سورة
اية:

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...} الآية. [272].
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد بن مسلم، حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا جرير، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَيْر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَصَدَّقوا إلا على أهل دينكم" فأنزل الله تعالى: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا على أهل الأديان.
أخبرنا أحمد، حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا سهل، حدَّثنا ابن نمير، عن الحجاج، عن سلمان المكي، عن ابن الْحَنَفِيَّة قال:
كان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على فقراء المشركين حتى نزلت هذه الآية، فأمروا أن يتصدقوا عليهم.
وقال الكلبي: اعتمر رسول الله عُمْرَة القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قُتَيْلة وجدّتها يسألانها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد نزول هذه الآية، أن تصدَّق عليهما، فأعطتهما ووصلتهما.
قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا، فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوهم على أن يسلموا، فاستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فأعطوهم بعد نزولها.

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فرخص لهم فنزلت هذه الآية: { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} ""رواه النسائي"" الآية. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية { ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين ""رواه ابن أبي حاتم"" وقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ، كقوله: { من عمل صالحاً فلنفسه} ونظائرها في القرآن كثيرة وقوله: { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه اللّه، وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه اللّه فلا عليك ما كان من عمله، وهذا معنى حسن، وحاصله: أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه اللّه فقد وقع أجره على اللّه، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: البر أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} ، والحديث المخرج في الصحيحين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني! لأتصدقن الليلة فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قُبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنى، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته) ""أخرجه الشيخان عن أبي هريرة"" وقوله تعالى: { للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه} يعني المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى اللّه وإلى رسوله وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم، و { لا يستطيعون ضرباً في الأرض} يعني سفراً للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر. قال اللّه تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ، وقال تعالى: { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه} الآية. وقوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} أي الجاهل بأمرهم وحالهم، يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس المسكين بهذا الطّواف التي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً). وقوله تعالى: { تعرفهم بسيماهم} : أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: { سيماهم في وجوههم} ، وقال: { ولتعرفنَّهم في لحن القول} . وفي الحديث: (اتقو فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه)، ثم قرأ: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ""رواه أصحاب السنن"". وقوله تعالى { لا يسألون الناس إلحافاً} أي لا يلِّحون في المسألة، ويكلفون الناس مال لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف. اقرءوا إن شئتم: يعني قوله: { لا يسألون الناس إلحافا} ""رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري""وقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة، أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يسأله الناس، فانطلقت أسأله فوجدته قائما يخطب، وهو يقول: (ومن استعف أعفه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافاً)، فقلت بيني وبين نفسي لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسال. وعن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه). قالوا: يا رسول اللّه وما غناه؟ قال: (خمسون درهماً أو حسابها من الذهب) ""رواه أحمد وأصحاب السنن"" وقوله: { وما تنفقوا من خير فإن اللّه به عليم} أي لا يخفى عليه شيء منه، وسيُجزى عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه. وقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهر، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً كما ثبت في الصحيحين، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضاً عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك). وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة) ""رواه أحمد والشيخان"" وقال ابن جبير عن أبيه: كان لعلي أربعة دراهم فأنفق درهماً ليلاً ودرهما نهاراً، ودرهماً سراً ودرهماً علانية، فنزلت: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً علانية} ""رواه ابن أبي وابن مردويه""وقوله: { فلهم أجرهم عند ربهم} أي يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات، { ولا خوف عليهم لا هم يحزنون} تقدم تفسيره.

تفسير الجلالين

ولما منع صلى الله عليه وسلم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل : { ليس عليك هداهم } أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ { ولكن الله يهدي من يشاء } هدايته إلى الدخول فيه { وما تنفقوا من خير } مال { فلأنفسكم } لأن ثوابه لها { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } أي ثوابه لاغيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي { وما تنفقوا من خير يوفَّ إليكم } جزاؤه { وأنتم لا تُظلمون } تنقصون منه شيئاً والجملتان تأكيد للأولى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : لَيْسَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد هُدَى الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَام , فَتَمْنَعهُمْ صَدَقَة التَّطَوُّع , وَلَا تُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام حَاجَة مِنْهُمْ إلَيْهَا , وَلَكِنَّ اللَّه هُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه إلَى الْإِسْلَام فَيُوَفِّقهُمْ لَهُ , فَلَا تَمْنَعهُمْ الصَّدَقَة . كَمَا : 4853 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَصَدَّق عَلَى الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه } فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ . 4854 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . 4855 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَأَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَا : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِأَنْسِبَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } فَرَخَّصَ لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ أُنَاس مِنْ الْأَنْصَار لَهُمْ أَنْسِبَاء وَقَرَابَة مِنْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ , وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه قَالُوا : أَنَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل دِيننَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ الْقُرْآن : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } . 4857 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ بَيْنه وَبَيْن الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَرَابَة وَهُوَ مُحْتَاج فَلَا يَتَصَدَّق عَلَيْهِ يَقُول : لَيْسَ مِنْ أَهْل دِينِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ } أَمَّا { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَمَّا النَّفَقَة فَبَيَّنَ أَهْلهَا . 4859 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ . .. 4860 - كَمَا حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } قَالَ : هُوَ مَرْدُود عَلَيْك , فَمَالَك وَلِهَذَا تُؤْذِيه وَتَمُنّ عَلَيْهِ , إنَّمَا نَفَقَتك لِنَفْسِك وَابْتِغَاء وَجْه اللَّه , وَاَللَّه يَجْزِيك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : لَيْسَ عَلَيْك يَا مُحَمَّد هُدَى الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَام , فَتَمْنَعهُمْ صَدَقَة التَّطَوُّع , وَلَا تُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام حَاجَة مِنْهُمْ إلَيْهَا , وَلَكِنَّ اللَّه هُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه إلَى الْإِسْلَام فَيُوَفِّقهُمْ لَهُ , فَلَا تَمْنَعهُمْ الصَّدَقَة . كَمَا : 4853 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَصَدَّق عَلَى الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاء وَجْه اللَّه } فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ . 4854 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . 4855 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَرْضَخُوا لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَأَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَا : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِأَنْسِبَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } فَرَخَّصَ لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ جَعْفَر بْن إيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ أُنَاس مِنْ الْأَنْصَار لَهُمْ أَنْسِبَاء وَقَرَابَة مِنْ قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ , وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه قَالُوا : أَنَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل دِيننَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ الْقُرْآن : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } . 4857 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ بَيْنه وَبَيْن الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَرَابَة وَهُوَ مُحْتَاج فَلَا يَتَصَدَّق عَلَيْهِ يَقُول : لَيْسَ مِنْ أَهْل دِينِي , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ . .. } الْآيَة . 4858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلِأَنْفُسِكُمْ } أَمَّا { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } فَيَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَمَّا النَّفَقَة فَبَيَّنَ أَهْلهَا . 4859 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ . .. 4860 - كَمَا حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } قَالَ : هُوَ مَرْدُود عَلَيْك , فَمَالَك وَلِهَذَا تُؤْذِيه وَتَمُنّ عَلَيْهِ , إنَّمَا نَفَقَتك لِنَفْسِك وَابْتِغَاء وَجْه اللَّه , وَاَللَّه يَجْزِيك . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { ليس عليك هداهم} هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم). فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس لك من صدقة المسلمين شيء). فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت { ليس عليك هداهم { فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات. وروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب أولئك. وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك. وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى { ليس عليك هداهم} . وقيل { ليس عليك هداهم} ليس متصلا بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. الثانية: قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله عليه السلام : (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم). قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا. وقال المهدوي : رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية : وهذا مردود بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن العربي : وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) يعني يوم الفطر. قلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين. وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. قال ابن عطية : وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قلت : وفي التنزيل { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان : 8] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. وقال تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} [الممتحنة : 8]. فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة، لقوله عليه السلام لمعاذ : (خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم) واتفق العلماء على ذلك على ما تقدم. فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا، والله أعلم. قال ابن العربي : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب. وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين. وفي صحيح مسلم أن رجلا تصدق على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية "الصدقات". الثالثة: قوله تعالى { ولكن الله يهدي من يشاء} أي يرشد من يشاء. وفي هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة، كما تقدم. قوله تعالى { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} شرط وجوابه. والخير في هذه الآية المال، لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى { خير مستقرا} [الفرقان : 24] وقوله { مثقال ذرة خيرا يره} الزلزلة : 7]. إلى غير ذلك. وهذا تحرز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال. وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك فيقول : إنما فعلت مع نفسي، ويتلو { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} . ثم بين تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه. و { ابتغاء} هو على المفعول له. وقيل : إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجهه، فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص : (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك). قوله تعالى { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} { يوف إليكم} تأكيد وبيان لقوله { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} وأن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 270 - 274

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما أصل هذه المسألة؟

أصل هذه المسألة أن بعض السابقين إلى الإسلام كانت لهم قرابات لم تسلم. وكان هؤلاء الأقرباء من الفقراء وكان المسلمون يحبون أن يعطوا هؤلاء الأقارب الفقراء شيئا من مالهم، ولكنهم تحرجوا أن يفعلوا ذلك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.

وهاهي ذي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأمها " قُتَيْلَةَ " كانت مازالت كافرة. وتسأل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعطي من مالها شيئا لأمها حتى تعيش وتقتات. وينزل الحق سبحانه قوله: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } ، " وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمتْ عليّ أمي وهي راغبة. أفأصل أمّي؟ قال: " نعم صلي أمّكِ ". ولقد أراد بعض من المؤمنين أن يضيقوا على أقاربهم ممن لم يؤمنوا حتى يؤمنوا، لكن الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }.

إنه الدين المتسامي. دين يريد أن نعول المخلوق في الأرض من عطاء الربوبية وإن كان لا يلتقي معنا في عطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق وتربية.

والرزق والتربية مطلوبات لكل من كان على الأرض؛ لأننا نعلم أن أحداً في الوجود لم يستدع نفسه في الوجود، وإنما استدعاه خالقه، وما دام الخالق الأكرم هو الذي استدعى العبد مؤمناً أو كافراً، فهو المتكفل برزقه. والرزق شيء، ومنطقة الإيمان بالله شيء آخر، فيقول الحق: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }.

أو أن الآية حينما نزلت في الحثّ على النفقة ربما أن بعض الناس تكاسل، وربما كان بعض المؤمنين يعمدون إلى الرديء من أموالهم فينفقونه.

وإذا كان الإسلام قد جاء ليواجه النفس البشرية بكل أغيارها وبكل خواطرها، فليس بعجيب أن يعالجهم من ذلك ويردهم إلى الصواب إن خطرت لهم خاطرة تسيء إلى السلوك الإيماني.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حين ينزل أي أمر أن يلتفت المسلمون إليه لفتة الإقبال بحرارة عليه، فإذا رأى تهاوناً في شيء من ذلك حزن، فيوضح له الله: عليك أن تبلغهم أمر الله في النفقة، وما عليك بعد ذلك أن يطيعوا. { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ }.

ولقائل أن يقول: ما دام الله هو الذي يهدي فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو كفر، وما علينا إلا البلاغ، ونقول لأصحاب هذا الرأي: تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة، هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية، ولنستقرئ الآيات جميعا، فسنجد أن الذين يرون أن الهداية من الله، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصياً، لهم وجهة نظر، والذين يقولون: إن له سبحانه أن يعذبهم؛ لأنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من الفهم؟

إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحَى، فهو يطلب منا أن نتدبره، ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص.{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } يعني لا تنظر إلى الوجه، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف.
{  أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآن }
[النساء: 82]

فالحق سبحانه وتعالى قد قال:
{  وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }
[فصلت: 17]

كيف يكون الله قد هداهم، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى؟ إذن معنى " هدام " أي دلهم على الخير. وحين دلَّهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل، فلهم أن يختاروا هذا، ولهم أن يختاروا هذا، فلما هداهم الله ودلَّهم استحبوا العمَى على الهدى. والله يقول لرسوله في نصين آخرين في القرآن الكريم:
{  إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ }
[القصص: 56]

فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها:
{  وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
[الشورى: 52]

فكيف يثبت الله فعلاً واحداً لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله؛ لأن ذلك ليس من عمله هو، فإذا قال الله: { إِنَّكَ لَتَهْدِيۤ } أي لا تحمل بالقصر والقهر من أحببت، وإنما أنت " تهدي " أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب.

إذن فقول الحق: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه.

{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُم } تلك قضية تعالج الشُح منطقياً، وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ولا يوجد معطٍ عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لأنه ـ سبحانه ـ أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا.

ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيراً قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي.فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله " الحسن البصري " كان إذا دخل عليه من يسأله هشّ في وجهه وبشّ وقال له: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.

إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية { وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ } أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: { وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ومعنى التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم؛ لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك.

كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك؛ لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبداً. { وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ } أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه الله. { وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه.

وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام: { لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ }


www.alro7.net