سورة
اية:

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض، إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو الشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون} ، وقوله تبارك وتعالى: { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضاً من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة مختلفة الألوان أيضاً، قال ابن عباس: الجدد الطرائق، ومنها غرابيب سود، قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود، وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد، قالوا: أسود غربيب، ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: { وغرابيب سود} أي سود غرابيب، فيما قاله نظر. وقوله تعالى: { ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} أي كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب وهو كل ما دب على القوائم والأنعام من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضاً، فالناس منهم بربر وحبوش في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك، وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون، وهذا اللون، فتبارك اللّه أحسن الخالقين، وقد روى الحافظ البزار في مسنده عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: أيصبغ ربك؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (نعم صبغاً لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض) قال ابن كثير: روي مرسلاً وموقوفاً واللّه أعلم ، ولهذا قال تعالى بعد هذا { إنما يخشى اللّه من عباده العلماء} أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. قال ابن عباس في قوله تعالى: { إنما يخشى اللّه من عباده العلماء} قال: الذين يعلمون أن اللّه على كل شيء قدير، وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يترك به شيئاً، وأحل حلاله وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله، وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية اللّه عزَّ وجلَّ، وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغب فيما رغب اللّه فيه، وزهد فيما سخط اللّه فيه، ثم تلا الحسن: { إنما يخشى اللّه من عباده العلماء إن اللّه عزيز غفور} وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية، وقال مالك: إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله اللّه في القلب، وقال سفيان الثوري: كان يقال: العلماء ثلاثة، عالم باللّه وعالم بأمر اللّه، وعالم باللّه ليس بعالم بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس بعالم باللّه، فالعالم باللّه وبأمر اللّه الذي يخشى اللّهَ تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم باللّه ليس بعالم بأمر اللّه الذي يخشى اللّه ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر اللّه ليس بعالم باللّه الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى اللّه عزَّ وجلَّ.

تفسير الجلالين

{ ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } كاختلاف الثمار والجبال { إنما يخشى الله من عباده العلماءُ } بخلاف الجهال ككفار مكة { إن الله عزيز } في ملكه { غفور } لذنوب عباده المؤمنين .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} هذه الرؤية رؤية القلب والعلم؛ أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل؛ فـ "أن" واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية. { فأخرجنا به ثمرات} هو من باب تلوين الخطاب. { مختلفا ألوانها} نصبت "مختلفا" نعتا لـ "ثمرات. "ألوانها" رفع بمختلف، وصلح أن يكون نعتا لـ"ثمرات" لما دعا عليه من ذكره. ويجوز في غير القرآن رفعه؛ ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه. "به" أي بالماء وهو واحد، والثمرات مختلفة. { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا. قال الأخفش : ولو كان جمع جديد لقال : جدد (بقسم الجيم والدال) نحو سرير وسرر. وقال زهير : كأنه أسفع الخدين ذو جدد ** طاو ويرتفع بعد الصيف عريانا وقيل : إن الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته؛ حكاه ابن بحر قال الجوهري : والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. والجدة الطريقة، والجمع جدد؛ قال تعالى: { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} أي طرائق تخالف لون الجبل. ومنه قولهم : ركب فلان جدة من الأمر؛ إذا رأى فيه رأيا. وكساء مجدد : فيه خطوط مختلفة. الزمخشري : وقرأ الزهري: "جدد" بالضم جمع جديدة، هي الجدة؛ يقال : جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول أبي ذؤيب : جون السراة له جدائد أربع وروي عنه "جدد" بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. "ومن الناس والدواب" وقرئ: "والدواب" مخففا. ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: "ولا الضألين" لأن كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين، فحرك ذلك أولهما، وحذف هذا آخرهما؛ قاله الزمخشري. { والأنعام مختلف ألوانه} أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على صانع مختار. وقال: { مختلف ألوانه} فذكر الضمير مراعاة لـ "من"؛ قاله المؤرج. وقال أبو بكر بن عياش : إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى "ما" مضمرة؛ مجازه : ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ألوانه، أي أبيض وأحمر وأسود. { وغرابيب سود} قال أبو عبيدة : الغربيب الشديد السواد؛ ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : ومن الجبال سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب : أسود غربيب. قال الجوهري : وتقول هذا أسود غربيب؛ أي شديد السواد. وإذا قلت : غرابيب سود، تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله يبغض الشيخ الغربيب) يعني الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس : العين طامحة واليد سابحة ** والرجل لافحة والوجه غربيب وقال آخر يصف كرما : ومن تعاجيب خلق الله غاطية ** يعصر منها ملاحي وغربيب قوله تعالى: { كذلك} هنا تمام الكلام؛ أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، { إنما يخشى الله من عباده العلماء} يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته؛ فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال : الذين علموا أن الله على كل شيء قدير. وقال الربيع بن أنس من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد : إنما العالم من خشي الله عز وجل. وعن ابن مسعود : كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا. وقيل لسعد بن إبراهيم : من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال : إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال : إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم - ثم تلا هذه الآية - إنما يخشى الله من عباده العلماء. إن الله وملائكته وأهل سمواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير) الخبر مرسل. قال الدارمي : وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال : إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، قلوبهم أمر من الصبر؛ فبي يغترون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران. خرجه الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب. الزمخشري : فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ { إنما يخشى اللهُ} بالرفع { من عباده العلماءَ} بالنصب، وهو عمر بن عبد العزيز. وتحكى عن أبي حنيفة. قلت : الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى : إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. { إن الله عزيز غفور} تعليل لوجوب الخشية، لدلاله على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم. والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فاطر الايات 27 - 32


سورة فاطر الايات 28 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: فالاختلاف في كل الأجناس؛ لأن الخَلْق قائم على طلاقة القدرة، فالناس مع كثرتهم مختلفون، وهذا إعجاز دالّ على طلاقة القدرة، فالخَلْق ليس على قالب واحد يُخرِج نسخاً متطابقة، إنك تنظر إلى الرجل فتقول هو شبه فلان، لكن إذا دققتَ النظر لا بُدَّ أنْ ترى اختلافاً، إذن: طلاقة القدرة تقتضي اختلاف كل أجناس الوجود: الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان.

ومعنى الدوابّ: كل ما يدبّ على الأرض عدا الإنسان والأنعام التي هي البقر والغنم والإبل والماعز.

وقوله سبحانه: { إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء.. } [فاطر: 28].

والخشية هي الخوف الممزوج بالرجاء، وهذا من العلماء عمل من أعمال القلوب، وأنت تخاف مثلاً من عدوك، لكن لا رجاءَ لك فيه، إنما حين تخاف من الله تخافه سبحانه وأنت ترجوه وأنت تحبه، لذلك قالوا: لا ملجأ من الله إلا إليه.

والعلم إما علم شرعي، وهو علم الأحكام: الحلال والحرام والواجب والسنة.. الخ. أو علم الكونيات، وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن آيات كونية ولم يُذكر قبلها شيء من أحكام الشرع؛ لذلك نقول: إن المراد بالعلماء هنا العلماء بالكونيات والظواهر الطبيعية، وينبغي أن يكون هؤلاء هم أخشى الناس لله تعالى؛ لأنهم أعلم بالآيات الكونية في: الجمادات، والنبات، وفي الحيوان، والإنسان، وهم أقدر الناس على استنباط ما في هذه الآيات من أسرار لله تعالى.

وكونيات الوجود هي الدليل على واجب الوجود، وهي المدخل في الوصول إلى الخالق سبحانه وإلى الإيمان به؛ لذلك كثيراً ما نجد في القرآن:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }
[الروم: 23].

وإذا كان العلم قضية يقينية مجزوماً بها وعليها دليل، فإن الحق سبحانه وتعالى نزَّل لنا علم الشرع وحدَّد لنا حدوده، فلا دَخْلَ لنا فيه، لذلك عصمه الله وأحكمه؛ لأن الأهواء تختلف فيه، والحق سبحانه يقول:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ }
[المؤمنون: 71]. أما علم الكونيات فقد تركه الخالق سبحانه للعقول تبحث فيه وتستنبط منه وتتنافس فيه، بل وتسرقه بعض الدول من بعض.

وآفة العصر الحديث أنْ يُدخِل علماء الشرع أنوفهم في الكونيات، أو أن يُدخِل علماء الكونيات أنوفهم في أحكام الشرع، وقد رأينا مثلاً لما قالوا بأن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس، أسرع بعض علماء الشرع فاتهموا هؤلاء بالكفر، وهذا خطأ فادح، وكان عليهم أنْ يأخذوا من الحق سبحانه ما عصم به الأهواء من أن تختلف؛ لأن شكل الأرض وحركتها مسألة كونية لا صِلَة فيها بالحلال والحرام.

والحق سبحانه يقول:
{  فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 43] فأهل الذكر في العلوم الشرعية غير أهل الذكر في العلوم الكونية، ويجب أنْ يحترم كل منهما تخصص الآخر في مجاله، ولا يَنْسَى علماء الشرع أن علماء الكونيات هم الذين يكتشفون لنا أسرار الله في الخَلْق، وهم الذين يُربُّون في نفوسنا أدلة الإيمان بواجب الوجود الذي تصدر عنه أحكام الحلال والحرام.والحق سبحانه وتعالى خلق الكون على هيئة الصلاح، فلو دخلْتَ مثلاً غابة من الغابات الأنُف - يعني: التي لم يدخلها أحد، وما زالت على طبيعتها كما خلقها الله - لا تجد فيها قذارة ولا رائحة كريهة ولا قمامة ولا غُصناً مكسوراً.. الخ، بل تراها نظيفة متناسقة، فالفضلات بها غذاء لحيوانات أخرى، فنظافتها ذاتية.

وأذكر أننا رأينا في وادي فاطمة في السعودية عَيْنَ ماء تروى الوادي من حولها، وفي أحد الجداول رأينا أسماكاً صغيرة في حجم واحد مثل عُقْلة الأصبع فسألت صاحب البستان: هل يكبر هذا السمك؟ قال: لا بل يظل على هذه الصورة، وهو ما جاء إلا بعد أنْ ألقينا بعض فضلات الطعام في الماء فظهر ليتغذَّى عليها ثم يختفي، وكأن له مهمة محددة هي نظافة الماء، ولما جئنا إلى مصر وجدنا بها هذا السمك في " مُتْحف الأحياء المائية " يقوم بنفس هذه المهمة، وهي تنظيف أحواض الأسماك من الفضلات.

لذلك نقول: لا يأتي الفساد في الطبيعة إلا حين يتدخَّل فيها الإنسان، بدليل أن المخلوقات التي لا دخل للإنسان فيها تسير بنظام محكم دقيق لا اختلاف فيه؛ لذلك حين ترى في الكون مثلاً أزمة في القوت، فاعلم أنها نتيجة حركة خاطئة للإنسان، أو نتيجة تكاسل عن استنباط خيرات الأرض.

إذن: على علماء الشرع ألاَّ يُدخِلوا أنفسهم في الكونيات، وقد علَّمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهاهم عن تأبير النخل يعني: تلقيحه، فلم يثمر النخل، فلما رأى رسول الله ذلك قَبِلها في نفسه وقال: " أنتم أعلم بشئون دنياكم " يعني: المسائل الكونية والعلمية والمعملية التجريبية، هذه أمور لا دخْلَ لأحكام الشرع فيها، لكن آفة العلماء اليوم ألاَّ يلتزم كُلٌّ بما يخصُّه.

لذلك خَصَّ الله هنا علماء الكونيات؛ لأنهم الأقدر على التمعُّن في أسرار الله، فالحق سبحانه ملأ كونه بأسرار تتناسب مع تطور العصر ومُضيّ الزمن، فالأسرار التي عرفها الإنسان في العصر الحجري مثلاً غير التي عرفها في العصر الحديث، وشاءتْ حكمة الله أنْ يجعل لكل سرٍّ من أسراره ميلاداً يظهر فيه، بحيث لا تظهر الأسرار في زمن واحد، ويستقبل الإنسان باقي الزمن بدون جديد.

وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الحق سبحانه أظهر للإنسان ما فيه مقومات حياته، ثم ترك الأمور البدهية التي يعرفها الناس ليترقوا فيها، فالإنسان مثلاً استخدم بدهية أن الماء ينساب من أعلى إلى أسفل، ورقّى هذه البدهية وأصبح يستقبل الماء في بيته من الصنبور (الحنفية)، بعد أنْ كان ينقل الماء من الآبار والأنهار، ويتحمل في سبيل ذلك المشاق، فلما أعمل عقله في بدهيات الكون ترقَّى وجنى ثمرة هذا الترقِّي.لذلك تجد أن أعقد النظريات العلمية والالكترونية مأخوذة في بدايتها من بدهيات، وقلنا في علم الهندسة: إنك تبرهن على صدق النظرية المائة باستخدام النظرية التسعة والتسعين، وهكذا حتى تصل إلى النظرية الأولى، وهي قائمة على بدهية من بدهيات الكون، لا تختلف فيها العقول.

لذلك دائما يدعونا الحق سبحانه إلى التفكُّر والتأمُّل والتدبُّر.. الخ وما توصل إليه البشر الآن من آلات ووسائل حديثة مثل: الغسالة، والثلاجة، والتلفاز.. الخ ما هي إلا ثمرة هذا الفكر الذي رقَّى البدهيات، حتى وصل بها إلى ما وصل إليه الآن، ومَنْ أراد أن يقف على هذا الترقي، ويرى قدرة الله في توارد الصناعات وارتقاءاتها من حلقة إلى حلقة فليذهب إلى (ديترويت) ليرى هناك معرض (فورد) الذي يضم ارتقاءات الصناعات من إبرة الخياطة للصاروخ.

إذن: الكون فيه أسرار يكتشفها الإنسان، ولكل سرٍّ ميلاد يظهر فيه، إما نتيجة بحث للإنسان أو حتى صدفة، ومن لُطْف الله تعالى أن الملاحدة لما اكتشفوا بعض أسرار الكون قالوا اكتشفنا، ولم يقل أحد منهم: اخترعنا. وكأن الله تعالى صرفهم وألهاهم عن النطق بكلمة الاختراع ولوى ألسنتهم حتى لا يجترئوا على الله، فالجاذبية مثلاً موجودة منذ خُلِقت السماوات والأرض، ودور الإنسان أنه اكتشف هذا السر؛ لذلك الذي يقول اخترعت نقول له: هذا كذب والصواب أنك اكتشفتَ.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } [فاطر: 28] عزيز لا يُغلب، وغفور لكم إنْ بدر منكم سهو أو تقصير في استنباط أسرار الله في كونه، يغفر لهم إنْ أخطأوا في تجربة من تجاربهم، فسوف يأتي مَنْ بعدهم ويصححها.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ... }.


www.alro7.net