } 5038 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : إنَّهُ يَكُون لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِد حَاجَة لَيْسَ مِنْهَا بُدّ , فَيَقُول : خَلُّوا سَبِيله . 5039 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : يَكُون بِهِ الْعِلَّة , أَوْ يَكُون مَشْغُولًا . يَقُول : فَلَا يُضَارّهُ . 5040 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : لَا يَأْتِ الرَّجُل فَيَقُول : انْطَلِقْ فَاكْتُبْ لِي وَاشْهَدْ لِي , فَيَقُول : إنَّ لِي حَاجَة فَالْتَمِسْ غَيْرِي , فَيَقُول : اتَّقِ اللَّه فَإِنَّك قَدْ أُمِرْت أَنْ تَكْتُب لِي . فَهَذِهِ الْمُضَارَّة ; وَيَقُول : دَعْهُ وَالْتَمِسْ غَيْره , وَالشَّاهِد بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة . 5041 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : يَدْعُو الرَّجُل الْكَاتِب أَوْ الشَّهِيد , فَيَقُول الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد : إنَّ لَنَا حَاجَة ! فَيَقُول الَّذِي يَدْعُوهُمَا : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا فِي الْكِتَابَة وَالشَّهَادَة ! يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضَارّهُمَا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } هُوَ الرَّجُل يَدْعُو الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد وَهُمَا عَلَى حَاجَة مُهِمَّة , فَيَقُولَانِ : إنَّا عَلَى حَاجَة مُهِمَّة , فَاطْلُبْ غَيْرنَا ! فَيَقُول : اللَّه أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا , فَأَمَرَهُ أَنْ يَطْلُب غَيْرهمَا وَلَا يُضَارّهُمَا , يَعْنِي لَا يَشْغَلهُمَا عَنْ حَاجَتهمَا الْمُهِمَّة وَهُوَ يَجِد غَيْرهمَا . 5042 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْتَرِض رَجُلًا لَهُ حَاجَة فَتُضَارّهُ فَتَقُول لَهُ : اُكْتُبْ لِي ! فَلَا تَتْرُكهُ حَتَّى يَكْتُب لَك وَتُفَوِّتهُ حَاجَته . وَلَا شَاهِدًا مِنْ شُهُودك وَهُوَ مَشْغُول , فَتَقُول : اذْهَبْ فَاشْهَدْ لِي تَحْبِسهُ عَنْ حَاجَته , وَأَنْتَ تَجِد غَيْره . 5043 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه } كَانَ أَحَدهمْ يَجِيء إلَى الْكَاتِب فَيَقُول : اُكْتُبْ لِي ! فَيَقُول : إنِّي مَشْغُول أَوْ لِي حَاجَة , فَانْطَلِقْ إلَى غَيْرِي ! فَيَلْزَمهُ وَيَقُول : إنَّك قَدْ أُمِرْت أَنْ تَكْتُب لِي . فَلَا يَدْعُهُ وَيُضَارّهُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَجِد غَيْره . وَيَأْتِي الرَّجُل فَيَقُول : انْطَلِقْ مَعِي ! فَيَقُول : اذْهَبْ إلَى غَيْرِي فَإِنِّي مَشْغُول أَوْ لِي حَاجَة , فَيَلْزَمهُ وَيَقُول : قَدْ أُمِرْت أَنْ تَتْبَعنِي . فَيُضَارّهُ بِذَلِكَ , وَهُوَ يَجِد غَيْره , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } 5044 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } يَقُول : إنَّ لِي حَاجَة فَدَعْنِي ! فَيَقُول : اُكْتُبْ لِي . " وَلَا شَهِيد " كَذَلِكَ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد , بِمَعْنَى : وَلَا يُضَارّهُمَا مَنْ اسْتَكْتَبَ هَذَا أَوْ اسْتَشْهَدَ هَذَا بِأَنْ يَأْبَى عَلَى هَذَا إلَّا أَنْ يَكْتُب لَهُ وَهُوَ مَشْغُول بِأَمْرِ نَفْسه , وَيَأْبَى عَلَى هَذَا إلَّا أَنْ يُجِيب إلَى الشَّهَادَة وَهُوَ غَيْر فَارِغ , عَلَى مَا قَالَهُ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْل . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ الْخِطَاب مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ مُبْتَدَئِهَا إلَى انْقِضَائِهَا عَلَى وَجْه افْعَلُوا أَوْ لَا تَفْعَلُوا , إنَّمَا هُوَ خِطَاب لِأَهْلِ الْحُقُوق وَالْمَكْتُوب بَيْنهمْ الْكِتَاب وَالْمَشْهُود لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ بِاَلَّذِي تَدَايَنُوهُ بَيْنهمْ مِنْ الدُّيُون . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْر أَوْ نَهْي فِيهَا لِغَيْرِهِمْ , فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْه الْأَمْر وَالنَّهْي لِلْغَائِبِ غَيْر الْمُخَاطَب كَقَوْلِهِ : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كَاتِب } وَكَقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إذَا مَا دُعُوا } وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ , فَالْوَاجِب إذَا كَانَ الْمَأْمُورُونَ فِيهَا مُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } أَشْبَه مِنْهُ بِأَنْ يَكُون مَرْدُودًا عَلَى الْكَاتِب وَالشَّهِيد , وَمَعَ ذَلِكَ إنَّ الْكَاتِب وَالشَّهِيد لَوْ كَانَا هُمَا الْمَنْهِيَّيْنِ عَنْ الضِّرَار لَقِيلَ : وَإِنْ يَفْعَلَا فَإِنَّهُ فُسُوق بِهِمَا , لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ , وَإِنَّمَا غَيْر مُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ } بَلْ النَّهْي بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ } نَهْي لِلْغَائِبِ غَيْر الْمُخَاطَب . فَتَوْجِيه الْكَلَام إلَى مَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا فِي سِيَاق الْآيَة , أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهه إلَى مَا كَانَ مُنْعَدِلًا عَنْهُ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تُضَارُّوا الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد وَمَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ , يَعْنِي إثْم بِكُمْ وَمَعْصِيَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5045 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } يَقُول : إنْ تَفْعَلُوا غَيْر الَّذِي آمُركُمْ بِهِ , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ . 5046 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْمَعْصِيَة . 5047 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْعِصْيَان . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِنْ يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أَمْلَى الْمُمْلِي , وَيُضَارّ شَهِيد فَيُحَوِّل شَهَادَته وَيُغَيِّرهَا , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ , يَعْنِي فَإِنَّهُ كَذِب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5048 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْكَذِب . قَالَ : هَذَا فُسُوق لِأَنَّهُ كَذِب الْكَاتِب فَحَوَّلَ كِتَابه فَكَذَبَ , وَكَذَبَ الشَّاهِد فَحَوَّلَ شَهَادَته , فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّهُ كَذِب . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } إنَّمَا مَعْنَاهُ : لَا يُضَارّهُمَا الْمُسْتَكْتَب وَالْمُسْتَشْهَد , بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة . فَقَوْله : { وَإِنْ تَفْعَلُوا } إنَّمَا هُوَ إخْبَار مَنْ يُضَارّهُمَا بِحُكْمِهِ فِيهِمَا , وَأَنَّ مَنْ يُضَارّهُمَا فَقَدْ عَصَى رَبّه وَأَثِمَ بِهِ , وَرَكِبَ مَا لَا يَحِلّ لَهُ , وَخَرَجَ عَنْ طَاعَة رَبّه فِي ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تُضَارُّوا الْكَاتِب أَوْ الشَّاهِد وَمَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ , يَعْنِي إثْم بِكُمْ وَمَعْصِيَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5045 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } يَقُول : إنْ تَفْعَلُوا غَيْر الَّذِي آمُركُمْ بِهِ , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ . 5046 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْمَعْصِيَة . 5047 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْعِصْيَان . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَإِنْ يُضَارّ كَاتِب فَيَكْتُب غَيْر الَّذِي أَمْلَى الْمُمْلِي , وَيُضَارّ شَهِيد فَيُحَوِّل شَهَادَته وَيُغَيِّرهَا , فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ , يَعْنِي فَإِنَّهُ كَذِب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5048 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ } الْفُسُوق : الْكَذِب . قَالَ : هَذَا فُسُوق لِأَنَّهُ كَذِب الْكَاتِب فَحَوَّلَ كِتَابه فَكَذَبَ , وَكَذَبَ الشَّاهِد فَحَوَّلَ شَهَادَته , فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّهُ كَذِب . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يُضَارّ كَاتِب وَلَا شَهِيد } إنَّمَا مَعْنَاهُ : لَا يُضَارّهُمَا الْمُسْتَكْتَب وَالْمُسْتَشْهَد , بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة . فَقَوْله : { وَإِنْ تَفْعَلُوا } إنَّمَا هُوَ إخْبَار مَنْ يُضَارّهُمَا بِحُكْمِهِ فِيهِمَا , وَأَنَّ مَنْ يُضَارّهُمَا فَقَدْ عَصَى رَبّه وَأَثِمَ بِهِ , وَرَكِبَ مَا لَا يَحِلّ لَهُ , وَخَرَجَ عَنْ طَاعَة رَبّه فِي ذَلِكَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّقُوا اللَّه } وَخَافُوا اللَّه أَيّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي الْكِتَاب وَالشُّهُود أَنْ تُضَارُّوهُمْ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ حُدُود اللَّه أَنْ تُضَيِّعُوهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه } وَيُبَيِّن لَكُمْ الْوَاجِب لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ , فَاعْمَلُوا بِهِ . { وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي مِنْ أَعْمَالكُمْ وَغَيْرهَا , يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5049 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه } قَالَ : هَذَا تَعْلِيم عَلَّمَكُمُوهُ فَخُذُوا بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّقُوا اللَّه } وَخَافُوا اللَّه أَيّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي الْكِتَاب وَالشُّهُود أَنْ تُضَارُّوهُمْ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ حُدُود اللَّه أَنْ تُضَيِّعُوهُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه } وَيُبَيِّن لَكُمْ الْوَاجِب لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ , فَاعْمَلُوا بِهِ . { وَاَللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي مِنْ أَعْمَالكُمْ وَغَيْرهَا , يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5049 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك قَوْله : { وَيُعَلِّمكُمْ اللَّه } قَالَ : هَذَا تَعْلِيم عَلَّمَكُمُوهُ فَخُذُوا بِهِ . '

تفسير القرطبي

فيه اثنتان وخمسون مسألة: الأولى: قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم} الآية. قال سعيد بن المسيب : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويز منداد : إنها تضمنت ثلاثين حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا : الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. الثانية: قوله تعالى { بدين} تأكيد مثل قوله { ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام : 38]. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر : 30]. وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا، قال الشاعر : وعدتنا بدرهمينا طلاء ** وشواء معجلا غير دين وقال آخر : لترم بي المنايا حيث شاءت ** إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أوقدوا حطبا ونارا ** فذاك الموت نقدا غير دين وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق { إلى أجل مسمى} . الثالثة: قوله تعالى { إلى أجل مسمى} قال ابن المنذر : دل قول الله { إلى أجل مسمى} على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى. ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حَبَل الحَبَلة. وحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها. بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسميا المكان الذي يقبض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله. قلت : وقال علماؤنا : إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. الرابعة: حدّ علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا : هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا. وقولهم [محصور بالصفة] تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل، كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة. وقولهم [بعين حاضرة] تحرز من الدين بالدين. وقولهم [أو ما هو في حكمها] تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر، بشرط وبغير شرط لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراطه عليها. ولم يجز الشافعي ولا الكوفي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق، ورأوا أنه كالصرف. ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. والله أعلم. وقولهم [إلى أجل معلوم] تحرز من السلم الحال فإنه لا يجوز على المشهور وسيأتي. ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. الخامسة: السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب [السَّلم] لأن السلف يقال على القرض. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك. وأرخص في السلم، لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. السادسة: في شروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة : ستة في المُسْلَم فيه، وثلاثة في رأس مال السلم. أما الستة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدرا، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون الأجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الأجل. وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس، مقدرا، نقدا. وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم. قال ابن العربي : وأما الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة، لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد الناس إليه ربحا ورفقا. وعلى ذلك القول اتفق الناس. بيد أن مالكا قال : لا يجوز السلم في المعين إلا بشرطين : أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل، لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر، لئلا يتعذر عند المحل. وإذا كان الموضع مأمونا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه، ولا بد من احتمال الغرر اليسير، وذلك كثير في مسائل الفروع، تعدادها في كتب المسائل. وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، وهي مبنية على قاعدة المصلحة، لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء، لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد، لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له. فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. وأما الشرط الثاني وهو أن يكون موصوفا فمتفق عليه، وكذلك الشرط الثالث. والتقدير يكون من ثلاثة أوجه : الكيل، والوزن، والعدد، وذلك ينبني على العرف، وهو إما عرف الناس وإما عرف الشرع. وأما الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجلا فاختلف فيه، فقال الشافعي : يجوز السلم الحال، ومنعه الأكثر من العلماء. قال ابن العربي : واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردوه إلى يوم، حتى قال بعض علمائنا : السلم الحال جائز. والصحيح أنه لا بد من الأجل فيه، لأن المبيع على ضربين : معجل وهو العين، ومؤجل. فإن كان حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب : بيع ما ليس عندك، فلا بد من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وتتنزل الأحكام، الشرعية منازلها. وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها. وقول الله تعالى { إلى أجل مسمى} وقوله عليه السلام : (إلى أجل معلوم) يغني عن قول كل قائل. قلت : الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما تختلف فيه البلدان من الأسعار، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة. فأما في البلد الواحد فلا، لأن سعره واحد، والله أعلم. وأما الشرط الخامس وهو أن يكون الأجل معلوما فلا خلاف فيه بين الأمة، لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك. وانفرد مالك دون الفقهاء بالأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد، لأنه رآه معلوما. وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى { يسألونك عن الأهلة} [البقرة : 189]. وأما الشرط السادس وهو أن يكون موجودا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة أيضا، فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء. السابعة: ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف، لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال : بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا : سله هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة ؟ فقال عبد الله : كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت : إلى من كان أصله عنده ؟ قال : ما كنا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا ؟ وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الأجل، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : المراعى وجوده عند الأجل. وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤونة وقالوا : السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض. وقال الأوزاعي : هو مكروه. وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعين موضع القبض، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث، لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل، ومثله ابن أبي أوفى. الثامنة: روى أبو داود عن سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره). قال أبو محمد عبد الحق بن عطية : هو العوفي ولا يحتج أحد بحديثه، وإن كان الأجلة قد رووا عنه. قال مالك : الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله، إنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. التاسعة: قوله تعالى { فاكتبوه} يعني الدين والأجل. ويقال : أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. ويقال : أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} إلى آخر الآية : (إن أول من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ذريته فرأى رجلا أزهر ساطعا نوره فقال يا رب من هذا قال : هذا ابنك داود، قال : يا رب فما عمره ؟ قال : ستون سنة، قال : يا رب زده في عمره ! فقال : لا إلا أن تزيده من عمرك، قال : وما عمري ؟ قال : ألف سنة، قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة، قال : فكتب الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة، قال : إنه بقي من عمري أربعون سنة، قالوا : إنك قد وهبتها لابنك داود، قال : ما وهبت لأحد شيئا، فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته - في رواية : وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة). خرجه الترمذي أيضا. وفي قوله { فاكتبوه} إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له المعربة عنه، للاختلاف المتوهم بين المتعاملين، المعرفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه. والله أعلم. العاشرة: ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جريج : من ادّان فليكتب، ومن باع فليشهد. وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله { فإن أمن} [البقرة : 283] ناسخ لأمره بالكتب. وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله { فإن أمن بعضكم بعضا} . وقال الجمهور : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق. قال بعضهم : إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة. ابن عطية : وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا، لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس. الحادية عشرة: قوله تعالى { وليكتب بينكم كاتب} قال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب، وقاله الشعبي، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب. السدي : واجب مع الفراغ. وحذفت اللام من الأول وأثبتت في الثاني، لأن الثاني غائب والأول للمخاطب. وقد ثبتت في المخاطب، ومنه قوله تعالى { فلتفرحوا} بالتاء. وتحذف في الغائب، ومنه : محمد تفد نفسك كل نفس ** إذا ما خفت من شيء تبالا الثانية عشرة: قوله تعالى { بالعدل} أي بالحق والمعدلة، أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل. وإنما قال { بينكم} ولم يقل أحدكم، لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتبا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادة لأحدهما على الآخر. وقيل : إن الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل. الباء في قوله تعالى { بالعدل} متعلقة بقوله { وليكتب} وليست متعلقة بـ { كاتب} لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها. أما المنتصبون لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين. قال مالك رحمه الله تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى { وليكتب بينكم كاتب بالعدل} . قلت : فالباء على هذا متعلقة بـ { كاتب} أي ليكتب بينكم كاتب عدل، فـ { بالعدل} في موضع الصفة. الرابعة عشرة: قوله تعالى { ولا يأب كاتب أن يكتب} نهى الله الكاتب عن الإباء، واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد، فقال الطبري والربيع : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره، فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره. السدي : واجب عليه في حال فراغه، وقد تقدم. وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله { ولا يأب} منسوخ بقوله { ولا يضار كاتب ولا شهيد} . قلت : هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى { ولا يضار كاتب ولا شهيد} وهذا بعيد، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان. ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها، لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة. ابن العربي : والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذه حقه. وأبى يأبى شاذ، ولم يجئ إلا قلى يقلى وأبى يأبى وغسى يغسى وجبى الخراج يجبى، وقد تقدم. الخامسة عشرة: قوله تعالى { كما علمه الله فليكتب} الكاف في { كما} متعلقة بقوله { أن يكتب} المعنى كتبا كما علمه الله. ويحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله { ولا يأب} من المعنى، أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو وليفضل كما أفضل الله عليه. ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله { أن يكتب} ثم يكون { كما علمه الله} ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله { فليكتب} . السادسة عشرة: قوله تعالى { وليملل الذي عليه الحق} وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان، أملّ وأملى، فأمل لغة أهل الحجاز وبني أسد، وتميم تقول : أمليت. وجاء القرآن باللغتين، قال عز وجل { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان : 5]. والأصل أمللت، أبدل من اللام ياء لأنه أخف. فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره. وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل، ونهى عن أن يبخس شيئا من الحق. والبخس النقص. ومن هذا المعنى قوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة : 228]. السابعة عشرة: قوله تعالى { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} قال بعض الناس : أي صغيرا. وهو خطأ فإن السفيه قد يكون كبيرا على ما يأتي بيانه. { أو ضعيفا} أي كبيرا لا عقل له. { أو لا يستطيع أن يمل} جعل الله الذي عليه الحق أربعة أصناف : مستقل بنفسه يمل، وثلاثة أصناف لا يملون وتقع نوازلهم في كل زمن، وكون الحق يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل. فالسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج. والبذيء اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة. والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى، قال الشاعر : نخاف أن تسفه أحلامنا ** ويجهل الدهر مع الحالم وقال ذو الرمة : مشين كما اهتزت رماح تسفهت ** أعاليها مر الرياح النواسم أي استضعفها واستلانها فحركها. وقد قالوا : الضعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي، وقيل : هما لغتان. والأول أصح، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ضعف فأتى أهله نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله، احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع، فقال : يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع ساعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن كنت غير تارك البيع فقل ها وها ولا خلابة) وأخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي الترمذي من حديث أنس وقال : هو صحيح، وقال : إن رجلا كان في عقله ضعف، وذكر الحديث. وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه : (إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال). وهذا الرجل هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري والد يحيى وواسع ابني حبان : وقيل : وهو منقذ جد يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حبان، أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شج في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمومة خبل منها عقله ولسانه : وروى الدارقطني قال : كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ضرير البصر وكان قد سفع في رأسه مأمومة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثة أيام، وكان قد ثقل لسانه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بع وقل لا خلابة) فكنت أسمعه يقول : لا خذابة لا خذابة. أخرجه من حديث ابن عمرو. الخلابة : الخديعة، ومنه قولهم { إذا لم تغلب فاخلب} . الثامنة عشرة: اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله فهل يحجر عليه أولا فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق. وقال آخرون : لا يحجر عليه. والقولان في المذهب، والصحيح الأول، لهذه الآية، ولقوله في الحديث : (يا نبي الله احجر على فلان). وإنما ترك الحجر عليه لقوله : (يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع). فأباح له البيع وجعله خاصا به، لأن من يخدع في البيوع ينبغي أن يحجر عليه لا سيما إذا كان ذلك لخبل عقله. ومما يدل على الخصوصية ما رواه محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلا قد أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال : (إذا بعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها). وقد كان عمَّر عمرا طويلا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا، يبتاع البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا، فيلومونه ويقولون له تبتاع ؟ فيقول : أنا بالخيار، إن رضيت أخذت وإن سخطت رددت، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. فيرد السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد، فيقول : والله لا أقبلها، قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم، قال فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثا. فكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر : ويحك ! إنه قد صدق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ثلاثا. أخرجه الدارقطني. وذكره أبو عمر في الاستيعاب وقال : ذكره البخاري في التاريخ عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق. التاسعة عشرة: قوله تعالى { أو ضعيفا} الضعيف هو المدخول العقل الناقص الفطرة العاجز عن الإملاء، إما لعيه أو لخرسه أو جهله بأداء الكلام، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا. والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، ووليه وصيه أو أبوه والغائب عن موضوع الإشهاد، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر. ووليه وكيله. وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع. فهذه أصناف تتميز، وسيأتي في "النساء" بيانها والكلام عليها إن شاء الله تعالى. الموفية عشرين: قوله تعالى { فليملل وليه بالعدل} ذهب الطبري إلى أن الضمير في { وليه} عائد على { الحق} وأسند في ذلك عن الربيع، وعن ابن عباس. وقيل : هو عائد على { الذي عليه الحق} وهو الصحيح. وما روي عن ابن عباس لا يصح. وكيف تشهد البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين ! هذا شي ليس في الشريعة. إلا أن يريد قائله : إن الذي لا يستطيع أن يمل لمرض أو كبر سن لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرس ولي عند أحد العلماء، مثل ما ثبت على الصبي والسفيه عند من يحجر عليه. فإذا كان كذلك فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به. وهذا معنى لم تعن الآية إليه : ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل لمرض ومن ذكر معه. الحادية والعشرون: لما قال الله تعالى { فليملل الذي عليه الحق} دل ذلك على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم، فيقول الراهن رهنت بخمسين والمرتهن يدعي مائة، فالقول قول الراهن والرهن قائم، وهو مذهب أكثر الفقهاء : سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر قال : لأن المرتهن مدع للفضل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). وقال مالك : القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن ولا يصدق على أكثر من ذلك. فكأنه يرى أن الرهن ويمينه شاهد للمرتهن، وقوله تعالى { فليملل الذي عليه الحق} رد عليه. فإن الذي عليه الحق هو الراهن. وستأتي هذه المسألة. وإن قال قائل : إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة والكتاب، والشهادة دالة على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمة الرهن، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة. قيل له : الرهن لا يدل على أن قيمته تجب أن تكون مقدار الدين، فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير. يصدق المرتهن مع اليمين في مقدار الدين إلى أن يساوي قيمة الرهن. وليس العرف على ذلك فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل لقولهم هذا. الثانية والعشرون: وإذا ثبت أن المراد الولي ففيه دليل على أن إقراره جائز على يتيمه، لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه. الثالثة والعشرون: وتصرف السفيه المحجور عليه دون إذن وليه فاسد إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا. فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف يأتي بيانه في "النساءط إن شاء الله تعالى. الرابعة والعشرون: قوله تعالى { واستشهدوا} الاستشهاد طلب الشهادة. واختلف الناس هل هي فرض أو ندب، والصحيح أنه ندب على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة والعشرون: قوله تعالى { شهيدين} رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا، على ما يأتي بيانه في سورة "النساء". وشهيد بناء مبالغة، وفي ذلك دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنه إشارة إلى العدالة. والله أعلم. السادسة والعشرون: قوله تعالى { من رجالكم} نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. وقال مجاهد : المراد الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه. وقد اختلف العلماء في شهادة العبيد، فقال شريح وعثمان البتي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير. والصحيح قول الجمهور، لأن الله تعالى قال { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة : 282] وساق الخطاب إلى قوله { من رجالكم} فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة. فإن قالوا : إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها. قيل لهم : هذا يخصه قوله تعالى { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} على ما يأتي بيانه. وقوله { من رجالكم} دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة لكن إذا علم يقينا، مثل ما روي عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : (ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أو دع). وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطئ. نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها، لأن الإقدام على الوطء جائز بغلبة الظن، فلو زفت إليه امرأة وقيل : هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول. ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخْبَر عنه، لأن سبيل الشهادة اليقين، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف : إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى، ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه. فهذا مذهب هؤلاء. والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت، لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور والألوان. وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير. قلت : مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت. قال ابن قاسم : قلت لمالك : فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت ؟ قال : قال مالك : شهادته جائزة. وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشريح الكندي والشعبي وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث. السابعة والعشرون: قوله تعالى { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين، هذا قول الجمهور. { فرجل} رفع بالابتداء، { وامرأتان} عطف عليه والخبر محذوف. أي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما. ويجوز النصب في غير القرآن، أي فاستشهدوا رجلا وامرأتين. وحكى سيبويه : إن خنجرا فخنجرا. وقال قوم : بل المعنى فإن لم يكن رجلان، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال. قال ابن عطية : وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلا وامرأتين. فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل. وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها، لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى { إذا تداينتم بدين} يشتمل على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح. وأجاز العلماء شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة. وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة. وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح ، وهي: الثامنة والعشرون: فأجازها مالك ما لم يختلفوا ولم يفترقوا. ولا يجوز أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ولكبير على صغير. وممن كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح عبد الله بن الزبير. وقال مالك : وهو الأمر عندنا المجتمع عليه. ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه شهادتهم، لقوله تعالى { من رجالكم} وقوله { ممن ترضون} وقوله { ذوي عدل منكم} [الطلاق : 2] وهذه الصفات ليست في الصبي. التاسعة والعشرون: لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه، فكما له أن يحلف مع الشاهد عندنا، وعند الشافعي كذلك، يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية. وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا اليمين مع الشاهد وقالوا : إن الله سبحانه قسم الشهادة وعددها، ولم يذكر الشاهد واليمين، فلا يجوز القضاء به لأنه يكون قسما زائدا على ما قسمه الله، وهذه زيادة على النص، وذلك نسخ. وممن قال بهذا القول الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عتيبة وطائفة. قال بعضهم : الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن. وزعم عطاء أن أول من قضى به عبدالملك بن مروان، وقال : الحكم : القضاء باليمين والشاهد بدعة، وأول من حكم به معاوية. وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئا، وليس من نفى وجهل كمن أثبت وعلم وليس في قول الله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم} الآية، ما يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد ولا أنه لا يتوصل إلى الحقوق ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير، فإن ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا وليس في كتاب الله تعالى، وهذا قاطع في الرد عليهم. قال مالك : فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له : أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه ؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق، أن حقه لحق، وثبت حقه على صاحبه. فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان، فبأي شيء أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده؟ فمن أقر فليقر باليمين مع الشاهد. قال علماؤنا : ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بدعوا من عمل بها حتى نقضوا حكمه واستقصروا رأيه، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز - وكتب به إلى عماله - وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة، ولذلك قال مالك : وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ويحكم ببدعتهم ! هذا إغفال شديد، ونظر غير سديد. روى الأئمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو بن دينار : في الأموال خاصة، رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد بن دينار عن ابن عباس. قال أبو عمر : هذا أصح إسناد لهذا الحديث، وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات. قال يحيى القطان: سيف بن سليمان ثَبْت، ما رأيت أحفظ منه. وقال النسائي : هذا إسناد جيد، سيف ثقة، وقيس ثقة. وقد خرج مسلم حديث ابن عباس هذا. قال أبو بكر البزار : سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان، ومن بعدهما يستغنى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة. ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم القول به، وعليه جمهور أهل العلم بالمدينة. واختلف فيه عن عروة بن الزبير وابن شهاب، فقال معمر : سألت الزهري عن اليمين مع الشاهد فقال : هذا شيء أحدثه الناس، لا بد من شاهدين. وقد روي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين، وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه، لتواتر الآثار به عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل أهل المدينة قرنا بعد قرن. وقال مالك : يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان، ولم يحتج في موطئه لمسألة غيرها. ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه. وخالف يحيى مالكا في ذلك مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة. ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء : 24]. وكنهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مع قوله { قل لا أجد} [الأنعام : 145]. وكالمسح على الخفين، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما، ومثل هذا كثير. ولو جاز أن يقال : إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال : إن القرآن في قوله عز وجل { وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة : 275] وفي قوله { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء : 29] ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر وبيع ما لم يخلق، إلى سائر ما نهى عنه في البيوع، وهذا لا يسوغ لأحد، لأن السنة مبينة للكتاب. فإن قيل : إن ما ورد من الحديث قضية في عين فلا عموم. قلنا : بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة، فكأنه قال : أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد. ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق، ومن جهة القياس والنظر أنا وقد وجدنا اليمين أقوى من المرأتين، لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين تدخل في اللعان. وإذا صحت السنة فالقول بها يجب، ولا تحتاج السنة إلى مايتابعها، لأن من خالفها محجوج بها. وبالله التوفيق. الموفية ثلاثين: وإذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان، للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين مع الشاهد. قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان، بدليل قبول شهادة النساء فيها. وقد اختلف قول مالك في جراح العمد، هل يجب القَوَد فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان : إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية. والأخرى أنه لا يجب به شيء، لأنه من حقوق الأبدان. قال : وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، وقاله عمرو بن دينار. وقال المازري : يقبل في المال المحض من غير خلاف، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال، ولكنه يؤدي إلى المال، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت، حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك، ففي قبوله اختلاف، فمن راعى المال قبله كما يقبله في المال، ومن راعى الحال لم يقبله. وقال المهدوي : شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامة الفقهاء، وكذلك في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما، وإنما يشهدن في الأموال. وكل ما لا يشهدن فيه فلا يشهدن على شهادة غيرهن فيه، كان معهن رجل أو لم يكن، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل وامرأة. ويقضى باثنتين منهن في كل ما لا يحضره غيرهن كالولادة والاستهلال ونحو ذلك. هذا كله مذهب مالك، وفي بعضه اختلاف. الحادية والثلاثون: قوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء} في موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين. قال ابن بكير وغيره : هذه مخاطبة للحكام. ابن عطية : وهذا غير نبيل، وإنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. الثانية والثلاثون: لما قال الله تعالى { ممن ترضون من الشهداء} دل على أن في الشهود من لا يرضي، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، وذلك معنى زائد على الإسلام، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة : كل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وإن كان مجهول الحال. وقال شريح وعثمان البتي وأبو ثور : هم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا. قلت فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو من رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدويا ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى { ‏ممن ترضون من الشهداء‏} وقال تعالى { ‏وأشهدوا ذوي عدل منكم‏} فـ { ‏منكم‏} خطاب للمسلمين‏.‏ وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة، لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك { ‏ممن ترضون‏} مثله، خفة، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يختبر حاله، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الإسلام‏.‏ وذهب أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية‏)‏‏ جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا، على ما يأتي في { ‏النساء‏} و { ‏براءة‏} إن شاء الله تعالى‏.‏ وليس في حديث أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر، ومتى كان في السفر فلا خلاف ف قال علماؤنا‏:‏ العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير مغفل‏.‏ وقيل‏:‏ صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل، والمعنى متق لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة‏.‏ فمن حكم الشاهد‏.‏ أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله، ويحكم بشغل ذلمطلوب بشهادته‏.‏ وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام‏.‏ وسيأتي لهذا في سورة { ‏يوسف‏} زيادة بيان إن شاء الله تعالى‏.‏ وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام، فربما تفرد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك‏.‏ قال أبو حنيفة‏:‏ يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود‏.‏ وهذه مناقصة تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه، لأننا نقول‏:‏ حق من الحقوق‏.‏ فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود، قاله ابن ا وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال‏:‏ إن النكاح ينعقد‏.‏ بشهادة فاسقين‏.‏ فنفى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح، وهو أولى لما يتعلق به من الحل والحرمة والحد وال قلت‏:‏ قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جدا، لشرط الله تعالى الرضا والعدالة، وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام، وإنما يعلم بالنظر في أحواله حسب ما تقدم‏.‏ ولا يغتر بظاهر قوله‏:‏ أنا مسلم‏.‏ فربما انطوى على ما يوجب رد شهادته، مثل قوله تعالى { ‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ‏} ‏البقرة‏:‏204‏]‏ إلى قوله { ‏والله لا يحب الفساد‏} ‏البقرة‏:‏205‏]‏ وقال { ‏وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم‏} ‏المن قوله تعالى { ‏أن تضل إحداهما‏} قال أبو عبيد‏:‏ معنى تضل تنسى‏.‏ والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران ببن ذلك ضالا‏.‏ ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال‏:‏ ضل فيها‏.‏ وقرأ حمزة { ‏إن‏} بكسر الهمزة على معنى الجه { ‏فتذكر‏} جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع { ‏تذكر‏} على الاستئناف، كما ارتفع قوله { ‏ومن عاد فينتقم الله منه‏} ‏المائدة‏:‏ 95‏]‏ هذا قول سيبويه‏.‏ ومن فتح { ‏أن‏} فهي مفعول له والعامل فيها محذوقراءة الجماعة عطفا على الفعل المنصوب بأن‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويجوز { ‏تضل‏} بفتح التاء والضاد، ويجوز تضل بكسر التاء وفتح الضاد‏.‏ فمن قال { ‏تضل‏} جاء به على لغة من قال‏:‏ ضَلِلْت تَضَل‏.‏ وعلى هذا تقول تِضل فتكسر التاء لتدل على أن الماضيي وعيسى بن عمر { ‏أن تضل‏} بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني‏.‏ وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة‏.‏ تقول‏:‏ أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم قوله تعالى { ‏فتذكر‏} خفف الذال والكاف ابن كثير وأبو عمرو، وعليه فيكون المعنى أن تردها ذكرا في الشهادة، لأن شهادة المرأة نصف شهادة، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر، قاله سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء‏.‏ وفيه بعد، إذ لا يحصل في مقابلة الضلال اناه النسيان إلا الذكر، وهو معنى قراءة الجماعة { ‏فتذكر‏} بالتشديد، أي تنبهها إذا غفلت ونسي قلت‏:‏ وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى، يقال‏:‏ تذكرت الشيء وأذكرته وذكرته بمعنى، قاله في الصحا قوله تعالى { ‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} قال الحسن‏:‏ جمعت هذه الآية أمرين، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها، وقاله ابن عباس‏.‏ وقال قتادة والربيع وابن عباس‏:‏ أي لتحملها وإثباتها في الكتاب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك‏.‏ وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا، قال مجاهد‏:‏ فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا، وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم‏.‏ وعليه فلا يجب على الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد بقوله تعالى { ‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا اء هو بحضورهما عند الحاكم، على ما يأتي‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلم عليه ولا ثواب له‏.‏ وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد، لأنها قلادة في العنق وأمة تقتضي الأداء‏.‏ قلت‏:‏ وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن جائزا للإمام أن يقيم للناس شهودا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت‏.‏ فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا‏.‏ أعلم‏.‏ فإن قيل‏:‏ هذه شهادة بالأجرة، قلنا‏:‏ إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاة والولاة وجميع المصالح التي تعن للمسلمين وهذا من جملتها‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقد قال تعالى { ‏والعاملين عليها‏} ‏التوبة‏:‏ لما قال تعالى { ‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} دل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم، وهذا أمر بني عليه الشرع وعمل به في كل زمان وفهمته كل أمة، ومن أمثالهم { ‏في بيته يؤتى الح وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء، وهو يخص عموم قوله { ‏من رجالكم‏} لأنه لا يمكنه أن يجيب، ولا يصح له أن يأتي، لأنه لا استقلال له بنفسه، وإنما يتصرف بإذن غيره، فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منزل الولاية‏.‏ نعم ‏!‏ وكما انحط عن فرض الجمعة والحج، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ هذا في حال الدعاء إلى الشهادة‏.‏ فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقها الذي ينتفع بها، فقال قوم‏:‏ أداؤها ندب لقوله تعالى { ‏ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا‏} ففرض الله الأداء عند الدعاء، فإذا لم يدع كان ندبا، لقوله عليه ار الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها‏)‏ رواه الأئمة‏.‏ والصحيح أن أداءها فرض وان لم يسألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك، فيجب على من تحمل شيئا من ذلك أداء تلشهادة، ولا يقف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق، وقد قال تعالى { ‏وأقيموا الشهادة لله‏} ‏الطلاق‏:‏ 2‏]‏ وقال { ‏إلا من شهد بالحق وهم يعلمون‏} ‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏‏.‏ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏انصر أخاك ظالما أو مظلوما‏أداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته الإنكار‏.‏ لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جرحة في الشاهد والشهادة، ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وهذا قول ابن القاسم وغيره‏.‏ وذهب بعضهم إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك جرحة فتلك الشهادة نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك‏.‏ والصحيح الأول، لأن الذي يوجب جرحته إنما هو فسقه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر، والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقا، وهذا واضح‏ لا تعارض بين قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها‏)‏ وبين قوله عليه السلام في حديث عمران بن حصين‏:‏ ‏(‏إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - ثم قال عمران‏:‏ فلا أدري أقال رسول الله صلى اللبعد قرنه مرتين أو ثلاثا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن‏)‏ أخرجهما الصحيحان‏.‏ وهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ أن يراد به شاهد الزور، فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يتححمله‏.‏ وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بباب الجابية فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وشها الوجه الثاني‏:‏ أن يراد به الذي يحمله الشره على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها، فهذه شهادة مردودة، فإن ذلك يدل على هوى غالب على الشاهد‏.‏ الثالث ما قاله إبراهيم النخعي راوي طرق بعض هذا الحديث‏:‏ كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد وال‏.‏ قوله تعالى { ‏ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله‏} { ‏تسأموا‏} معناه تملوا‏.‏ قال الأخفش‏:‏ يقال سئمت أسأم سأما وسآمة وسآما وسأْمة وسأَما، كما ق سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولا - لا أبالك - يسأم { ‏أن تكتبوه‏} في موضع نصب بالفعل‏. { ‏صغيرا أو كبيرا‏} حالان من الضمير في { ‏تكتبوه‏} وقدم الصغير اهتماما به‏.‏ وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكتب، ويقول أحدهم‏:‏ هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه، في القليل والكثير‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارا وإنكار قوله تعالى { ‏ذلكم أقسط عند الله‏} معناه أعدل، يعني أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه‏. { ‏وأقوم للشهادة‏} أي أصح وأحفظ‏. { ‏وأدنى‏} معناه أقرب‏.‏ و قوله تعالى { ‏وأقوم للشهادة‏} دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها، ولا يؤدي إلا ما يعلم لكنه يقول‏:‏ هذا خطي ولا أذكر الآن ما كتبت فيه‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يمنع أنهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة‏.‏ واحتج مالك على جواز ذلك بقوله تعالى { ‏وما شهدنا إلا بما علمنا‏} ‏يوسف‏:‏ 81‏]‏‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ لما نسب الله تعالى الكتابة إلى العدالة وسعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكر‏.‏ ذكر ابن المبارك عن معمر عن ابي الرجل يشهد على شهادة فينساها قال‏:‏ لا بأس أن يشهد إن وجد علامته في الصك أو خط يده‏.‏ قال ابن المبارك‏:‏ استحسنت هذا جدا‏.‏ وفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد، وعن الرسل من قبله ما يحة هذا المذهب‏.‏ والله أعلم‏.‏ وسيأتي لهذا مزيد بيان في ‏(‏الأحقاف‏)‏ إن شاء الله قوله تعالى { ‏إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم‏} { ‏أن‏} في موضع نصب استثناء ليس من الأول‏.‏ قال الأخفش أبو سعيد‏:‏ أي إلا أن تقع تجارة، فكان بمعنى وقع وحدث‏.‏ وقال غيره { ‏تديرونها‏} الخبر‏.‏ وقرأ عاصم وحده { ‏تجارة‏} على . { ‏حاضرة‏} نعت لتجارة، والتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة، أو إلا أن تكون المبايعة تجارة، هكذا قدره مكي وأبو علي الفارسي، وقد تقدم نظائره والاستشهاد عليه‏.‏ ولما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل مبايعة بنقد، الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير كالأملاك ونحوها‏.‏ وقال السدي والضحاك‏:‏ هذا فيما كان يدا بي قوله تعالى { ‏تديرونها بينكم‏} يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض‏.‏ ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه، حسن الكتب فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدين، فكان الكتاب توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب‏.ذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاعه من صاحبه، فيقل في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة‏.‏ ونبه الشرع على هذه المصالح في حالتي النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب، بالكتاب والشهادة والرهن‏.‏ قال الشافعي‏:‏ البيوع ثلاث بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة، وقرأ هذه الآية‏.‏ وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب‏ قوله تعالى { ‏وأشهدوا‏} قال الطبري‏:‏ معناه وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره‏.‏ واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب، فقال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي وابنه أبو بكر‏.‏ هو على الوجوب، ومن أشدهم ء قال‏:‏ أشهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث أو أقل من ذلك، فإن الله عز وجل يقول { ‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏} ‏‏.‏ وعن إبراهيم قال‏:‏ أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دَسْتَجَةَ بَقَلٍ‏.‏ وممن كان يذهب إلى هذا ويرجحه الطبري، وقال‏:‏ لا يحع وإذا اشترى إلا أن يشهد، وإلا كان مخالفا كتاب الله عز وجل، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا‏.‏ وذهب الشعبي والحسن إلى أن ذلك على الندب والإرشاد لا على الحتم‏.‏ ويحكى أن هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي‏.‏ وزعم ابن العربي أن هذالكافة، قال‏:‏ وهو الصحيح‏.‏ ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك‏.‏ قال وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم وكتب‏.‏ قال‏:‏ ونسخة كتابه‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلا - أو أمة - لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم‏)‏‏.‏ وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد‏.‏ ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنا قلت‏:‏ قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك‏.‏ وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داود‏.‏ وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل‏:‏ قاتلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا، ثم أسلم فحسن إسلامه‏.‏ ذكره أبو عمر، وذكر حدقال في آخره‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال‏:‏ الإباق والسرقة والزنا، وسألته عن الخبثة فقال‏:‏ بيع أهل عهد المسلمين‏.‏ وقال الإمام أبو محمد بن عطية‏:‏ والوجوب في ذلك قلق، أما في الدقائق فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد ئلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا، لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا‏.‏ وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوأنهم قالوا { ‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏} منسوخ بقوله { ‏فإن أمن بعضكم بعضا‏} ‏البقرة‏:‏ 283‏]‏ وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري، وأنه تلا { ‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه‏} إلى قوله { ‏فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ة‏:‏ 283‏]‏‏.‏ قال‏:‏ نسخت هذه الآية ما قبلها‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذا قول الحسن والحكم وعبدالرحمن بن زيد‏.‏ قال الطبري‏:‏ وهذا لا معنى له، لأن هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا قال الله عز وجل { ‏وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتن أمن بعضكم بعضا (1) فليؤد الذي اؤتمن أمانته‏} ‏البقرة‏:‏ 283‏]‏‏.‏ قال‏:‏ ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول لجاز أن يكون قوله عز وجل { ‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط‏} ‏النساء‏:‏ 43‏]‏ الآية ناسخا لقوله عز وجل { ‏يا أيهام إلى الصلاة‏} ‏المائدة‏:‏ 5‏]‏ الآية ولجاز أن يكون قوله عز وجل { ‏فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين‏} ‏النساء‏:‏ 92‏]‏ ناسخا لقوله عز وجل { ‏فتحرير رقبة مؤمنة‏} ‏النساء‏:‏ 92‏]‏ وقال بعض العلماء‏:‏ إن قوله تعالى { ‏فإن أمن بعضكم بعضا‏} الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا معا‏.‏ ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة‏.‏ قال‏:‏ وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له‏:‏ إن آية الدين منسوخة قال‏:‏ لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ قال‏:‏ والإشهاد إأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد‏.‏ ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب‏.‏ فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد‏.‏ وما زال الناس يتبايعون حضرا وصفرا وبرا وبحرا وسهلا وج غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه‏.‏ قلت‏:‏ هذا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما خرجه الدارقطني عن طارق بن عبدالله المحاربي قال‏:‏ ‏(‏أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة‏:‏ حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا‏.‏ فبينا نحن قعود إذ أتانا ربان أبيضان فسلم فرددنا عليه، فقال‏:‏ من أين أقبل القوم ‏؟‏ فقلنا‏:‏ من الربذة وجنوب الربذة‏.‏ قال‏:‏ ومعنا جمل أحمر، فقال‏:‏ تبيعوني جملكم هذا‏؟‏ فقلنا نعم‏.‏ قال بكم ‏؟‏ قلنا‏:‏ بكذا وكذا صاعا من تمر‏.‏ قال‏:‏ فما استوضعنا شيئا وأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا وقلنا‏:‏ أعطيتم جملكم من لا تعرفونه‏!‏ فقالت الظعينة‏:‏ لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم‏.‏ ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه‏.‏ فلما كان العشاء أتانا رجل فقال‏:‏ السلامرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا‏.‏ قال‏:‏ فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا‏)‏‏.‏ وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ا الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي، الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ فطفق الأعرابي يقول‏:‏ هلم شاهدا يشهد أني بعتك - قال خزيمة بن ثابت‏:‏ أنا أشهد أنك قد بعته‏.‏ فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال‏:‏ ‏(‏بم تشهد‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ بتصديقك يعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين‏.‏ أخرجه النسائي وغيره‏ قوله تعالى { ‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏} فيه ثلاثة أقوا الأول‏:‏ لا يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها‏.‏ قاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيره الثاني‏:‏ وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد‏. { ‏ولا يضار‏} على هذين القولين أصله يضارر بكسر الراء، ثم وقع الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة‏.‏ قال النحاس‏:‏ ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذ‏:‏ لأن بعده‏. { ‏وإن تفعلوا فإن فسوق بكم‏} ‏البقرة‏:‏ 282‏]‏ فالأولى أن تكون، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة أن يقال له‏:‏ فاسق، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهدا أن يشهد وهو مشغول‏.‏ وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق يضارر بكسر الثالث‏:‏ وقال مجاهد والضحاك وطاوس والسدي وروي عن ابن عباس‏:‏ معنى الآية ‏(‏ولا يضار كاتب ولا شهيد‏)‏ بأن يدعى الشاهد إلى الشهادة والكاتب إلى الكتب وهما مشغولان، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما وآذاهما، وقال‏:‏ خالفتما أمر الله، ونحو هذا من القول فوأصل { ‏يضار‏} على هذا يضارر بفتح الراء، وكذا قرأ ابن مسعود { ‏يضارر‏} بفتح الراء الأولى، فنهى الله سبحانه عن هذا، لأنه لو أطلقه لكان فيه شغل لهما عن أمر دينهما ومعاشهما‏.‏ ولفظ المضارة، إذ هو من اثنين، يقتضي هذه المعاني‏.‏ والكاتب والشهيد علأولين رفع بفعلهما، وعلى القول الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله‏.‏ قوله تعالى { ‏وإن تفعلوا‏} يعني المضارة‏. { ‏فإنه فسوق بكم‏} أي معصية، عن سفيان الثوري‏.‏ فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق‏.‏ وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عث المخالفة لأمر الله‏.‏ وقوله { ‏بكم‏} تقديره فسوق حال قوله تعالى { ‏واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم‏} وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى { ‏يا أيها الذين آمنوا وا الله يجعل لكم فرقانا‏} [‏الأنفال‏:‏ 29‏]‏‏.‏ والله أعلم‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 279 - 282


سورة البقرة الايات 282 - 284

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنها أطول آية في آيات القرآن ويستهلها الله بقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } وهذا الاستهلال كما نعرف يوحي بأن ما يأتي بعد هذا الاستهلال من حكم، يكون الإيمان هو حيثية ذلك الحكم، فما دمت قد آمنت بالله فأنت تطبق ما كلفك به؛ لأن الله لم يكلف كافراً، فالإنسان ـ كما قلنا سابقاً ـ حر في أن يُقبل على الإيمان بالله أو لا يُقبل.

فإن أقبل الإنسان بالإيمان فليستقبل كل حكم من الله بالتزام. ونضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ إن الإنسان حين يكون مريضاً، هو حر في أن يذهب إلى الطبيب أو لا يذهب، ولكن حين يذهب الإنسان إلى الطبيب ويكتب له الدواء فالإنسان لا يسأل الطبيب وهو مخلوق مثله: لماذا كتبت هذه العقاقير؟.

إن الطبيب يمكن أن يرد: إنك كنت حرا في أن تأتي إليّ أو لا تأتي، لكن ما دمت قد جئت إلى فاسمع الكلام ونفذه. والطبيب لا يشرح التفاعلات والمعادلات لا، إن الطبيب يشخص المرض، ويكتب الدواء. فما بالنا إذا أقبلنا على الخالق الأعلى بالإيمان؟

إننا نفذ أوامره سبحانه، والله لا يأمر المؤمن إلا عن حكمة، وقد تتجلى للمؤمن بعد ذلك آثار الحكمة ويزداد المؤمن ثقة في إيمانه بالله. يقول الحق: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } وعندما نتأمل قول الحق: { تَدَايَنتُم } نجد فيها " دَيْن " ، وهناك " دِين " ، ومن معنى الدِيّن الجزاء، ومن معنى الدِّين منهج السماء، وأما الدَّيْن فهو الاقتراض إلى موعد يسدد فيه. هكذا نجد ثلاثة معان واضحة: الدِّين: وهو يوم الجزاء، والدَّيْن وهو المنهج السماوي والدَّيْن: هو المال المقترض.

والله يريد من قوله: { تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أن يزيل اللبس في معنيين، ويبقى معنى واحداً وهو الاقتراض فقال: { بِدَيْنٍ } فالتفاعل هنا في مسألة الدَيْن لا في الجزاء ولا في المنهج، والحق يحدد الدَيْن بأجل مُسمّى. وقد أراد الله بكلمة " مُسمّى " مزيداً من التحديد، فهناك فرق بين أجل لزمن، وبين أجل لحدث يحدث، فإذا قلت: الأجل عندي مقدم الحجيج. فهذا حدث في زمن، ومقدم الحجيج لا يضمنه أحد، فقد تتأخر الطائرة، أو يصاب بعض من الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في الحجر الصحي.

أما إذا قلت: الأجل عندي شهران أو ثلاثة أشهر فهذا يعني أن الأجل هو الزمن نفسه، لذلك لا يصح أن يؤجل أجل دينه إلى شيء يحدث في الزمن؛ لأنه من الجائز ألا يحدث ذلك الشيء في هذا الزمن. إن التداين بديْن إلى أجل مُسمى يقتضي تحديد الزمن، والحق يوضح لنا: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } وكلمة { فَٱكْتُبُوهُ } هي رفع لحرج الأحباء من الأحباء.إنه تشريع سماوي، فلا تأخذ أحد الأريحية، فيقول لصاحبه: " نحن أصحاب " ، إنه تشريع سماوي يقول لك: اكتب الديْن، ولا تقل: " نحن أصدقاء " فقد يموت واحد منكما فإن لم تكتب الديْن حرجاً فماذا يفعل الأبناء، أو الأرامل، أو الورثة؟.

إذن فإلزام الحق بكتابة الديْن هو تنفيذ لأمر من الله يحقق رفع الحرج بين الأحباء. ويظن كثير من الناس أن الله يريد بالكتابة حماية الدائن. لا، إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين، لأن المدين إن علم أن الديْن عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدي ديْنه، أما إذا كان الدين غير موثق فيمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الديْن. وبذلك يحصل هو وأسرته على حاجته مرة واحدة، ثم يضن المجتمع الغني على المجتمع الفقير فلا يقرضه؛ ويأخذون عجز ذلك الإنسان عن السداد ذريعة لذلك، ويقع هذا الإنسان الذي لم يؤد دينه في دائرة تحمل الوزر المضاعف، لأنه ضيّق باب القرض الحسن.

إن الله يريد أن يسير دولاب الحياة الاقتصادية عند من لا يملك، لأن من يملك يستطيع أن يسيّر حياته، أما من لا يملك فهو المحتاج. ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. إنه يقترض ويسدد، لذلك يثق فيه كل الناس، ويرونه أميناً ويرونه مُجداً، ويرونه مخلصاً، ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفّى، فكل المال يصبح ماله.

إذن فالله ـ سبحانه ـ بكتابة الديْن يريد حماية حركة الحياة عند غير الواجد؛ لأن الواجد في غير حاجة إلى القرض. لذلك جاء الأمر من الحق سبحانه: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ }. ومن الذي يكتب الديْن؟.

انظر الدقة: لا أنت أيها الدائن الذي تكتب، ولا أنت أيها المدين، ولكن لابد أن يأتي كاتب غير الاثنين، فلا مصلحة لهذا الثالث من عملية الدين { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ }. وفي ذلك إيضاح بأن الإنسان الذي يعرف الكتابة إن طُلب منه أن يكتب ديْناً ألا يمتنع عن ذلك، لماذا؟ لأن الآية ـ آية الديْن ـ قد نزلت وكانت الكتابة عند العرب قليلة، كان هناك عدد قليل فقط هم الذين يعرفون الكتابة، فكان هناك طلب شديد على من يعرف الكتابة.

ولكن إن لم يُطْلَب أحد من الذين يعرفون الكتابة أن يكتب الديْن فماذا يفعل؟. إن الحق يأمره بأن يتطوع، وفي ذلك يأتي الأمر الواضح " فليكتب "؛ لأن الإنسان إذا ما كان هناك أمر يقتضي منه أن يعمل، والظرف لا يحتمل تجربة، فالشرع يلزمه أن يندب نفسه للعمل.

هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة، وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق، أو هو غير قادر على إدارة الدفة، هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة، إنه يندب نفسه للعمل، فلا مجال للتجربة.والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية الجدب في قصة سيدنا يوسف قال:
{  تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ }
[يوسف: 47-48]

وقال سيدنا يوسف:
{  قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }
[يوسف: 55]

إن المسألة جدب فلا تحتمل التجربة، وهو كفء لهذه المهمة، يملك موهبة الحفظ والعلم، فيندبُ نفسه للعمل. كذلك هنا { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } إذا طلب منه وإن لم يطلب منه وتعين { فَلْيَكْتُبْ }.

وهذه علة الأمرين الاثنين، وما دامت الكتابة للتوثيق في الدَّيْن؛ فمن الضعيف؟ إنه المدين، والكتابة حجة عليه للدائن، لذلك يحدد الله الذي يملل: الذي عليه الديْن، أي يملي الصيغة التي تكون حجة عليه { وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } ولماذا لا يملي الدائن؟ لأن المدين عادة في مركز الضعف، فلعل الدائن عندما تأتي لحظة كتابة ميعاد السداد فقد يقلل هذا الميعاد، وقد يخجل المدين أن يتكلم ويصمت؛ لأنه في مركز الضعف. ويختار الله الذي في مركز الضعف ليملي صيغة الديْن، يملي على راحته، ويضمن ألا يُؤخذ بسيف الحاجة في أن موضع من المواضع.

لكن ماذا نفعل عندما يكون الذي عليه الديْن سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو؟ إن الحق يضع القواعد { فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ } والسفيه هو البالغ مبلغ الرجال إلا أنه لا يمتلك أهلية التصرف. والضيف هو الذي لا يملك القدرة التي تُبلغه أن يكون ناضجا النضج العقلي للتعامل، كأن يكون طفلا صغيرا، أو شيخا بلغ من الكبر حتى صار لا يعلم من بعد علمه شيئا، أو لا يستطيع أن يمل. أي أخرس فيقول بالإملاء الولي أو القيمّ أو الوصيّ.

ويأتي التوثيق الزائد: بقوله ـ تعالى ـ: { وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }.

ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق: { وَٱسْتَشْهِدُواْ } نستشهد ونكتب، لأنه سبحانه يريد بهذا التوثيق أن يؤمّن الحياة الاقتصادية عند غير الواجد؛ لأن الحاجة عندما تكون مؤمَّنَة عند غير الواجد فالدولاب يمشي وتسير حركة الحياة الاقتصادية؛ لأن الواجد هو القليل، وغير الواجد هو الكثير، فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ينفذون التخطيط.

أن الجيب الواجد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا، ولهذا تكون الجمهرة من الذين لا يجدون، وذلك حتى يسير نظام الحياة؛ لأن الله لا يريد أن يكون نظام الحياة تفضلا من الخلق على الخلق، إنما يريد الله نظام الحياة نظاما ضروريا؛ فالعامل الذي لا يعول أسرة قد لا يخرج إلى العمل، لذلك فالحق يربط خروج العامل بحاجته.إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته فيخرج اضطرارا إلى العمل، وبتكرار الأمر يعشق عمله، وحين يعشق العمل فهو يحب العمل في ذاته.

وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل، إلى حب العمل في ذاته، وإذا ما أحب العمل في ذاته، فعجلة الحياة تسير. والحق سبحانه حين يحدد الشهود بهذا القول: { وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ }.

ولماذا قال الحق: { شَهِيدَيْنِ } ولم يقل " شاهدان "؟ لأن مطلق شاهد قد يكون زوراً، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة. كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا. إنه إنسان تكررت منه الشهادة العادلة؛ واستأمنه الناس على ذلك، وهذا دليل على أنه شهيد. وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا { فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ }.

إن الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم، وعلل الحق مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي: { أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }؛ لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث. والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا.

أن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه العمليات، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين؛ لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي يحيط بها، فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وتتدارس كلتاهما هذا الموقف، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس وبخاصة ما يتصل بالأعمال.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ } فكما قال الحق عن الكاتب ألا يمتنع عن توثيق الديْن، كذلك الشهادة على هذا الديْن. وكيف تكون الشهادة، هل هي في الأداء أو التحمل؟ إن هنا مرحلتين: مرحلة تحمل، ومرحلة أداء.

وعندما نطلب من واحد قائلين: تعال اشهد على هذا الديْن. فليس له أن يمتنع، وهذا هو التحمل. وبعدما وثقنا الديْن، وسنطلب هذا الشاهد أمام القاضي، والوقوف أمام القاضي هو الأداء. وهكذا لا يأبى الشهداء إذا ما دعوا تحملا أو أداءً.

لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن كل نفس بشرية لها مجال حركتها في الوجود ويجب ألا تطغى حركة حدث على حدث، فالشاهد حين يُستدعى ـ بضم الياء ـ ليتحمل أولا أو ليؤدي ثانيا ينبغي ألاّ تتعطل مصالحه؛ إن مصالحه ستتعطل؛ لأنه عادل، ولأنه شهيد، لذلك يضع الله لذلك الأمر حداً فيقول: { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }.إذن فالشهادة هنا تتطلب أن نحترم ظرف الشاهد. فإن كان عند الشاهد عمل أو امتحان أو صفقة أو غير ذلك، فلنا أن نقول للشاهد: إما أن تتعين في التحمل حيث لا يوجد من يوثق به ويطمأن إليه أما في الأداء فأنت مضطر.

إن الشاهد يمكنه أن يذهب إلى أمره الضروري الذي يجب أن يفعله، فلا يطغى حدث على حدث، لذلك علينا أن نبحث عن شاهد له قدرة السيطرة على عمله بدرجة ما. وإن لم نجد غيره، فماذا يكون الموقف؟

لقد قال الحق: { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } إذن فعلينا أن نبحث له عن " جُعْل " يعوض عليه ما فاته، فلا نلزمه أن يعطل عمله وإلا كانت عدالته وَبالاً عليه، لأن كل إنسان يُطلب للشهادة تتعطل أعماله ومصالحه. والله لا يحمي الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد.

وقوله الحق لكلمة: { يُضَآرَّ } فمن الممكن أن تأتي الكلمة على وجهين في اللغة، فمرة تأتي { يُضَآرَّ } بمعنى أن الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد، ومرة أخرى تأتي كلمة { يُضَآرَّ } بمعنى الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد. فاللفظ واحد، ولكن حالة اللفظ بين الإدغام الذي هو عليه حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تُبَيِّنُ لنا اتجاه المعنى. فإن قلنا: { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } ـ بكسر الراء ـ، فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من الكاتب فيكتب غير الحق، أو أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل.

وإن قلنا: { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } ـ بفتح الراء ـ فالمنهي عنه هو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدي الكتابة غرضا لهم، وتؤدي الشهادة واجبا بالنسبة لهم؛ ليضمن الدائن دَيْنه، وليستوثق أن أداءه محتم.

والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة حركة، ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدي مطلوبات الحياة، فإذا عُلِمَ ـ بضم العين وكسر اللام وفتح الميم ـ أنه كاتب أو شهد بأنه عادل، عند ذلك يتم استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة، وربّما تعطلت مصالح الكاتب أو الشهيد.

ويريد الله أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته. ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ، فهي إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد في قضية فإنّها تقوم له بالنفقة ذهابا وبالنفقة إيابا، وإن اقتضى الأمر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى لا يضار، وهو يؤدي الشهادة، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو يصرف من جيبه.

ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة على حساب جماعة.

ويقول الحق في هذه " المضارة ": { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } أي وإن تفعلوا الضرر من هذا أو من ذاك فإنه فسوق بكم، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد.ففعل الضرر فسوق، أي خروج عن الطاعة.

والأصل في " الفسق " هو خروج الرطبة من قشرتها، فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة، فتخرج الثمرة من القشرة فيقال: " فسقت الرطبة ". ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله في كل ما أمر.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وعلمنا من قبل معنى كلمة " التقوى " حين يقول الله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أو يقول سبحانه: { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } ، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال الله، وجبروته، وقهره، وإذا قلنا: { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } فالنار من جنود صفات القهر لله، فـ { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } هي بعينها { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } هي بعينها { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ }.

ويقول الحق سبحانه: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ }. وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه في كل تكليف من الله؛ فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر، فأنت لا تنفذ التكليف من البشر إلا إن أقنعك بحكمته وعلته؛ لأن التكليف يأتي من مساوٍ لك، ولا توجد عقلية أكبر من عقلية، وقد تقول لمن يكلفك: ولماذا أكون تبعا لك وأنت لا تكون تبعا لي؟ إنك إذا أردت أن تكلفني بأمر من الأمور وأنت مساو لي في الإنسانية والبشرية وعدم العصمة فلا بد أن تقنعني بحكمة التكليف.

أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو الله الذي آمنا بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة يأخذ الأمر قبل أن يبحث في الحكمة؛ لأن الحكمة في هذا الأمر أنه صادر من الله، وحين ينفذ المؤمن التكليف الصادر من الله فسيعلم سر هذه الحكمة فيما بعد؛ فأسرار الحكم عند الله تأتي للمؤمن بعد أن يقبل على تنفيذ التكاليف الإيمانية.

إن الحق سبحانه ـ على سبيل المثال ـ لا يقنع العبد بأسرار الصوم، ولكن إن صام العبد المؤمن كما قال الله وعند ممارسة المؤمن لعبادة الصوم سيجد أثر حكمة الصوم في نفسه بما لا يمكن إقناعه به أولا. إن المؤمن حين يفعل التكليف الإيماني فإن الله يعلمه حكمة التكليف. ولنا في قوله سبحانه الدليل الواضح:
{  يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }
[الأنفال: 29]

إن الله سبحانه يَعِدُ عباده المؤمنين أنهم عندما يتقونه فإنه يجعل لهم دلائل تبين لهم الحق من الباطل ويستر عنهم السيئات ويغفر لهم. لماذا؟ لأن الله الذي يعلمنا هو الحق سبحانه العليم بكل شيء.وعلم الله ذاتي، أما علم الإنسان فقد يكون أثرا من ضغط الأحداث عليه فيفكر الإنسان في تقنين شيء يخرجه مما يكون فيه من شر ولكن علم العليم الأعلى سابق على ذلك لأنه علم ذاتي.

وفيما سبق علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الديْن هذه العناية ليضمن للحياة حركتها الطاهرة، حركتها السليمة؛ لأن المعدم لا وسيلة له في حركة الحياة إلا أمور ثلاثة، الأمر الأول: الرِّفْدُ أي عطاء تطوعي يستعين به على حركة الحياة. والأمر الثاني: الفرض الذي فرضه الله في الزكاة. والأمر الثالث: القرض الذي شرعه.

فعندما لا يجد المؤمن المعدم الرفد أو الفرض فماذا يكون بعد ذلك؟ إنه القرض. إذن فالقرض هو المفزَع الثالث للحركة الاقتصادية عند المعدمين. وعرفنا أن القرض عند الله يفوق ويعلو الصدقة في الثواب؛ لأن الصدقة حين تتصدق بها تكون قد خرجت من نفسك من أول الأمر فلا مشغولية لذهنك بعد ذلك، ولكن القرض نفسك تكون متعلقة به؛ لأنك لا تزال مالكاً له، وكلما صبرت عليه أخذت ثواباً من الله على كل صبرة تصبرها على المدين.

وعرفنا كذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد استوثق لعملية الديْن استيثاقا يجب أن نفهمه من وجهيه، الوجه الأول: أنه يحفظ بذلك ثمرة حركة المتحرك في الحياة وهي أن يتمول، أي أن يكون عنده مال؛ فإن لم نَحْم له ثمرة حركته في الحياة استهان بالحركة، وإذا استهان بالحركة تَعطلت مصالح كثيرة؛ لأن حركة المتحرك في الحياة تنفع بشراً كثيرين قصد المتحرك ذلك أو لم يقصد، وضربنا المثل بمن يريد بناء عمارة، وعنده مال، فيسلط الله عليه خاطراً من خواطره مصداقاً لقوله الحق:
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ }
[المدثر: 31]

فيقول: ولماذا أكنز المال؟ ولماذا لا أبني عمارة أستفيد من إيجارها؟. وبذلك لا يتناقص المال بل يزيد. وليس في بال ذلك الرجل أن ينفعَ أحداً. إن باله مشغول بأن ينفع نفسه، لكن حركته وإن لم يقصد نفعَ الغير ستنفع الغير.. فالذي يحفر الأرض سيأخذ أجراً لذلك، والذي يضرب الطوب سيأخذ أجراً لذلك، وكل من يشترك في عمل لإقامة هذا البنيان من بناء أو إدخال كهرباء أو توصيل مياه أو تحسين وتجميل كل واحد من هؤلاء سيأخذ أجره، وبذلك يستفيد الجميع وإن لم يقصد المتحرك في الحياة.

إذن فالحق يريد أن يحمي حركة المتحرك في الحياة لأنه لو لم يحم الله ثمرة حركته في الحياة؛ لاكتفى المتحرك في حركته بما يقوته ويقوت من يقول، ويبقى الضعيف في الحياة؛ فمن ذا يعوله؟. إذن لابد أن يضمن للمتحرك ماله حتى يتشجع على الحركة إن الله الذي وهب الناس أرزاقهم، عندما يطلب من القوي المتحرك أن يعطي أخاه الضعيف المحتاج قرضاً، لا يقول الله: " اقرض المحتاج " ، ولكنه جل وعلا يقول:
{  مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً }
[البقرة: 245]

إن الله سبحانه وتعالى قد احترم حركة الإنسان المتحرك في الحياة وجعل المال مال المتحرك، فلا يقول الله للمتحرك: أعط المحتاج من المال الذي وهبتك إياه. لا، إنه مال المتحرك، ويقول الله للمتحرك: اقرضني لأن أخاك في حاجة إليه، كما نقول للتقريب لا للتشبيه ـ ولله المثل الأعلى ـ أنت تأخذ من حصالة ابنك لمصلحة أخيه، وتعد ابنك الذي أخذت من حصالته أنك سوف تعطيه الكثير. والمال الذي أخذته من حصالة ابنك قرضا أنت الذي أعطيته له أولا.

إذن فالله يريد أن يحمي حركة الحياة، وإن لم نحم حركة الحياة، لا يكون كل إنسان آمناً على ثمرة حركته، فستفسد الحياة كلها ويستشري الضغن والحقد والذي يقول الله سبحانه وتعالى:
{  وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ }
[محمد: 36-37]

وساعة يتفشى الضغن في المجتمع فلا فائدة في هذا المجتمع أبداً. إذن فالحق حين يوثق الديْن يريد أن يحمي حركة المتحرك؛ لأن الناس تختلف فيما بينها في الحركات الطموحية. ولا توجد الحركات الطموحية في كل الناس، بل توجد في بعضهم، فلنستغل حركة الطموح عند بعض الناس؛ لأنهم سيفيدون المجتمع: قصدوا ذلك أو لم يقصدوا.

وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يحمي أيضاً الإنسان من نفسه؛ لأنه إن علم أن الديْن الذي عليه موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهداً أن يتحرك في الحياة ليؤديه. وحين يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الدين فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة،ويزداد النفع. وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين حماية المديْن من نفسه؛ لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس وسيقول كل من عنده مال: لا أعطي أحداً شيئاً لأن فلاناً الغني مثلي قد أعطى فلاناً الفقير وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة ولكن إذا كان الدين موثقا ومكتوبا فإن المدين يكون حريصا على أدائه. والله يريد أن يضمن لحركة الحياة دواماً واستمراراً شريفاً نظيفاً. ولذلك نجد في آية الدَّين أن كلمة " الكتابة " ومادتها " الكاف والتاء والباء " تتكرر أكثر من مرة بل مرات كثيرة.

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة: 282]

وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس؛ فالكتابة هي عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش، لأنك إن سجلت شيئاً على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة، ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول: " أن يكتب كما علمه الله " أي أن يكتب الكاتب على وفق ما علمه الله، فكأنه لابد أن يكون فقيهاً عالماً بأمور الكتابة، أو " كما علمه الله " أي أنّ الله أحسن إليه وعلمه الكتابة دون غيره، فكما أحسن الله إليه بتعلم الكتابة فليحسن ولْيُعَدِّ أثر الكتابة إلى الغير.وليست المسألة مسألة كتابة فقط، إنما ذلك يشمل ويضم كل شيء أو موهبة خص الله بها فرداً من الناس من مواهب الله على خلقه؛ فالمؤمن هو من يعمل على أن يعدي أثر النعمة والموهبة إلى الغير. وعليك أن تعدي أثر مواهب الغير إليك فتنفع بها سواك، وبذلك يشيع الخير ويعم النفع لأنك إن أخذت موهبة فستأخذ موهبة واحدة تكفيك في زاوية واحدة من زوايا حياتك، وعندما تعديها للجميع وتنقلها إليهم فيعدي الجميع مواهبهم المجتمعة لمصلحتك، فأيهما أكسب؟

حين تعدي وتنقل موهبتك إلى الناس، تكون أنت الأكثر كسباً؛ لأن الجميع يعدون وينقلون مواهبهم إليك. وإذا أتقنت صنعك للناس فالصنعة التي في يدك واحدة، وعندما تتقنها فإن الله يسلط جنود الخواطر على كل من يصنع لك شيئاً أن يتقنه، كما أتقنْت أنت لسواك. وبعد ذلك يعلمنا الحق سبحانه شدة الحرص على التوثيق فيقول: { وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ... }


www.alro7.net