سورة
اية:

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى محتجاً على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده: { كيف تكفرون بالله} أي كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره، { وكنتم أمواتا فأحياكم} أي وقد كنتم عدماً فأخرجكم إلى الوجود. كما قال تعالى: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون} ، وقال ابن عباس { كنتم أمواتا فأحياكم} : أمواتاً في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم حين يبعثكم ""هذه رواية ابن جريج عن ابن عباس، والرواية الثانية رواية الضحّاك عنه""قال: وهي مثل قوله تعالى: { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} وقال الضحّاك عن ابن عباس في قوله تعالى { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال: كنتم تراباً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم هذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أُخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أُخرى: فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} .

تفسير الجلالين

{ كيف تكفرون } يا أهل مكة { بالله و } قد { كنتم أمواتاً } نطفاً في الأصلاب { فأحياكم } في الأرحام والدنيا بنفخ الروح فيكم، والاستفهام للتعجيب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيْخ { ثم يميتكم } عند انتهاء آجالكم { ثم يحييكم } بالبعث { ثم إليه ترجعون } تردون بعد البعث فيجازيكم بأعمالكم. وقال دليلا على البعث لما أنكروه.

تفسير الطبري

يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 480 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } يَقُول : لَمْ تَكُونُوا شَيْء فَخَلَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَوْم الْقِيَامَة . 481 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : هِيَ كَاَلَّتِي فِي الْبَقَرَة : { كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } 482 - وَحَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس , قَالَ : حَدَّثَنَا عبثر , قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْن عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : خَلَقْتنَا وَلَمْ نَكُنْ شَيْء , ثُمَّ أَمَتّنَا , ثُمَّ أَحْيَيْتنَا . * وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فَأَحْيَاهُمْ اللَّه , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ . 483 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } قَالَ : لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حِين خَلَقَكُمْ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ الْمَوْتَة الْحَقّ , ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . وَقَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 مِثْلهَا . 484 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَيْنِ } 40 11 485 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة فِي قَوْل اللَّه : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } يَقُول : حِين لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ حِين خَلَقَهُمْ , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ بَعْد الْحَيَاة . 486 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } قَالَ : كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْل أَنْ يَخْلُقكُمْ فَهَذِهِ مَيْتَة , ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ فَهَذِهِ إِحْيَاءَة , ثُمَّ يُمِيتكُمْ فَتَرْجِعُونَ إلَى الْقُبُور فَهَذِهِ مَيْتَة أُخْرَى , ثُمَّ يَبْعَثكُمْ يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ إِحْيَاءَة ; فَهُمَا مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ , فَهُوَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا 487 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قَالَ : يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْر , ثُمَّ يُمِيتكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 488 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } الْآيَة . قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ , فَأَحْيَاهُمْ اللَّه وَخَلَقَهُمْ , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ الْمَوْتَة الَّتِي لَا بُدّ مِنْهَا , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة ; فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ . وَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 489 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : خَلَقَهُمْ مِنْ ظَهْر آدَم حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق . وَقَرَأَ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ } حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ أَفَتُهْلِكنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } 7 172 : 173 قَالَ : فَكَسَبَهُمْ الْعَقْل وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق . قَالَ : وَانْتَزَعَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاع آدَم الْقَصِيرَيْ , فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاء , ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء } 4 1 قَالَ : وَبَثَّ مِنْهُمَا بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْحَام خَلْقًا كَثِيرًا , وَقَرَأَ : { يَخْلُقكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْد خَلْق } 39 6 قَالَ : خَلْقًا بَعْد ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق أَمَاتَهُمْ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَام , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } 40 11 وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 33 7 قَالَ : يَوْمئِذٍ . قَالَ : وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } 5 7 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلِكُلِّ قَوْل مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ وَجْه وَمَذْهَب مِنْ التَّأْوِيل . فَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أَيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا , فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى نَحْو قَوْل الْعَرَب لِلشَّيْءِ الدَّارِس وَالْأَمْر الْخَامِل الذِّكْر : هَذَا شَيْء مَيِّت , وَهَذَا أَمْر مَيِّت ; يُرَاد بِوَصْفِهِ بِالْمَوْتِ خُمُول ذِكْره وَدُرُوس أَثَره مِنْ النَّاس . وَكَذَلِكَ يُقَال فِي ضِدّ ذَلِكَ وَخِلَافه : هَذَا أَمْر حَيّ , وَذِكْر حَيّ ; يُرَاد بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَابَهُ مُتَعَالِم فِي النَّاس كَمَا قَالَ أَبُو نُخَيْلَة السَّعْدِيّ : فَأَحْيَيْت لِي ذِكْرِي وَمَا كُنْت خَامِلًا وَلَكِنْ بَعْض الذِّكْر أَنْبَه مِنْ بَعْض يُرِيد بِقَوْلِهِ : " فَأَحْيَيْت لِي ذِكْرِي " : أَيْ رَفَعْته وَشَهَّرْته فِي النَّاس حَتَّى نَبِهَ فَصَارَ مَذْكُورًا حَيًّا بَعْد أَنْ كَانَ خَامِلًا مَيِّتًا . فَكَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْل مَنْ قَالَ فِي قَوْله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا : أَيْ كُنْتُمْ خُمُولًا لَا ذِكْر لَكُمْ , وَذَلِكَ كَانَ مَوْتكُمْ , فَأَحْيَاكُمْ فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاء تُذْكَرُونَ وَتُعْرَفُونَ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحكُمْ وَإِعَادَتكُمْ كَاَلَّذِي كُنْتُمْ قَبْل أَنْ يُحْيِيكُمْ مِنْ دُرُوس ذِكْركُمْ , وَتَعَفِّي آثَاركُمْ , وَخُمُول أُمُوركُمْ ; ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِإِعَادَةِ أَجْسَامكُمْ إلَى هَيْئَاتهَا وَنَفْخ الرُّوح فِيهَا وَتَصْيِيركُمْ بَشَرًا كَاَلَّذِي كُنْتُمْ قَبْل الْإِمَاتَة لِتَعَارَفُوا فِي بَعْثكُمْ وَعِنْد حَشْركُمْ . وَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ الْإِمَاتَة الَّتِي هِيَ خُرُوج الرُّوح مِنْ الْجَسَد , فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون ذَهَبَ بِقَوْلِهِ : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } إلَى أَنَّهُ خِطَاب لِأَهْلِ الْقُبُور بَعْد إحْيَائِهِمْ فِي قُبُورهمْ . وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيد , لِأَنَّ التَّوْبِيخ هُنَالِكَ إنَّمَا هُوَ تَوْبِيخ عَلَى مَا سَلَف وَفَرْط مِنْ إجْرَامهمْ لَا اسْتِعْتَاب وَاسْتِرْجَاع وَقَوْله جَلَّ ذِكْره : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } تَوْبِيخ مُسْتَعْتَب عِبَاده , وَتَأْنِيب مُسْتَرْجَع خَلْقه مِنْ الْمَعَاصِي إلَى الطَّاعَة وَمِنْ الضَّلَالَة إلَى الْإِنَابَة , وَلَا إنَابَة فِي الْقُبُور بَعْد الْمَمَات وَلَا تَوْبَة فِيهَا بَعْد الْوَفَاة . وَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل قَوْل قَتَادَةَ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ . فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا لَا أَرْوَاح فِيهَا , فَكَانَتْ بِمَعْنَى سَائِر الْأَشْيَاء الْمَوَات الَّتِي لَا أَرْوَاح فِيهَا . وَإِحْيَاؤُهُ إيَّاهَا تَعَالَى ذِكْره : نَفْخه الْأَرْوَاح فِيهَا وَإِمَاتَته إيَّاهُمْ بَعْد ذَلِكَ قَبْضه أَرْوَاحهمْ , وَإِحْيَاؤُهُ إيَّاهُمْ بَعْد ذَلِكَ : نَفْخ الْأَرْوَاح فِي أَجْسَامهمْ يَوْم يَنْفُخ فِي الصُّوَر وَيَبْعَث الْخَلْق لِلْمَوْعُودِ . وَأَمَّا ابْن زَيْد فَقَدْ أَبَانَ عَنْ نَفْسه مَا قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ ذَلِكَ , وَأَنَّ الْإِمَاتَة الْأُولَى عِنْد إعَادَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ بَعْد مَا أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم , وَأَنَّ الْإِحْيَاء الْآخَر : هُوَ نَفْخ الْأَرْوَاح فِيهِمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتهمْ , وَأَنَّ الْإِمَاتَة الثَّانِيَة هِيَ قَبْض أَرْوَاحهمْ لِلْعَوْدِ إلَى التُّرَاب وَالْمَصِير فِي الْبَرْزَخ إلَى الْيَوْم الْبَعْث , وَأَنَّ الْإِحْيَاء الثَّالِث : هُوَ نَفْخ الْأَرْوَاح فِيهِمْ لِبَعْثِ السَّاعَة وَنَشْر الْقِيَامَة . وَهَذَا تَأْوِيل إذَا تَدَبَّرْهُ الْمُتَدَبِّر وَجَدَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْل اللَّه الَّذِي زَعَمَ مُفَسِّره أَنَّ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ قَوْله تَفْسِيره . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابه عَنْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ خَلْقه أَنَّهُمْ قَالُوا : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 وَزَعَمَ ابْن زَيْد فِي تَفْسِيره أَنَّ اللَّه أَحْيَاهُمْ ثَلَاث إِحْيَاءَات , وَأَمَاتَهُمْ ثَلَاث إِمَاتَات . وَالْأَمْر عِنْدنَا وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَصَفَ مِنْ اسْتِخْرَاج اللَّه جَلَّ ذِكْره مِنْ صُلْب آدَم ذُرِّيَّته , وَأَخْذه مِيثَاقه عَلَيْهِمْ كَمَا وَصَفَ , فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيل هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , أَعْنِي قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } الْآيَة , وَقَوْله : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 فِي شَيْء ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ أَنَّ اللَّه أَمَاتَ مَنْ ذَرَأَ يَوْمئِذٍ غَيْر الْإِمَاتَة الَّتِي صَارَ بِهَا فِي الْبَرْزَخ إلَى يَوْم الْبَعْث , فَيَكُون جَائِزًا أَنْ يُوَجَّه تَأْوِيل الْآيَة إلَى مَا وَجَّهَهُ إلَيْهِ ابْن زَيْد . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمَوْتَة الْأُولَى : مُفَارَقَة نُطْفَة الرَّجُل جَسَده إلَى رَحِم الْمَرْأَة , فَهِيَ مَيْتَة مِنْ لَدُنْ فِرَاقهَا جَسَده إلَى نَفْخ الرُّوح فِيهَا , ثُمَّ يُحْيِيهَا اللَّه بِنَفْخِ الرُّوح فِيهَا فَيَجْعَلهَا بَشَرًا سَوِيًّا بَعْد تَارَات تَأْتِي عَلَيْهَا , ثُمَّ يُمِيتهُ الْمَيْتَة الثَّانِيَة بِقَبْضِ الرُّوح مِنْهُ . فَهُوَ فِي الْبَرْزَخ مَيِّت إلَى يَوْم يَنْفُخ فِي الصُّور فَيَرُدّ فِي جَسَده رُوحه , فَيَعُود حَيًّا سَوِيًّا لِبَعْثِ الْقِيَامَة ; فَذَلِكَ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ . وَإِنَّمَا دَعَا هَؤُلَاءِ إلَى هَذَا الْقَوْل لِأَنَّهُمْ قَالُوا : مَوْت ذِي الرُّوح مُفَارَقَة الرُّوح إيَّاهُ , فَزَعَمُوا أَنَّ كُلّ شَيْء مِنْ ابْن آدَم حَيّ مَا لَمْ يُفَارِق جَسَده الْحَيّ ذَا الرُّوح , فَكُلّ مَا فَارَقَ جَسَده الْحَيّ ذَا الرُّوح فَارَقَتْهُ الْحَيَاة فَصَارَ مَيِّتًا , كَالْعُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ مِثْل الْيَد مِنْ يَدَيْهِ , وَالرِّجْل مِنْ رِجْلَيْهِ لَوْ قُطِعَتْ وَأُبِينَتْ , وَالْمَقْطُوع ذَلِكَ مِنْهُ حَيّ , كَانَ الَّذِي بَانَ مِنْ جَسَده مَيِّتًا لَا رُوح فِيهِ بِفِرَاقِهِ سَائِر جَسَده الَّذِي فِيهِ الرُّوح . قَالُوا : فَكَذَلِكَ نُطْفَته حَيَّة بِحَيَاتِهِ مَا لَمْ تُفَارِق جَسَده ذَا الرُّوح , فَإِذَا فَارَقَتْهُ مُبَايِنَة لَهُ صَارَتْ مَيِّتَة , نَظِير مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْم الْيَد وَالرِّجْل وَسَائِر أَعْضَائِهِ , وَهَذَا قَوْل وَوَجْه مِنْ التَّأْوِيل لَوْ كَانَ بِهِ قَائِل مِنْ أَهْل الْقُدْوَة الَّذِينَ يُرْتَضَى لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلهمْ . وَأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي بَيَّنَّا بِتَأْوِيلِ قَوْل اللَّه جَلَّ ذِكْره : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ ابْن عَبَّاس , مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } : أَمْوَات الذِّكْر خُمُولًا فِي أَصْلَاب آبَائِكُمْ نُطَفًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ , فَأَحْيَاكُمْ بِإِنْشَائِكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا , حَتَّى ذُكِرْتُمْ وَعُرِفْتُمْ وَحَيِيتُمْ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحكُمْ وَإِعَادَتكُمْ رُفَاتًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ فِي الْبَرْزَخ إلَى يَوْم تُبْعَثُونَ , ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بَعْد ذَلِكَ بِنَفْخِ الْأَرْوَاح فِيكُمْ لِبَعْثِ السَّاعَة وَصَيْحَة الْقِيَامَة , ثُمَّ إلَى اللَّه تُرْجَعُونَ بَعْد ذَلِكَ , كَمَا قَالَ : { ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْيِيهِمْ فِي قُبُورهمْ قَبْل حَشْرهمْ , ثُمَّ يَحْشُرهُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب , كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْره : { يَوْم يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إلَى نُصُب يُوفِضُونَ } 70 43 وَقَالَ : { وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاث إلَى رَبّهمْ يَنْسِلُونَ } 36 51 وَالْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيل , مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْره لِلْقَائِلِينَ بِهِ وَفَسَاد مَا خَالَفَهُ بِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَبْل . وَهَذِهِ الْآيَة تَوْبِيخ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْقَائِلَيْنِ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَعَ قَيْلهمْ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ غَيْر مُؤْمِنِينَ بِهِ , وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . فَعَذَلَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } وَوَبَّخَهُمْ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِي نَكِيرهمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ , وَجُحُودهمْ مَا جَحَدُوا بِقُلُوبِهِمْ الْمَرِيضَة فَقَالَ : كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ فَتَجْحَدُونَ قُدْرَته عَلَى إحْيَائِكُمْ بَعْد إمَاتَتكُمْ وَإِعَادَتكُمْ بَعْد إفْنَائِكُمْ وَحَشْركُمْ إلَيْهِ لِمُجَازَاتِكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ . ثُمَّ عَدَّدَ رَبُّنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ جَمَعَ بَيْن قَصَصهمْ وَقَصَص الْمُنَافِقِينَ فِي كَثِير مِنْ آيِ هَذِهِ السُّورَة الَّتِي افْتَتَحَ الْخَبَر عَنْهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } : نِعَمه الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ إلَيْهِمْ وَإِلَى آبَائِهِمْ الَّتِي عَظُمَتْ مِنْهُمْ مَوَاقِعهَا , ثُمَّ سَلَبَ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِنْهَا بِمَا رَكِبُوا مِنْ الْآثَام وَاجْتَرَمُوا مِنْ الْإِجْرَام وَخَالَفُوا مِنْ الطَّاعَة إلَى الْمَعْصِيَة , يُحَذِّرهُمْ بِذَلِكَ تَعْجِيل الْعُقُوبَة لَهُمْ كَاَلَّتِي عَجَّلَهَا لِلْأَسْلَافِ وَالْإِفْرَاط قَبْلهمْ , وَيُخَوِّفهُمْ حُلُول مُثُلَاته بِسَاحَتِهِمْ كَاَلَّذِي أَحَلَّ بِأَوَّلِيِّهِمْ , وَيُعَرِّفهُمْ مَا لَهُمْ مِنْ النَّجَاة فِي سُرْعَة الْأَوْبَة إلَيْهِ , وَتَعْجِيل التَّوْبَة مِنْ الْخَلَاص لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْعِقَاب .يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 480 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } يَقُول : لَمْ تَكُونُوا شَيْء فَخَلَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَوْم الْقِيَامَة . 481 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : هِيَ كَاَلَّتِي فِي الْبَقَرَة : { كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } 482 - وَحَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس , قَالَ : حَدَّثَنَا عبثر , قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْن عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : خَلَقْتنَا وَلَمْ نَكُنْ شَيْء , ثُمَّ أَمَتّنَا , ثُمَّ أَحْيَيْتنَا . * وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن , عَنْ أَبِي مَالِك فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فَأَحْيَاهُمْ اللَّه , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ . 483 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } قَالَ : لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حِين خَلَقَكُمْ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ الْمَوْتَة الْحَقّ , ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . وَقَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 مِثْلهَا . 484 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَيْنِ } 40 11 485 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة فِي قَوْل اللَّه : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } يَقُول : حِين لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ حِين خَلَقَهُمْ , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ بَعْد الْحَيَاة . 486 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } قَالَ : كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْل أَنْ يَخْلُقكُمْ فَهَذِهِ مَيْتَة , ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ فَهَذِهِ إِحْيَاءَة , ثُمَّ يُمِيتكُمْ فَتَرْجِعُونَ إلَى الْقُبُور فَهَذِهِ مَيْتَة أُخْرَى , ثُمَّ يَبْعَثكُمْ يَوْم الْقِيَامَة فَهَذِهِ إِحْيَاءَة ; فَهُمَا مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ , فَهُوَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا 487 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قَالَ : يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْر , ثُمَّ يُمِيتكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 488 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } الْآيَة . قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ , فَأَحْيَاهُمْ اللَّه وَخَلَقَهُمْ , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ الْمَوْتَة الَّتِي لَا بُدّ مِنْهَا , ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة ; فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ . وَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 489 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 قَالَ : خَلَقَهُمْ مِنْ ظَهْر آدَم حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق . وَقَرَأَ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ } حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ أَفَتُهْلِكنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } 7 172 : 173 قَالَ : فَكَسَبَهُمْ الْعَقْل وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق . قَالَ : وَانْتَزَعَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاع آدَم الْقَصِيرَيْ , فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاء , ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء } 4 1 قَالَ : وَبَثَّ مِنْهُمَا بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْحَام خَلْقًا كَثِيرًا , وَقَرَأَ : { يَخْلُقكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْد خَلْق } 39 6 قَالَ : خَلْقًا بَعْد ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق أَمَاتَهُمْ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَام , ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } 40 11 وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 33 7 قَالَ : يَوْمئِذٍ . قَالَ : وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } 5 7 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلِكُلِّ قَوْل مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ وَجْه وَمَذْهَب مِنْ التَّأْوِيل . فَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أَيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا , فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى نَحْو قَوْل الْعَرَب لِلشَّيْءِ الدَّارِس وَالْأَمْر الْخَامِل الذِّكْر : هَذَا شَيْء مَيِّت , وَهَذَا أَمْر مَيِّت ; يُرَاد بِوَصْفِهِ بِالْمَوْتِ خُمُول ذِكْره وَدُرُوس أَثَره مِنْ النَّاس . وَكَذَلِكَ يُقَال فِي ضِدّ ذَلِكَ وَخِلَافه : هَذَا أَمْر حَيّ , وَذِكْر حَيّ ; يُرَاد بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَابَهُ مُتَعَالِم فِي النَّاس كَمَا قَالَ أَبُو نُخَيْلَة السَّعْدِيّ : فَأَحْيَيْت لِي ذِكْرِي وَمَا كُنْت خَامِلًا وَلَكِنْ بَعْض الذِّكْر أَنْبَه مِنْ بَعْض يُرِيد بِقَوْلِهِ : " فَأَحْيَيْت لِي ذِكْرِي " : أَيْ رَفَعْته وَشَهَّرْته فِي النَّاس حَتَّى نَبِهَ فَصَارَ مَذْكُورًا حَيًّا بَعْد أَنْ كَانَ خَامِلًا مَيِّتًا . فَكَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْل مَنْ قَالَ فِي قَوْله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا : أَيْ كُنْتُمْ خُمُولًا لَا ذِكْر لَكُمْ , وَذَلِكَ كَانَ مَوْتكُمْ , فَأَحْيَاكُمْ فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاء تُذْكَرُونَ وَتُعْرَفُونَ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحكُمْ وَإِعَادَتكُمْ كَاَلَّذِي كُنْتُمْ قَبْل أَنْ يُحْيِيكُمْ مِنْ دُرُوس ذِكْركُمْ , وَتَعَفِّي آثَاركُمْ , وَخُمُول أُمُوركُمْ ; ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِإِعَادَةِ أَجْسَامكُمْ إلَى هَيْئَاتهَا وَنَفْخ الرُّوح فِيهَا وَتَصْيِيركُمْ بَشَرًا كَاَلَّذِي كُنْتُمْ قَبْل الْإِمَاتَة لِتَعَارَفُوا فِي بَعْثكُمْ وَعِنْد حَشْركُمْ . وَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ الْإِمَاتَة الَّتِي هِيَ خُرُوج الرُّوح مِنْ الْجَسَد , فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون ذَهَبَ بِقَوْلِهِ : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } إلَى أَنَّهُ خِطَاب لِأَهْلِ الْقُبُور بَعْد إحْيَائِهِمْ فِي قُبُورهمْ . وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيد , لِأَنَّ التَّوْبِيخ هُنَالِكَ إنَّمَا هُوَ تَوْبِيخ عَلَى مَا سَلَف وَفَرْط مِنْ إجْرَامهمْ لَا اسْتِعْتَاب وَاسْتِرْجَاع وَقَوْله جَلَّ ذِكْره : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } تَوْبِيخ مُسْتَعْتَب عِبَاده , وَتَأْنِيب مُسْتَرْجَع خَلْقه مِنْ الْمَعَاصِي إلَى الطَّاعَة وَمِنْ الضَّلَالَة إلَى الْإِنَابَة , وَلَا إنَابَة فِي الْقُبُور بَعْد الْمَمَات وَلَا تَوْبَة فِيهَا بَعْد الْوَفَاة . وَأَمَّا وَجْه تَأْوِيل قَوْل قَتَادَةَ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ . فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا لَا أَرْوَاح فِيهَا , فَكَانَتْ بِمَعْنَى سَائِر الْأَشْيَاء الْمَوَات الَّتِي لَا أَرْوَاح فِيهَا . وَإِحْيَاؤُهُ إيَّاهَا تَعَالَى ذِكْره : نَفْخه الْأَرْوَاح فِيهَا وَإِمَاتَته إيَّاهُمْ بَعْد ذَلِكَ قَبْضه أَرْوَاحهمْ , وَإِحْيَاؤُهُ إيَّاهُمْ بَعْد ذَلِكَ : نَفْخ الْأَرْوَاح فِي أَجْسَامهمْ يَوْم يَنْفُخ فِي الصُّوَر وَيَبْعَث الْخَلْق لِلْمَوْعُودِ . وَأَمَّا ابْن زَيْد فَقَدْ أَبَانَ عَنْ نَفْسه مَا قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ ذَلِكَ , وَأَنَّ الْإِمَاتَة الْأُولَى عِنْد إعَادَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ بَعْد مَا أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم , وَأَنَّ الْإِحْيَاء الْآخَر : هُوَ نَفْخ الْأَرْوَاح فِيهِمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتهمْ , وَأَنَّ الْإِمَاتَة الثَّانِيَة هِيَ قَبْض أَرْوَاحهمْ لِلْعَوْدِ إلَى التُّرَاب وَالْمَصِير فِي الْبَرْزَخ إلَى الْيَوْم الْبَعْث , وَأَنَّ الْإِحْيَاء الثَّالِث : هُوَ نَفْخ الْأَرْوَاح فِيهِمْ لِبَعْثِ السَّاعَة وَنَشْر الْقِيَامَة . وَهَذَا تَأْوِيل إذَا تَدَبَّرْهُ الْمُتَدَبِّر وَجَدَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْل اللَّه الَّذِي زَعَمَ مُفَسِّره أَنَّ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ قَوْله تَفْسِيره . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابه عَنْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ خَلْقه أَنَّهُمْ قَالُوا : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 وَزَعَمَ ابْن زَيْد فِي تَفْسِيره أَنَّ اللَّه أَحْيَاهُمْ ثَلَاث إِحْيَاءَات , وَأَمَاتَهُمْ ثَلَاث إِمَاتَات . وَالْأَمْر عِنْدنَا وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَصَفَ مِنْ اسْتِخْرَاج اللَّه جَلَّ ذِكْره مِنْ صُلْب آدَم ذُرِّيَّته , وَأَخْذه مِيثَاقه عَلَيْهِمْ كَمَا وَصَفَ , فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيل هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , أَعْنِي قَوْله : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } الْآيَة , وَقَوْله : { رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتنَا اثْنَتَيْنِ } 40 11 فِي شَيْء ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ أَنَّ اللَّه أَمَاتَ مَنْ ذَرَأَ يَوْمئِذٍ غَيْر الْإِمَاتَة الَّتِي صَارَ بِهَا فِي الْبَرْزَخ إلَى يَوْم الْبَعْث , فَيَكُون جَائِزًا أَنْ يُوَجَّه تَأْوِيل الْآيَة إلَى مَا وَجَّهَهُ إلَيْهِ ابْن زَيْد . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمَوْتَة الْأُولَى : مُفَارَقَة نُطْفَة الرَّجُل جَسَده إلَى رَحِم الْمَرْأَة , فَهِيَ مَيْتَة مِنْ لَدُنْ فِرَاقهَا جَسَده إلَى نَفْخ الرُّوح فِيهَا , ثُمَّ يُحْيِيهَا اللَّه بِنَفْخِ الرُّوح فِيهَا فَيَجْعَلهَا بَشَرًا سَوِيًّا بَعْد تَارَات تَأْتِي عَلَيْهَا , ثُمَّ يُمِيتهُ الْمَيْتَة الثَّانِيَة بِقَبْضِ الرُّوح مِنْهُ . فَهُوَ فِي الْبَرْزَخ مَيِّت إلَى يَوْم يَنْفُخ فِي الصُّور فَيَرُدّ فِي جَسَده رُوحه , فَيَعُود حَيًّا سَوِيًّا لِبَعْثِ الْقِيَامَة ; فَذَلِكَ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ . وَإِنَّمَا دَعَا هَؤُلَاءِ إلَى هَذَا الْقَوْل لِأَنَّهُمْ قَالُوا : مَوْت ذِي الرُّوح مُفَارَقَة الرُّوح إيَّاهُ , فَزَعَمُوا أَنَّ كُلّ شَيْء مِنْ ابْن آدَم حَيّ مَا لَمْ يُفَارِق جَسَده الْحَيّ ذَا الرُّوح , فَكُلّ مَا فَارَقَ جَسَده الْحَيّ ذَا الرُّوح فَارَقَتْهُ الْحَيَاة فَصَارَ مَيِّتًا , كَالْعُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ مِثْل الْيَد مِنْ يَدَيْهِ , وَالرِّجْل مِنْ رِجْلَيْهِ لَوْ قُطِعَتْ وَأُبِينَتْ , وَالْمَقْطُوع ذَلِكَ مِنْهُ حَيّ , كَانَ الَّذِي بَانَ مِنْ جَسَده مَيِّتًا لَا رُوح فِيهِ بِفِرَاقِهِ سَائِر جَسَده الَّذِي فِيهِ الرُّوح . قَالُوا : فَكَذَلِكَ نُطْفَته حَيَّة بِحَيَاتِهِ مَا لَمْ تُفَارِق جَسَده ذَا الرُّوح , فَإِذَا فَارَقَتْهُ مُبَايِنَة لَهُ صَارَتْ مَيِّتَة , نَظِير مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْم الْيَد وَالرِّجْل وَسَائِر أَعْضَائِهِ , وَهَذَا قَوْل وَوَجْه مِنْ التَّأْوِيل لَوْ كَانَ بِهِ قَائِل مِنْ أَهْل الْقُدْوَة الَّذِينَ يُرْتَضَى لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلهمْ . وَأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَال الَّتِي بَيَّنَّا بِتَأْوِيلِ قَوْل اللَّه جَلَّ ذِكْره : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ ابْن عَبَّاس , مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } : أَمْوَات الذِّكْر خُمُولًا فِي أَصْلَاب آبَائِكُمْ نُطَفًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ , فَأَحْيَاكُمْ بِإِنْشَائِكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا , حَتَّى ذُكِرْتُمْ وَعُرِفْتُمْ وَحَيِيتُمْ , ثُمَّ يُمِيتكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحكُمْ وَإِعَادَتكُمْ رُفَاتًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ فِي الْبَرْزَخ إلَى يَوْم تُبْعَثُونَ , ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بَعْد ذَلِكَ بِنَفْخِ الْأَرْوَاح فِيكُمْ لِبَعْثِ السَّاعَة وَصَيْحَة الْقِيَامَة , ثُمَّ إلَى اللَّه تُرْجَعُونَ بَعْد ذَلِكَ , كَمَا قَالَ : { ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْيِيهِمْ فِي قُبُورهمْ قَبْل حَشْرهمْ , ثُمَّ يَحْشُرهُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب , كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْره : { يَوْم يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إلَى نُصُب يُوفِضُونَ } 70 43 وَقَالَ : { وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاث إلَى رَبّهمْ يَنْسِلُونَ } 36 51 وَالْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيل , مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْره لِلْقَائِلِينَ بِهِ وَفَسَاد مَا خَالَفَهُ بِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَبْل . وَهَذِهِ الْآيَة تَوْبِيخ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْقَائِلَيْنِ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَعَ قَيْلهمْ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ غَيْر مُؤْمِنِينَ بِهِ , وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . فَعَذَلَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : { كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } وَوَبَّخَهُمْ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِي نَكِيرهمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ , وَجُحُودهمْ مَا جَحَدُوا بِقُلُوبِهِمْ الْمَرِيضَة فَقَالَ : كَيْف تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ فَتَجْحَدُونَ قُدْرَته عَلَى إحْيَائِكُمْ بَعْد إمَاتَتكُمْ وَإِعَادَتكُمْ بَعْد إفْنَائِكُمْ وَحَشْركُمْ إلَيْهِ لِمُجَازَاتِكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ . ثُمَّ عَدَّدَ رَبُّنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ جَمَعَ بَيْن قَصَصهمْ وَقَصَص الْمُنَافِقِينَ فِي كَثِير مِنْ آيِ هَذِهِ السُّورَة الَّتِي افْتَتَحَ الْخَبَر عَنْهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } : نِعَمه الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ إلَيْهِمْ وَإِلَى آبَائِهِمْ الَّتِي عَظُمَتْ مِنْهُمْ مَوَاقِعهَا , ثُمَّ سَلَبَ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِنْهَا بِمَا رَكِبُوا مِنْ الْآثَام وَاجْتَرَمُوا مِنْ الْإِجْرَام وَخَالَفُوا مِنْ الطَّاعَة إلَى الْمَعْصِيَة , يُحَذِّرهُمْ بِذَلِكَ تَعْجِيل الْعُقُوبَة لَهُمْ كَاَلَّتِي عَجَّلَهَا لِلْأَسْلَافِ وَالْإِفْرَاط قَبْلهمْ , وَيُخَوِّفهُمْ حُلُول مُثُلَاته بِسَاحَتِهِمْ كَاَلَّذِي أَحَلَّ بِأَوَّلِيِّهِمْ , وَيُعَرِّفهُمْ مَا لَهُمْ مِنْ النَّجَاة فِي سُرْعَة الْأَوْبَة إلَيْهِ , وَتَعْجِيل التَّوْبَة مِنْ الْخَلَاص لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْعِقَاب .'

تفسير القرطبي

{ كيف} سؤال عن الحال، وهي اسم في موضع نصب بـ { تكفرون} ، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة، لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، واختير لها الفتح لخفته، أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة. فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب :ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا، لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله. ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد. وقيل { كيف} لفظه لفظ الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية. قوله تعالى { وكنتم أمواتا} هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة. قال الزجاج : التقدير وقد كنتم، ثم حذفت قد. وقال الفراء { أمواتا} خبر { كنتم} . { فأحياكم ثم يميتكم} هذا وقف التمام، كذا قال أبو حاتم. ثم قال { ثم يحييكم} . واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من موتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس وابن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما ، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها. قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا. وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ،ثم أخرجكم من ظهره كالذر،ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم . وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعده هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت. قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم، فيكون على هذا خمس موتات، وخمس إحياءات. وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار، لحديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أما أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذِن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل). فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية. أخرجه مسلم. قلت : فقوله (فأماتهم الله) حقيقة في الموت، لأنه أكده بالمصدر، وذلك تكريما لهم. وقيل : يجوز أن يكون أماتهم عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة، والأول أصح. وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما هو على الحقيقة، ومثله { وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. قوله تعالى { ثم إليه ترجعون} أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم. وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة، كما قال تعالى { كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104 ]. فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع. و { تُرجَعون} قراءة الجماعة. ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام بن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 26 - 28


سورة البقرة اية رقم 28


سورة البقرة الايات 28 - 29

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كيف في اللغة للسؤال عن الحال. والحق سبحانه وتعالى أوردها في هذه الآية الكريمة ليس بغرض الاستفهام، ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان يجب أن يحدث. وبعد كل ما رواه الحق سبحانه وتعالى في آيات سابقة من أدلة دامغة عن خلق السماوات والأرض وخلق الناس.. أدلة لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يخطئها.. فكيف بعد هذه الأدلة الواضحة تكفرون بالله؟.. كفركم لا حجة لكم فيه ولا منطق.. والسؤال يكون مرة للتوبيخ.. كأن تقول لرجل كيف تسب أباك؟ أو للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله.. وكلاهما متلاقيان. سواء كان القصد التوبيخ أو التعجب فالقصد واحد.. فهذا ما كان يجب أن يصح منك. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بأدلة أخرى لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يكذب بها.. فيقول جل جلاله: { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }.

وهكذا ينتقل الكلام إلى أصل الحياة والموت. فبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى.. ماذا يفعل الكافرون الفاسقون والمنافقون من إفساد في الأرض.. وقطع لما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل.. صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت. وقوله تعالى { كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ } قضية لا تحتمل الجدل.. ربما استطاعوا المجادلة في مساءلة عدم اتباع المنهج، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل.. ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها. فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم.. ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه.. وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للناس أن الذي خلقكم هو الله.. لم يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع.. ذلك أننا كنا فعلا غير موجودين في الدنيا.. والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة..

وقوله تعالى: " ثم يميتكم ".. فإن أحدا لا يشك في أنه سيموت.. الموت مقدر على الناس جميعا.. والخلق من العدم واقع بالدليل.. والموت واقع بالحس والمشاهدة..

إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد.. فإن قالوا إن العقل كاف لإدارة الحياة.. وأنه لا يوجد شيء اسمه غيب.. قلنا: الذي تحكم في الخلق إيجادا، هو الذي يتحكم فيه موتا.. والحياة الدنيا هي مرحلة بين قوسين.. القوس الأول هو أن الله يخلقنا ويوجدنا.. وتمضي رحلة الحياة إلى القوس الثاني.. الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا وهو الموت. أي أننا في رحلة الحياة من الله وإليه.. إذن فحركة الحياة الدنيا هي بداية من الله بالحق ونهاية بالموت.. إنهم عندما تحدثوا عن أطفال الأنابيب.. وهي عملية لعلاج العقم أكثر من أي شيء آخر.. ولكنهم صوروها تصويرا جاهليا.. وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة من رحم الأم التي يكون المهبل عندها مسدودا أو لا يسمح بالتلقيح الطبيعي.. يأخذون هذه البويضة من رحم الأم.. ويخصبونها بالحيوانات المنوية للزوج.. ثم يزرعونها في رحم الأم.

إنهم أخذوا من خلق الله وهي بويضة الأم والحيوان المنوي من الرجل.. وكل ما يفعلونه هو عملية التلقيح ومع ذلك يسمونه أطفال الأنابيب.. كأن الأنبوبة يمكن أن تخلق طفلا!! والحقيقة غير ذلك.. فبويضة الأم، والحيوان المنوي للرجل هما من خلق الله.. وهم لم يخلقوا شيئا.. أننا نقول لهم: إذا كنتم تملكون الموت والحياة فامنعوا إنسانا واحدا أن يموت.. بدلا من إنفاق ألوف الجنيهات في معالجة عقم قد ينجح أو لا ينجح.. ابقوا واحدا على قيد الحياة.. ولن يستطيعوا..

إن الموت أمر حسي مشاهد.. ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه وتعالى قربها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟.. عندما ينظر الإنسان إلى نفسه وهو حي.. لا يعرف كيف أحياه الله وكيف خلقه.. الله سبحانه وتعالى ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم فقال جل جلاله أنه خلق الإنسان من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون ثم نفخ فيه من روحه..

واقرأ قول الحق سبحانه:
{  إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ }
[الحج: 5]

وقوله تعالى:
{  وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ }
[المؤمنون: 12]

وقوله تعالى:
{  إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ }
[الصافات: 11]

وقوله تعالى:
{  وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }
[الحجر: 26]

وقوله تعالى:
{  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }
[ص: 72]

فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها.. ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعا.. ومادام مشهودا لنا، يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها.. فالموت نقض للحياة.. والحياة أخبرنا الله تبارك وتعالى بأطوارها.. ولكنها غيب لم نشهده..

ولكن الذي خلق قال أنا خلقتك من تراب.. من طين. من حمأ مسنون. من صلصال كالفخار.. فالماء وضع على تراب فأصبح طينا.. والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا.. الصلصال.. جف فأصبح حمأ مسنونا، ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشرا.. ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة.. ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه..

بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى.. وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل.. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما.. هي أول خطوة في طريق العودة.. فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية.. فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه.

أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه.. ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون.. ثم يتعفن فيصبح كالصلصال.. ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا.. وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة.. متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى..

وقوله تعالى: { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }.. أي أن الله تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم.. لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث.. وهم في هذا لم يأتوا بجديد.. بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى.. واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى:
{  وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }
[الجاثية: 24]

وأمنية الكافر والمسرف على نفسه.. ألا يكون هناك بعث أو حساب.. والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم: أن الله سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين.. يقول جل جلاله:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }
[الروم: 27]

فإيجاد ما كان موجودا أسهل من الإيجاد من عدم على غير مثال موجود.. والله سبحانه وتعالى يرد على الكفار فيقول سبحانه:
{  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }
[يس: 78-79]

وهكذا فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق.. وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه وتعالى في كتاب مبين.. وما أخذته الأرض من جسد الإنسان ترده يوم القيامة.. ليعود من جديد.

وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان.. واقرأ قوله تعالى:
{  لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
[غافر: 57]

وقول الله سبحانه وتعالى: { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }.. هو اطمئنان لمن آمن.. ومادمنا إليه نرجع ومنه بدأنا.. فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله.. فلنجعلها هي نفسها لله.. ولابد أن نلتفت إلى أن الله تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زمانا ومكانا وسببا وعمرا.. لم يخفه ليحجبه، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة.. وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح.. وإلى المثوبة. لأنه لا يوجد عمر متيقن في الدنيا.. فلا الصغير آمن على عمره.. ولا الشاب آمن على عمره.. ولا الكهل آمن على عمره.. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات.. حتى لا يفاجئه الموت.. فيموت وهو عاص..

ونلاحظ أن قصة الحياة جاء الله بها في آية واحدة. والرجوع إلى الله ـ وهو يقين بالنسبة للمؤمنين ـ يلزمهم بالمنهج، فيعيشون من حلال. والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق الجنة. ويطمئنهم على أولادهم بعد أن يرحل الآباء من الدنيا.

فعمل الرجل الصالح ينعكس على أولاده من بعده. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:
{  وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً }
[النساء: 9]

إذن فصاحب الالتزام بالمنهج، يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن إلى جزائه، والذي لا يؤمن بالآخرة أخذ من الله الحياة فأفناها فيما لا ينفع. ثم بعد ذلك لا يجد شيئا إلا الحساب والنار.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39]

أي أن الكافر سيفاجأ في الآخرة بالله الذي لم يكن في باله أنه سيحاسبه على ما فعل.. وقوله تعالى { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تقرأ قراءتان. بضمة على التاء. ومرة بفتحة على التاء. الأولى معناها. أننا نُجْبِرُ على الرجوع. فلا يكون الرجوع إلى الله تعالى بإرادتنا، وهذا ينطبق على الكفار الذين يتمنون عدم الرجوع إلى الله. أما الثانية " تَرجعون " فهذه فيها إرادة. وهي تنطبق على المؤمنين لأنهم يتمنون الرجوع إلى الله.


www.alro7.net