سورة
اية:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} الآية. [274].
أخبرنا [أبو إبراهيم] إسماعيل بن إبراهيم النَّصْرابَاذي، أخبرنا عمرو بن نجيد، أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا محمد بن شعيب، عن ابن مهدي، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
نزلت هذه الآية: { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} في أصحاب الخيل، وقال صلى الله عليه وسلم: إن الشياطين لا تخبل أحداً في بيته فرس عتيق من الخيل.
وهذا قول أبي أمامة وأبي الدَّرْداء ومَكْحُول، والأوْزَاعي، ورَبَاح بن زيد قالوا: هم الذين يربطون الخيل في سبيل الله تعالى، ينفقون عليها بالليل والنهار سراً وعلانية. نزلت فيمن لم يرتبطها خيلاء ولا لِضَمار.
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد الدِّينوري، حدَّثنا عمر بن محمد بن عبد الله النَّهْرَوَاني، حدَّثنا علي بن محمد بن مهْرَوَية القزويني، حدَّثنا علي بن داود القَنْطَرِيّ، حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثني أبو شريح، عن قيس بن الحجاج، عن حَنَش بن عبد الله الصَّنْعَاني، أنه قال: حدث ابن عباس في هذه الآية: { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قال: في علف الخيل.
ويدل على صحة هذا ما:
أخبرنا أبو إسحاق القري، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن يعقوب الكِرْمَاني، حدَّثنا محمد بن زكريا الكِرْمَاني، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن اسماء بنت يزيد، قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ارتبط فرساً في سبيل الله فأنفق عليه احتساباً، كان شبعه وجوعه وريه وظَمؤُه وبوله ورَوْثُه، في ميزانه يوم القيامة".
وأخبرنا أبو إسحاق، أخبرنا أبو عمرو الفُرَاتي، أخبرنا أبو موسى عمران بن موسى، حدَّثنا سعيد بن عثمان الجَزَرِي، حدَّثنا فارس بن عمر، حدَّثنا صالح بن محمد، حدَّثنا سليمان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن يزيد عن مكحول، عن جابر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفيه بالصدقة".
أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أخبرنا محمد بن أحمد بن شاذَان الرَّازي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدَّثنا ابو سعيد الأشَج، حدَّثنا زيد بن الحُبَاب، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، عن سليمان بن موسى الدمشقي، عن عَجْلان بن سهل الباهلي، قال:
سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: من ارتبط فرساً في سبيل الله لم يرتبطه رياء ولا سمعة، كان من { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الآية.
قول آخر:
[أخبرنا أبو بكر التميمي، اخبرنا أبو محمد بن حيان، حدَّثنا] محمد بن يحيى بن مالك الضَّبِّي، حدَّثنا محمد بن إسماعيل الجُرْجَاني، حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قال: نزلت في علي بن أبي طالب، كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحداً، وبالنهار واحداً، وفي السر واحداً، وفي العلانية واحداً.
أخبرنا أحمد بن الحسن الكاتب، حدَّثنا محمد بن أحمد بن شَاذان، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدَّثنا أبو سعيد الأَشَجّ، حدَّثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال:
كان لعلي رضي الله عنه أربعة دراهم، فأنفق درهماً بالليل، ودرهماً بالنهار، ودرهماً سراً، ودرهماً علانية؛ فنزلت: { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} .
وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يكن يملك غير أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلا إنَّ ذلك لك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فرخص لهم فنزلت هذه الآية: { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} ""رواه النسائي"" الآية. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية { ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين ""رواه ابن أبي حاتم"" وقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ، كقوله: { من عمل صالحاً فلنفسه} ونظائرها في القرآن كثيرة وقوله: { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه اللّه، وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه اللّه فلا عليك ما كان من عمله، وهذا معنى حسن، وحاصله: أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه اللّه فقد وقع أجره على اللّه، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: البر أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} ، والحديث المخرج في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني! لأتصدقن الليلة فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قُبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنى، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته) ""أخرجه الشيخان عن أبي هريرة"" وقوله تعالى: { للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه} يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى اللّه وإلى رسوله وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، و { لا يستطيعون ضرباً في الأرض} يعني سفراً للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر. قال اللّه تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ، وقال تعالى: { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه} الآية. وقوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} أي الجاهل بأمرهم وحالهم، يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس المسكين بهذا الطّواف التي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً). وقوله تعالى: { تعرفهم بسيماهم} : أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: { سيماهم في وجوههم} ، وقال: { ولتعرفنَّهم في لحن القول} . وفي الحديث: (اتقو فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه)، ثم قرأ: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ""رواه أصحاب السنن"". وقوله تعالى { لا يسألون الناس إلحافاً} أي لا يلِّحون في المسألة، ويكلفون الناس مال لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف. اقرءوا إن شئتم: يعني قوله: { لا يسألون الناس إلحافا} ""رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري""وقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة، أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يسأله الناس، فانطلقت أسأله فوجدته قائما يخطب، وهو يقول: (ومن استعف أعفه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافاً)، فقلت بيني وبين نفسي لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسال. وعن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه). قالوا: يا رسول اللّه وما غناه؟ قال: (خمسون درهماً أو حسابها من الذهب) ""رواه أحمد وأصحاب السنن"" وقوله: { وما تنفقوا من خير فإن اللّه به عليم} أي لا يخفى عليه شيء منه، وسيُجزى عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه. وقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهر، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً كما ثبت في الصحيحين، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضاً عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك). وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة) ""رواه أحمد والشيخان"" وقال ابن جبير عن أبيه: كان لعلي أربعة دراهم فأنفق درهماً ليلاً ودرهما نهاراً، ودرهماً سراً ودرهماً علانية، فنزلت: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً علانية} ""رواه ابن أبي وابن مردويه""وقوله: { فلهم أجرهم عند ربهم} أي يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات، { ولا خوف عليهم لا هم يحزنون} تقدم تفسيره.

تفسير الجلالين

{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربَّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 4880 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ أَيْمَن بْن نَابِل , قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ غَافِق : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَنْظُر إلَى الْخَيْل مَرْبُوطَة بَيْن الْبَرَاذِين وَالْهُجُن , فَيَقُول : أَهْل هَذِهِ - يَعْنِي الْخَيْل - مِنْ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة , فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ قَوْمًا أَنْفَقُوا فِي سَبِيل اللَّه فِي غَيْر إسْرَاف وَلَا تَقْتِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4881 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ } إلَى قَوْله : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } هَؤُلَاءِ أَهْل الْجَنَّة ; ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " . قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ قَالَ : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " , قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ قَالَ : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " . قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ حَتَّى خَشَوْا أَنْ تَكُون قَدْ مَضَتْ فَلَيْسَ لَهَا رَدّ , حَتَّى قَالَ : " إلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا " عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله , " وَهَكَذَا " بَيْن يَدَيْهِ " وَهَكَذَا " خَلْفه , " وَقَلِيل مَا هُمْ , هَؤُلَاءِ قَوْم أَنْفَقُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى فِي غَيْر سَرَف وَلَا إمْلَاق وَلَا تَبْذِير وَلَا فَسَاد " . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } إلَى قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } كَانَ مِمَّا يَعْمَل بِهِ قَبْل نُزُول مَا فِي سُورَة بَرَاءَة مِنْ تَفْصِيل الزَّكَوَات , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة قَصَرُوا عَلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4882 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } إلَى قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَكَانَ هَذَا يُعْمَل بِهِ قَبْل أَنْ تَنْزِل بَرَاءَة , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة بِفَرَائِض الصَّدَقَات وَتَفْصِيلهَا انْتَهَتْ الصَّدَقَات إلَيْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 4880 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ أَيْمَن بْن نَابِل , قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ غَافِق : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَنْظُر إلَى الْخَيْل مَرْبُوطَة بَيْن الْبَرَاذِين وَالْهُجُن , فَيَقُول : أَهْل هَذِهِ - يَعْنِي الْخَيْل - مِنْ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة , فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ قَوْمًا أَنْفَقُوا فِي سَبِيل اللَّه فِي غَيْر إسْرَاف وَلَا تَقْتِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4881 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ } إلَى قَوْله : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } هَؤُلَاءِ أَهْل الْجَنَّة ; ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " . قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ قَالَ : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " , قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ قَالَ : " الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْأَسْفَلُونَ " . قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إلَّا مَنْ ؟ حَتَّى خَشَوْا أَنْ تَكُون قَدْ مَضَتْ فَلَيْسَ لَهَا رَدّ , حَتَّى قَالَ : " إلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا " عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله , " وَهَكَذَا " بَيْن يَدَيْهِ " وَهَكَذَا " خَلْفه , " وَقَلِيل مَا هُمْ , هَؤُلَاءِ قَوْم أَنْفَقُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى فِي غَيْر سَرَف وَلَا إمْلَاق وَلَا تَبْذِير وَلَا فَسَاد " . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } إلَى قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } كَانَ مِمَّا يَعْمَل بِهِ قَبْل نُزُول مَا فِي سُورَة بَرَاءَة مِنْ تَفْصِيل الزَّكَوَات , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة قَصَرُوا عَلَيْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4882 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ } إلَى قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَكَانَ هَذَا يُعْمَل بِهِ قَبْل أَنْ تَنْزِل بَرَاءَة , فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَة بِفَرَائِض الصَّدَقَات وَتَفْصِيلهَا انْتَهَتْ الصَّدَقَات إلَيْهَا . '

تفسير القرطبي

فيه مسألة واحدة: روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله. وذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال : أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال : (هم أصحاب الخيل). وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك). وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرا وبدرهم جهراً، ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس. ابن جريج: نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يسم عليا ولا غيره. وقال قتادة. هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. ومعنى { بالليل والنهار} في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالى { فلهم} لأن في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدم. ولا يجوز زيد فمنطلق.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 270 - 274


سورة البقرة الايات 274 - 275

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن المسألة في الإنفاق تقتضي أمرين: إما أن تنفق سراً، وإما أن تنفق علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال في أمرين: الليل والنهار فإياك أن تحجز عطيّةً تريد أن تعطيها وتقول: " بالنهار أفعل أو في الليل أفعل؛ لأنه أفضل " وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلاً أو نهاراً، ومسألة الليلية والنهارية في الزمن، ومسألة السرية والعلنية في الكيفية لا مدخل لها في إخلاص النية في العطاء.

{ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } أقالت الآية: الذين ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلاً ونهاراً وقال: " سراً وعلانية " فأنفق أنت ليلاً، وأنفق أنت نهارا، وأنفق أنت سراً، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، لا بزمن ولا بكيفية ولا بحال.

إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلاً ونهارا، واستوعب أيضاً الكيفية التي يكون عليها الإنفاق سراً وعلانية ليشيع الإنفاق في كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن هؤلاء: { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلاً أو نهاراً، سراً أو علانية.

وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت في مناسبة خاصة، وهي أن الإمام عليًّا كرم الله وجهه ورضى عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهاراً، وتصدق بواحد ليلا، وتصدق بواحد سراً، وتصدق بواحد علانية، فنزلت الآية في هذا الموقف، إلا أن قول الله: { فَلَهُمْ } يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل.

وقول الله: { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } هنا نجد أن كلمة " أجر " تعطينا لمحة في موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشيء، وفي أجر لعمل. فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا، هذا المجهود قد ينشأ عنه مُثْمَنٌ، أَيْ شيء له ثمن، فقول الله { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه.

إن الله لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته؛ وطاقاتُه وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأي شيء يملكه الإنسان في هذا كله؟ لا الفكر الذي يخطط، ولا الطاقة التي تفعل، ولا المادة التي تنفعل؛ فكلها لله.إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لأنك تُعمل فكرا مخلوقا لله، بطاقة مخلوقة لله، في مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوي لك في الخلق هو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهي من المخلوق المساوي " ثمن " ، وهي من الخالق الأعلى أجر؛ لأنك لا تملك شيئا في كل ذلك.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } ممن؟

يجوز أن يكون { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف؛ لأن هذا في حاله، وهذا في حاله.

أو { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من غيرهم، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: " استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم ". لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى.

إذن فـ { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أي لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون.

بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر، وهذه القضية كان ولابد أن يتعرض لها القرآن؛ لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق ولا شك أن ذلك يقتضي منفِقا ومنفَقاً عليه؛ لأنه عاجز، فهب أن الناس شحّوا، ولم ينفقوا، فماذا يكون موقف العاجز الذي لا يجد؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: إما أن يذهب فيقترض، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة وإلا فكيف يعيش؟

إذن فالآيات التي نحن بصددها تعرّضت للهيكل الاقتصادي في أمة إسلامية جوادة، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة، لماذا؟

لأن الذي خلق الخلق قد صنع حسابا دقيقا لذلك الخلق، بحيث لو أحصيت ما يجب على الواجدين من زكاة، وأحصيت ما يحتاج إليه من لا يقدر لأن به عجزا طبيعيا عن العمل، لوجدت العاجزين يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بلا زيادة أو نقصان، وإلا كان هناك خطأ والعياذ بالله في حساب الخالق، ولا يمكن أن يتأتى ذلك أبداً.وحين ننظر إلى المجتمعات في تكوينها نجد أن إنساناً غنيا في مكان قد نبا به مكانه، واختار أن يقيم في مكان آخر، فيعجب الناس لماذا ترك ذلك المكان وهو في يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو كان فقيراً لقلنا طلبا للسعة، فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد، وهو على هذا الحال من اليسر؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن الله الذي خلق الخلق يُدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التي تخطر في أذهان الناس، فتجد مكانه قد نبا به، وامتلأت نفسه بالقلق، واختار أن يذهب إلى مكان آخر.

ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدرا من المال زائد على حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة؛ فوجهه الله إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا الكم منه. وهكذا تجد التبادل منظما. فإن رأيت إنسانا محتاجا أو إنسانا يريد أن يرابي فاعلم أن هناك تقصيراً في حق الله المعلوم ولا أقول في الحق غير المعلوم. أي أن الغني بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج.

والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تُبشِّع العمل الربوي تبشيعا يجعل النفس الإنسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه: { ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ... }


www.alro7.net