سورة
اية:

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم وهما ( قابيل وهابيل )، كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عزَّ وجلَّ ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة أخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: { بالحق} أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان؛ كقوله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق} ، وقوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق} كان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن اللّه تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل { إنما يتقبل الله من المتقين} ""رواه ابن جرير""وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرَّب أشر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه وإن اللّه عزَّ وجلَّ تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرماً عن هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرب قرباناً ويقرب أخوك هابيل قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة؛ فأرسل اللّه ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله.""رواه ابن جرير""، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، واللّه أعلم. ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضاً. ومعنى قوله: { إنما يتقبل اللّه من المتقين} أي ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال: يحبس الناس في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة. وقوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف اللّه رب العالمين} يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل اللّه قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة { إني أخاف اللّه رب العالمين} أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وقال الإمام أحمد عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال، عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك (إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي) قال: أفرأيت إن دخل على بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال: (كن كابن آدم)، قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الامة { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} لعثمان بن عفان رضي الله عنه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: { إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ورذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس ومجاهد: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك} يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعاً. قلت : وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له (ما ترك القاتل على المقتول من ذنب) وقد روى الحافط أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه)، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن اللّه يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجراً لو انزجر، ولهذا قال: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي تتحمل إثمي وإثمك { فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} وقال ابن عباس: خوَّفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر. وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر. وقد تقدم أنه قتله بحديدة في يده؛ وقال السدي: { فطوعت له نفسه قتل أخيه} فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام، وهو يرعى غنماً له، وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. وقال عبد اللّه بن وهب: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله، قال: نعم قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً، فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: { فأصبح من الخاسرين} أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه. عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل)، وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود. وقوله تعالى: { فبعث اللّه غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} قال السدي: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث اللّه غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} ؟ وقال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوأة أخي} ، وقال الضحاك عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث اللّه الغرابين فرآهما يبحثان فقال: { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} فدفن أخاه وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له اللّه عزَّ وجلَّ: يا قابيل اين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال اللّه: إن صوت دم أخيك ليناديني من الارض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الارض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعاً تائهاً في الارض. وقوله تعالى: { فأصبح من النادمين} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، وهذا ظاهر جلي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن اللّه ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري مرفوعاً""والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير: أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله وجعل اللّه وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلاً به. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

تفسير الجلالين

{ لئن } لام قسم { بسطت } مددت { إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين } في قتلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمَقْتُول مِنْ اِبْنَيْ آدَم أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَخُوهُ الْقَاتِل لَأَقْتُلَنَّكَ : وَاَللَّه { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك } يَقُول : مَدَدْت إِلَيَّ يَدك { لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } يَقُول : مَا أَنَا بِمَادٍّ يَدِي إِلَيْك { لِأَقْتُلك } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قَالَ الْمَقْتُول ذَلِكَ لِأَخِيهِ وَلَمْ يُمَانِعهُ مَا فَعَلَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَالَ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لِأَخِيهِ الْقَاتِل أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلّ قَتْله وَلَا بَسْط يَده إِلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْذَن اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9160 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّهُ قَالَ : وَاَيْم اللَّه إِنْ كَانَ الْمَقْتُول لَأَشَدّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج أَنْ يَبْسُط إِلَى أَخِيهِ . 9161 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } لَا أَنَا بِمُنْتَصِرٍ , وَلَأُمْسِكَنَّ يَدِي عَنْك . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَمْنَعهُ مِمَّا أَرَادَ مِنْ قَتْله , وَقَالَ مَا قَالَ لَهُ مِمَّا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه . إِلَّا أَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْتَنِع مَنْ أُرِيدَ قَتْله مِمَّنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9162 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا رَجُل , سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } قَالَ مُجَاهِد : كَانَ كَتَبَ اللَّه عَلَيْهِمْ : إِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يَقْتُل رَجُلًا تَرَكَهُ وَلَا يَمْتَنِع مِنْهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَدْ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ نَفْس ظُلْمًا , وَأَنَّ الْمَقْتُول قَالَ لِأَخِيهِ : مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك ; لِأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْ قَتْل أَخِيهِ مِثْل الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَى أَخِيهِ الْقَاتِل مِنْ قَتْله . فَأَمَّا الِامْتِنَاع مِنْ قَتْله حِين أَرَادَ قَتْله , فَلَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَاتِل حِين أَرَادَ قَتْله وَعَزَمَ عَلَيْهِ كَانَ الْمَقْتُول عَالِمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ عَازِم مِنْهُ وَمُحَاوِل مِنْ قَتْله , فَتَرَكَ دَفْعه عَنْ نَفْسه ; بَلْ قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَة , اِغْتَالَهُ وَهُوَ نَائِم , فَشَدَخَ رَأْسه بِصَخْرَةٍ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَرْكِ مَنْع أَخِيهِ مِنْ قَتْله , لَمْ يَكُنْ جَائِزًا اِدِّعَاء مَا لَيْسَ فِي الْآيَة إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَجِب تَسْلِيمه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمَقْتُول مِنْ اِبْنَيْ آدَم أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَخُوهُ الْقَاتِل لَأَقْتُلَنَّكَ : وَاَللَّه { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك } يَقُول : مَدَدْت إِلَيَّ يَدك { لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } يَقُول : مَا أَنَا بِمَادٍّ يَدِي إِلَيْك { لِأَقْتُلك } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قَالَ الْمَقْتُول ذَلِكَ لِأَخِيهِ وَلَمْ يُمَانِعهُ مَا فَعَلَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَالَ ذَلِكَ إِعْلَامًا مِنْهُ لِأَخِيهِ الْقَاتِل أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلّ قَتْله وَلَا بَسْط يَده إِلَيْهِ بِمَا لَمْ يَأْذَن اللَّه بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9160 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّهُ قَالَ : وَاَيْم اللَّه إِنْ كَانَ الْمَقْتُول لَأَشَدّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج أَنْ يَبْسُط إِلَى أَخِيهِ . 9161 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك } لَا أَنَا بِمُنْتَصِرٍ , وَلَأُمْسِكَنَّ يَدِي عَنْك . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَمْنَعهُ مِمَّا أَرَادَ مِنْ قَتْله , وَقَالَ مَا قَالَ لَهُ مِمَّا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه . إِلَّا أَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْتَنِع مَنْ أُرِيدَ قَتْله مِمَّنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9162 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا رَجُل , سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول فِي قَوْله : { لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك لِأَقْتُلك } قَالَ مُجَاهِد : كَانَ كَتَبَ اللَّه عَلَيْهِمْ : إِذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يَقْتُل رَجُلًا تَرَكَهُ وَلَا يَمْتَنِع مِنْهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَدْ كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْل نَفْس بِغَيْرِ نَفْس ظُلْمًا , وَأَنَّ الْمَقْتُول قَالَ لِأَخِيهِ : مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك ; لِأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْ قَتْل أَخِيهِ مِثْل الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَى أَخِيهِ الْقَاتِل مِنْ قَتْله . فَأَمَّا الِامْتِنَاع مِنْ قَتْله حِين أَرَادَ قَتْله , فَلَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْقَاتِل حِين أَرَادَ قَتْله وَعَزَمَ عَلَيْهِ كَانَ الْمَقْتُول عَالِمًا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ عَازِم مِنْهُ وَمُحَاوِل مِنْ قَتْله , فَتَرَكَ دَفْعه عَنْ نَفْسه ; بَلْ قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَة , اِغْتَالَهُ وَهُوَ نَائِم , فَشَدَخَ رَأْسه بِصَخْرَةٍ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَرْكِ مَنْع أَخِيهِ مِنْ قَتْله , لَمْ يَكُنْ جَائِزًا اِدِّعَاء مَا لَيْسَ فِي الْآيَة إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَجِب تَسْلِيمه .' وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { إِنِّي أَخَاف اللَّه } فَإِنِّي أَخَاف اللَّه فِي بَسْط يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْتهَا لِقَتْلِك . { رَبّ الْعَالَمِينَ } يَعْنِي : مَالِك الْخَلَائِق كُلّهَا أَنْ يُعَاقِبنِي عَلَى بَسْط يَدِي إِلَيْك .وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { إِنِّي أَخَاف اللَّه } فَإِنِّي أَخَاف اللَّه فِي بَسْط يَدِي إِلَيْك إِنْ بَسَطْتهَا لِقَتْلِك . { رَبّ الْعَالَمِينَ } يَعْنِي : مَالِك الْخَلَائِق كُلّهَا أَنْ يُعَاقِبنِي عَلَى بَسْط يَدِي إِلَيْك .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { لئن بسطت إلي يدك} أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك؛ فهذا استسلام منه. وفي الخبر : (إذا كانت الفتنة فكن خير ابني آدم). وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول : إن دخل على بيتي وبسط يده إلي ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كن كخير ابني آدم) وتلا هذه الآية { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني} . قال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله. قال علماؤنا : وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك؛ لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للحصول عليه الدفع؛ واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة؛ على ما بيناه في كتاب [التذكرة]. وقال عبدالله بن عمرو وجمهور الناس : كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج. قال ابن عطية : وهذا هو الأظهر، ومن ههنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر؛ لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا، ويرضى بأن يظلم ليجازي في الآخرة؛ ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عنه. وقيل : المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل : كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي. وقيل : لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل : أراد لئن بسطت إلى يدك ظلما فما أنا بظالم؛ إني أخاف الله رب العالمين. الثانية: قوله تعالى { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} قيل : معناه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : (إنه كان حريصا على قتل صاحبه) وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك؛ فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت، حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي. وقيل : المعنى { بإثمي} الذي يختص بي فيما فرطت؛ أي يؤخذ في سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلك؛ وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام : (يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه). وهذا بين لا إشكال فيه. وقيل : المعنى إني أريد ألا تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل : 15] أي لئلا تميد بكم. وقوله تعالى { يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء : 176] أي لئلا تضلوا فحذف { لا} . قلت : وهذا ضعيف؛ لقوله عليه السلام : (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل؛ ولهذا قال أكثر العلماء : إن المعنى؛ ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي : هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل : هو استفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى { وتلك نعمة} أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية. حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كيسان : كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال : إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل؛ والمعنى : لئن بسطت إلى يدك لتقتلني لأمتنع من ذلك مريدا للثواب؛ فقيل له : فكيف قال : بإثمي وإثمك؛ وأي إثم له إذا قتل؟ فقال : فيه ثلاثة أجوبة؛ أحدها : أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر : أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي؛ لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث : أنه لو بسط يده إليه أثم؛ فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك : المال بينه وبين زيد؛ أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل. { وباؤوا بغضب من الله} [البقرة : 61] أي رجعوا. وقد مضى في { البقرة} مستوفى. وقال الشاعر : ألا تنتهي عنا ملوك وتبقي ** محارمنا لا يبؤ الدم بالدم أي لا يرجع الدم بالدم في القود. { فتكون من أصحاب النار} دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل { فتكون من أصحاب النار} على أنه كان كافرا؛ لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى { من أصحاب النار} مدة كونك فيها. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 27 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فقابيل -إذن- فاهم للقتل، فلا تقل إنه تعلم القتل، صحيح مسألة الدفن هذه جديدة، والقصة جاءت لتثبت لنا كيف بدأ التكاثر، ليجمع الله فيه بين الزوجين البُعد الإضافي؛ لأن البُعد غير الإضافي غير مُمكن في هذا الوقت فتكون هذه بالنسبة لهذا أجنبية، وهذا بالنسبة لهذه أجنبي إلى أن يتوسع الأمر، وبعد ذلك يُعاد التشريع بأن الأخت من أي بطن محرّمة على أخيها تحريماً أبديًّا، وبعد ذلك نتوسع في الأمر وننقله إلى المحرمات الأخريات من النسب والرضاع فلا بد أن لهذه القصة أصلا. هم قالوا نقرب قرباناً.. لماذا؟ " إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ".

لماذا يريدان أن يُقرِّبا قُرباناً؟ قالوا: إن أخت قابيل التي كانت في بطن معه كانت حلوة وجميلة، وأخت هابيل لم تكن جميلة، فطبقا لقواعد التباعُد في الزوجية كان على هابيل أن يأخذ أخت قابيل، وقابيل يأخذ أخت هابيل، فَحَسد قابيل أخاه وقال: كيف يأخذ الحلوة، أنا أولى بأختي هذه. وكان سيدنا آدم مازال قريب العهد بالوحي، فقال: قربوا قرباناً وانظروا. لأنه يعلم جيداً أن القربان سيكون في صف التباعد. { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ }. وبعض المفسرين يقول: والله نحن لم نعرف طريقة التقبّل هذه. نقول له: فلنبحث عن " قُربان " في القرأن. ننظر ما هو القُربان؟ قد وردت هذه الكلمة في القرآن في أكثر من موضع. قال:
{  ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ }
[آل عمران: 183]

والحق يقول لهم ردًّا عليهم:
{  قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ }
[ " آل عمران: 183]

{ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ } ما هو؟ إنه القُربان الذي تأكله النار. إذن كان القُربان معروفاً والاحتكام إلى قربان وتأكله النار علامة التقبّل من السماء ويكون صاحبه هو المُقرَّب، والقُربان في مسألة هابيل وقابيل لكي يعرف كل منهما من يتزوج الحلوة ومن يتزوج الأخرى، وتقبل الله قربان هابيل. لكن أرضِي المهزوم؟ لا، بل حَسَده، وهذا أول تأب على مُرادات الحق في تكليفه. { فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ }. وقالت لنا القصص: إن هابيل كان صاحب ضرع أي ماشية وبذلك يكون عنده زبْد ولبن وجبن، وحيوانات للحم، والثاني صاحب زرع وقالوا: إن قابيل قدّم شِرار زرعه، وهابيل قدّم خيار ماشيته. { فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ }. { قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ } وسبحانه قال: { أَحَدِهِمَا } ولم يقل قابيل أو هابيل، { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ }. فقوله: { قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ } من الذي قال؟ الذي قال هو من لم يتقبل قربانه؛ لأنه لم يحقق مُراده وغرضه.{ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }. وهل هذا الرّد مُناسب لقوله: " لأقتلنك "؟ نعم؛ لأن " لأقتلنك " بسبب أن قربانك قُبِل وقرباني لم يُقبَل. قال: فما دخلي أنا بهذه العملية؟ الدخل في العملية للقابل للقربان، فأنا ليس لي دخل فيها، وربّنا لم يتقبله لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين. وهو يعلم أنك لست بمتقٍ؛ فلن يتقبل منك لأنك تأبيت عن حكاية الزواج بابنة البطن المخالف، وهذا أول تمرُّد على منهج الله وعلى أمره لذلك قال هابيل: لا تلُمني فأنا لا دخل لي في القربان المتقبل؛ لأن هذا من عند الله. والله لم يظلمك؛ لأن ربنا يتقبل من المتقين. وأنت لست بمتقٍ؛ لأنك لم تَرْضَ بالحكم الأول في أن تبتعد البطون { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }.
{  لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[المائدة: 28]

وكلمة " البسط " ضد " القبض " ، وهناك: " بسط له " ، و " بسط إليه ".

وتجد " بسط له كأن البسط لصالح المبسوط له.
{  وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ }
[الشورى: 27]

ولم يقل: " إلى عباده " بل قال: " لعباده " ، إذن فالبسط لصالح المبسوط له ولذلك لا يكون بإلى إلاّ في الشر، وشرحنا من قبل هذه المسألة وفي قوله الحق:
{  إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }
[المائدة: 11]

إذن فالذي يبسط لك يعطيك نفعا والذي يبسط إليك يكون النفع له هو.

{ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ }. وبيّنت " لتقتلني " مدلول " إليّ ". والعلة لا عجز عن مقابلة قوّتك بقوة، لا، وإنما لأنني أخاف الله، فليس في هذا تقصير في الدفاع عن نفسي لأنني أريد أن أُحَنّنِك تَحنيناً يرجعك إلى صَوابك. وساعة يأتي واحد يريد أن يقتل واحداً يقول له: والله لن أقاتلك لأنني أخاف ربنا.

إذن فبيَّن له أن خَوفه من الله مسألة مُستقرة في الذهن حتى ولو كانت ضد استبقاء الحياة، وقد يعرفها في نفسه لأن أخاه كان يستطيع أن يقدّم دفاعاً قويا، لقد ردّ الأمر إلى الحقّ الأعلى. فلا تقل كان هابيل سَلبيّا لا. إنه صعّد الأمر إلى الأقوى

ويقول الحق: { إِنِّيۤ أُرِيدُ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net