سورة
اية:

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات مَنَّا على من أعطوه فلا يمنُّون به على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا فعل. وقوله تعالى: { ولا أذى} أي لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهاً يحبطون به ما سلف من الإحسان ثم وعدهم اللّه تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: { لهم أجرهم عند ربهم} أي ثوابهم على اللّه لا على أحد سواه، { ولا خوف عليهم} أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، { ولا هم يحزنون} أي على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك. ثم قال تعالى: { قول معروف} أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم، { ومغفرة} أي عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي، { خير من صدقة يتبعها أذى} ، { واللّه غني} عن خلقه، { حليم} أي يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : (ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر) ""رواه ابن مردويه وأخرجه أحمد وابن ماجة ""ولهذا قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ، فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تعالى: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس} ، أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن الأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه اللّه وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة اللّه تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: { ولا يؤمن باللّه واليوم الآخر} . ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه، فقال: { فمثل كمثل صفوان} وهو الصخر الأملس { عليه تراب فأصابه وابل} وهو المطر الشديد، { فتركه صلداً} أي فترك الوابلُ ذلك الصفوانَ صلداً: أي أملس يابساً، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند اللّه، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب ولهذا قال: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا واللّه لا يهدي القوم الكافرين} .

تفسير الجلالين

{ قول معروف } كلام حسن ورد على السائل جميل { ومغفرة } له في إلحاحه { خير من صدقة يتبعها أذًى } بالمن وتعيير له بالسؤال { والله غني } عن صدقة العباد { حليم } بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَوْل مَعْرُوف وَمَغْفِرَة خَيْر مِنْ صَدَقَة يَتْبَعهَا أَذًى } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { قَوْل مَعْرُوف } قَوْل جَمِيل , وَدُعَاء الرَّجُل لِأَخِيهِ الْمُسْلِم . { وَمَغْفِرَة } يَعْنِي : وَسِتْر مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خُلَّته وَسُوء حَالَته , خَيْر عِنْد اللَّه مِنْ صَدَقَة يَتَصَدَّقهَا عَلَيْهِ يَتْبَعهَا أَذًى , يَعْنِي يَشْتَكِيه عَلَيْهَا وَيُؤْذِيهِ بِسَبَبِهَا . كَمَا : 4723 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { قَوْل مَعْرُوف وَمَغْفِرَة خَيْر مِنْ صَدَقَة يَتْبَعهَا أَذًى } يَقُول : أَنْ يُمْسِك مَاله خَيْر مِنْ أَنْ يُنْفِق مَاله ثُمَّ يُتْبِعهُ مَنًّا وَأَذًى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَوْل مَعْرُوف وَمَغْفِرَة خَيْر مِنْ صَدَقَة يَتْبَعهَا أَذًى } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { قَوْل مَعْرُوف } قَوْل جَمِيل , وَدُعَاء الرَّجُل لِأَخِيهِ الْمُسْلِم . { وَمَغْفِرَة } يَعْنِي : وَسِتْر مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خُلَّته وَسُوء حَالَته , خَيْر عِنْد اللَّه مِنْ صَدَقَة يَتَصَدَّقهَا عَلَيْهِ يَتْبَعهَا أَذًى , يَعْنِي يَشْتَكِيه عَلَيْهَا وَيُؤْذِيهِ بِسَبَبِهَا . كَمَا : 4723 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { قَوْل مَعْرُوف وَمَغْفِرَة خَيْر مِنْ صَدَقَة يَتْبَعهَا أَذًى } يَقُول : أَنْ يُمْسِك مَاله خَيْر مِنْ أَنْ يُنْفِق مَاله ثُمَّ يُتْبِعهُ مَنًّا وَأَذًى . ' وَأَمَّا قَوْله : { غَنِيّ حَلِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاَللَّه غَنِيّ عَمَّا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ , حَلِيم حِين لَا يُعَجِّل بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنّ بِصَدَقَتِهِ مِنْكُمْ , وَيُؤْذِي فِيهَا مَنْ يَتَصَدَّق بِهَا عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك مَا : 4724 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : الْغَنِيّ : الَّذِي كَمُلَ فِي غِنَاهُ , وَالْحَلِيم : الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمه . وَأَمَّا قَوْله : { غَنِيّ حَلِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاَللَّه غَنِيّ عَمَّا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ , حَلِيم حِين لَا يُعَجِّل بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنّ بِصَدَقَتِهِ مِنْكُمْ , وَيُؤْذِي فِيهَا مَنْ يَتَصَدَّق بِهَا عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك مَا : 4724 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : الْغَنِيّ : الَّذِي كَمُلَ فِي غِنَاهُ , وَالْحَلِيم : الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمه . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { قول معروف} ابتداء والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل، ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس : ويجوز أن يكون { قول معروف} خبر ابتداء محذوف، أي الذي أمرتم به قول معروف. والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء، لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. قال صلى الله عليه وسلم : (الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) أخرجه مسلم. فيتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال : لا تدخلنك ضجرة من سائل ** فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالرد وجه مؤمل ** فبقاء عزك أن ترى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشره ** وترى العبوس على اللئيم دليلا واعلم بأنك عن قليل صائر ** خبرا فكن خبرا يروق جميلا وروي من حديث عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى). قلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى، خرجه مسلم وغيره. وذلك أن ملكا تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسؤول. وقال بشر بن الحارث : رأيت عليا في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين قل لي شيئا ينفعني الله به، قال : ما أحسن عطف الأنبياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله. فقلت : يا أمير المؤمنين زدني، فولى وهو يقول : قد كنت ميتا فصرت حيا ** وعن قليل تصير ميتا فاخرب بدار الفناء بيتا ** وابن بدار البقاء بيتا الثانية: قوله تعالى { ومغفرة} المغفرة هنا : الستر للخلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي - وقد سأل قوما بكلام فصيح - فقال له قائل : ممن الرجل ؟ فقال له : اللهم غفرا ! سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل : المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه من المن والأذى، قال معناه النقاش. وقال النحاس : هذا مشكل يبينه الإعراب. { مغفرة} رفع بالابتداء والخبر { خير من صدقة} . والمعنى والله أعلم وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، وتقديره في العربية وفعل مغفرة. ويجوز أن يكون مثل قولك : تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها. الثالثة: قوله تعالى { والله غني حليم} أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من منّ وآذى بصدقته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 261 - 270


سورة البقرة الايات 261 - 270

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما معنى { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }؟ إننا في العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخَيِّر أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذي تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا، ومن شأن النقيض أن يكون منكرا، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنّه سألك، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟

لأن هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلاً عليك، وربما تجاوز أدب الحديث معك، فعليك أن تتحمله.

وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي تغضب الله، ويحلم الحق عليك ويغفرها لك ولا يعذبك بها، فإذا ما صنع إنسان معك شيئا فكن أيضا صاحب قول معروف ومغفرة وحلم؛ إن الحق سبحانه يقول لنا: { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ }؟

إننا جميعا نحب أن يغفر الله لنا، ولذلك يجب أن نغفر لغيرنا وخصوصا للمحتاج. والحق حين يقول: { وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ } ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير، وكأنه يقول له: إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر الله. إنك أيها القادر حين تحرم فقيراً، فأنت المحروم؛ لأن الله غني عنك، وهو سبحانه يقول:
{  هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم }
[محمد: 38]

إن الله غني بقدرته المطلقة، غني وقادر أن يستبدل بالقوم البخلاء قوما يسخون بما أفاء الله عليهم من رزق في سبيل الله. فالذي يمسك عن العطاء إنما منع عن نفسه باب رحمة. ولذلك يقول الحق: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ... }


www.alro7.net