سورة
اية:

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ،ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال: { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتقرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} ، وقال تعالى: { وجعل الظلمات والنور} ، وقال تعالى: { عن اليمين وعن الشمال} إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه.

تفسير الجلالين

{ الله ولي } ناصر { الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات } الكفر { إلى النور } الإيمان { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله يخرجهم من الظلمات أو في كل من آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا } نَصِيرهُمْ وَظَهِيرهمْ , يَتَوَلَّاهُمْ بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيقه , { يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات } يَعْنِي بِذَلِك : يُخْرِجهُمْ مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر إلَى نُور الْإِيمَان . وَإِنَّمَا عَنَى بِالظُّلُمَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْكُفْر . وَإِنَّمَا جَعَلَ الظُّلُمَات لِلْكُفْرِ مَثَلًا , لِأَنَّ الظُّلُمَات حَاجِبَة لِلْأَبْصَارِ عَنْ إدْرَاك الْأَشْيَاء وَإِثْبَاتهَا , وَكَذَلِك الْكُفْر حَاجِب أَبْصَار الْقُلُوب عَنْ إدْرَاك حَقَائِق الْإِيمَان وَالْعِلْم بِصِحَّتِهِ وَصِحَّة أَسْبَابه . فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عِبَاده أَنَّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ وَمُبَصِّرهمْ حَقِيقَة الْإِيمَان وَسُبُله وَشَرَائِعه وَحُجَجه , وَهَادِيهمْ ; فَمُوَفِّقهمْ لِأَدِلَّتِهِ الْمُزِيلَة عَنْهُمْ الشُّكُوك بِكَشْفِهِ عَنْهُمْ دَوَاعِيَ الْكُفْر , وَظُلَم سَوَاتِر أَبْصَار الْقُلُوب . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا } يَعْنِي الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيّته { أَوْلِيَاؤُهُمْ } يَعْنِي نُصَرَاءَهُمْ وَظُهَرَاءَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُمْ , { الطَّاغُوت } يَعْنِي الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُون اللَّه , { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَعْنِي بِالنُّورِ : الْإِيمَان عَلَى نَحْو مَا بَيَّنَّا إلَى الظُّلُمَات , وَيَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ : ظُلُمَات الْكُفْر وَشُكُوكه , الْحَائِلَة دُون إبْصَار الْقُلُوب وَرُؤْيَة ضِيَاء الْإِيمَان وَحَقَائِق أَدِلَّته وَسُبُله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4570 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } يَقُول : مِنْ الضَّلَالَة إلَى الْهُدَى , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت } الشَّيْطَان , { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَقُول : مِنْ الْهُدَى إلَى الضَّلَالَة . 4571 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } الظُّلُمَات : الْكُفْر , وَالنُّور : الْإِيمَان , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر . 4572 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } يَقُول : مِنْ الْكُفْر إلَى الْإِيمَان , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَقُول : مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر . 4573 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة , عَنْ مُجَاهِد أَوْ مِقْسَمٍ فِي قَوْل اللَّه : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } قَالَ : كَانَ قَوْم آمَنُوا بِعِيسَى , وَقَوْم كَفَرُوا بِهِ ; فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسَى , وَكَفَرَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسَى . أَيْ يُخْرِج الَّذِينَ آمَنُوا إلَى الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت } آمَنُوا بِعِيسَى وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات . 4574 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت مَنْصُورًا , عَنْ رَجُل , عَنْ عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } إلَى : { أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } قَالَ : هُمْ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم , فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِهِ , وَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد وَعَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآيَة مَعْنَاهَا الْخُصُوص , وَأَنَّهَا إنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْنَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَفَرَ مِنْ النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَسَائِر الْمِلَل الَّتِي كَانَ أَهْلهَا تُكَذِّب بِعِيسَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَكَانَتْ النَّصَارَى عَلَى حَقّ قَبْل أَنْ يُبْعَث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَذَّبُوا بِهِ ؟ قِيلَ : مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّة عِيسَى ابْن مَرْيَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ عَلَى حَقّ وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله } . 4 136 فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ غَيْر الَّذِينَ ذَكَرَ مُجَاهِد وَغَيْره أَنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِعِيسَى أَوْ غَيْر أَهْل الرِّدَّة وَالْإِسْلَام ؟ قِيلَ : نَعَمْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِك : وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يَحُولُونَ بَيْنهمْ وَبَيْن الْإِيمَان , وَيُضِلُّونَهُمْ فَيَكْفُرُونَ , فَيَكُون تَضْلِيلهمْ إيَّاهُمْ حَتَّى يَكْفُرُوا إخْرَاجًا مِنْهُمْ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , يَعْنِي صَدّهمْ إيَّاهُمْ عَنْهُ وَحِرْمَانهمْ إيَّاهُمْ خَيْره , وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَانُوا فِيهِ قَبْل كَقَوْلِ الرَّجُل : أَخْرَجَنِي وَالِدِي مِنْ مِيرَاثه : إذَا مَلَّكَ ذَلِك فِي حَيَاته غَيْره , فَحَرَمَهُ مِنْهُ خَطِيئَة , وَلَمْ يَمْلِك ذَلِك الْقَائِل هَذَا الْمِيرَاث قَطّ فَيَخْرُج مِنْهُ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا حَرَمَهُ , وَحِيلَ بَيْنه وَبَيْن مَا كَانَ يَكُون لَهُ لَوْ لَمْ يَحْرِمهُ , قِيلَ : أَخْرَجَهُ مِنْهُ , وَكَقَوْلِ الْقَائِل : أَخْرَجَنِي فُلَان مِنْ كَتِيبَته , يَعْنِي لَمْ يَجْعَلنِي مِنْ أَهْلهَا , وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَطّ قَبْل ذَلِك . فَكَذَلِك قَوْله : { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إخْرَاجهمْ إيَّاهُمْ مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر عَلَى هَذَا الْمَعْنَى , وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور } فَجَمَعَ خَبَر الطَّاغُوت بِقَوْلِهِ يُخْرِجُونَهُمْ , وَالطَّاغُوت وَاحِد ؟ قِيلَ : إنَّ الطَّاغُوت اسْم لِجِمَاعٍ وَوَاحِد وَقَدْ يُجْمَع طَوَاغِيت , وَإِذَا جُعِلَ وَاحِده وَجَمْعه بِلَفْظٍ وَاحِد كَانَ نَظِير قَوْلهمْ : رَجُل عَدْل وَقَوْم عَدْل , وَرَجُل فِطْر وَقَوْم فِطْر , وَمَا أَشْبَه ذَلِك مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي تَأْتِي مُوَحَّدَة فِي اللَّفْظ وَاحِدهَا وَجَمْعهَا , وَكَمَا قَالَ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس : فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أَخُوكُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْ الْإِحَن الصُّدُورُ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا } نَصِيرهُمْ وَظَهِيرهمْ , يَتَوَلَّاهُمْ بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيقه , { يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات } يَعْنِي بِذَلِك : يُخْرِجهُمْ مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر إلَى نُور الْإِيمَان . وَإِنَّمَا عَنَى بِالظُّلُمَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْكُفْر . وَإِنَّمَا جَعَلَ الظُّلُمَات لِلْكُفْرِ مَثَلًا , لِأَنَّ الظُّلُمَات حَاجِبَة لِلْأَبْصَارِ عَنْ إدْرَاك الْأَشْيَاء وَإِثْبَاتهَا , وَكَذَلِك الْكُفْر حَاجِب أَبْصَار الْقُلُوب عَنْ إدْرَاك حَقَائِق الْإِيمَان وَالْعِلْم بِصِحَّتِهِ وَصِحَّة أَسْبَابه . فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عِبَاده أَنَّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ وَمُبَصِّرهمْ حَقِيقَة الْإِيمَان وَسُبُله وَشَرَائِعه وَحُجَجه , وَهَادِيهمْ ; فَمُوَفِّقهمْ لِأَدِلَّتِهِ الْمُزِيلَة عَنْهُمْ الشُّكُوك بِكَشْفِهِ عَنْهُمْ دَوَاعِيَ الْكُفْر , وَظُلَم سَوَاتِر أَبْصَار الْقُلُوب . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا } يَعْنِي الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيّته { أَوْلِيَاؤُهُمْ } يَعْنِي نُصَرَاءَهُمْ وَظُهَرَاءَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُمْ , { الطَّاغُوت } يَعْنِي الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُون اللَّه , { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَعْنِي بِالنُّورِ : الْإِيمَان عَلَى نَحْو مَا بَيَّنَّا إلَى الظُّلُمَات , وَيَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ : ظُلُمَات الْكُفْر وَشُكُوكه , الْحَائِلَة دُون إبْصَار الْقُلُوب وَرُؤْيَة ضِيَاء الْإِيمَان وَحَقَائِق أَدِلَّته وَسُبُله . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4570 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } يَقُول : مِنْ الضَّلَالَة إلَى الْهُدَى , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت } الشَّيْطَان , { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَقُول : مِنْ الْهُدَى إلَى الضَّلَالَة . 4571 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } الظُّلُمَات : الْكُفْر , وَالنُّور : الْإِيمَان , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر . 4572 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } يَقُول : مِنْ الْكُفْر إلَى الْإِيمَان , { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يَقُول : مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر . 4573 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة , عَنْ مُجَاهِد أَوْ مِقْسَمٍ فِي قَوْل اللَّه : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } قَالَ : كَانَ قَوْم آمَنُوا بِعِيسَى , وَقَوْم كَفَرُوا بِهِ ; فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسَى , وَكَفَرَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسَى . أَيْ يُخْرِج الَّذِينَ آمَنُوا إلَى الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت } آمَنُوا بِعِيسَى وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات . 4574 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت مَنْصُورًا , عَنْ رَجُل , عَنْ عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إلَى النُّور } إلَى : { أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } قَالَ : هُمْ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم , فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِهِ , وَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد وَعَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْآيَة مَعْنَاهَا الْخُصُوص , وَأَنَّهَا إنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْنَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَفَرَ مِنْ النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَسَائِر الْمِلَل الَّتِي كَانَ أَهْلهَا تُكَذِّب بِعِيسَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَكَانَتْ النَّصَارَى عَلَى حَقّ قَبْل أَنْ يُبْعَث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَذَّبُوا بِهِ ؟ قِيلَ : مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّة عِيسَى ابْن مَرْيَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ عَلَى حَقّ وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله } . 4 136 فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ غَيْر الَّذِينَ ذَكَرَ مُجَاهِد وَغَيْره أَنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِعِيسَى أَوْ غَيْر أَهْل الرِّدَّة وَالْإِسْلَام ؟ قِيلَ : نَعَمْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِك : وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يَحُولُونَ بَيْنهمْ وَبَيْن الْإِيمَان , وَيُضِلُّونَهُمْ فَيَكْفُرُونَ , فَيَكُون تَضْلِيلهمْ إيَّاهُمْ حَتَّى يَكْفُرُوا إخْرَاجًا مِنْهُمْ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , يَعْنِي صَدّهمْ إيَّاهُمْ عَنْهُ وَحِرْمَانهمْ إيَّاهُمْ خَيْره , وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَانُوا فِيهِ قَبْل كَقَوْلِ الرَّجُل : أَخْرَجَنِي وَالِدِي مِنْ مِيرَاثه : إذَا مَلَّكَ ذَلِك فِي حَيَاته غَيْره , فَحَرَمَهُ مِنْهُ خَطِيئَة , وَلَمْ يَمْلِك ذَلِك الْقَائِل هَذَا الْمِيرَاث قَطّ فَيَخْرُج مِنْهُ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا حَرَمَهُ , وَحِيلَ بَيْنه وَبَيْن مَا كَانَ يَكُون لَهُ لَوْ لَمْ يَحْرِمهُ , قِيلَ : أَخْرَجَهُ مِنْهُ , وَكَقَوْلِ الْقَائِل : أَخْرَجَنِي فُلَان مِنْ كَتِيبَته , يَعْنِي لَمْ يَجْعَلنِي مِنْ أَهْلهَا , وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَطّ قَبْل ذَلِك . فَكَذَلِك قَوْله : { يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إلَى الظُّلُمَات } يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إخْرَاجهمْ إيَّاهُمْ مِنْ الْإِيمَان إلَى الْكُفْر عَلَى هَذَا الْمَعْنَى , وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور } فَجَمَعَ خَبَر الطَّاغُوت بِقَوْلِهِ يُخْرِجُونَهُمْ , وَالطَّاغُوت وَاحِد ؟ قِيلَ : إنَّ الطَّاغُوت اسْم لِجِمَاعٍ وَوَاحِد وَقَدْ يُجْمَع طَوَاغِيت , وَإِذَا جُعِلَ وَاحِده وَجَمْعه بِلَفْظٍ وَاحِد كَانَ نَظِير قَوْلهمْ : رَجُل عَدْل وَقَوْم عَدْل , وَرَجُل فِطْر وَقَوْم فِطْر , وَمَا أَشْبَه ذَلِك مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي تَأْتِي مُوَحَّدَة فِي اللَّفْظ وَاحِدهَا وَجَمْعهَا , وَكَمَا قَالَ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس : فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أَخُوكُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْ الْإِحَن الصُّدُورُ ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَصْحَاب النَّار , أَهْل النَّار الَّذِينَ يَخْلُدُونَ فِيهَا , يَعْنِي فِي نَار جَهَنَّم دُون غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْإِيمَان إلَى غَيْر غَايَة وَلَا نِهَايَة أَبَدًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَصْحَاب النَّار , أَهْل النَّار الَّذِينَ يَخْلُدُونَ فِيهَا , يَعْنِي فِي نَار جَهَنَّم دُون غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْإِيمَان إلَى غَيْر غَايَة وَلَا نِهَايَة أَبَدًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { الله ولي الذين آمنوا} الولي فعيل بمعنى فاعل. قال الخطابي : الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين؛ قال الله عز وجل { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} ، وقال { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد : 11] قال قتادة: الظلمات الضلالة، والنور الهدى، وبمعناه قال الضحاك والربيع. وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : قوله { الله ولي الذين آمنوا} نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. قال ابن عطية : فكأن هذا المعتقد أحرز نوراً في المعتقد خرج منه إلى الظلمات، ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو معه معد وأهل للدخول فيه، وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم؛ عدلا منه، لا يسأل عما يفعل. وقرأ الحسن { أولياؤهم الطواغيت} يعني الشياطين، والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 255 - 257

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الله وليّ الذين آمنوا ما دام { فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فما دام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمة " وليّ " إذا سمعتها هي من " وَلِيَ " أي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل؛ هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، وما دام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت قدمي أناديه؛ لأنه الأقرب مني، وهو الذي سينجدني.

فلا يوجد فاصل، وما دام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له؛ لأن من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، فلا يريدك أن تناديه؛ لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه؛ لأنه سميع وعليم، { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }.

وكلمة " وليّ " أيضا منها (مولى) ومنها (وال)، { وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } أي هو الذي يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالي الذي تولى أمر الرعية، وكلمة " مولى " مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول الشاعر:
مولاك يا مولاي طالب حاجة   
أي عبدك يا سيدي طال بحاجة، فهي تستعمل في معان مترابطة؛ لأننا قلنا: " وَلِيّ " تعني القريب، فإذا كان العبد في حاجة إلى شيء فمن أول من ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، إذن فيُطلق على السيد ويُطلق على العبد، ويُطلق على الوالي، { اللهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }. وقوله الحق: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } يعني جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحداً، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات؛ لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركة واحدة.

وكيف يكون { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }؟ إنه وليهم أي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما أوضح لهم من الأدلة على الإيمان، هل هناك حُب أكثر من هذا؟ هل تركنا لنبحث عن الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟

وتلك هي ولاية من ولايات الله. فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا وَالانَا بالمعونة، وإن حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء الأوفى في الآخرة، إذن فهو وليّ في كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ولي.ومع الإيمان استصحاباً يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفي الآخرة هو وليّنا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاءً غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي.

{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان؛ لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئاً إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي أي أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتي من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتي النور فأنت تستبين الأشياء، هذه في الأمور المُحسَّة؛ وكذلك في مسائل القيم، { يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ }.

هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم في ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو { يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } ، أي يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد:

أما دريت أن أبي أخرجني من ميراثه؟ إن معنى ذلك أنه كان له الحق في التوريث، وأخرجه والده من الميراث. وهذا ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان في مواقع أخرى، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن:
{  وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }
[يوسف: 36-37]

فهل كان سيدنا يوسف في ملة القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، إنه لم يدخل أساساً إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون بالله. إن هذه الملة كانت أمامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه السلام. وفي التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق:
{  وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }
[النحل: 70]

إن معنى الآية أن الله قد خلقنا جميعاً، وقدر لكل منا أجلاً، فمنا من يموت صغيراً، ومنا من يبلغ أرذل العمر، فيعود إلى الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معنى الآية أن الإنسان يوجد في أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة.

وعندما يقول الحق: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت، لأن الطاغوت كما قلنا: ألوان متعددة، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت.وجاء الحق بالخبر مفرداً وهو الطاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء، ووصف هؤلاء الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات.

لقد أفرد الله الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى الظلمات. ولماذا لم يقل الله هنا: " طواغيت " بدلا من طاغوت؟ إن الطاغوت كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول: " فلان عدل " أو " الرجلان عدل " أو " الرجال عدل ". وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت، فالشيطان والدجال والكاهن والساحر والحاكم بغير أمر الله؛ كلهم طاغوت، لقد التزمت الآية بالإفراد والتذكير. فالطاغوت تُطلق على الواحد أو الاثنين أو الجماعة، أي أن المُخرجين من النور إلى الظلمات هم أولياء الطاغوت، أو من اتخذوا الطواغيت أولياء، وهم إلى النار خالدون. والدخول للنار يكون للطواغيت ويكون لأتباع الطواغيت، كما يقول الحق في كتابه:
{  إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }
[الأنبياء: 98]

إن أتباع الطواغيت، والطواغيت في نار جهنم. وقانا الله وإياكم عذابها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة واقعية في الكون من قوله: { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } ، فهو الولي، وهو الناصر فيقول سبحانه: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ... }


www.alro7.net