سورة
اية:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم وهما ( قابيل وهابيل )، كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عزَّ وجلَّ ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة أخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: { بالحق} أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان؛ كقوله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق} ، وقوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق} كان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن اللّه تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل { إنما يتقبل الله من المتقين} ""رواه ابن جرير""وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرَّب أشر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه وإن اللّه عزَّ وجلَّ تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرماً عن هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرب قرباناً ويقرب أخوك هابيل قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة؛ فأرسل اللّه ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله.""رواه ابن جرير""، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، واللّه أعلم. ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضاً. ومعنى قوله: { إنما يتقبل اللّه من المتقين} أي ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال: يحبس الناس في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة. وقوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف اللّه رب العالمين} يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل اللّه قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة { إني أخاف اللّه رب العالمين} أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وقال الإمام أحمد عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال، عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك (إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي) قال: أفرأيت إن دخل على بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال: (كن كابن آدم)، قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الامة { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} لعثمان بن عفان رضي الله عنه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: { إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ورذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس ومجاهد: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن مجاهد { إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك} يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعاً. قلت : وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له (ما ترك القاتل على المقتول من ذنب) وقد روى الحافط أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه)، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن اللّه يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجراً لو انزجر، ولهذا قال: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي تتحمل إثمي وإثمك { فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} وقال ابن عباس: خوَّفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر. وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر. وقد تقدم أنه قتله بحديدة في يده؛ وقال السدي: { فطوعت له نفسه قتل أخيه} فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام، وهو يرعى غنماً له، وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. وقال عبد اللّه بن وهب: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله، قال: نعم قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً، فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: { فأصبح من الخاسرين} أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه. عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل)، وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود. وقوله تعالى: { فبعث اللّه غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} قال السدي: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث اللّه غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} ؟ وقال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوأة أخي} ، وقال الضحاك عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث اللّه الغرابين فرآهما يبحثان فقال: { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} فدفن أخاه وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له اللّه عزَّ وجلَّ: يا قابيل اين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال اللّه: إن صوت دم أخيك ليناديني من الارض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الارض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعاً تائهاً في الارض. وقوله تعالى: { فأصبح من النادمين} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، وهذا ظاهر جلي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن اللّه ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري مرفوعاً""والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير: أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله وجعل اللّه وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلاً به. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

تفسير الجلالين

{ واتل } يا محمد { عليهم } على قومك { نبأ } خبر { ابنيْ آدم } هابيل وقابيل { بالحق } متعلق بأُتل { إذ قرَّبا قربانا } إلى الله وهو كبش لهابيل وزرع لقابيل { فتُقبل من أحدهما } وهو هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه { ولم يُتقبل من الآخر } وهو قابيل فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم { قال } له { لأقتلنك } قال: لَم قال لتقبل قربانك دوني { قال إنما يتقبل الله من المتقين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيهمْ إِلَيْكُمْ , عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابك مَعَك , وَعَرِّفْهُمْ مَكْرُوه عَاقِبَة الظُّلْم وَالْمَكْر , وَسُوء مَغَبَّة الْجَوْر وَنَقْضِ الْعَهْد , وَمَا جَزَاء النَّاكِث وَثَوَاب الْوَافِي , خَبَر اِبْنَيْ آدَم هَابِيل وَقَابِيل , وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْر الْمُطِيع مِنْهُمَا رَبّه الْوَافِي بِعَهْدِهِ , وَمَا إِلَيْهِ صَارَ أَمْر الْعَاصِي مِنْهُمَا رَبّه الْجَائِر النَّاقِض عَهْده ; فَلْتُعَرِّفْ بِذَلِكَ الْيَهُود وَخَامَة غِبّ غَدْرهمْ , وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ بَيْنك وَبَيْنهمْ , وَهَمّهمْ بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْط أَيْدِيهمْ إِلَيْك وَإِلَى أَصْحَابك . فَإِنَّ لَك وَلَهُمْ فِي حُسْن ثَوَابِي وَعِظَم جَزَائِي عَلَى الْوَفَاء بِالْعَهْدِ الَّذِي جَازَيْت الْمَقْتُول الْوَافِي بِعَهْدِهِ مِنْ اِبْنَيْ آدَم , وَعَاقَبْت بِهِ الْقَاتِل النَّاكِث عَهْده ; عَزَاء جَمِيلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي سَبَب تَقْرِيب اِبْنَيْ آدَم الْقُرْبَان , وَسَبَب قَبُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا تَقَبَّلَ مِنْهُ , وَمَنْ اللَّذَانِ قَرَّبَا ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْر اللَّه جَلَّ وَعَزَّ إِيَّاهُمَا بِتَقْرِيبِهِ . وَكَانَ سَبَب الْقَبُول أَنَّ الْمُتَقَبَّل مِنْهُ قَرَّبَ خَيْر مَاله وَقَرَّبَ الْآخَر شَرّ مَاله , وَكَانَ الْمُقَرِّبَانِ اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ أَحَدهمَا : هَابِيل , وَالْآخِر قَابِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9140 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ هِشَام بْن سَعِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَافِع , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ اِبْنَيْ آدَم لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ , كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب غَنَم , وَكَانَ أُنْتِجَ لَهُ حَمَل فِي غَنَمه , فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرهُ بِاللَّيْلِ , وَكَانَ يَحْمِلهُ عَلَى ظَهْره مِنْ حُبّه , حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ . فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ , قَرَّبَهُ لِلَّهِ فَقَبِلَهُ اللَّه مِنْهُ , فَمَا زَالَ يَرْتَع فِي الْجَنَّة حَتَّى فَدَى بِهِ اِبْن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9141 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّ اِبْنَيْ آدَم اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر , كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب حَرْث , وَالْآخَر صَاحِب غَنَم , وَأَنَّهُمَا أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا ; وَإِنَّ صَاحِب الْغَنَم قَرَّبَ أَكْرَم غَنَمه وَأَسْمَنهَا وَأَحْسَنهَا طَيِّبَة بِهَا نَفْسه , وَإِنَّ صَاحِب الْحَرْث قَرَّبَ شَرّ حَرْثه الْكَوْزَن وَالزُّوَان غَيْر طَيِّبَة بِهَا نَفْسه ; وَإِنَّ اللَّه تَقَبَّلَ قُرْبَان صَاحِب الْغَنَم وَلَمْ يَتَقَبَّل قُرْبَان صَاحِب الْحَرْث . وَكَانَ مِنْ قِصَّتهمَا مَا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه , وَقَالَ : أَيْم اللَّه إِنْ كَانَ الْمَقْتُول لَأَشَدّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج أَنْ يَبْسُط يَده إِلَى أَخِيهِ ! وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمَا عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9142 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْنهمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِين فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَان يُقَرِّبهُ الرَّجُل . فَبَيْنَا اِبْنَا آدَم قَاعِدَانِ , إِذْ قَالَا : لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا ! وَكَانَ الرَّجُل إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ اللَّه أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّه خَبَتْ النَّار . فَقَرَّبَا قُرْبَانًا , وَكَانَ أَحَدهمَا رَاعِيًا , وَكَانَ الْآخَر حَرَّاثًا , وَإِنَّ صَاحِب الْغَنَم قَرَّبَ خَيْر غَنَمه وَأَسْمَنهَا وَقَرَّبَ الْآخَر أَبْغَض زَرْعه , فَجَاءَتْ النَّار , فَنَزَلَتْ بَيْنهمَا , فَأَكَلَتْ الشَّاة وَتَرَكَتْ الزَّرْع . وَإِنَّ اِبْن آدَم قَالَ لِأَخِيهِ : أَتَمْشِي فِي النَّاس وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّك قَرَّبْت قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْك وَرُدَّ عَلَيَّ ؟ فَلَا وَاَللَّه , لَا تَنْظُر النَّاس إِلَيَّ وَإِلَيْك وَأَنْتَ خَيْر مِنِّي ! فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي , إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . 9143 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : اِبْنَا آدَم هَابِيل وَقَابِيل لِصُلْبِ آدَم , فَقَرَّبَ أَحَدهمَا شَاة وَقَرَّبَ الْآخَر بَقْلًا , فَقُبِلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة , فَقَتَلَهُ صَاحِبه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9144 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : هَابِيل وَقَابِيل , فَقَرَّبَ هَابِيل عَنَاقًا مِنْ أَحْسَن غَنَمه , وَقَرَّبَ قَابِيل زَرْعًا مِنْ زَرْعه . قَالَ : فَأَكَلَتْ النَّار الْعَنَاق , وَلَمْ تَأْكُل الزَّرْع , فَ { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9145 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا رَجُل سَمِعَ مُجَاهِدًا فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : هُوَ هَابِيل وَقَابِيل لِصُلْبِ آدَم , قَرَّبَا قُرْبَانًا , قَرَّبَ أَحَدهمَا شَاة مِنْ غَنَمه وَقَرَّبَ الْآخَر بَقْلًا , فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة , فَقَالَ لَهُ صَاحِبِهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَقَتَلَهُ , فَعَقَلَ اللَّه إِحْدَى رِجْلَيْهِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَجَعَلَ وَجْهه إِلَى الشَّمْس حَيْثُمَا دَارَتْ عَلَيْهِ حَظِيرَة مِنْ ثَلْج فِي الشِّتَاء وَعَلَيْهِ فِي الصَّيْف حَظِيرَة مِنْ نَار , وَمَعَهُ سَبْعَة أَمْلَاك كُلَّمَا ذَهَبَ مَلَك جَاءَ الْآخَر . 9146 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان ( ح ) , وَحَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } قَالَ : قَرَّبَ هَذَا كَبْشًا وَقَرَّبَ هَذَا صُبْرَة مِنْ طَعَام ; فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا . قَالَ : تُقُبِّلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر . 9147 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَم , فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر . 9148 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } قَالَ : كَانَ أَحَدهمَا اِسْمه قَابِيل وَالْآخَر هَابِيل ; أَحَدهمَا صَاحِب غَنَم , وَالْآخَر صَاحِب زَرْع , فَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَمْثَل غَنَمه حَمَلًا , وَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَرْدَإِ زَرْعه . قَالَ : فَنَزَلَتْ النَّار , فَأَكَلَتْ الْحَمَل , فَقَالَ لِأَخِيهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! 9149 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل : أَنَّ آدَم أَمَرَ اِبْنه قَابِيل أَنْ يَنْكِح أُخْته تَوْأَمَة هَابِيل , وَأَمَرَ هَابِيل أَنْ يَنْكِح أُخْته تَوْأَمَة قَابِيل . فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيل وَرَضِيَ , وَأَبَى قَابِيل ذَلِكَ وَكَرِهَهُ , تَكَرُّمًا عَنْ أُخْت هَابِيل , وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيل , وَقَالَ : نَحْنُ وِلَادَة الْجَنَّة وَهُمَا مِنْ وِلَادَة الْأَرْض , وَأَنَا أَحَقّ بِأُخْتِي وَيَقُول بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل : كَانَتْ أُخْت قَابِيل مِنْ أَحْسَن النَّاس , فَضَنَّ بِهَا عَلَى أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ , فَاَللَّه أَعْلَم أَيّ ذَلِكَ كَانَ . فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا لَا تَحِلّ لَك ! فَأَبَى قَابِيل أَنْ يَقْبَل ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبِيهِ , فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيّ فَقَرِّبْ قُرْبَانًا , وَيُقَرِّب أَخُوك هَابِيل قُرْبَانًا , فَأَيُّكُمَا قَبِلَ اللَّه قُرْبَانه فَهُوَ أَحَقّ بِهَا . وَكَانَ قَابِيل عَلَى بَذْر الْأَرْض , وَكَانَ هَابِيل عَلَى رِعَايَة الْمَاشِيَة , فَقَرَّبَ قَابِيل قَمْحًا وَقَرَّبَ هَابِيل أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَار غَنَمه - وَبَعْضهمْ يَقُول : قَرَّبَ بَقَرَة - فَأَرْسَلَ اللَّه نَارًا بَيْضَاء , فَأَكَلَتْ قُرْبَان هَابِيل وَتَرَكَتْ قُرْبَان قَابِيل , وَبِذَلِكَ كَانَ يَقْبَل الْقُرْبَان إِذَا قَبِلَهُ . 9150 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِيمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ مُرَّة , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ لَا يُولَد لِآدَم مَوْلُود إِلَّا وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَة , فَكَانَ يُزَوِّج غُلَام هَذَا الْبَطْن جَارِيَة هَذَا الْبَطْن الْآخَر , وَيُزَوِّج جَارِيَة هَذَا الْبَطْن غُلَام هَذَا الْبَطْن الْآخَر . حَتَّى وُلِدَ لَهُ اِبْنَانِ يُقَال لَهُمَا : قَابِيل , وَهَابِيل , وَكَانَ قَابِيل صَاحِب زَرْع , وَكَانَ هَابِيل صَاحِب ضَرْع . وَكَانَ قَابِيل أَكْبَرهمَا , وَكَانَ لَهُ أُخْت أَحْسَن مِنْ أُخْت هَابِيل . وَإِنَّ هَابِيل طَلَبَ أَنْ يَنْكِح أُخْت قَابِيل , فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ : هِيَ أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي , وَهِيَ أَحْسَن مِنْ أُخْتك , وَأَنَا أَحَقّ أَنْ أَتَزَوَّجهَا . فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجهَا هَابِيل فَأَبَى . وَإِنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّه أَيّهمَا أَحَقّ بِالْجَارِيَةِ , وَكَانَ آدَم يَوْمئِذٍ قَدْ غَابَ عَنْهُمَا إِلَى مَكَّة يَنْظُر إِلَيْهَا , قَالَ اللَّه لِآدَم : يَا آدَم , هَلْ تَعْلَم أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْض ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا ! قَالَ : فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّة فَأْتِهِ ! فَقَالَ آدَم لِلسَّمَاءِ : اِحْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ , فَأَبَتْ . وَقَالَ لِلْأَرْضِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لِلْجِبَالِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لِقَابِيل , فَقَالَ : نَعَمْ تَذْهَب وَتَرْجِع وَتَجِد أَهْلك كَمَا يَسُرّك . فَلَمَّا اِنْطَلَقَ آدَم قَرَّبَا قُرْبَانًا , وَكَانَ قَابِيل يَفْخَر عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَنَا أَحَقّ بِهَا مِنْك , هِيَ أُخْتِي , وَأَنَا أَكْبَر مِنْك , وَأَنَا وَصِيّ وَالِدِي . فَلَمَّا قَرَّبَا , قَرَّبَ هَابِيل جَذَعَة سَمِينَة , وَقَرَّبَ قَابِيل حُزْمَة سُنْبُل , فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَة عَظِيمَة فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا . فَنَزَلَتْ النَّار فَأَكَلَتْ قُرْبَان هَابِيل , وَتَرَكَتْ قُرْبَان قَابِيل , فَغَضِبَ وَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِح أُخْتِي ! فَقَالَ هَابِيل { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9151 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا هَابِيل وَقَابِيل . فَأَمَّا هَابِيل فَكَانَ صَاحِب مَاشِيَة , فَعَمَدَ إِلَى خَيْر مَاشِيَته , فَتَقَرَّبَ بِهَا , فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ نَار فَأَكَلَتْهُ . وَكَانَ الْقُرْبَان إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ نَار فَأَكَلَتْهُ , وَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِمْ أَكَلَتْهُ الطَّيْر وَالسِّبَاع . وَأَمَّا قَابِيل فَكَانَ صَاحِب زَرْع , فَعَمَدَ إِلَى أَرْدَإِ زَرْعه , فَتَقَرَّبَ بِهِ , فَلَمْ تَنْزِل عَلَيْهِ النَّار , فَحَسَدَ أَخَاهُ عِنْد ذَلِكَ فَقَالَ : { لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } قَالَ : هُمَا قَابِيل وَهَابِيل . قَالَ : كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب زَرْع وَالْآخَر صَاحِب مَاشِيَة , فَجَاءَ أَحَدهمَا بِخَيْرِ مَاله وَجَاءَ الْآخَر بِشَرِّ مَاله , فَجَاءَتْ النَّار , فَأَكَلَتْ قُرْبَان أَحَدهمَا وَهُوَ هَابِيل , وَتَرَكَتْ قُرْبَان الْآخَر , فَحَسَدَهُ فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : قَرَّبَ هَذَا زَرْعًا وَذَا عَنَاقًا , فَتَرَكَتْ النَّارُ الزَّرْعَ وَأَكَلَتْ الْعَنَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّذَانِ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَقَصَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَصَصهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا مِنْ وَلَد آدَم لِصُلْبِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9152 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سَهْل بْن يُوسُف , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : . كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآن , اللَّذَانِ قَالَ اللَّه : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَلَمْ يَكُونَا اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَان فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ آدَم أَوَّل مَنْ مَاتَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنَّ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا الْقُرْبَان كَانَ اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , لَا مِنْ ذُرِّيَّته مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِب عِبَاده بِمَا لَا يُفِيدهُمْ بِهِ فَائِدَة , وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَة كَانُوا عَالِمِينَ أَنَّ تَقْرِيب الْقُرْبَان لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي وَلَد آدَم دُون الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَسَائِر الْخَلْق غَيْرهمْ . فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا ذَلِكَ عِنْدهمْ , فَمَعْقُول أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِابْنَيْ آدَم اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي كِتَابه اِبْنَاهُ لِصُلْبِهِ , لَمْ يُفِدْهُمْ بِذِكْرِهِ جَلَّ جَلَاله إِيَّاهُمَا فَائِدَة لَمْ تَكُنْ عِنْدهمْ . وَإِذَا كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُخَاطِبهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدهُمْ بِهِ مَعْنًى , فَمَعْلُوم أَنَّهُ عَنَى اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , لَا اِبْنَيْ بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبهمْ مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْأَخْبَار وَالسِّيَر وَالْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ وَفِي عَهْد آدَم وَزَمَانه , وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ نَصَّ عَنْهُ الْقَوْل بِذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يَذْكُر إِنْ شَاءَ اللَّه . 9153 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : ثنا حُسَام بْن مِصَكّ , عَنْ عَمَّار الدُّهْنِيّ , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ , مَكَثَ آدَم مِائَة سَنَة حَزِينًا لَا يَضْحَك , ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : حَيَّاك اللَّه وَبَيَّاك ! فَقَالَ : بَيَّاك : أَضْحَكَك . 9154 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ غِيَاث بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ , بَكَى آدَم فَقَالَ : تَغَيَّرَتْ الْبِلَاد وَمَنْ عَلَيْهَا فَلَوْن الْأَرْض مُغْبَرّ قَبِيح تَغَيَّرَ كُلّ ذِي لَوْن وَطَعْم وَقَلَّ بَشَاشَة الْوَجْه الْمَلِيح فَأُجِيبَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : أَبَا هَابِيل قَدْ قُتِلَا جَمِيعًا وَصَارَ الْحَيّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيح وَجَاءَ بِشَرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا عَلَى خَوْف فَجَاءَ بِهَا يَصِيح وَأَمَّا الْقَوْل فِي تَقْرِيبهمَا مَا قَرَّبَا , فَإِنَّ الصَّوَاب فِيهِ مِنْ الْقَوْل أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره أَخْبَرَ عِبَاده عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا , وَلَمْ يُخْبِر أَنَّ تَقْرِيبهمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِهِ وَلَا عَنْ غَيْر أَمْره . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ , وَجَائِز أَنْ يَكُون عَنْ غَيْر أَمْره . غَيْر أَنَّهُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَب قُرْبَة إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيهمْ إِلَيْكُمْ , عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابك مَعَك , وَعَرِّفْهُمْ مَكْرُوه عَاقِبَة الظُّلْم وَالْمَكْر , وَسُوء مَغَبَّة الْجَوْر وَنَقْضِ الْعَهْد , وَمَا جَزَاء النَّاكِث وَثَوَاب الْوَافِي , خَبَر اِبْنَيْ آدَم هَابِيل وَقَابِيل , وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْر الْمُطِيع مِنْهُمَا رَبّه الْوَافِي بِعَهْدِهِ , وَمَا إِلَيْهِ صَارَ أَمْر الْعَاصِي مِنْهُمَا رَبّه الْجَائِر النَّاقِض عَهْده ; فَلْتُعَرِّفْ بِذَلِكَ الْيَهُود وَخَامَة غِبّ غَدْرهمْ , وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ بَيْنك وَبَيْنهمْ , وَهَمّهمْ بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْط أَيْدِيهمْ إِلَيْك وَإِلَى أَصْحَابك . فَإِنَّ لَك وَلَهُمْ فِي حُسْن ثَوَابِي وَعِظَم جَزَائِي عَلَى الْوَفَاء بِالْعَهْدِ الَّذِي جَازَيْت الْمَقْتُول الْوَافِي بِعَهْدِهِ مِنْ اِبْنَيْ آدَم , وَعَاقَبْت بِهِ الْقَاتِل النَّاكِث عَهْده ; عَزَاء جَمِيلًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي سَبَب تَقْرِيب اِبْنَيْ آدَم الْقُرْبَان , وَسَبَب قَبُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا تَقَبَّلَ مِنْهُ , وَمَنْ اللَّذَانِ قَرَّبَا ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْر اللَّه جَلَّ وَعَزَّ إِيَّاهُمَا بِتَقْرِيبِهِ . وَكَانَ سَبَب الْقَبُول أَنَّ الْمُتَقَبَّل مِنْهُ قَرَّبَ خَيْر مَاله وَقَرَّبَ الْآخَر شَرّ مَاله , وَكَانَ الْمُقَرِّبَانِ اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ أَحَدهمَا : هَابِيل , وَالْآخِر قَابِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9140 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ هِشَام بْن سَعِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَافِع , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ اِبْنَيْ آدَم لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ , كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب غَنَم , وَكَانَ أُنْتِجَ لَهُ حَمَل فِي غَنَمه , فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرهُ بِاللَّيْلِ , وَكَانَ يَحْمِلهُ عَلَى ظَهْره مِنْ حُبّه , حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ . فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ , قَرَّبَهُ لِلَّهِ فَقَبِلَهُ اللَّه مِنْهُ , فَمَا زَالَ يَرْتَع فِي الْجَنَّة حَتَّى فَدَى بِهِ اِبْن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9141 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّ اِبْنَيْ آدَم اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر , كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب حَرْث , وَالْآخَر صَاحِب غَنَم , وَأَنَّهُمَا أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا ; وَإِنَّ صَاحِب الْغَنَم قَرَّبَ أَكْرَم غَنَمه وَأَسْمَنهَا وَأَحْسَنهَا طَيِّبَة بِهَا نَفْسه , وَإِنَّ صَاحِب الْحَرْث قَرَّبَ شَرّ حَرْثه الْكَوْزَن وَالزُّوَان غَيْر طَيِّبَة بِهَا نَفْسه ; وَإِنَّ اللَّه تَقَبَّلَ قُرْبَان صَاحِب الْغَنَم وَلَمْ يَتَقَبَّل قُرْبَان صَاحِب الْحَرْث . وَكَانَ مِنْ قِصَّتهمَا مَا قَصَّ اللَّه فِي كِتَابه , وَقَالَ : أَيْم اللَّه إِنْ كَانَ الْمَقْتُول لَأَشَدّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّج أَنْ يَبْسُط يَده إِلَى أَخِيهِ ! وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمَا عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9142 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْنهمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِين فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَان يُقَرِّبهُ الرَّجُل . فَبَيْنَا اِبْنَا آدَم قَاعِدَانِ , إِذْ قَالَا : لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا ! وَكَانَ الرَّجُل إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ اللَّه أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّه خَبَتْ النَّار . فَقَرَّبَا قُرْبَانًا , وَكَانَ أَحَدهمَا رَاعِيًا , وَكَانَ الْآخَر حَرَّاثًا , وَإِنَّ صَاحِب الْغَنَم قَرَّبَ خَيْر غَنَمه وَأَسْمَنهَا وَقَرَّبَ الْآخَر أَبْغَض زَرْعه , فَجَاءَتْ النَّار , فَنَزَلَتْ بَيْنهمَا , فَأَكَلَتْ الشَّاة وَتَرَكَتْ الزَّرْع . وَإِنَّ اِبْن آدَم قَالَ لِأَخِيهِ : أَتَمْشِي فِي النَّاس وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّك قَرَّبْت قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْك وَرُدَّ عَلَيَّ ؟ فَلَا وَاَللَّه , لَا تَنْظُر النَّاس إِلَيَّ وَإِلَيْك وَأَنْتَ خَيْر مِنِّي ! فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي , إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . 9143 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : اِبْنَا آدَم هَابِيل وَقَابِيل لِصُلْبِ آدَم , فَقَرَّبَ أَحَدهمَا شَاة وَقَرَّبَ الْآخَر بَقْلًا , فَقُبِلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة , فَقَتَلَهُ صَاحِبه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9144 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : هَابِيل وَقَابِيل , فَقَرَّبَ هَابِيل عَنَاقًا مِنْ أَحْسَن غَنَمه , وَقَرَّبَ قَابِيل زَرْعًا مِنْ زَرْعه . قَالَ : فَأَكَلَتْ النَّار الْعَنَاق , وَلَمْ تَأْكُل الزَّرْع , فَ { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9145 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا رَجُل سَمِعَ مُجَاهِدًا فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : هُوَ هَابِيل وَقَابِيل لِصُلْبِ آدَم , قَرَّبَا قُرْبَانًا , قَرَّبَ أَحَدهمَا شَاة مِنْ غَنَمه وَقَرَّبَ الْآخَر بَقْلًا , فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة , فَقَالَ لَهُ صَاحِبِهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَقَتَلَهُ , فَعَقَلَ اللَّه إِحْدَى رِجْلَيْهِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَجَعَلَ وَجْهه إِلَى الشَّمْس حَيْثُمَا دَارَتْ عَلَيْهِ حَظِيرَة مِنْ ثَلْج فِي الشِّتَاء وَعَلَيْهِ فِي الصَّيْف حَظِيرَة مِنْ نَار , وَمَعَهُ سَبْعَة أَمْلَاك كُلَّمَا ذَهَبَ مَلَك جَاءَ الْآخَر . 9146 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان ( ح ) , وَحَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } قَالَ : قَرَّبَ هَذَا كَبْشًا وَقَرَّبَ هَذَا صُبْرَة مِنْ طَعَام ; فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا . قَالَ : تُقُبِّلَ مِنْ صَاحِب الشَّاة وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر . 9147 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر } كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَم , فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر . 9148 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } قَالَ : كَانَ أَحَدهمَا اِسْمه قَابِيل وَالْآخَر هَابِيل ; أَحَدهمَا صَاحِب غَنَم , وَالْآخَر صَاحِب زَرْع , فَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَمْثَل غَنَمه حَمَلًا , وَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَرْدَإِ زَرْعه . قَالَ : فَنَزَلَتْ النَّار , فَأَكَلَتْ الْحَمَل , فَقَالَ لِأَخِيهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! 9149 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل : أَنَّ آدَم أَمَرَ اِبْنه قَابِيل أَنْ يَنْكِح أُخْته تَوْأَمَة هَابِيل , وَأَمَرَ هَابِيل أَنْ يَنْكِح أُخْته تَوْأَمَة قَابِيل . فَسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيل وَرَضِيَ , وَأَبَى قَابِيل ذَلِكَ وَكَرِهَهُ , تَكَرُّمًا عَنْ أُخْت هَابِيل , وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيل , وَقَالَ : نَحْنُ وِلَادَة الْجَنَّة وَهُمَا مِنْ وِلَادَة الْأَرْض , وَأَنَا أَحَقّ بِأُخْتِي وَيَقُول بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل : كَانَتْ أُخْت قَابِيل مِنْ أَحْسَن النَّاس , فَضَنَّ بِهَا عَلَى أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ , فَاَللَّه أَعْلَم أَيّ ذَلِكَ كَانَ . فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا لَا تَحِلّ لَك ! فَأَبَى قَابِيل أَنْ يَقْبَل ذَلِكَ مِنْ قَوْل أَبِيهِ , فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيّ فَقَرِّبْ قُرْبَانًا , وَيُقَرِّب أَخُوك هَابِيل قُرْبَانًا , فَأَيُّكُمَا قَبِلَ اللَّه قُرْبَانه فَهُوَ أَحَقّ بِهَا . وَكَانَ قَابِيل عَلَى بَذْر الْأَرْض , وَكَانَ هَابِيل عَلَى رِعَايَة الْمَاشِيَة , فَقَرَّبَ قَابِيل قَمْحًا وَقَرَّبَ هَابِيل أَبْكَارًا مِنْ أَبْكَار غَنَمه - وَبَعْضهمْ يَقُول : قَرَّبَ بَقَرَة - فَأَرْسَلَ اللَّه نَارًا بَيْضَاء , فَأَكَلَتْ قُرْبَان هَابِيل وَتَرَكَتْ قُرْبَان قَابِيل , وَبِذَلِكَ كَانَ يَقْبَل الْقُرْبَان إِذَا قَبِلَهُ . 9150 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِيمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ مُرَّة , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ لَا يُولَد لِآدَم مَوْلُود إِلَّا وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَة , فَكَانَ يُزَوِّج غُلَام هَذَا الْبَطْن جَارِيَة هَذَا الْبَطْن الْآخَر , وَيُزَوِّج جَارِيَة هَذَا الْبَطْن غُلَام هَذَا الْبَطْن الْآخَر . حَتَّى وُلِدَ لَهُ اِبْنَانِ يُقَال لَهُمَا : قَابِيل , وَهَابِيل , وَكَانَ قَابِيل صَاحِب زَرْع , وَكَانَ هَابِيل صَاحِب ضَرْع . وَكَانَ قَابِيل أَكْبَرهمَا , وَكَانَ لَهُ أُخْت أَحْسَن مِنْ أُخْت هَابِيل . وَإِنَّ هَابِيل طَلَبَ أَنْ يَنْكِح أُخْت قَابِيل , فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ : هِيَ أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي , وَهِيَ أَحْسَن مِنْ أُخْتك , وَأَنَا أَحَقّ أَنْ أَتَزَوَّجهَا . فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجهَا هَابِيل فَأَبَى . وَإِنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّه أَيّهمَا أَحَقّ بِالْجَارِيَةِ , وَكَانَ آدَم يَوْمئِذٍ قَدْ غَابَ عَنْهُمَا إِلَى مَكَّة يَنْظُر إِلَيْهَا , قَالَ اللَّه لِآدَم : يَا آدَم , هَلْ تَعْلَم أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْض ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا ! قَالَ : فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّة فَأْتِهِ ! فَقَالَ آدَم لِلسَّمَاءِ : اِحْفَظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ , فَأَبَتْ . وَقَالَ لِلْأَرْضِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لِلْجِبَالِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لِقَابِيل , فَقَالَ : نَعَمْ تَذْهَب وَتَرْجِع وَتَجِد أَهْلك كَمَا يَسُرّك . فَلَمَّا اِنْطَلَقَ آدَم قَرَّبَا قُرْبَانًا , وَكَانَ قَابِيل يَفْخَر عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَنَا أَحَقّ بِهَا مِنْك , هِيَ أُخْتِي , وَأَنَا أَكْبَر مِنْك , وَأَنَا وَصِيّ وَالِدِي . فَلَمَّا قَرَّبَا , قَرَّبَ هَابِيل جَذَعَة سَمِينَة , وَقَرَّبَ قَابِيل حُزْمَة سُنْبُل , فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَة عَظِيمَة فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا . فَنَزَلَتْ النَّار فَأَكَلَتْ قُرْبَان هَابِيل , وَتَرَكَتْ قُرْبَان قَابِيل , فَغَضِبَ وَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِح أُخْتِي ! فَقَالَ هَابِيل { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9151 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا هَابِيل وَقَابِيل . فَأَمَّا هَابِيل فَكَانَ صَاحِب مَاشِيَة , فَعَمَدَ إِلَى خَيْر مَاشِيَته , فَتَقَرَّبَ بِهَا , فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ نَار فَأَكَلَتْهُ . وَكَانَ الْقُرْبَان إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ نَار فَأَكَلَتْهُ , وَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِمْ أَكَلَتْهُ الطَّيْر وَالسِّبَاع . وَأَمَّا قَابِيل فَكَانَ صَاحِب زَرْع , فَعَمَدَ إِلَى أَرْدَإِ زَرْعه , فَتَقَرَّبَ بِهِ , فَلَمْ تَنْزِل عَلَيْهِ النَّار , فَحَسَدَ أَخَاهُ عِنْد ذَلِكَ فَقَالَ : { لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } قَالَ : هُمَا قَابِيل وَهَابِيل . قَالَ : كَانَ أَحَدهمَا صَاحِب زَرْع وَالْآخَر صَاحِب مَاشِيَة , فَجَاءَ أَحَدهمَا بِخَيْرِ مَاله وَجَاءَ الْآخَر بِشَرِّ مَاله , فَجَاءَتْ النَّار , فَأَكَلَتْ قُرْبَان أَحَدهمَا وَهُوَ هَابِيل , وَتَرَكَتْ قُرْبَان الْآخَر , فَحَسَدَهُ فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ! * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } قَالَ : قَرَّبَ هَذَا زَرْعًا وَذَا عَنَاقًا , فَتَرَكَتْ النَّارُ الزَّرْعَ وَأَكَلَتْ الْعَنَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّذَانِ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَقَصَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَصَصهمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا مِنْ وَلَد آدَم لِصُلْبِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9152 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سَهْل بْن يُوسُف , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : . كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآن , اللَّذَانِ قَالَ اللَّه : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ اِبْنَيْ آدَم بِالْحَقِّ } مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَلَمْ يَكُونَا اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَان فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ آدَم أَوَّل مَنْ مَاتَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنَّ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا الْقُرْبَان كَانَ اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , لَا مِنْ ذُرِّيَّته مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِب عِبَاده بِمَا لَا يُفِيدهُمْ بِهِ فَائِدَة , وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَة كَانُوا عَالِمِينَ أَنَّ تَقْرِيب الْقُرْبَان لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي وَلَد آدَم دُون الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَسَائِر الْخَلْق غَيْرهمْ . فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا ذَلِكَ عِنْدهمْ , فَمَعْقُول أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِابْنَيْ آدَم اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّه فِي كِتَابه اِبْنَاهُ لِصُلْبِهِ , لَمْ يُفِدْهُمْ بِذِكْرِهِ جَلَّ جَلَاله إِيَّاهُمَا فَائِدَة لَمْ تَكُنْ عِنْدهمْ . وَإِذَا كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُخَاطِبهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدهُمْ بِهِ مَعْنًى , فَمَعْلُوم أَنَّهُ عَنَى اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ , لَا اِبْنَيْ بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبهمْ مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْأَخْبَار وَالسِّيَر وَالْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا اِبْنَيْ آدَم لِصُلْبِهِ وَفِي عَهْد آدَم وَزَمَانه , وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ نَصَّ عَنْهُ الْقَوْل بِذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يَذْكُر إِنْ شَاءَ اللَّه . 9153 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : ثنا حُسَام بْن مِصَكّ , عَنْ عَمَّار الدُّهْنِيّ , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , قَالَ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ , مَكَثَ آدَم مِائَة سَنَة حَزِينًا لَا يَضْحَك , ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : حَيَّاك اللَّه وَبَيَّاك ! فَقَالَ : بَيَّاك : أَضْحَكَك . 9154 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ غِيَاث بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ : لَمَّا قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ , بَكَى آدَم فَقَالَ : تَغَيَّرَتْ الْبِلَاد وَمَنْ عَلَيْهَا فَلَوْن الْأَرْض مُغْبَرّ قَبِيح تَغَيَّرَ كُلّ ذِي لَوْن وَطَعْم وَقَلَّ بَشَاشَة الْوَجْه الْمَلِيح فَأُجِيبَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : أَبَا هَابِيل قَدْ قُتِلَا جَمِيعًا وَصَارَ الْحَيّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيح وَجَاءَ بِشَرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا عَلَى خَوْف فَجَاءَ بِهَا يَصِيح وَأَمَّا الْقَوْل فِي تَقْرِيبهمَا مَا قَرَّبَا , فَإِنَّ الصَّوَاب فِيهِ مِنْ الْقَوْل أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره أَخْبَرَ عِبَاده عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا , وَلَمْ يُخْبِر أَنَّ تَقْرِيبهمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِهِ وَلَا عَنْ غَيْر أَمْره . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ , وَجَائِز أَنْ يَكُون عَنْ غَيْر أَمْره . غَيْر أَنَّهُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَب قُرْبَة إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ اللَّه . ' وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّل مِنْهُ قُرْبَانه لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانه : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَتَرَكَ ذِكْر الْمُتَقَبَّل قُرْبَانه وَالْمَرْدُود عَلَيْهِ قُرْبَانه , اِسْتِغْنَاء بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرهمَا عَنْ إِعَادَته , وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْر الْمُتَقَبَّل قُرْبَانه مَعَ قَوْله : { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس : 9155 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9156 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } قَالَ : يَقُول : إِنَّك لَوْ اِتَّقَيْت اللَّه فِي قُرْبَانك تُقُبِّلَ مِنْك , جِئْت بِقُرْبَانٍ مَغْشُوش بِأَشَرّ مَا عِنْدك , وَجِئْت أَنَا بِقُرْبَانٍ طَيِّب بِخَيْرِ مَا عِنْدِي ; قَالَ : وَكَانَ قَالَ : يَتَقَبَّل اللَّه مِنْك وَلَا يَتَقَبَّل مِنِّي . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّل مِنْهُ قُرْبَانه لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانه : لَأَقْتُلَنَّكَ ! فَتَرَكَ ذِكْر الْمُتَقَبَّل قُرْبَانه وَالْمَرْدُود عَلَيْهِ قُرْبَانه , اِسْتِغْنَاء بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرهمَا عَنْ إِعَادَته , وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْر الْمُتَقَبَّل قُرْبَانه مَعَ قَوْله : { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس : 9155 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ : مَا ذَنْبِي { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } . 9156 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } قَالَ : يَقُول : إِنَّك لَوْ اِتَّقَيْت اللَّه فِي قُرْبَانك تُقُبِّلَ مِنْك , جِئْت بِقُرْبَانٍ مَغْشُوش بِأَشَرّ مَا عِنْدك , وَجِئْت أَنَا بِقُرْبَانٍ طَيِّب بِخَيْرِ مَا عِنْدِي ; قَالَ : وَكَانَ قَالَ : يَتَقَبَّل اللَّه مِنْك وَلَا يَتَقَبَّل مِنِّي . ' وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ الْمُتَّقِينَ } مِنْ الَّذِينَ اِتَّقَوْا اللَّه وَخَافُوهُ بِأَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : الْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِع الَّذِينَ اِتَّقَوْا الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9157 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْك . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُرْبَان فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ الْفُعْلَان مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَرَّبَ , كَمَا الْفُرْقَان : الْفُعْلَان مِنْ فَرَّقَ , وَالْعُدْوَان مِنْ عَدَا . وَكَانَتْ قَرَابِينُ الْأُمَم الْمَاضِيَة قَبْل أُمَّتنَا كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَات فِينَا , غَيْر أَنَّ قَرَابِينهمْ كَانَ يُعْلَم الْمُتَقَبَّل مِنْهَا وَغَيْر الْمُتَقَبَّل فِيمَا ذُكِرَ بِأَكْلِ النَّار مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا وَتَرْك النَّار مَا لَمْ يُتَقَبَّل مِنْهَا . وَالْقُرْبَان فِي أُمَّتنَا : الْأَعْمَال الصَّالِحَة : مِنْ الصَّلَاة , وَالصِّيَام , وَالصَّدَقَة عَلَى أَهْل الْمَسْكَنَة , وَأَدَاء الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , وَلَا سَبِيل لَهَا إِلَى الْعِلْم فِي عَاجِل بِالْمُتَقَبَّلِ مِنْهَا وَالْمَرْدُود . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , أَنَّهُ حِين حَضَرَتْهُ الْوَفَاة بَكَى , فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيك , فَقَدْ كُنْت وَكُنْت ؟ فَقَالَ : يُبْكِينِي أَنِّي أَسْمَع اللَّه يَقُول : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } 9158 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن عُمَر الْمُقَدِّمِيّ , قَالَ : ثني سَعِيد بْن عَامِر , عَنْ هَمَّام , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ عَامِر . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : قُرْبَان الْمُتَّقِينَ : الصَّلَاة . 9159 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عِمْرَان بْن سُلَيْم , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , قَالَ : كَانَ قُرْبَان الْمُتَّقِينَ : الصَّلَاة . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ الْمُتَّقِينَ } مِنْ الَّذِينَ اِتَّقَوْا اللَّه وَخَافُوهُ بِأَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : الْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِع الَّذِينَ اِتَّقَوْا الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9157 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْك . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُرْبَان فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ الْفُعْلَان مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَرَّبَ , كَمَا الْفُرْقَان : الْفُعْلَان مِنْ فَرَّقَ , وَالْعُدْوَان مِنْ عَدَا . وَكَانَتْ قَرَابِينُ الْأُمَم الْمَاضِيَة قَبْل أُمَّتنَا كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَات فِينَا , غَيْر أَنَّ قَرَابِينهمْ كَانَ يُعْلَم الْمُتَقَبَّل مِنْهَا وَغَيْر الْمُتَقَبَّل فِيمَا ذُكِرَ بِأَكْلِ النَّار مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا وَتَرْك النَّار مَا لَمْ يُتَقَبَّل مِنْهَا . وَالْقُرْبَان فِي أُمَّتنَا : الْأَعْمَال الصَّالِحَة : مِنْ الصَّلَاة , وَالصِّيَام , وَالصَّدَقَة عَلَى أَهْل الْمَسْكَنَة , وَأَدَاء الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , وَلَا سَبِيل لَهَا إِلَى الْعِلْم فِي عَاجِل بِالْمُتَقَبَّلِ مِنْهَا وَالْمَرْدُود . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , أَنَّهُ حِين حَضَرَتْهُ الْوَفَاة بَكَى , فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيك , فَقَدْ كُنْت وَكُنْت ؟ فَقَالَ : يُبْكِينِي أَنِّي أَسْمَع اللَّه يَقُول : { إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ } 9158 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن عُمَر الْمُقَدِّمِيّ , قَالَ : ثني سَعِيد بْن عَامِر , عَنْ هَمَّام , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ عَامِر . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : قُرْبَان الْمُتَّقِينَ : الصَّلَاة . 9159 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عِمْرَان بْن سُلَيْم , عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت , قَالَ : كَانَ قُرْبَان الْمُتَّقِينَ : الصَّلَاة . '

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} الآية. وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه. المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم. أي ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق، لا كالأحاديث الموضوعة؛ وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. واختلف في ابني آدم؛ فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية : وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه؛ هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما؛ وهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل - لأنه صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها. وكان قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه. { فتقبل} فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام؛ قاله سعيد بن جبير وغيره. فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له قابيل حسدا : لأنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني! { لأقتلنك} وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي، واسمه هبة الله؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل. وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين ومئة سنة - وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته؛ فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء، ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا؛ فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر؛ فاتفقوا على التقريب؛ قال جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود. وروي أن آدم حضر ذلك. والله أعلم. وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق : أن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه؛ ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت، وهي أول من بغى على وجه الأرض؛ فسلط الله عليها من قتلها، ثم ولدت لآدم قابيل، ثم ولدت له هابيل؛ فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن، يقال لها : جملة في صورة إنسية؛ وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه. فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية في صفة إنسية وخلق لها رحما، وكان اسمها بزلة، فلما نظر إليها هابيل أحبها؛ فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل. فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي؟ قال : نعم. قال : فكنت أحق بما فعلت به منه! فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فقال : لا والله، ولكنك آثرته علي. فقال آدم { فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل} . قلت : هذه القضية عن جعفر ما أظنها تصح، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن. والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء : 1]. وهذا كالنص ثم نسخ ذلك، حسبما تقدم بيانه في سورة [البقرة]. وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا؛ أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء، وآخرهم عبدالمغيث. ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا. وما روي عن جعفر - من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال : مع من بغت؟ أمع جني تسول لها! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر، وذلك معدوم. والله أعلم. الثانية: وفي قول هابيل { قال إنما يتقبل الله من المتقين} كلام قبله محذوف؛ لأنه لما قال له قابيل { لأقتلنك} قال له : ولمَ تقتلني وأنا لم أجن شيئا؟، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني، أما إني اتقيته وكنت على لاحب الحق وإنما يتقبل الله من المتقين. قال ابن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة؛ فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة؛ وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة؛ علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا. وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة. قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات. وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 21 - 27


سورة المائدة الايات 27 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة يتلو الإنسان - أي يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صُور؛ ذلك أن الإنسان عندما يرى أمراً أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل صورة مكّونة للحدث منفصلة عن غيرها. وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتّب الكلمات، كلمة من بعد كلمة، وحرفاً من بعد حرف؛ إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام. { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ } والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر. ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر. مثال ذلك قوله الحق:
{  عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ }
[النبأ: 1-2]

إذن فكلمة " نبأ " هي الخبر المهم الشديد الذي وقع وأثر عظيم.

{ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ } وساعة نسمع قوله الحق: " بالحق " فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل. ولذلك قال سبحانه:
{  وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ }
[الإسراء: 105]

أي أن ما أُنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشّر نزل. وعندما يقول سبحانه: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ } فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية. ومادام الله هو الذي يقصّ فهو سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة. ولذلك يسمّيه سبحانه " القصص الحق ":
{  إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ }
[آل عمران: 62]

ويُسمّيه سبحانه:
{  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }
[يوسف: 3]

وسبحانه يقول: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ } ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون. وقد قرّب كل منهما قرباناً. والقُربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و " قربان " على وزن " فعلان ". فيقال: " كَفَر كُفراناً " و " غَفَر غُفرانا ". وهي صيغة مبالغة في الحدث. وهل قدّم الاثنان قرباناً واحداً؛ أم أن كلا منهما قدّم قرباناً خاصّاً به؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبّل من الآخر فمعنى ذلك أن كلاًّ منهما قدّم قرباناً منفصلاً عن الآخر؛ لأن الله قبل قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر.

و " القربان: مصدر. والمصادر في التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها. فنحن نصف الرجل بقولنا: " رجل عدل " وكذلك " امرأة عدل " و " رجلان عدل " و " امرأتان عدل " و " رجال عدل " و " نساء عدل ". إذن فالمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث.ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي، وجاءت له حواء؛ وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر؛ لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى:
{  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }
[الذاريات: 49]

فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين.
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ }
[يس: 36]

ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل. وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكراً وأنثى؛ إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح:
{  وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً }
[الحجر: 22]

فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات، وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معاً في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عُود الذّرة؛ حيث نجد ذكروته وأنوثته في شيء واحد؛ فقمّة العود فيها الذكورة ويخرج من كل " كوز " ذرة قدراً من الخيوط الرفيعة التي نسمّيها " الشّوشة ". وهذه هي حبال الأنوثة. وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى " الشوشة " ، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة. وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب اللقاح؛ لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح. وحبّة الذّرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج. إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة.
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا }
[يس: 36]

وكذلك قوله: وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }.

وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لا بد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة. وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق:
{  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
[الذاريات: 49]

وقوله سبحانه:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36]

وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمّة علم.

وقد أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أحذوا بأسباب الله، لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36]

إذن فكل ما يجدُّ ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة وأنوثة؛ يدخل في نطاق:
{  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36]

والإنسان سيد الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى للتكاثر لا للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء مَِن لا شيء.وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في النمو. ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء. مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء قروناً أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن نصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله وهو آدم وخلق له حواء. فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل.

إذن عندما نجري عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق الأول. وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيواناً أم نباتاً. وعندما نسير بالإحصاء إلى الأمام سنجد الأعداد تتزايد، وتكون القفزة كبيرة. وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثَّ منهُما رجالاً كثيراً ونساء، فإن عِلم الإحصاء إنما يؤكد ذلك. والتكاثر إنا يأتي بالتزاوج. والتزاوج جاء من آدم وحواء. وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف. أي يتزوج الذكر من الأنثى التي لم تولد معه في بطن واحدة.

وجاء ربّنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بياناً رمزياً. أوضح سبحانه: أن التباعد الزوجي كان موجوداً، ولكنه التباعد الإضافي، صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه، وهذه البنت أخته؛ لكن حين تكون مولودة مع هذا، وتأتي بطن ثانٍ فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بُعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني. والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو البُعد الإضافي الذي كان مُتاحاً في ذلك الوقت؛ لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية.

ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح آخر: " الذرة بتاعك خايب " ، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوى منها، فأنا قد زرعت فداناً من ذرة، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها، فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك. فيكون ذرة جاري فيه شيء من البُعد. وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد أخرى. وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قوياً.

كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديماً لها، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علماً، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداءً يجعلها قضية عامة فطرية.ويريد أن يمدح رجلاً بالفتوة، فيقول عنه:
فتى لم تلده بنتُ عمٍ فيضوي   وقد يضوي سليل الأقارب
كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه؟! وبعد ذلك يقول:
تجاوزت بنت العّمِ وهي حبيبة إليّ   مخافة أن يضوي على سليلها
أي هو يحبها، لكنه تجتوزها، حتى لا يضوي سليلها.

ولذلك يقول الشاعر في هذه القضية:
أنصح من كان بعيد الهم   تزويج أولاد بنات العم
فليس ينجو من ضوى وسقم   
الشاعر العربي الذي ليس في أمة مثقفة ولا تعرف التهجين ولا تعرف هذه الأشياء، انتبه إلى هذه المسألة، كيف؟ إما أن يكون قد اهتدى إليها في واقع الكون فوجد أن زواج القريبات يُنشئ ملاً ضعيفاً، وإما أن يكون ذلك من رواسب الديانات السابقة القديمة والعظات الأولى التي ظل الإنسان محتفظاً بها، فإذا أراد الله أن يبدأ تكاثر فلا بد أن يتزوج أخ بأخته، ولكن سبحانه يريد أن نتباعد، نعم أخ وأخت لكن نتباعد فنأخذ البطن المختلف، ولذلك حينما جاءوا لينسبوا قصة ابني آدم قابيل وهابيل، صحيح اختلفوا. مثلا " سِفْر التكوين " تكلم، ونحن نأخذ من " سفر التكوين " لأن التغيير فيه لا يهمهم. فقد كان التغيير في المسائل التي تهمهم، كمسألة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما المسائل الأخرى لا تهم، ومع ذلك ففيها أيضا الكثير.

إنهم يقولون: إن هابيل هو أول قتيل في الإنسانية وقتله " قابيل " وبعض القصص تقول: لم يكن يعرف كيف يُميته أو يقتله، فالشيطان مَثَّل له بأنه جاء بطير ووضع رأسه على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسه حتى قتله، فعلّمه كيف يقتل، مثلما سيأتي الغراب ويعلّمه كيف يدفن، أما مسألة كيف يقتل هذه لم تأت عندنا، إنما كيف يدفن فقد جاءت عندنا.
{  فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ }
[المائدة: 31]

فهذا هو أول من توفّى وقتل، لكن كيف تقولون: إنه لم يكن يعرف القتل حتى جاءه الشيطان وعلّمه كيف يقتل أخاه؟ نقول: أنتم لم تنتبهوا. فالحق قال: { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ... }


www.alro7.net