سورة
اية:

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} الآية. [26].
قال ابن عباس وأنس بن مالك: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ووعد أمته مُلْكَ فارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات! هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعزُّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك وفارس والروم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرني محمد بن عبد العزيز المَرْوَزِي في كتابه، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين [الحدادي]، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا رَوْح بن عُبادة، حدَّثنا سعيد، عن قتادة قال:
ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآء} الآية.
حدَّثنا الأستاذ أبو إسحاق الثعالبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوَزان، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدَّثنا حماد بن الحسن، حدَّثنا محمد بن خالد بن عَثْمَة، حدَّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، حدَّثني أبي عن أبيه، قال:
خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الخندق يوم الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً. قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسَلْمان، وحُذَيْفَة والنُّعْمَان بن مُقْرِّن المُزَني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً. فحفرنا حتى إذا كنا تحت "ذوناب"، أخرج الله من بطن الخندق صخرة مَرْوَة كَسَرَتْ حديدَنا وشقت علينا، فقلنا: يا سليمان، ارْقَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، وإِما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خَطَّه. قال: فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ضارب عليه قبة تُرْكِيّة، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مَرْوَة من بطن الخندق، فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمْرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطَّك. قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الْمِعْوَل من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبَرَق منها برق أضاء ما بين لاَبَتَيْها - يعني المدينة - حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم. وَكَبَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، فكبَّرَ المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لاَبَتَيْها، حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لاَبَتَيْهَا حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكَبّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان ورقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئاً ما رأيت مثله قط. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى القوم، فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحِيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل، عليه السلام، أن أمتي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام، أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله، موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحفر. فقال المنافقون: ألا تعجبون يُمَنِّيكم ويَعِدُكُم الباطلَ، ويخبركم أنه يبصر من يَثْرِبَ قُصورَ الحِيرَة ومدائنَ كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إِنما تحفرون الخندق من الفَرَقِ، ولا تستطيعون أن تبرزوا! قال: فنزل القرآن { وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} وأنزل الله تعالى في هذه القصة، قوله: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} الآية.

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى: { قل} يا محمد معظماً لربك وشاكراً له ومفوضاً إليه ومتوكلاً عليه { اللهم مالك الملك} أي لك الملك كله، { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} : أي أنت المعطي وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة اللّه تعالى، على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وهذه الأمة، لأن اللّه تعالى حوّل النبوّة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول اللّه إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع اللّه فيه محاسن من كان قبله، وخصَّه بخصائص لم يعطها نبياً من الأنبياء، ولا رسولاً من الرسل، في العلم باللّه وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع فصلوات اللّه وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار، ولهذا قال تعالى: { قل اللّهم مالك الملك} الآية، أي: أنت المتصرف في خلقك الفعّال لما تريد، كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال: { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ، قال اللّه رداً عليهم: { أهم يقسمون رحمة ربك} الآية: نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: { واللّه أعلم حيث يجعل رسالته} وقال تعالى { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} الآية. وقوله تعالى: { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء. وقوله تعالى: { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء: { ترزق من تشاء بغير حساب} أي تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} "أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً"

تفسير الجلالين

ونزلت لما وعد صلى الله عليه وسلم أمته مُلك فارس والروم فقال المنافقون هيهات: { قل اللهم } يا الله { مالك الملك تؤتي } تعطي { الملك من تشاء } من خلقك { وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء } بإيتائه { وتذل من تشاء } بنزعه منه { بيدك } بقدرتك { الخير } أي والشر { إنك على كل شيء قدير } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ اللَّهُمَّ } أَمَّا تَأْوِيل قَوْله { قُلْ اللَّهُمَّ } فَإِنَّهُ قُلْ يَا مُحَمَّد : يَا اللَّه . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي نَصْب مِيم { اللَّهُمَّ } وَهُوَ مُنَادًى , وَحُكْم الْمُنَادَى الْمُفْرَد غَيْر الْمُضَاف الرَّفْع , وَفِي دُخُول الْمِيم فِيهِ , وَهُوَ فِي الْأَصْل " اللَّه " بِغَيْرِ مِيم . فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِ " يَا " كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَلِف فِيهَا , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَلِف وَلَا لَامَ فِيهَا تُنَادَى " يَا " , كَقَوْلِ الْقَائِل : يَا زَيْد وَيَا عَمْرو , قَالَ : فَجُعِلَتْ الْمِيم فِيهِ خَلَفًا مِنْ " يَا " , كَمَا قَالُوا : فَم وَدَم وهم وَزُرْقُم وَسُتْهُم , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء وَالنُّعُوت الَّتِي يُحْذَف مِنْهَا الْحَرْف , ثُمَّ يُبْدَل مَكَانه مِيم , قَالَ : فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْ اللَّهُمَّ " يَا " الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاء الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَجُعِلَتْ الْمِيم خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِر الِاسْم . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَب تُنَادِي : اللَّهُمَّ بِ " يَا " , كَمَا تُنَادِيه , وَلَا مِيم فِيهِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْل مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ لَمْ تُدْخِل الْعَرَب " يَا " , وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلَفِ مِنْهَا . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْ الْعَرَب : وَمَا عَلَيْك أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا صَلَّيْت أَوْ كَبَّرْت يَا اللَّهُمَّ اُرْدُدْ إِلَيْنَا شَيْخَنَا مُسْلِمًا وَيُرْوَى : " سَبَّحْت أَوْ كَبَّرْت " . قَالُوا : وَلَمْ نَرَ الْعَرَب زَادَتْ مِثْل هَذِهِ الْمِيم إِلَّا مُخَفَّفَة فِي نَوَاقِص الْأَسْمَاء مِثْل فَم وَدَم وهم قَالُوا : وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَة ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " بِمَعْنَى " يَا اللَّه أَمِنَّا بِخَيْرِ " , فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَام فَاخْتَلَطَتْ بِهِ . قَالُوا : فَالضَّمَّة الَّتِي فِي الْهَاء مِنْ هَمْزَة " أُمَّ " لَمَّا تُرِكَتْ اِنْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلهَا . قَالُوا : وَنَرَى أَنَّ قَوْل الْعَرَب هَلُمَّ إِلَيْنَا مِثْلهَا , إِنَّمَا كَانَ هَلُمَّ " هَلْ " أَوْ ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبهَا . قَالُوا : وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول إِذَا طَرَحَ الْمِيم : " يَا اللَّه اِغْفِرْ لِي " , " وَيَا اللَّه اِغْفِرْ لِي " , بِهَمْزِ الْأَلِف مِنْ اللَّه مَرَّة , وَوَصْلِهَا أُخْرَى , فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا لِأَنَّهَا أَلِفٌ وَلَام , مِثْل الْأَلِف وَاللَّام اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاء الْمَعَارِف زَائِدَيْنِ . وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنْ الْحَرْف , إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُط مِنْهُ . وَأَنْشَدُوا فِي هَمْز الْأَلِف مِنْهَا : مُبَارَك هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ عَلَى اِسْمك اللَّهُمَّ يَا أَللَّه قَالُوا : وَقَدْ كَثُرَتْ اللَّهُمَّ فِي الْكَلَام حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمهَا فِي بَعْض اللُّغَات , وَأَنْشَدُوا . كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاح يَسْمَعُهَا اللَّهُمَّ الْكِبَار وَالرُّوَاة تُنْشِد ذَلِكَ : " يَسْمَعهَا لَاهِهِ الْكِبَار " . وَقَدْ أَنْشَدَهُ بَعْضهمْ : " يَسْمَعُهَا اللَّه وَالْكِبَار " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ اللَّهُمَّ } أَمَّا تَأْوِيل قَوْله { قُلْ اللَّهُمَّ } فَإِنَّهُ قُلْ يَا مُحَمَّد : يَا اللَّه . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي نَصْب مِيم { اللَّهُمَّ } وَهُوَ مُنَادًى , وَحُكْم الْمُنَادَى الْمُفْرَد غَيْر الْمُضَاف الرَّفْع , وَفِي دُخُول الْمِيم فِيهِ , وَهُوَ فِي الْأَصْل " اللَّه " بِغَيْرِ مِيم . فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُنَادَى بِ " يَا " كَمَا يُنَادَى الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَلِف فِيهَا , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاء الَّتِي لَا أَلِف وَلَا لَامَ فِيهَا تُنَادَى " يَا " , كَقَوْلِ الْقَائِل : يَا زَيْد وَيَا عَمْرو , قَالَ : فَجُعِلَتْ الْمِيم فِيهِ خَلَفًا مِنْ " يَا " , كَمَا قَالُوا : فَم وَدَم وهم وَزُرْقُم وَسُتْهُم , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاء وَالنُّعُوت الَّتِي يُحْذَف مِنْهَا الْحَرْف , ثُمَّ يُبْدَل مَكَانه مِيم , قَالَ : فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ مِنْ اللَّهُمَّ " يَا " الَّتِي يُنَادَى بِهَا الْأَسْمَاء الَّتِي عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَجُعِلَتْ الْمِيم خَلَفًا مِنْهَا فِي آخِر الِاسْم . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا الْعَرَب تُنَادِي : اللَّهُمَّ بِ " يَا " , كَمَا تُنَادِيه , وَلَا مِيم فِيهِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْل مُصِيبًا فِي دَعْوَاهُ لَمْ تُدْخِل الْعَرَب " يَا " , وَقَدْ جَاءُوا بِالْخَلَفِ مِنْهَا . وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْ الْعَرَب : وَمَا عَلَيْك أَنْ تَقُولِي كُلَّمَا صَلَّيْت أَوْ كَبَّرْت يَا اللَّهُمَّ اُرْدُدْ إِلَيْنَا شَيْخَنَا مُسْلِمًا وَيُرْوَى : " سَبَّحْت أَوْ كَبَّرْت " . قَالُوا : وَلَمْ نَرَ الْعَرَب زَادَتْ مِثْل هَذِهِ الْمِيم إِلَّا مُخَفَّفَة فِي نَوَاقِص الْأَسْمَاء مِثْل فَم وَدَم وهم قَالُوا : وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهَا كَلِمَة ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " بِمَعْنَى " يَا اللَّه أَمِنَّا بِخَيْرِ " , فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَام فَاخْتَلَطَتْ بِهِ . قَالُوا : فَالضَّمَّة الَّتِي فِي الْهَاء مِنْ هَمْزَة " أُمَّ " لَمَّا تُرِكَتْ اِنْتَقَلَتْ إِلَى مَا قَبْلهَا . قَالُوا : وَنَرَى أَنَّ قَوْل الْعَرَب هَلُمَّ إِلَيْنَا مِثْلهَا , إِنَّمَا كَانَ هَلُمَّ " هَلْ " أَوْ ضُمَّ إِلَيْهَا " أُمَّ " فَتُرِكَتْ عَلَى نَصْبهَا . قَالُوا : وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول إِذَا طَرَحَ الْمِيم : " يَا اللَّه اِغْفِرْ لِي " , " وَيَا اللَّه اِغْفِرْ لِي " , بِهَمْزِ الْأَلِف مِنْ اللَّه مَرَّة , وَوَصْلِهَا أُخْرَى , فَمَنْ حَذَفَهَا أَجْرَاهَا عَلَى أَصْلِهَا لِأَنَّهَا أَلِفٌ وَلَام , مِثْل الْأَلِف وَاللَّام اللَّتَيْنِ يَدْخُلَانِ فِي الْأَسْمَاء الْمَعَارِف زَائِدَيْنِ . وَمَنْ هَمَزَهَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنْ الْحَرْف , إِذْ كَانَتْ لَا تَسْقُط مِنْهُ . وَأَنْشَدُوا فِي هَمْز الْأَلِف مِنْهَا : مُبَارَك هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ عَلَى اِسْمك اللَّهُمَّ يَا أَللَّه قَالُوا : وَقَدْ كَثُرَتْ اللَّهُمَّ فِي الْكَلَام حَتَّى خُفِّفَتْ مِيمهَا فِي بَعْض اللُّغَات , وَأَنْشَدُوا . كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاح يَسْمَعُهَا اللَّهُمَّ الْكِبَار وَالرُّوَاة تُنْشِد ذَلِكَ : " يَسْمَعهَا لَاهِهِ الْكِبَار " . وَقَدْ أَنْشَدَهُ بَعْضهمْ : " يَسْمَعُهَا اللَّه وَالْكِبَار " .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَالِك الْمُلْك تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَالِك الْمُلْك , يَا مَنْ لَهُ مُلْك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خَالِصًا دُون غَيْره . كَمَا : 5339 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر قَوْله : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك } أَيْ رَبّ الْعِبَاد الْمُلْك لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرك . وَأَمَّا قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي : تُعْطِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء فَتَمْلِكهُ وَتُسَلِّطهُ عَلَى مَنْ تَشَاء . وَقَوْله : { وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } أَنْ تَنْزِعهُ مِنْهُ , فَتُرِكَ ذِكْر " أَنْ تَنْزِعهُ مِنْهُ " اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } عَلَيْهِ , كَمَا يُقَال : خُذْ مَا شِئْت , وَكُنْ فِيمَا شِئْت , يُرَاد : خُذْ مَا شِئْت أَنْ تَأْخُذَهُ , وَكُنْ فِيمَا شِئْت أَنْ تَكُون فِيهِ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فِي أَيّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَك } 82 8 يَعْنِي : فِي أَيّ صُورَة شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَك فِيهَا رَكَّبَك . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبّه أَنْ يَجْعَل مُلْك فَارِس وَالرُّوم لِأُمَّتِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5340 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة ; وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَجْعَل لَهُ مُلْك فَارِس وَالرُّوم فِي أُمَّته , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . .. إِلَى : { إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَل مُلْك فَارِس وَالرُّوم فِي أُمَّته , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَعْنَى الْمُلْك فِي هَذَا الْمَوْضِع النُّبُوَّة . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 5341 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء } قَالَ : النُّبُوَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَالِك الْمُلْك تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَالِك الْمُلْك , يَا مَنْ لَهُ مُلْك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خَالِصًا دُون غَيْره . كَمَا : 5339 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر قَوْله : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك } أَيْ رَبّ الْعِبَاد الْمُلْك لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرك . وَأَمَّا قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي : تُعْطِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء فَتَمْلِكهُ وَتُسَلِّطهُ عَلَى مَنْ تَشَاء . وَقَوْله : { وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } أَنْ تَنْزِعهُ مِنْهُ , فَتُرِكَ ذِكْر " أَنْ تَنْزِعهُ مِنْهُ " اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } عَلَيْهِ , كَمَا يُقَال : خُذْ مَا شِئْت , وَكُنْ فِيمَا شِئْت , يُرَاد : خُذْ مَا شِئْت أَنْ تَأْخُذَهُ , وَكُنْ فِيمَا شِئْت أَنْ تَكُون فِيهِ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فِي أَيّ صُورَة مَا شَاءَ رَكَّبَك } 82 8 يَعْنِي : فِي أَيّ صُورَة شَاءَ أَنْ يُرَكِّبَك فِيهَا رَكَّبَك . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ رَبّه أَنْ يَجْعَل مُلْك فَارِس وَالرُّوم لِأُمَّتِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5340 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة ; وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَجْعَل لَهُ مُلْك فَارِس وَالرُّوم فِي أُمَّته , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . .. إِلَى : { إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَل مُلْك فَارِس وَالرُّوم فِي أُمَّته , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَعْنَى الْمُلْك فِي هَذَا الْمَوْضِع النُّبُوَّة . ذِكْر الرِّوَايَة عَنْهُ بِذَلِكَ : 5341 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء } قَالَ : النُّبُوَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتُعِزّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاء بِإِعْطَائِهِ الْمُلْك وَالسُّلْطَان وَبَسْط الْقُدْرَة لَهُ , وَتُذِلّ مَنْ تَشَاء بِسَلْبِك مُلْكه وَتَسْلِيط عَدُوّ عَلَيْهِ . { بِيَدِك الْخَيْر } أَيْ كُلّ ذَلِكَ بِيَدِك وَإِلَيْك , لَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد ; لِأَنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , دُون سَائِر خَلْقك , وَدُون مَنْ اِتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ مِنْ الْعَرَب إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِك , كَالْمَسِيحِ وَالْأَنْدَاد الَّتِي اِتَّخَذَهَا الْأُمِّيُّونَ رَبًّا . كَمَا : 5342 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . .. الْآيَة , أَيْ إِنَّ ذَلِكَ بِيَدِك لَا إِلَى غَيْرك , { إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } أَيْ لَا يَقْدِر عَلَى هَذَا غَيْرك بِسُلْطَانِك وَقُدْرَتك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتُعِزّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاء بِإِعْطَائِهِ الْمُلْك وَالسُّلْطَان وَبَسْط الْقُدْرَة لَهُ , وَتُذِلّ مَنْ تَشَاء بِسَلْبِك مُلْكه وَتَسْلِيط عَدُوّ عَلَيْهِ . { بِيَدِك الْخَيْر } أَيْ كُلّ ذَلِكَ بِيَدِك وَإِلَيْك , لَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد ; لِأَنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , دُون سَائِر خَلْقك , وَدُون مَنْ اِتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ مِنْ الْعَرَب إِلَهًا وَرَبًّا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِك , كَالْمَسِيحِ وَالْأَنْدَاد الَّتِي اِتَّخَذَهَا الْأُمِّيُّونَ رَبًّا . كَمَا : 5342 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر قَوْله : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . .. الْآيَة , أَيْ إِنَّ ذَلِكَ بِيَدِك لَا إِلَى غَيْرك , { إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } أَيْ لَا يَقْدِر عَلَى هَذَا غَيْرك بِسُلْطَانِك وَقُدْرَتك . '

تفسير القرطبي

قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). وقال معاذ بن جبل : احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم يوما فلم أصل معه الجمعة فقال : (يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة)؟ قلت : يا رسول الله، كان ليوحنا بن باريا اليهودي عليَّ أوقية من تبر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال : (أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك)؟ قلت نعم. قال : (قل كل يوم قل اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك). خرجه أبو نعيم الحافظ، أيضا عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن - أو كلمات - ما في الأرض مسلم يدعو بهن وهو مكروب أو غارم أو ذو دين إلا قضى الله عنه وفرج همه، احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذكره. غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ. وقال ابن عباس وأنس بن مالك : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل : نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم : إن عيسى هو الله؛ وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها. قال ابن إسحاق : أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم، وإن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آيات تدل على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء؛ من قوله { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} . وقوله { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} [آل عمران : 27] فلو كان عيسى إلها كان هذا إليه؛ فكان في ذلك اعتبار وآية بينة. قوله تعالى { قل اللهم} اختلف النحويون في تركيب لفظة { اللهم} بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة، وأنها منادى؛ وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى : كدعوة من أبي رباح ** يسمعها اللهم الكبار قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين : إن أصل اللهم يا الله، فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو "يا" جعلوا بدله هذه الميم المشددة، فجاؤوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير؛ فحذف وخلط الكلمتين، وإن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس : هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الزجاج : محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد، وأن يجعل في اسم الله ضمة أُمّ، هذا إلحاد في اسم الله تعالى. قال ابن عطية : وهذا غلو من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا ألله أُمّ، ولا تقول العرب يا اللهم. وقال الكوفيون : إنه قد يدخل حرف النداء على "اللهم" وأنشدوا على ذلك قول الراجز : غفرت أو عذبت يا اللهما ** آخر : وما عليك أن تقولي كلما ** سبحت أو هللت يا اللهم ما اردد علينا شيخنا مسلما ** فإننا من خيره لن نعدما آخر : إني إذا ما حدث ألما ** أقول يا اللهم يا اللهما قالوا : فلو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج : وهذا شاذ ولا يعرف قائله، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب؛ وقد ورد مثله في قوله : هما نفثا في فيّ من فمويهما ** على النابح العاوي أشد رجام قال الكوفيون : وإنما تزاد الميم مخففة في فم وابنم، وأما ميم مشددة فلا تزاد. وقال بعض النحويين : ما قاله الكوفيون خطأ؛ لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال "اللهم" ويقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضا فقد تقول : أنت اللهم الرزاق. فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر. قال النضر بن شميل : من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها وقال الحسن : اللهم تجمع الدعاء. قوله تعالى { مالك الملك} قال قتادة : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل : سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمته؛ فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. وقد تقدم معناه. و { مالك} منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان؛ ومثله قوله تعالى { قل اللهم فاطر السموات والأرض} [الزمر : 46] ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه قد ضمت إليه الميم. وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج فقالا { مالك} في الإعراب صفة لاسم الله تعالى، وكذلك { فاطر السموات والأرض} . قال أبو علي؛ هو مذهب أبي العباس المبرد؛ وما قاله سيبويه أصوب وأبين؛ وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد { اللهم} لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف؛ نحو غاق وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع. فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت؛ نحو حيهل فلم يوصف. و"الملك" هنا النبوة؛ عن مجاهد. وقيل، الغلبة. وقيل : المال والعبيد. الزجاج : المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل : المعنى مالك الدنيا والآخرة. ومعنى { تؤتي الملك} أي الإيمان والإسلام. { من تشاء} أي من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولا بد فيه من تقدير الحذف، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه : ألا هل لهذا الدهر من متعلل ** على الناس مهما شاء بالناس يفعل قال الزجاج : مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله { تعز من تشاء} يقال : عز إذا علا وقهر وغلب؛ ومنه، { وعزني في الخطاب} [ص : 23]. { وتذل من تشاء} ذل يذل ذلا إذا غلب وعلا وقهر. قال طرفة : بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ** ذليل بأجماع الرجال ملهد { بيدك الخير} أي بيدك الخير والشر فحذف؛ كما قال { سرابيل تقيكم الحر} [النحل : 81]. وقيل : خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش : بيدك الخير، أي النصر والغنيمة. وقال أهل الإشارات. كان أبو جهل يملك المال الكثير، ووقع في الرس يوم بدر، والفقراء صهيب وبلال وخباب لم يكن لهم مال، وكان ملكهم الإيمان، { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إلى القليب : يا عتبة، يا شيبة تعز من تشاء وتذل من تشاء. أي صهيب، أي بلال، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما منعكم من عجز { إنك على كل شيء قدير} إنعام الحق عام يتولى من يشاء.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 23 - 26


سورة ال عمران الايات 26 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة تسمع كلمة " ملك " ، فلنا أن نعرف أن هناك كلمة هي " مُلك " بضم الميم، وكلمة أخرى هي " مِلك " بكسر الميم. إن كلمة " مِلك " تعني أن للإنسان ملكية بعض من الأشياء، كملكية إنسان لملابسه وكتبه وأشيائه، لكن الذي يملك مالك هذا الملك فهذا تسميه " مُلك " ، فإذا كانت هذه الملكية في الأمر الظاهر لنا، فإننا نسميه " عالم الملك " ، وهو العالم المُشاهد، وإذا كانت هذه الملكية في الأمر الخفي فإننا نسميه " عالم الملكوت ". إذن، فنحن هنا أمام " مِلك " ، و " مُلك " و " ملكوت ". ولذلك فعندما تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن وكشف له ما خفي عن العيون وما ظهر، قال سبحانه:
{  وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ }
[الأنعام: 75].

أي أن الله سبحانه وتعالى أراد لسيدنا إبراهيم أن يشاهد الملكوت في السماوات والأرض، أي كل الأشياء الظاهرة والخافية المخفية عن عيون العباد. وهكذا نرى مراحل الحيازة كالآتي: ملك، أي أن يملك الإنسان شيئا ما، وهذا نسميه مالكا للأشياء فهو مالك لاشيائه، ومالك لمتاعه أما الذي يملك الانسان الذي يملك الاشياء فإننا نسميه " مُلك " ، أي أنه يملك من يملك الأشياء، والظاهرة في الأولى نسميها " مِلْك " فكل إنسان له ملكية بعض من الاشياء، وبعد ذلك تنحاز الى الأقل، اي ان تنسب ملكية أصحاب الأملاك إلى ملك واحد. فالملكية بالنسبة للإنسان تتلخص في أن يملك الإنسان شيئا فيصير مالكا، وإنسان آخر يوليه الله على جماعة من البشر فيصير مَلِكاً، هذا في المجال البشرى.

أما في المجال الإلهي، فإننا نُصعد لنرى من يملك كل مالك وملك، إنه الله سبحانه وتعالى. ولا يظن أحد أن هناك إنسانا قد ملك شيئا؛ أو جاها في هذه الدنيا بغير مراد الله فيه, فكل إنسان يملك بما يريده الله له من رسالة, فإذا انحرف العباد, فلا بد أن يولى الله عليهم ملكا ظالما، لماذا؟ لأن الأخيار قد لا يحسنون تربية الناس.
{  وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[الأنعام: 129].

وكأن الحق سبحانه يقول: يأيها الخيِّر - بتشديد الياء - ضع قدما على قدم ولا تلوث يدك بأن تنتقم من الظالم، فسوف أضع ولاية ظالم أكبر على هذا الظالم الصغير، إنني أربأ بك أن تفعل ذلك، وسأنتقم لك، وأنت أيها الخيِّر منزه عندي عن ارتكاب المظالم, ولذلك نجد قول الحق:
{  وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[الأنعام: 129].

ونحن جميعا نعرف القول الشائع: " الله يسلط الظالمين على الظالمين ".ولو أن الذين ظلموا مُكِّن منهم من ظلموهم ما صنعوا فيهم ما يصنعه الظالمون في بعضهم بعضا. إن الحق يسلط الظالمين على الظالمين، وينجى أهل الخير من موقف الانتقام ممن ظلموهم.

إذن فنحن في هذه الحياة نجد " مالك " , و " ملك " وهناك فوق كل ذلك " مالك الملك " ، ولم يقل الله: إنه " ملك الملك "؛ لأننا إذا دققنا جيدا في أمر الملكية فإننا لن نجد مالكا إلا الله. { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ } إنه المتصرف في ملكه، وإياكم أن تظنوا أن أحدا قد حكم في خلق الله بدون مراد الله، ولكن الناس حين تخرج عن طاعة الله فإن الله يسلط عليهم الحاكم الظالم، ولذلك فالحق سبحانه يقول في حديثه القدسي:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطوى الله - عز وجل - السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".

إياك أيها المؤمن أن تظن أن أحدا قد أخذ الملك غضبا من الله. إنما الملك يريده الله لمن يؤدب به العباد. وإن ظلم الملك في التأديب فإن الله يبعث له من يظلمه، ومن رأى ظلم هذا الملك أو ذاك الحاكم فمن الجائز أن يريه الله هذا الملك أو ذلك الحاكم مظلوما. إنه القول الحكيم يؤكد لنا أنه سبحانه وتعالى مالك الملك وحده.

إن الحق سبحانه يأمر رسوله الكريم: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ } إن كلمة " اللهم " وحدها فيها عجب من العجائب اللغوية، إن القرآن قد نزل باللسان العربي, وأمة العرب فصيحة اللسان والبيان والبلاغة، وشاء الحق أن يكون للفظ الجلالة " الله " خصوصية فريدة في اللغة العربية.

إن اللغة العربية تضع قاعدة واضحة وهي ألا يُنادي ما فيه، أداة التعريف، مثل " الرجل " بـ " يا " فلا يقال: " يا رجل " بل يقال: " يأيها الرجل " لكن اللغة التي يسرها الله لعباده تخص لفظ الجلالة بالتقديس، فيكون من حق العباد أن يقولوا: " يا الله ". وهذا اللفظ بجلاله له تميز حتى في نطقه.

ولنا أن نلحظ أن العرب من كفار قريش وهم أهل فصاحة لم يفطنوا إلى ذلك، فكأن الله يرغم حتى الكافرين بأن يجعل للفظ الجلالة تميزا حتى في أفواه الكافرين فيقولون مع المؤمنين: " يا الله ". أما بقية الأسماء التي تسبقها أداة التعريف فلا يمكن أن تقول: " يا الرجل " أو " يا العباس " لكن لا بد أن تقول " يأيها الرجل " ، أو " يأيها العباس " ، ولا تقول حتى في نداء النبي: " يا النبي " ، وإنما تقول: " يأيها النبي ".لكن عند التوجه بالنداء إلى الله فإننا نقول: " يا الله " ، إنها خصوصية يلفتنا لها الحق سبحانه بأنه وحده المخصوص بها، وأيضا ما رأينا في لغة العرب عَلَماً دخلت عليه " التاء " كحرف القسم إلا الله، فإننا نقول " تالله " ، ولم نجد أبدا من يقول " تزيد " أو " تعمرو ".

إننا لا نجد التاء كحرف قسم إلا في لفظ الجلاله، ولا نجد أيضا علما من الأعلام في اللغة العربية تحذف منه " يا " في النداء وتستبدل بالميم إلا في لفظ الجلالة فنقول: " اللهم " كل ذلك ليدل على أن اللفظ في ذاته له خصوصية المسمى. " قل اللهم " وكأن حذف حرف النداء هنا يُعلمنا أن الله هو وحده المستدعى بدون حرف نداء. " اللهم " وفي بعض الألسنة يجمعون الياء والميم، مثل قول الشاعر:
إني إذا ما حادث ألمَّا   أقول ياللهم يا اللهمَّا
إنها خصوصية لصاحب الخصوصية الأعلى. { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ } وقد يسأل إنسان لماذا لم يقل الحق: " ملك الملك "؟ هنا لا بد أن نعرف أنه سيأتي يوم لا تكون فيه أي ملكية لأي أحد إلا الله، وهو المالك الوحيد، فهو سبحانه يقول:
{  رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 15-16].

إن قول الحق هنا: " مالك الملك " توضح لنا أن ملكية الله وهي الدائمة والقادرة واضحة، وجلية، ومؤكدة، ولو قال الله في وصف ذاته: " ملك الملك " لكان معنى ذلك أن هناك بشرا يملكون بجانب الله، لا، إنه الحق وحده مالك الملك. وما دام الله هو مالك الملك، فإنه يهبه لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء. وهنا نلاحظ أن قول الحق: إنه مالك الملك يعطي الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء تأتي بعد عملية المحاجّة، وبعد أن تهرب بعض من أهل الكتاب من تطبيق حكم الله بعد أن دعوا إليه، فتولى فريق منهم وأعرض عن حكم الله، وعللوا ذلك بادعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات.

كل هذه خيارات من لطف الله وضعها أمام هؤلاء العباد، خيارات بين اتباع حكم الله أو اتباع حكم الهوى، لكنهم لم يختاروا إلا الاختيار السيء، حكم الهوى. ولذلك يأتي الله بخبر اليوم الذي سوف يجيء، ولن يكون لأحد أي قدرة، أو اختيار.إن حق الاختيار موجود لنا في هذه الدنيا، وعلينا أن نحسن الاختيار في ضوء منهج الله.

ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة النبوية الطاهرة، حينما جاءت غزوة الأحزاب التي اجتمع فيها كل خصوم الدعوة، واشتغل اليهود بالدس والوقيعة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقا حول المدينة المنورة. ومعنى " الخندق " ، أي مساحة من الأرض يتم حفرها بما يعوق التقدم. وكان المقاتلون يعرفون أن الفرس يستطيع أن يقفز مسافة ما من الأمتار.

لقد حاول المؤمنون أثناء حفر الخندق أن يكون اتساع أكبر من قدرة الخيل، ولننظر إلى دقة الإدارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن سلمان الفارسي قد اقترح أن يتم حفر الخندق، وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الفكرة وأقرها، وفعلها المسلمون.

إذن فليس كل ما فعله الكفار كان مرفوضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تطبيق كل الأعمال النافعة، سواء أكان قد فعلها الكفار من قبل أم لا، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن عملية الحفر مرهقة بسبب جمود الأرض وصخريتها في بعض المواقع، لذلك وضع حصة قدرها أربعون ذراعا لكل عشرة من الصحابة، وبذلك وزع الرسول الكريم العمل والمسئولية، ولم يترك الأمر لكل جماعة خشية أن يتواكلوا على غيرهم.

وتوزيع المسئولية يعني أن كل جماعة تعرف القدر الواضح من العمل الذي تشارك به مع بقية الجماعات وقد يسأل سائل: ولماذا لم يوزع الرسول صلى الله عليه وسلم التكليف لكل واحد بمفرده؟ ونقول: إنها حكمة الإدارة والحزم هي التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يتعرف على حقيقة واضحة، وهي أن الذين يحفرون من الصحابة ليسوا متساوون في القدرة والمجهود، لذلك أراد لكل ضعيف أن يكون مسنودا بتسعة من الصحابة.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل الأمر مشاعا، بل كان هناك تحديد للمسئولية، لكنه لم يجعل المسئولية مشخصة تشخيصا أوليا ومحددا بكل فرد، وذلك حتى يساعد الأقوياء الضعيف من بينهم. لقد ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم الضعيف بقوة إخوانه، وساعة أن يوجد ضعيف بين عشرة من الإخوان يحملون عنه ويحفرون، فإن موقفه من أصحابه يكون المحبة والألفة، ويكون القوي قد أفاض على الضعيف.

وكان عمرو بن عوف ضمن عشرة منهم سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما جاءوا ليحفروا صادفتهم منطقة يقال عنها: " الكئود " ، ومعنى " الكئود " هي المنطقة التي تكون صلبة أثناء الحفر، فالحافر إذا ما حفر الأرض قد يجد الأرض سهلة ويواصل الحفر، أما إذا صادفته قطعة صلبة في الأرض فإنه لا يقدر عليها بمعوله لأنها صخرية صماء، فيقال له: " أكدى الحافر ".وعندما صادف عمرو بن عوف وسلمان الفارسي والمغيرة وغيرهم هذه الصخرة الكئود، قالوا لسلمان: " اذهب فارفع أمرنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ". ومن هذا نتعلم درسا وهو أن المُكلّفَ مِنْ قِبَل مَنْ يكلفه بأمر إذا وجد شيئا يعوقه عن أداء المهمة فلا بد أن يعود إلى من كلفه بها.

وذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان إلى الموقع وأخذ المعول وجاء على الصخرة الكئود وضربها، فحدث شرر أضاء من فرط قوة الاصطدام بين الحديد والصخرة، فهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فُتِحَتْ قصور بصرى بالشام، ثم ضرب ضربة أخرى، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فُتِحَتْ قصور الحمراء بالروم. وضرب ضربة ثالثة وقال: الله أكبر فُتِحَتْ قصور صنعاء في اليمن، فكأنه حين ضرب الضربة أوضح الله له معالم الأماكن التي سوف يدخلها الإسلام فاتحا ومنتصرا، فلما بلغ ذلك القول أعداء رسول الله صلى الله عليه قال الأعداء للصحابة: يمنيكم محمد بفتح قصور صنعاء في اليمين، والحمراء في الروم، وفتح قصور بصرى، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا لنا للقتال فأنزل الله قوله: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ... }.

إن المسألة ليست عزما من هؤلاء المؤمنين، إنما هي نية على قدر الوسع، فإن فعلت أي فعل على النية بقدر الوسع فانتظر المدد من الممد الأعلى سبحانه وتعالى.

إن الله سبحانه هو الذي يعطي الملك، وهو الإله الحق الذي ينزع ملك الكفر في كسرى والروم وصنعاء، ويعطي سبحانه الملك لمحمد رسول الله وأصحابه، وينزعه من قريش، وينزع الملك من يهود المدينة حيث كانوا يريدون الملك.

إن قول الحق: { وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ } تجعلنا نتساءل: ما النزع؟ إنه القلع بشدة، لأن الملك عادة ما يكون متمسكا بكرسي الملك، متشبثا به، لماذا؟ لأن بعضا ممن يجلسون على كراسي السلطان ينظرون إليه كمغنم بلا تبعات فلا عرق ولا سهر ولا مشقة أو حرص على حقوق الناس، إنهم يتناسون سؤال النفس " وماذا فعلت للناس "؟ إن الواحد من هؤلاء لا يلتفت إلى ضرورة رعاية حق الله في الخلق فيسهر على مصالح الناس ويتعب ويكد ويشقى ويحرص على حقوق الناس.

إننا ساعة نرى حاكما متكالبا على الحكم، فلنعلم أن الحكم عنده مغنم، لا مغرم. ولنر ماذا قال سيدنا عمر بن الخطاب عندما قالوا له: إن فقدناك - لا نفقدك - نولى عبد الله بن عمر، وهو رجل قرقره الورع.. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بحسب آل الخطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد رجل واحد، لماذا؟ لأن الحكم في الإسلام مشقة وتعب.

لقد جاء الحق بالقول الحكيم: { وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ } وذلك لينبهنا إلى هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم وينزعهم الله منها، إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها وقوتها ونجد أن الملك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب. لماذا؟ إنها إرادة الخالق الأعلى، فعندما يريد فلا راد لقضائه.

إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل هذا النوع من الحكام، وإما أن يأخذه هو من الحكم، ونحن نرى كل ملك وهو يوطن نفسه توطينا في الحكم، بحيث يصعب على من يريد أن يخلعه منه أن يخلعه بسهولة، لكن الله يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه.

وبعد ذلك يقول الحق: { وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } لأن ظواهر الكون لا تقتصر على من يملك فقط، ولكن كل ملك حوله أناس هم " ملوك ظل ". ومعنى " ملوك الظل " أي هؤلاء الذين يتمتعون بنفوذ الملوك وإن لم يكونوا ظاهرين أمام الناس، ومن هؤلاء يأتي معظم الشر. إنهم يستظلون ويستترون بسلطان الملك، ويفعلون ما يشاءون، أو يفعل الآخرون لهم ما يأمرون به، وحين يُنزع الملك فلا شك أن المغلوب بالظالمين يعزه الله، وأما الظالمون لأنفسهم فيذلهم الله؛ لذلك كان لا بد أن يجيء بعد { تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ } هذا القول الحق: { وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ }. لماذا؟ لأن كل ملك يعيش حوله من يتمتع بجاهه ونفوذه، فإذا ما انتهى سلطان هذا الملك، ظهر هؤلاء المستمعون على السطح. وهذا نشاهده كل يوم وكل عصر. { وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْر }.

ونلاحظ هنا: أن إيتاء الملك في أعراف الناس خير. ونزع الملك في أعراف الناس شر. ولهؤلاء نقول: إن نزع الملك شر على من خُلِعَ منه، ولكنه خير لمن أوتي الملك. وقد يكون خيرا لمن نزع منه الملك أيضا. لأن الله حين ينزع منه الملك، أو ينزعه من الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقلا، لتقبل ذلك وقال: إن الله يريد أن يخلصني لنفسه لعلى أتوب..

إذن فلو نظرت إلى الجزئيات في الأشخاص، ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما يجري في كون الله من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز، ثم نزع الملك وما يتبعه من إذلال، كل ذلك ظاهرة خير في الوجود، لذلك قال الحق هنا: { بِيَدِكَ ٱلْخَيْر } ولو دقق كل منا النظر إلى مجريات الأمور، لوجد أن: الله هو الذي يؤتي، والله هو الذي ينزع، والله هو الذي يعز، والله هو الذي يذل، ولا بد أن يكون في كل ذلك صور للخير في الوجود، فيقول: { بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.إن إيتاء الملك عملية تحتاج إلى تحضير بشرى وبأسباب بشرية، وأحيانا يكون الوصول إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، أو السياسية، وكذلك نزع الملك يحتاج إلى نفس الجهد.

إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا المعنى فيقول: ليس ذلك بأمر صعب على قدرتي اللانهائية، لأنني لا أتناول الأفعال بعلاج، أو بعمل، إنما أنا أقول: " كن " فتنفعل الأشياء لإرادتي، ويأتي الحق بعد ذلك ليدلل بنواميس الكون وآيات الله في الوجود على صدق قضية { إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيقول وقوله الحق: { تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ... }


www.alro7.net