سورة
اية:

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

أي لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل من أصحاب طالوت - لعدوهم أصحاب جالوت وهم عدد كثير { قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} أي أنزل علينا صبراً من عندك، { وثبت أقدامنا} أي في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز { وانصرنا على القوم الكافرين} . قال اللّه تعالى: { فهزموهم بإذن اللّه} أي غلبوهم وقهروهم بنصر اللّه لهم وقتل داود جالوت} وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه اللّه به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { وآتاه الله الملك} الذي كان بد طالوت، { والحكمة} أي النبوة بعد شمويل، { وعلمه مما يشاء} أي مما يشاء اللّه من العلم الذي اختصه به صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال تعالى: { ولولا دفع اللّه بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ، أي لولا أن اللّه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا، كما قال تعالى: { ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرا} الآية. وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن اللّه ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت جيرانه البلاء)، ثم قرأ ابن عمر: { ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ""أخرجه ابن جرير وقال ابن كثير: إسناده ضعيف""وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم تنصورن) ""أخرجه ابن مردويه عن عبادة بن الصامت مرفوعا"" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم. وقوله تعالى: { ولكنَّ اللّه ذو فضل على العالمين} أي ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضاً وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: { تلك آيات اللّه نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} أي هذه آيات اللّه التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل { وإنك} يا محمد { لمن المرسلين} وهذا توكيد وتوطئة للقسم.

تفسير الجلالين

{ فهزموهم } كسروهم { بإذن الله } بإرادته { وقتل داود } وكان في عسكر طالوت { جالوت وآتاه } أي داود { الله الملك } في بني إسرائيل { والحكمة } النبوة بعد موت شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله { وعلّمه مما يشاء } كصنعة الدروع ومنطق الطير { ولولا دفع الله الناس بعضهم } بدل بعض من الناس { ببعض لفسدت الأرض } بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد { ولكنّ الله ذو فضل على العالمين } فدفع بعضهم ببعض .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : فَهَزَمَ طَالُوت وَجُنُوده أَصْحَاب جَالُوت , وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت . وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك تُرِكَ ذِكْره اكْتِفَاء بِدِلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ . وَذَلِك أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوت وَجُنُوده , قَالُوا : رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا , وَثَبِّتْ أَقْدَامنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ ! فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهمْ , فَأَفْرَغَ عَلَيْهِمْ صَبْره , وَثَبَّتَ أَقْدَامهمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ , فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه . وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْر ذَلِك اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه } عَلَى أَنَّ اللَّه قَدْ أَجَابَ دُعَاءَهُمْ الَّذِي دَعَوْهُ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه } قَتَلُوهُمْ بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَره , يُقَال مِنْهُ : هَزَمَ الْقَوْم الْجَيْش هَزِيمَة وهزيمي . { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } وَدَاوُد هَذَا هُوَ دَاوُد بْن إيشا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ سَبَب قَتَلَهُ إيَّاهُ كَمَا : 4477 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : سَمِعْت وَهْب بْن مُنَبِّه يُحَدِّث , قال : لَمَّا خرج , أو قال : لَمَّا بَرَزَ طَالُوت لِجَالُوت , قَالَ جَالُوت : أَبَرَزُوا لِي مَنْ يُقَاتِلنِي , فَإِنْ قَتَلَنِي , فَلَكُمْ مُلْكِي , وَإِنْ قَتَلْته فَلِي مُلْككُمْ ! فَأُتِيَ بِدَاوُدَ إلَى طَالُوت , فَقَاضَاهُ إنْ قَتَلَهُ أَنْ يُنْكِحهُ ابْنَته وَأَنْ يُحَكِّمهُ فِي مَاله . فَأَلْبَسَهُ طَالُوت سِلَاحًا , فَكَرِهَ دَاوُد أَنَّ يُقَاتِلهُ , وَقَالَ : إنَّ اللَّه لَمْ يَنْصُرنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلَاح . فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالْمِقْلَاعِ وَبِمِخْلَاةٍ فِيهَا أَحْجَار , ثُمَّ بَرَزَ لَهُ , قَالَ لَهُ جَالُوت : أَنْت تُقَاتِلنِي ؟ قَالَ دَاوُد : نَعَمْ . قَالَ : وَيْلك أَمَا تَخْرَج إلَيَّ إلَّا كَمَا يُخْرَج إلَى الْكَلْب بِالْمِقْلَاعِ وَالْحِجَارَة ؟ لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمك , وَلَأُطْعِمَنَّه الْيَوْم الطَّيْر وَالسِّبَاع ! فَقَالَ لَهُ دَاوُد : بَلْ أَنْت عَدُوّ اللَّه شَرّ مِنْ الْكَلْب . فَأَخَذَ دَاوُد حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ , فَأَصَابَتْ بَيْن عَيْنَيْهِ حَتَّى نَفَذَتْ فِي دِمَاغه , فَصُرِعَ جَالُوت , وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ , وَاحْتَزَّ دَاوُد رَأْسه . فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى طَالُوت ادَّعَى النَّاس قَتْل جَالُوت , فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِالسَّيْفِ وَبِالشَّيْءِ مَنْ سِلَاحه أَوْ جَسَده , وَخَبَّأَ دَاوُد رَأْسه , فَقَالَ طَالُوت : مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ . فَجَاءَ بِهِ دَاوُد . ثُمَّ قَالَ لِطَالُوت : أَعْطِنِي مَا وَعَدْتنِي ! فَنَدِمَ طَالُوت عَلَى مَا كَانَ شَرَطَ لَهُ , وَقَالَ : إنَّ بَنَات الْمُلُوك لَا بُدّ لَهُنَّ مِنْ صَدَاق , وَأَنْت رَجُل جَرِيء شُجَاع , فَاحْتَمِلْ صَدَاقهَا ثَلَثمِائَةِ غُلْفَة مِنْ أَعْدَائِنَا ! وَكَانَ يَرْجُو بِذَلِك أَنْ يَقْتُل دَاوُد . فَغَزَا دَاوُد وَأَسَرَ مِنْهُمْ ثَلَثمِائَةِ , وَقَطَعَ غُلْفهمْ وَجَاءَ بِهَا , فَلَمْ يَجِد طَالُوت بُدًّا مَنْ أَنْ يُزَوِّجهُ . ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ النَّدَامَة , فَأَرَادَ قَتْل دَاوُد حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ إلَى الْجَبَل , فَنَهَضَ إلَيْهِ طَالُوت فَحَاصَرَهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة سُلِّطَ النَّوْم عَلَى طَالُوت وَحَرَسه , فَهَبَطَ إلَيْهِمْ دَاوُد , فَأَخَذَ إبْرِيق طَالُوت الَّذِي كَانَ يَشْرَب مِنْهُ وَيَتَوَضَّأ , وَقَطَعَ شَعَرَات مَنْ لِحْيَته وَشَيْئًا مَنْ هُدْب ثِيَابه , ثُمَّ رَجَعَ دَاوُد إلَى مَكَانه , + فناده أَنَّ حَرَسك , فَإِنِّي لَوْ شِئْت أَقْتُلك الْبَارِحَة فَعَلْت , فَإِنَّهُ هَذَا إبْرِيقك وَشَيْء مَنْ شَعْر لِحْيَتك وَهُدْب ثِيَابك , وَبَعَثَ إلَيْهِ . فَعَلِمَ طَالُوت أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَتَلَهُ , فَعَطَّفَهُ ذَلِك عَلَيْهِ فَأَمَّنَهُ , وَعَاهَدَهُ بِاَللَّهِ لَا يَرَى مِنْهُ بَأْسًا . ثُمَّ انْصَرَفَ . ثُمَّ كَانَ فِي آخِر أَمْر طَالُوت أَنَّهُ كَانَ يَدُسّ لِقَتْلِهِ , وَكَانَ طَالُوت لَا يُقَاتِل عَدُوًّا إلَّا هُزِمَ , حَتَّى مَاتَ . قَالَ بَكَّار : وَسُئِلَ وَهْب وَأَنَا أَسَمِعَ : أَنَبِيًّا كَانَ طَالُوت يُوحَى إلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَأْتِهِ وَحْي , وَلَكِنْ كَانَ مَعَهُ نَبِيّ يُقَال لَهُ أشمويل , يُوحَى إلَيْهِ , وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ طَالُوت . 4478 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : كَانَ دَاوُد النَّبِيّ وَإِخْوَة لَهُ أَرْبَعَة , مَعَهُمْ أَبُوهُمْ شَيْخ كَبِير , فَتَخَلَّفَ أَبُوهُمْ وَتَخَلَّفَ مَعَهُ دَاوُد مِنْ بَيْن إخْوَته فِي غَنَم أَبِيهِ يَرْعَاهَا لَهُ , وَكَانَ مِنْ أَصْغَرهمْ وَخَرَجَ إخْوَته الْأَرْبَعَة مَعَ طَالُوت , فَدَعَاهُ أَبُوهُ وَقَدْ تَقَارَبَ النَّاس وَدَنَا بَعْضهمْ مِنْ بَعْض . قَالَ ابْن إسْحَاق : وَكَانَ دَاوُد فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْض أَهْل الْعِلْم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه رَجُلًا قَصِيرًا أَزْرَق قَلِيل شَعْر الرَّأْس , وَكَانَ طَاهِر الْقَلْب نَقِيّه , فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيّ إنَّا قَدْ صَنَعْنَا لِإِخْوَتِك زَادًا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوّهُمْ , فَاخْرُجْ بِهِ إلَيْهِمْ , فَإِذَا دَفَعْته إلَيْهِمْ فَأَقْبِلْ إلَيَّ سَرِيعًا ! فَقَالَ : أَفْعَل . فَخَرَجَ وَأَخَذَ مَعَهُ مَا حَمَلَ لِإِخْوَتِهِ , وَمَعَهُ مِخْلَاته الَّتِي يَحْمِل فِيهَا الْحِجَارَة وَمِقْلَاعه الَّذِي كَانَ يَرْمِي بِهِ عَنْ غَنَمه . حَتَّى إذَا فَصَلَ مَنْ عِنْد أَبِيهِ , فَمَرَّ بِحَجَرٍ , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر يَعْقُوب ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته , وَمَشَى . فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إذْ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَر , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر إسْحَاق ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته , ثُمَّ مَضَى . فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إذْ مَرَّ بِحَجَرٍ , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر إبْرَاهِيم ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته . ثُمَّ مَضَى بِمَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْقَوْم , فَأَعْطَى إخْوَته مَا بُعِثَ إلَيْهِمْ مَعَهُ . وَسَمِعَ فِي الْعَسْكَر خَوْض النَّاس بِذِكْرِ جَالُوت , وَعِظَم شَأْنه فِيهِمْ , وَبِهَيْبَةِ النَّاس إيَّاهُ , وَمِمَّا يُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْره , فَقَالَ لَهُمْ : وَاَللَّه إنَّكُمْ لَتُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْر هَذَا الْعَدُوّ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ , وَاَللَّه إنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْته , فَأَدْخِلُونِي عَلَى الْمَلِك ! فَأُدْخِلَ عَلَى الْمَلِك طَالُوت , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلِك إنِّي أَرَاكُمْ تُعَظِّمُونَ شَأْن هَذَا الْعَدُوّ , وَاَللَّه إنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْته ! فَقَالَ : يَا بُنَيّ مَا عِنْدك مَنْ الْقُوَّة عَلَى ذَلِك ؟ وَمَا جَرَّبْت مِنْ نَفْسك ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ الْأَسَد يَعْدُو عَلَى الشَّاة مِنْ غَنَمِي , فَأُدْرِكهُ فَآخُذ بِرَأْسِهِ , فَأَفُكّ لَحْيَيْهِ عَنْهَا , فَآخُذهَا مِنْ فِيهِ , فَادْعُ لِي بِدِرْعٍ حَتَّى أُلْقِيهَا عَلَيَّ ! فَأُتِيَ بِدِرْعٍ , فَقَذَفَهَا فِي عُنُقه وَمَثَلَ فِيهَا فَمَلَأَ عَيْن طَالُوت وَنَفْسه وَمَنْ حَضَرَ مَنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَقَالَ طَالُوت : وَاَللَّه لَعَسَى اللَّه أَنْ يُهْلِكهُ بِهِ ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَجَعُوا إلَى جَالُوت , فَلَمَّا الْتَقَى النَّاس قَالَ دَاوُد : أَرُونِي جَالُوت ! فَأَرَوْهُ إيَّاهُ عَلَى فَرَس عَلَيْهِ لَامَتُهُ ; فَلَمَّا رَآهُ جَعَلَتْ الْأَحْجَار الثَّلَاثَة تَوَاثَبَ مَنْ مِخْلَاته , فَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! فَأَخَذَ أَحَدهَا فَجَعَلَهُ فِي مِقْذَافه , ثُمَّ قَتَلَهُ بِهِ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَكَّ بَيْن عَيْنَيْ جَالُوت فَدَمَغَهُ , وَتَنَكَّسَ عَنْ دَابَّته فَقَتَلَهُ . ثُمَّ انْهَزَمَ جُنْده , وَقَالَ النَّاس : قَتَلَ دَاوُد جَالُوت , وَخَلَعَ طَالُوت . وَأَقْبَلَ النَّاس عَلَى دَاوُد مَكَانه , حَتَّى لَمْ يُسْمَع لِطَالُوت بِذِكْرٍ ; إلَّا أَنَّ أَهْل الْكِتَاب يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى انْصِرَاف بَنِي إسْرَائِيل عَنْهُ إلَى دَاوُد , هَمَّ بِأَنْ يَغْتَال دَاوُد وَأَرَادَ قَتْله فَصَرَفَ اللَّه ذَلِك عَنْهُ وَعَنْ دَاوُد وَعَرَفَ خَطِيئَته , وَالْتَمَسَ التَّوْبَة مِنْهَا إلَى اللَّه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي أَمْر طَالُوت وَدَاوُد قَوْل خِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا قَبْل , وَهُوَ مَا : 4479 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا إسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : لَمَّا سَلَّمَتْ بَنُو إسْرَائِيل الْمُلْك لِطَالُوت أَوْحَى إلَى نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيل أَنْ قُلْ لِطَالُوت : فَلْيَغْزُ أَهْل مَدْيَن , فَلَا يَتْرُك فِيهَا حَيًّا إلَّا قَتَلَهُ , فَإِنِّي سَأُظْهِرُهُ عَلَيْهِمْ ! فَخَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى أَتَى مَدْيَن , فَقَتَلَ مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا مَلِكهمْ , فَإِنَّهُ أَسَرَهُ , وَسَاقَ مَوَاشِيهمْ . فَأَوْحَى اللَّه إلَى أشمويل : أَلَّا تَعْجَب مَنْ طَالُوت إذْ أَمَرْته فَاخْتَانَ فِيهِ , فَجَاءَ بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا , وَسَاقَ مَوَاشِيهمْ , فَالْقَهُ فَقُلْ لَهُ : لَأَنْزِعَنَّ الْمُلْك مَنْ بَيْته , ثُمَّ لَا يَعُود فِيهِ إلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَإِنِّي إنَّمَا أُكْرِم مَنْ أَطَاعَنِي , وَأُهِين مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي ! فَلَقِيَهُ , فَقَالَ مَا صَنَعْت ؟ لِمَ جِئْت بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا , وَلِمَ سُقْت مَوَاشِيهمْ ؟ قَالَ : إنَّمَا سُقْت الْمَوَاشِيَ لِأُقَرِّبهَا . قَالَ لَهُ أشمويل : إنَّ اللَّه قَدْ نَزَعَ مِنْ بَيْتك الْمُلْك , ثُمَّ لَا يَعُود فِيهِ إلَى يَوْم الْقِيَامَة . فَأَوْحَى اللَّه إلَى أشمويل أَنْ انْطَلِقْ إلَى إيشا , فَيَعْرِض عَلَيْك بَنِيهِ , فَادَّهِنْ الَّذِي آمُرك + بِدُهْنِ الْقُدْس يَكُنْ مَلِكًا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل ! فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى إيشا , فَقَالَ : اعْرِضْ عَلَيَّ بَنِيك ! فَدَعَا إيشا أَكْبَر وَلَده , فَأَقْبَلَ رَجُل جَسِيم حَسَن الْمَنْظَر , فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ أشمويل أَعْجَبَهُ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ إنَّ اللَّه لَبَصِير بِالْعِبَادِ ! فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِ : إنَّ عَيْنَيْك تُبْصِرَانِ مَا ظَهَرَ , وَإِنِّي أَطَّلِع عَلَى مَا فِي الْقُلُوب لَيْسَ بِهَذَا , اعْرِضْ عَلَيَّ غَيْره , فَعَرَضَ عَلَيْهِ سِتَّة فِي كُلّ ذَلِك يَقُول : لَيْسَ بِهَذَا , فَقَالَ : هَلْ لَك مَنْ وَلَد غَيْرهمْ ؟ فَقَالَ : بُنَيّ لِي غُلَام وَهُوَ رَاعٍ فِي الْغَنَم . فَقَالَ : أَرْسِلْ إلَيْهِ ! فَلَمَّا أَنْ جَاءَ دَاوُد جَاءَ غُلَام أَمْعَر , فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ , وَقَالَ لِأَبِيهِ : اُكْتُمْ هَذَا , فَإِنَّ طَالُوت لَوْ يَطَّلِع عَلَيْهِ قَتَلَهُ ; فَسَارَ جَالُوت فِي قَوْمه إلَى بَنِي إسْرَائِيل , فَعَسْكَرَ وَسَارَ طَالُوت بِبَنِي إسْرَائِيل وَعَسْكَرَ , وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ , فَأَرْسَلَ جَالُوت إلَى طَالُوت : لِمَ تَقْتُل قَوْمِي وَأَقْتُل قَوْمك ؟ اُبْرُزْ لِي أَوْ أَبْرِزْ لِي مَنْ شِئْت , فَإِنْ قَتَلْتُك كَانَ الْمُلْك لِي , وَإِنْ قَتَلْتنِي كَانَ الْمُلْك لَك ! فَأَرْسَلَ طَالُوت فِي عَسْكَره صَائِحًا مَنْ يَبْرُز لِجَالُوت , فَإِنَّ قَتَلَهُ , فَإِنَّ الْمَلِك يُنْكِحهُ ابْنَته , وَيُشْرِكهُ فِي مُلْكه . فَأَرْسَلَ إيشا دَاوُد إلَى إخْوَته وَكَانُوا فِي الْعَسْكَر , فَقَالَ : اذْهَبْ فَرُدَّ إخْوَتك , وَأَخْبِرْنِي خَبَر النَّاس مَاذَا صَنَعُوا . فَجَاءَ إلَى إخْوَته , وَسَمِعَ صَوْتًا : إنَّ الْمَلِك يَقُول : مَنْ يَبْرُز لِجَالُوت فَإِنَّ قَتَلَهُ أَنْكَحَهُ الْمَلِك ابْنَته . فَقَالَ دَاوُد لِإِخْوَتِهِ : مَا مِنْكُمْ رَجُل يَبْرُز لِجَالُوت فَيَقْتُلهُ , وَيَنْكِح ابْنَة الْمَلِك ؟ فَقَالُوا : إنَّك غُلَام أَحْمَق , وَمَنْ يُطِيق جَالُوت وَهُوَ مِنْ بَقِيَّة الْجَبَّارِينَ ؟ فَلَمَّا لَمْ يَرَهُمْ رَغِبُوا فِي ذَلِك , قَالَ : فَأَنَا أَذْهَب فَأَقْتُلهُ ! فَانْتَهَرُوهُ وَغَضِبُوا عَلَيْهِ . فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ , ذَهَبَ حَتَّى جَاءَ الصَّائِح , فَقَالَ : أَنَا أَبْرُز لِجَالُوت . فَذَهَبَ بِهِ إلَى الْمَلِك , فَقَالَ لَهُ : لَمْ يُجِبْنِي أَحَد إلَّا غُلَام مَنْ بَنِي إسْرَائِيل هُوَ هَذَا ؟ قَالَ : يَا بُنَيّ أَنْت تَبْرُز لِجَالُوت فَتُقَاتِلهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَهَلْ آنَسْت مِنْ نَفْسك شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , كُنْت رَاعِيًا فِي الْغَنَم , فَأَغَارَ عَلَيَّ الْأَسَد , فَأَخَذْت بِلَحْيَيْهِ فَفَكَكْتهمَا . فَدَعَا لَهُ بِقَوْسٍ وَأَدَاة كَامِلَة , فَلَبِسَهَا وَرَكِبَ الْفَرَس , ثُمَّ سَارَ مِنْهُمْ قَرِيبًا . ثُمَّ صَرَفَ فَرَسه , فَرَجَعَ إلَى الْمَلِك , فَقَالَ الْمَلِك وَمَنْ حَوْله : جَبُنَ الْغُلَام ! فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَلِك , فَقَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ دَاوُد : إنْ لَمْ يَقْتُلهُ اللَّه لِي لَمْ يَقْتُلهُ هَذَا الْفَرَس وَهَذَا السِّلَاح , فَدَعْنِي فَأُقَاتِل كَمَا أُرِيد . فَقَالَ : نَعَمْ يَا بُنَيّ . فَأَخَذَ دَاوُد مِخْلَاته , فَتَقَلَّدَهَا وَأَلْقَى فِيهَا أَحْجَارًا , وَأَخَذَ مِقْلَاعه الَّذِي كَانَ يَرْعَى بِهِ . ثُمَّ مَضَى نَحْو جَالُوت ; فَلَمَّا دَنَا مَنْ عَسْكَره , قَالَ : أَيْنَ جَالُوت يَبْرُز لِي ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلَى فَرَس عَلَيْهِ السِّلَاح كُلّه , فَلَمَّا رَآهُ جَالُوت قَالَ : إلَيْك أَبْرُز ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : فَأَتَيْتنِي بِالْمِقْلَاعِ وَالْحَجَر كَمَا يُؤْتَى إلَى الْكَلْب ؟ قَالَ : هُوَ ذَاكَ . قَالَ : لَا جَرَم إنِّي سَوْف أُقَسِّم لَحْمك بَيْن طَيْر السَّمَاء وَسِبَاع الْأَرْض . قَالَ دَاوُد : أَوْ يُقَسِّم اللَّه لَحْمك . فَوَضَعَ دَاوُد حَجَرًا فِي مِقْلَاعه , ثُمَّ دُوره فَأَرْسَلَهُ نَحْو جَالُوت , فَأَصَابَ أَنْف الْبَيْضَة الَّتِي عَلَى جَالُوت حَتَّى خَالَطَ دِمَاغه , فَوَقَعَ مَنْ فَرَسه , فَمَضَى دَاوُد إلَيْهِ , فَقُطْع رَأَسَهُ بِسَيْفِهِ , فَأَقْبَلَ بِهِ فِي مِخْلَاته , وَبِسَلَبِهِ يَجُرّهُ , حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْن يَدَيْ طَالُوت , فَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا , وَانْصَرَفَ طَالُوت . فَلَمَّا كَانَ دَاخِل الْمَدِينَة , سَمِعَ النَّاس يَذْكُرُونَ دَاوُد , فَوَجَدَ فِي نَفْسه , فَجَاءَهُ دَاوُد , فَقَالَ : أَعْطِنِي امْرَأَتِي ! فَقَالَ : أَتُرِيدُ ابْنَة الْمَلِك بِغَيْرِ صَدَاق ؟ فَقَالَ دَاوُد : مَا اشْتَرَطْت عَلَيَّ صَدَاقًا , وَمَا لِي مِنْ شَيْءٍ . قَالَ : لَا أُكَلِّفك إلَّا مَا تُطِيق , أَنْت رَجُل جَرِيء , وَفِي جِبَالنَا هَذِهِ جراجمة يَحْتَرِبُون النَّاس وَهُمْ غُلْف , فَإِذَا قَتَلْت مِنْهُمْ مِائَتَيْ رَجُل , فَأْتِنِي بِغُلْفِهِمْ . فَجَعَلَ كُلَّمَا قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا نَظَمَ غُلْفَته فِي خَيْط , حَتَّى نَظَمَ مِائَتَيْ غُلْفَة , ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ إلَى طَالُوت , فَأَلْقَى إلَيْهِ , فَقَالَ : ادْفَعْ لِي امْرَأَتِي قَدْ جِئْت بِمَا اشْتَرَطْت ! فَزَوَّجَهُ ابْنَته . وَأَكْثَرَ النَّاس ذِكْر دَاوُد , وَزَادَهُ عِنْد النَّاس عَجَبًا , فَقَالَ طَالُوت لَابْنه : لَتَقْتُلَنّ دَاوُد ! قَالَ : سُبْحَان اللَّه لَيْسَ بِأَهْلِ ذَلِك مِنْك ! قَالَ : إنَّك غُلَام أَحْمَق , مَا أَرَاهُ إلَّا سَوْف يُخْرِجك وَأَهْل بَيْتك مَنْ الْمُلْك . فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِك مِنْ أَبِيهِ , انْطَلَقَ إلَى أُخْته , فَقَالَ لَهَا : إنِّي قَدْ خِفْت أَبَاك أَنْ يَقْتُل زَوْجك دَاوُد , فَمُرِيهِ أَنْ يَأْخُذ حَذَره , وَيَتَغَيَّب مِنْهُ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَته ذَلِك فَتَغَيَّبَ . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ طَالُوت مَنْ يَدْعُو لَهُ دَاوُد , وَقَدْ صَنَعَتْ امْرَأَته عَلَى فِرَاشه كَهَيْئَةِ النَّائِم وَلَحَفَتْهُ . فَلَمَّا جَاءَ رَسُول طَالُوت قَالَ : أَيْنَ دَاوُد ؟ لِيُجِبْ الْمَلِك ! فَقَالَتْ لَهُ : بَاتَ شَاكِيًا وَنَامَ الْآن تَرَوْنَهُ عَلَى الْفِرَاش . فَرَجَعُوا إلَى طَالُوت فَأَخْبَرُوهُ ذَلِك , فَمَكَثَ سَاعَة ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ , فَقَالَتْ : هُوَ نَائِم لَمْ يَسْتَيْقِظ بَعْد . فَرَجَعُوا إلَى الْمَلِك فَقَالَ : ائْتُونِي بِهِ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ! فَجَاءُوا إلَى الْفِرَاش , فَلَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ أَحَدًا . فَجَاءُوا الْمَلِك فَأَخْبَرُوهُ , فَأَرْسَلَ إلَى ابْنَته فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تُكَذِّبِينِي ؟ قَالَتْ : هُوَ أَمَرَنِي بِذَلِك , وَخِفْت إنْ لَمْ أَفْعَل أَمْره أَنْ يَقْتُلنِي . وَكَانَ دَاوُد فَارًّا فِي الْجَبَل حَتَّى قَتَلَ طَالُوت , وَمَلَكَ دَاوُد بَعْده . 4480 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ طَالُوت أَمِيرًا عَلَى الْجَيْش , فَبَعَثَ أَبُو دَاوُد مَعَ دَاوُد بِشَيْءٍ إلَى إخْوَته , فَقَالَ دَاوُد لِطَالُوت : مَاذَا لِي فَأَقْتُل جَالُوت ؟ قَالَ : لَك ثُلُث مَالِي , وَأُنْكِحك ابْنَتِي . فَأَخَذَ مِخْلَاته , فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاث مَرْوَات , ثُمَّ سَمَّى حِجَارَته تِلْكَ إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَقَالَ : بِاسْمِ إلَهِي وَإِلَه آبَائِي إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ! فَخَرَجَ عَلَى إبْرَاهِيم , فَجَعَلَهُ فِي مِرْجَمَته , فَخَرَقَتْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَة عَنْ رَأْسه , وَقَتَلَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا مَنْ وَرَائِهِ . 4481 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : عَبَرَ يَوْمئِذٍ النَّهَر مَعَ طَالُوت أَبُو دَاوُد فِيمَنْ عَبَرَ مَعَ ثَلَاثَة عَشَرَ ابْنًا لَهُ , وَكَانَ دَاوُد أَصْغَر بَنِيهِ . فَأَتَاهُ ذَات يَوْم فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إلَّا صَرَعْته . فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ رِزْقك فِي قَذَّافَتك ! ثُمَّ أَتَاهُ مَرَّة أُخْرَى قَالَ : يَا أَبَتَاهُ لَقَدْ دَخَلْت بَيْن الْجِبَال , فَوَجَدْت أَسَدًا رَابِضًا , فَرَكِبْت عَلَيْهِ , فَأَخَذْت بِأُذُنِيهِ , فَلَمْ يُهِجْنِي . قَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ هَذَا خَيْر يُعْطِيكَهُ اللَّه ! ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَر فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ إنِّي لَأَمْشِي بَيْن الْجِبَال , فَأُسَبِّح , فَمَا يَبْقَى جَبَل إلَّا سَبَّحَ مَعِي . فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ هَذَا خَيْر أَعْطَاكَهُ اللَّه ! . وَكَانَ دَاوُد رَاعِيًا , وَكَانَ أَبُوهُ خَلْفه يَأْتِي إلَيْهِ وَإِلَى إخْوَته بِالطَّعَامِ . فَأَتَى النَّبِيّ بِقَرْنٍ فِيهِ دُهْن وَبِثَوْبٍ مَنْ حَدِيد , فَبَعَثَ بِهِ إلَى طَالُوت , فَقَالَ : إنَّ صَاحِبكُمْ الَّذِي يَقْتُل جَالُوت يُوضَع هَذَا الْقَرْن عَلَى رَأْسه فَيَغْلِي حَتَّى يَدْهُن مِنْهُ وَلَا يَسِيل عَلَى وَجْهه , يَكُون عَلَى رَأْسه كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيل , وَيَدْخُل فِي هَذَا الثَّوْب فَيَمْلَؤُهُ . فَدَعَا طَالُوت بَنِي إسْرَائِيل فَجَرَّبَهُمْ , فَلَمْ يُوَافِقهُ مِنْهُمْ أَحَد . فَلَمَّا فَرَغُوا , قَالَ طَالُوت لِأَبِي دَاوُد : هَلْ بَقِيَ لَك مِنْ وَلَد لَمْ يَشْهَدنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , بَقِيَ ابْنِي دَاوُد , وَهُوَ يَأْتِينَا بِطَعَامِنَا . فَلَمَّا أَتَاهُ دَاوُد مَرَّ فِي الطَّرِيق بِثَلَاثَةِ أَحْجَار , فَكَلَّمْنَهُ , وَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُد تَقْتُل بِنَا جَالُوت ! قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ فَجَعَلَهُنَّ فِي مِخْلَاته . وَكَانَ طَالُوت قَالَ : مَنْ قَتَلَ جَالُوت زَوَّجْته ابْنَتِي , وَأَجْرَيْت خَاتَمه فِي مُلْكِي . فَلَمَّا جَاءَ دَاوُد وَضَعُوا الْقَرْن عَلَى رَأْسه , فَغَلَى حَتَّى ادَّهَنَ مِنْهُ , وَلَبِسَ الثَّوْب فَمَلَأَهُ , وَكَانَ رَجُلًا مِسْقَامًا مُصْفَارًّا , وَلَمْ يَلْبَسهُ أَحَد إلَّا تَقَلْقَلَ فِيهِ . فَلَمَّا لَبِسَهُ دَاوُد تَضَايَقَ الثَّوْب عَلَيْهِ حَتَّى تَنَقَّضَ . ثُمَّ مَشَى إلَى جَالُوت , وَكَانَ جَالُوت مِنْ أَجْسَم النَّاس وَأَشَدّهمْ ; فَلَمَّا نَظَرَ إلَى دَاوُد قُذِفَ فِي قَلْبه الرُّعْب مِنْهُ , فَقَالَ لَهُ : يَا فَتَى ارْجِعْ فَإِنِّي أَرْحَمك أَنْ أَقْتُلك ! قَالَ دَاوُد : لَا , بَلْ أَنَا أَقْتُلك . فَأَخْرِجْ الْحِجَارَة فَجَعَلَهَا فِي الْقَذَّافَة , كُلَّمَا رَفَعَ حَجَرًا سَمَّاهُ , فَقَالَ : هَذَا بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيم , وَالثَّانِي بِاسْمِ أَبِي إسْحَاق , وَالثَّالِث بِاسْمِ أَبِي إسْرَائِيل . ثُمَّ أَدَارَ الْقَذَّافَة فَعَادَتْ الْأَحْجَار حَجَرًا وَاحِدًا , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَكَّ بِهِ بَيْن عَيْنَيْ جَالُوت , فَنَقَبَ رَأْسه فَقَتَلَهُ . ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَقْتُل كُلّ إنْسَان تُصِيبهُ تَنْفُذ مِنْهُ , حَتَّى لَمْ يَكُنْ بِحِيَالِهَا أَحَد . فَهَزَمُوهُمْ عِنْد ذَلِك , وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت . وَرَجَعَ طَالُوت , فَأَنْكَحَ دَاوُد ابْنَته , وَأَجْرَى خَاتَمه فِي مُلْكه ; فَمَالَ النَّاس إلَى دَاوُد فَأَحَبُّوهُ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِك طَالُوت وَجَدَ فِي نَفْسه وَحَسَدَهُ , فَأَرَادَ قَتْله . فَعَلِمَ بِهِ دَاوُد أَنَّهُ يُرِيد بِهِ ذَلِك , فَسَجَّى لَهُ زِقّ خَمْر فِي مَضْجَعه , فَدَخَلَ طَالُوت إلَى مَنَام دَاوُد , وَقَدْ هَرَبَ دَاوُد فَضَرَبَ الزِّقّ ضَرْبَة فَخَرَقَهُ , فَسَالَتْ الْخَمْر مِنْهُ , فَوَقَعَتْ قَطْرَة مَنْ خَمْر فِي فِيهِ , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه دَاوُد مَا كَانَ أَكْثَر شُرْبه لِلْخَمْرِ ! ثُمَّ إنَّ دَاوُد أَتَاهُ مِنْ الْقَابِلَة فِي بَيْته وَهُوَ نَائِم , فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْد رَأْسه وَعِنْد رِجْلَيْهِ وَعَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله سَهْمَيْنِ ; فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوت بَصُرَ بِالسِّهَامِ فَعَرَفَهَا , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه دَاوُد هُوَ خَيْر مِنِّي , ظَفَرَتْ بِهِ فَقَتَلَتْهُ , وَظَفَرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي . ثُمَّ إنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي فِي الْبَرِيَّة وَطَالُوت عَلَى فَرَس , فَقَالَ طَالُوت : الْيَوْم أَقْتُل دَاوُد ! وَكَانَ دَاوُد إذَا فَزِعَ لَا يُدْرَك , فَرَكَضَ عَلَى أَثَره طَالُوت , فَفَزَعَ دَاوُد , فَاشْتَدَّ فَدَخَلَ غَارًا , وَأَوْحَى اللَّه إلَى الْعَنْكَبُوت فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا ; فَلَمَّا انْتَهَى طَالُوت إلَى الْغَار نَظَرَ إلَى بِنَاء الْعَنْكَبُوت , فَقَالَ : لَوْ كَانَ دَخَلَ هَا هُنَا لَخَرَقَ بَيْت الْعَنْكَبُوت , فَخُيِّلَ إلَيْهِ فَتَرَكَهُ . 4482 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَاوُد حِين أَتَاهُمْ كَانَ قَدْ جَعَلَ مَعَهُ مِخْلَاة فِيهَا ثَلَاثَة أَحْجَار . وَإِنَّ جَالُوت بَرَزَ لَهُمْ , فَنَادَى : أَلَا رَجُل لِرَجُلٍ ! فَقَالَ طَالُوت : مَنْ يَبْرُز لَهُ , وَإِلَّا بَرَزْت لَهُ . فَقَامَ دَاوُد فَقَالَ : أَنَا فَقَامَ لَهُ طَالُوت فَشَدَّ عَلَيْهِ دِرْعه , فَجَعَلَ يَرَاهُ يَشْخَص فِيهَا وَيَرْتَفِع . فَعَجِبَ مَنْ ذَلِك طَالُوت , فَشَدَّ عَلَيْهِ أَدَاته كُلّهَا . وَإِنَّ دَاوُد رَمَاهُمْ بِحَجَرٍ مَنْ تِلْكَ الْحِجَارَة فَأَصَابَ فِي الْقَوْم , ثُمَّ رَمَى الثَّانِيَة بِحَجَرٍ فَأَصَابَ فِيهِمْ , ثُمَّ رَمَى الثَّالِثَة فَقَتَلَ جَالُوت . فَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة , وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء , وَصَارَ هُوَ الرَّئِيس عَلَيْهِمْ , وَأَعْطَوْهُ الطَّاعَة . 4483 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثَنِيّ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } قَالَ : أَوْحَى اللَّه إلَى نَبِيّهمْ إنَّ فِي وَلَد فُلَان رَجُلًا يَقْتُل اللَّه بِهِ جَالُوت , وَمِنْ عَلَامَته هَذَا الْقَرْن تَضَعهُ عَلَى رَأَسَهُ , فَيَفِيض مَاء . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إنَّ اللَّه أَوْحَى إلَيَّ أَنَّ فِي وَلَد فُلَان رَجُلًا يَقْتُل اللَّه بِهِ جَالُوت , فَقَالَ : نَعَمْ يَا نَبِيّ اللَّه , قَالَ : فَأَخْرَجَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَمْثَال السَّوَارِي , وَفِيهِمْ رَجُل بَارِع عَلَيْهِمْ , فَجَعَلَ يَعْرِضهُمْ عَلَى الْقَرْن فَلَا يَرَى شَيْئًا , فَيَقُول لِذَلِك الْجَسِيم : ارْجِعْ فَيَرُدّهُ عَلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِ : إنَّا لَا نَأْخُذ الرِّجَال عَلَى صُوَرهمْ , وَلَكِنْ نَأْخُذهُمْ عَلَى صَلَاح قُلُوبهمْ , قَالَ : يَا رَبّ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَد غَيْره , فَقَالَ : كَذَبَ , فَقَالَ : إنَّ رَبِّي قَدْ كَذَّبَك , وَقَالَ : إنَّ لَك وَلَدًا غَيْرهمْ , فَقَالَ : صَدَقَ يَا نَبِيّ اللَّه , لِي وَلَد قَصِير اسْتَحْيَيْت أَنْ يَرَاهُ النَّاس , فَجَعَلْته فِي الْغَنَم , قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ فِي شِعْب كَذَا وَكَذَا مِنْ جَبَل كَذَا وَكَذَا , فَخَرَجَ إلَيْهِ , فَوَجَدَ الْوَادِي قَدْ سَالَ بَيْنه وَبَيْن الَّتِي كَانَ يُرِيح إلَيْهَا قَالَ : وَوَجَدَهُ يَحْمِل شَاتَيْنِ يُجِيز بِهِمَا , وَلَا يَخُوض بِهِمَا السَّيْل , فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : هَذَا هُوَ لَا شَكَّ فِيهِ , هَذَا يَرْحَم الْبَهَائِم فَهُوَ بِالنَّاسِ أَرْحَم , قَالَ : فَوَضَعَ الْقَرْن عَلَى رَأَسَهُ فَفَاضَ , فَقَالَ لَهُ : ابْن أَخِي هَلْ رَأَيْت هَا هُنَا مَنْ شَيْء يُعْجِبك ؟ قَالَ : نَعَمْ إذَا سَبَّحْت , سَبَّحَتْ مَعِي الْجِبَال , وَإِذَا أَتَى النَّمِر أَوْ الذِّئْب أَوْ السَّبْع أَخَذَ شَاة قُمْت إلَيْهِ , فَافْتَحْ لَحْيَيْهِ عَنْهَا فَلَا يُهِيجنِي , وَأَلْفَى مَعَهُ صِفْنَهُ , قَالَ : فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَار يَأْثُر بَعْضهَا عَلَى بَعْض : كُلّ وَاحِد مِنْهَا يَقُول : أَنَا الَّذِي يَأْخُذ , وَيَقُول هَذَا : لَا بَلْ إيَّايَ يَأْخُذ , وَيَقُول الْآخَر مِثْل ذَلِك , قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ جَمِيعًا , فَطَرَحَهُنَّ فِي صِفْنَهُ ; فَلَمَّا جَاءَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجُوا قَالَ لَهُمْ نَبِيّهمْ : { إنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا } فَكَانَ مَنْ قِصَّة نَبِيّهمْ وَقِصَّتهمْ مَا ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه , وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } قَالَ : وَاجْتَمَعَ أَمْرهمْ وَكَانُوا جَمِيعًا , وَقَرَأَ : { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } وَبَرَزَ جَالُوت عَلَى بِرْذَوْن لَهُ أَبْلَق , فِي يَده قَوْس وَنُشَّاب , فَقَالَ : مَنْ يَبْرُز ؟ أَبْرِزُوا إلَيَّ رَأْسكُمْ , قَالَ : فَفَظِعَ بِهِ طَالُوت , قَالَ : فَالْتَفَتّ إلَى أَصْحَابه فَقَالَ : مَنْ رَجُل يَكْفِينِي الْيَوْم جَالُوت , فَقَالَ دَاوُد أَنَا , فَقَالَ تَعَالَ , قَالَ : فَنَزَعَ دِرْعًا لَهُ , فَأَلْبَسَهُ إيَّاهَا , قَالَ : وَنَفَخَ اللَّه مَنْ رُوحه فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ , قَالَ : فَرَمَى بِنُشَّابَةِ , فَوَضَعَهَا فِي الدِّرْع , قَالَ : فَكَسَرَهَا دَاوُد وَلَمْ تَضُرّهُ شَيْئًا ثَلَاث مَرَّات , ثُمَّ قَالَ لَهُ : خُذْ الْآن , فَقَالَ دَاوُد : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَرًا وَاحِدًا , قَالَ : وَسَمَّى وَاحِدًا إبْرَاهِيم , وَآخَر إسْحَاق , وَآخَر يَعْقُوب , قَالَ : فَجَمَعَهُنَّ جَمِيعًا فَكُنَّ حَجَرًا وَاحِدًا , قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ وَأَخَذَ مِقْلَاعًا , فَأَدَارَهَا لِيَرْمِيَ بِهَا , فَقَالَ : أَتَرْمِينِي كَمَا تَرْمِي السَّبْع وَالذِّئْب , ارْمِنِي بِالْقَوْسِ , قَالَ : لَا أَرْمِيك الْيَوْم إلَّا بِهَا , فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِك أَيْضًا , فَقَالَ نَعَمْ , وَأَنْت أَهْوَن عَلَيَّ مِنْ الذِّئْب , فَأَدَارَهَا وَفِيهَا أَمْر اللَّه وَسُلْطَان اللَّه , قَالَ : فَخَلَّى سَبِيلهَا مَأْمُورَة , قَالَ : فَجَاءَتْ مُظِلَّة فَضَرَبَتْ بَيْن عَيْنَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مَنْ قَفَاهُ , ثُمَّ قَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابه وَرَاءَهُ كَذَا وَكَذَا , وَهَزَمَهُمْ اللَّه . 4484 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : لَمَّا قَطَعُوا ذَلِك يَعْنِي النَّهَر الَّذِي قَالَ اللَّه فِيهِ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ طَالُوت لِجُنُودِهِ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } وَجَاءَ جَالُوت وَشَقَّ عَلَى طَالُوت قِتَاله , فَقَالَ طَالُوت لِلنَّاسِ : لَوْ أَنَّ جَالُوت قُتِلَ أَعْطَيْت الَّذِي يَقْتُلهُ نِصْف مُلْكِي , وَنَاصَفْته كُلّ شَيْء أَمْلِكهُ , فَبَعَثَ اللَّه دَاوُد , وَدَاوُد يَوْمئِذٍ فِي الْجَبَل رَاعِي غَنَم , وَقَدْ غَزَا مَعَ طَالُوت تِسْعَة إخْوَة لِدَاوُد , وَهُمْ أَنَدّ مِنْهُ وَأَعْتَى مِنْهُ , وَأَعْرَف فِي النَّاس مِنْهُ , وَأَوْجَه عِنْد طَالُوت مِنْهُ , فَغَزَا وَتَرَكُوهُ فِي غَنَمهمْ , فَقَالَ دَاوُد حِين أَلْقَى اللَّه فِي نَفْسه مَا أَلْقَى وَأَكْرَمَهُ : لَأَسْتَوْدِعَنّ رَبِّي غَنَمِي الْيَوْم , وَلَآتِيَنّ النَّاس فَلَأَنْظُرَنّ مَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ قَوْل الْمُلْك لِمَنْ قَتَلَ جَالُوت , فَأَتَى دَاوُد إخْوَته , فَلَامُوهُ حِين أَتَاهُمْ , فَقَالُوا : لِمَ جِئْت ؟ قَالَ : لِأَقْتُل جَالُوت , فَإِنَّ اللَّه قَادِر أَنْ أَقْتُلهُ , فَسُخِرُوا مِنْهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِد : كَانَ بُعِثَ أَبُو دَاوُد مَعَ دَاوُد بِشَيْءٍ إلَى إخْوَته , فَأَخَذَ مِخْلَاة فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاث مَرْوَات , ثُمَّ سَمَّاهُنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالُوا : وَهُوَ ضَعِيف رَثّ الْحَال , فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَار , فَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُد فَقَاتِلْ بِنَا جَالُوت . فَأَخَذَهُنَّ دَاوُد وَأَلْقَاهُنَّ فِي مِخْلَاته , فَلَمَّا أَلْقَاهُنَّ سَمِعَ حَجَرًا مِنْهُنَّ يَقُول لِصَاحِبِهِ : أَنَا حَجَر هَارُونَ الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِك كَذَا وَكَذَا ; وَقَالَ الثَّانِي : أَنَا حَجَر مُوسَى الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِك كَذَا وَكَذَا ; وَقَالَ الثَّالِث : أَنَا حَجَر دَاوُد الَّذِي أَقْتُل جَالُوت , فَقَالَ الْحَجَرَانِ : يَا حَجَر دَاوُد نَحْنُ أَعْوَان لَك , فَصِرْنَ حَجَرًا وَاحِدًا ; وَقَالَ الْحَجَر : يَا دَاوُد اقْذِفْ بِي فَإِنِّي سَأَسْتَعِينُ بِالرِّيحِ , وَكَانَتْ بَيْضَته فِيمَا يَقُولُونَ وَاَللَّه أَعْلَم فِيهَا سِتّمِائَةِ رِطْل , فَأَقَع فِي رَأْس جَالُوت فَأَقْتُلهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِد : سَمَّى وَاحِدًا إبْرَاهِيم , وَالْآخَر إسْحَاق , وَالْآخَر يَعْقُوب , وَقَالَ : بِاسْمِ إلَهِي وَإِلَه آبَائِي إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , وَجَعَلَهُنَّ فِي مِرْجَمَته . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : فَانْطَلَقَ حَتَّى نَفَذَ إلَى طَالُوت , فَقَالَ : إنَّك قَدْ جَعَلْت لِمَنْ قَتَلَ جَالُوت نِصْف مُلْكك وَنِصْف كُلّ شَيْء تَمْلِك . أَفَلِي ذَلِك إنْ قَتَلْته ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَالنَّاس يُسْتَهْزَءُونَ بِدَاوُدَ , وَإِخْوَة دَاوُد أَشَدّ مَنْ هُنَالِكَ عَلَيْهِ , وَكَانَ طَالُوت لَا يُنْتَدَب إلَيْهِ أَحَد زَعَمَ أَنَّهُ يَقْتُل جَالُوت إلَّا أَلْبَسَهُ دِرْعًا عِنْده , فَإِذَا لَمْ تَكُنْ قَدْرًا عَلَيْهِ نَزَعَهَا عَنْهَا , وَكَانَتْ دِرْعًا سَابِغَة مِنْ دُرُوع طَالُوت , فَأَلْبَسَهَا دَاوُد ; فَلَمَّا رَأَى قَدْرهَا عَلَيْهِ أَمَرَهُ أَنْ يَتَقَدَّم , فَتَقَدَّمَ دَاوُد , فَقَامَ مَقَامًا لَا يَقُوم فِيهِ أَحَد وَعَلَيْهِ الدِّرْع , فَقَالَ لَهُ جَالُوت : وَيْحك مَنْ أَنْت إنِّي أَرَحَمك , لِيَتَقَدَّم إلَيَّ غَيْرك مَنْ هَذِهِ الْمُلُوك , أَنْت إنْسَان ضَعِيف مِسْكِين , فَارْجِعْ , فَقَالَ دَاوُد : أَنَا الَّذِي أَقْتُلك بِإِذْنِ اللَّه , وَلَنْ أَرْجِع حَتَّى أَقْتُلك , فَلَمَّا أَبَى دَاوُد إلَّا قِتَاله , تَقَدَّمَ جَالُوت إلَيْهِ لِيَأْخُذهُ بِيَدِهِ مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَ الْحَجَر مَنْ الْمِخْلَاة , فَدَعَا رَبّه , وَرَمَاهُ بِالْحَجَرِ , فَأَلْقَتْ الرِّيح بَيْضَته عَنْ رَأَسَهُ , فَوَقَعَ الْحَجَر فِي رَأْس جَالُوت حَتَّى دَخَلَ فِي جَوْفه , فَقَتَلَهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِد : لَمَّا رَمَى جَالُوت بِالْحَجَرِ خَرَقَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَة عَنْ رَأْسه , وَقَتَلَتْ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } فَقَالَ دَاوُد لِطَالُوت : وَفِّ بِمَا جَعَلْت , فَأَبَى طَالُوت أَنْ يُعْطِيه ذَلِك , فَانْطَلَقَ دَاوُد , فَسَكَنَ مَدِينَة مِنْ مَدَائِن بَنِي إسْرَائِيل , حَتَّى مَاتَ طَالُوت ; فَلَمَّا مَاتَ عَمَدَ بَنُو إسْرَائِيل إلَى دَاوُد , فَجَاءُوا بِهِ , فَمَلَّكُوهُ , وَأَعْطَوْهُ خَزَائِن طَالُوت , وَقَالُوا : لَمْ يَقْتُل جَالُوت إلَّا نَبِيّ , قَالَ اللَّه : { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : فَهَزَمَ طَالُوت وَجُنُوده أَصْحَاب جَالُوت , وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت . وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك تُرِكَ ذِكْره اكْتِفَاء بِدِلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ . وَذَلِك أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوت وَجُنُوده , قَالُوا : رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا , وَثَبِّتْ أَقْدَامنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ ! فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهمْ , فَأَفْرَغَ عَلَيْهِمْ صَبْره , وَثَبَّتَ أَقْدَامهمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ , فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه . وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْر ذَلِك اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه } عَلَى أَنَّ اللَّه قَدْ أَجَابَ دُعَاءَهُمْ الَّذِي دَعَوْهُ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه } قَتَلُوهُمْ بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَره , يُقَال مِنْهُ : هَزَمَ الْقَوْم الْجَيْش هَزِيمَة وهزيمي . { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } وَدَاوُد هَذَا هُوَ دَاوُد بْن إيشا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ سَبَب قَتَلَهُ إيَّاهُ كَمَا : 4477 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : سَمِعْت وَهْب بْن مُنَبِّه يُحَدِّث , قال : لَمَّا خرج , أو قال : لَمَّا بَرَزَ طَالُوت لِجَالُوت , قَالَ جَالُوت : أَبَرَزُوا لِي مَنْ يُقَاتِلنِي , فَإِنْ قَتَلَنِي , فَلَكُمْ مُلْكِي , وَإِنْ قَتَلْته فَلِي مُلْككُمْ ! فَأُتِيَ بِدَاوُدَ إلَى طَالُوت , فَقَاضَاهُ إنْ قَتَلَهُ أَنْ يُنْكِحهُ ابْنَته وَأَنْ يُحَكِّمهُ فِي مَاله . فَأَلْبَسَهُ طَالُوت سِلَاحًا , فَكَرِهَ دَاوُد أَنَّ يُقَاتِلهُ , وَقَالَ : إنَّ اللَّه لَمْ يَنْصُرنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلَاح . فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالْمِقْلَاعِ وَبِمِخْلَاةٍ فِيهَا أَحْجَار , ثُمَّ بَرَزَ لَهُ , قَالَ لَهُ جَالُوت : أَنْت تُقَاتِلنِي ؟ قَالَ دَاوُد : نَعَمْ . قَالَ : وَيْلك أَمَا تَخْرَج إلَيَّ إلَّا كَمَا يُخْرَج إلَى الْكَلْب بِالْمِقْلَاعِ وَالْحِجَارَة ؟ لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمك , وَلَأُطْعِمَنَّه الْيَوْم الطَّيْر وَالسِّبَاع ! فَقَالَ لَهُ دَاوُد : بَلْ أَنْت عَدُوّ اللَّه شَرّ مِنْ الْكَلْب . فَأَخَذَ دَاوُد حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ , فَأَصَابَتْ بَيْن عَيْنَيْهِ حَتَّى نَفَذَتْ فِي دِمَاغه , فَصُرِعَ جَالُوت , وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ , وَاحْتَزَّ دَاوُد رَأْسه . فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى طَالُوت ادَّعَى النَّاس قَتْل جَالُوت , فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِالسَّيْفِ وَبِالشَّيْءِ مَنْ سِلَاحه أَوْ جَسَده , وَخَبَّأَ دَاوُد رَأْسه , فَقَالَ طَالُوت : مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ . فَجَاءَ بِهِ دَاوُد . ثُمَّ قَالَ لِطَالُوت : أَعْطِنِي مَا وَعَدْتنِي ! فَنَدِمَ طَالُوت عَلَى مَا كَانَ شَرَطَ لَهُ , وَقَالَ : إنَّ بَنَات الْمُلُوك لَا بُدّ لَهُنَّ مِنْ صَدَاق , وَأَنْت رَجُل جَرِيء شُجَاع , فَاحْتَمِلْ صَدَاقهَا ثَلَثمِائَةِ غُلْفَة مِنْ أَعْدَائِنَا ! وَكَانَ يَرْجُو بِذَلِك أَنْ يَقْتُل دَاوُد . فَغَزَا دَاوُد وَأَسَرَ مِنْهُمْ ثَلَثمِائَةِ , وَقَطَعَ غُلْفهمْ وَجَاءَ بِهَا , فَلَمْ يَجِد طَالُوت بُدًّا مَنْ أَنْ يُزَوِّجهُ . ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ النَّدَامَة , فَأَرَادَ قَتْل دَاوُد حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ إلَى الْجَبَل , فَنَهَضَ إلَيْهِ طَالُوت فَحَاصَرَهُ . فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة سُلِّطَ النَّوْم عَلَى طَالُوت وَحَرَسه , فَهَبَطَ إلَيْهِمْ دَاوُد , فَأَخَذَ إبْرِيق طَالُوت الَّذِي كَانَ يَشْرَب مِنْهُ وَيَتَوَضَّأ , وَقَطَعَ شَعَرَات مَنْ لِحْيَته وَشَيْئًا مَنْ هُدْب ثِيَابه , ثُمَّ رَجَعَ دَاوُد إلَى مَكَانه , + فناده أَنَّ حَرَسك , فَإِنِّي لَوْ شِئْت أَقْتُلك الْبَارِحَة فَعَلْت , فَإِنَّهُ هَذَا إبْرِيقك وَشَيْء مَنْ شَعْر لِحْيَتك وَهُدْب ثِيَابك , وَبَعَثَ إلَيْهِ . فَعَلِمَ طَالُوت أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَتَلَهُ , فَعَطَّفَهُ ذَلِك عَلَيْهِ فَأَمَّنَهُ , وَعَاهَدَهُ بِاَللَّهِ لَا يَرَى مِنْهُ بَأْسًا . ثُمَّ انْصَرَفَ . ثُمَّ كَانَ فِي آخِر أَمْر طَالُوت أَنَّهُ كَانَ يَدُسّ لِقَتْلِهِ , وَكَانَ طَالُوت لَا يُقَاتِل عَدُوًّا إلَّا هُزِمَ , حَتَّى مَاتَ . قَالَ بَكَّار : وَسُئِلَ وَهْب وَأَنَا أَسَمِعَ : أَنَبِيًّا كَانَ طَالُوت يُوحَى إلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَأْتِهِ وَحْي , وَلَكِنْ كَانَ مَعَهُ نَبِيّ يُقَال لَهُ أشمويل , يُوحَى إلَيْهِ , وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ طَالُوت . 4478 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : كَانَ دَاوُد النَّبِيّ وَإِخْوَة لَهُ أَرْبَعَة , مَعَهُمْ أَبُوهُمْ شَيْخ كَبِير , فَتَخَلَّفَ أَبُوهُمْ وَتَخَلَّفَ مَعَهُ دَاوُد مِنْ بَيْن إخْوَته فِي غَنَم أَبِيهِ يَرْعَاهَا لَهُ , وَكَانَ مِنْ أَصْغَرهمْ وَخَرَجَ إخْوَته الْأَرْبَعَة مَعَ طَالُوت , فَدَعَاهُ أَبُوهُ وَقَدْ تَقَارَبَ النَّاس وَدَنَا بَعْضهمْ مِنْ بَعْض . قَالَ ابْن إسْحَاق : وَكَانَ دَاوُد فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْض أَهْل الْعِلْم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه رَجُلًا قَصِيرًا أَزْرَق قَلِيل شَعْر الرَّأْس , وَكَانَ طَاهِر الْقَلْب نَقِيّه , فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا بُنَيّ إنَّا قَدْ صَنَعْنَا لِإِخْوَتِك زَادًا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوّهُمْ , فَاخْرُجْ بِهِ إلَيْهِمْ , فَإِذَا دَفَعْته إلَيْهِمْ فَأَقْبِلْ إلَيَّ سَرِيعًا ! فَقَالَ : أَفْعَل . فَخَرَجَ وَأَخَذَ مَعَهُ مَا حَمَلَ لِإِخْوَتِهِ , وَمَعَهُ مِخْلَاته الَّتِي يَحْمِل فِيهَا الْحِجَارَة وَمِقْلَاعه الَّذِي كَانَ يَرْمِي بِهِ عَنْ غَنَمه . حَتَّى إذَا فَصَلَ مَنْ عِنْد أَبِيهِ , فَمَرَّ بِحَجَرٍ , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر يَعْقُوب ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته , وَمَشَى . فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إذْ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَر , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر إسْحَاق ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته , ثُمَّ مَضَى . فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي إذْ مَرَّ بِحَجَرٍ , فَقَالَ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَاجْعَلْنِي فِي مِخْلَاتك تَقْتُل بِي جَالُوت , فَإِنِّي حَجَر إبْرَاهِيم ! فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته . ثُمَّ مَضَى بِمَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْقَوْم , فَأَعْطَى إخْوَته مَا بُعِثَ إلَيْهِمْ مَعَهُ . وَسَمِعَ فِي الْعَسْكَر خَوْض النَّاس بِذِكْرِ جَالُوت , وَعِظَم شَأْنه فِيهِمْ , وَبِهَيْبَةِ النَّاس إيَّاهُ , وَمِمَّا يُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْره , فَقَالَ لَهُمْ : وَاَللَّه إنَّكُمْ لَتُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْر هَذَا الْعَدُوّ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ , وَاَللَّه إنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْته , فَأَدْخِلُونِي عَلَى الْمَلِك ! فَأُدْخِلَ عَلَى الْمَلِك طَالُوت , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلِك إنِّي أَرَاكُمْ تُعَظِّمُونَ شَأْن هَذَا الْعَدُوّ , وَاَللَّه إنِّي لَوْ أَرَاهُ لَقَتَلْته ! فَقَالَ : يَا بُنَيّ مَا عِنْدك مَنْ الْقُوَّة عَلَى ذَلِك ؟ وَمَا جَرَّبْت مِنْ نَفْسك ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ الْأَسَد يَعْدُو عَلَى الشَّاة مِنْ غَنَمِي , فَأُدْرِكهُ فَآخُذ بِرَأْسِهِ , فَأَفُكّ لَحْيَيْهِ عَنْهَا , فَآخُذهَا مِنْ فِيهِ , فَادْعُ لِي بِدِرْعٍ حَتَّى أُلْقِيهَا عَلَيَّ ! فَأُتِيَ بِدِرْعٍ , فَقَذَفَهَا فِي عُنُقه وَمَثَلَ فِيهَا فَمَلَأَ عَيْن طَالُوت وَنَفْسه وَمَنْ حَضَرَ مَنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَقَالَ طَالُوت : وَاَللَّه لَعَسَى اللَّه أَنْ يُهْلِكهُ بِهِ ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَجَعُوا إلَى جَالُوت , فَلَمَّا الْتَقَى النَّاس قَالَ دَاوُد : أَرُونِي جَالُوت ! فَأَرَوْهُ إيَّاهُ عَلَى فَرَس عَلَيْهِ لَامَتُهُ ; فَلَمَّا رَآهُ جَعَلَتْ الْأَحْجَار الثَّلَاثَة تَوَاثَبَ مَنْ مِخْلَاته , فَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! وَيَقُول هَذَا : خُذْنِي ! فَأَخَذَ أَحَدهَا فَجَعَلَهُ فِي مِقْذَافه , ثُمَّ قَتَلَهُ بِهِ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَكَّ بَيْن عَيْنَيْ جَالُوت فَدَمَغَهُ , وَتَنَكَّسَ عَنْ دَابَّته فَقَتَلَهُ . ثُمَّ انْهَزَمَ جُنْده , وَقَالَ النَّاس : قَتَلَ دَاوُد جَالُوت , وَخَلَعَ طَالُوت . وَأَقْبَلَ النَّاس عَلَى دَاوُد مَكَانه , حَتَّى لَمْ يُسْمَع لِطَالُوت بِذِكْرٍ ; إلَّا أَنَّ أَهْل الْكِتَاب يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى انْصِرَاف بَنِي إسْرَائِيل عَنْهُ إلَى دَاوُد , هَمَّ بِأَنْ يَغْتَال دَاوُد وَأَرَادَ قَتْله فَصَرَفَ اللَّه ذَلِك عَنْهُ وَعَنْ دَاوُد وَعَرَفَ خَطِيئَته , وَالْتَمَسَ التَّوْبَة مِنْهَا إلَى اللَّه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي أَمْر طَالُوت وَدَاوُد قَوْل خِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا قَبْل , وَهُوَ مَا : 4479 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا إسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : لَمَّا سَلَّمَتْ بَنُو إسْرَائِيل الْمُلْك لِطَالُوت أَوْحَى إلَى نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيل أَنْ قُلْ لِطَالُوت : فَلْيَغْزُ أَهْل مَدْيَن , فَلَا يَتْرُك فِيهَا حَيًّا إلَّا قَتَلَهُ , فَإِنِّي سَأُظْهِرُهُ عَلَيْهِمْ ! فَخَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى أَتَى مَدْيَن , فَقَتَلَ مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا مَلِكهمْ , فَإِنَّهُ أَسَرَهُ , وَسَاقَ مَوَاشِيهمْ . فَأَوْحَى اللَّه إلَى أشمويل : أَلَّا تَعْجَب مَنْ طَالُوت إذْ أَمَرْته فَاخْتَانَ فِيهِ , فَجَاءَ بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا , وَسَاقَ مَوَاشِيهمْ , فَالْقَهُ فَقُلْ لَهُ : لَأَنْزِعَنَّ الْمُلْك مَنْ بَيْته , ثُمَّ لَا يَعُود فِيهِ إلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَإِنِّي إنَّمَا أُكْرِم مَنْ أَطَاعَنِي , وَأُهِين مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي ! فَلَقِيَهُ , فَقَالَ مَا صَنَعْت ؟ لِمَ جِئْت بِمَلِكِهِمْ أَسِيرًا , وَلِمَ سُقْت مَوَاشِيهمْ ؟ قَالَ : إنَّمَا سُقْت الْمَوَاشِيَ لِأُقَرِّبهَا . قَالَ لَهُ أشمويل : إنَّ اللَّه قَدْ نَزَعَ مِنْ بَيْتك الْمُلْك , ثُمَّ لَا يَعُود فِيهِ إلَى يَوْم الْقِيَامَة . فَأَوْحَى اللَّه إلَى أشمويل أَنْ انْطَلِقْ إلَى إيشا , فَيَعْرِض عَلَيْك بَنِيهِ , فَادَّهِنْ الَّذِي آمُرك + بِدُهْنِ الْقُدْس يَكُنْ مَلِكًا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل ! فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى إيشا , فَقَالَ : اعْرِضْ عَلَيَّ بَنِيك ! فَدَعَا إيشا أَكْبَر وَلَده , فَأَقْبَلَ رَجُل جَسِيم حَسَن الْمَنْظَر , فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ أشمويل أَعْجَبَهُ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ إنَّ اللَّه لَبَصِير بِالْعِبَادِ ! فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِ : إنَّ عَيْنَيْك تُبْصِرَانِ مَا ظَهَرَ , وَإِنِّي أَطَّلِع عَلَى مَا فِي الْقُلُوب لَيْسَ بِهَذَا , اعْرِضْ عَلَيَّ غَيْره , فَعَرَضَ عَلَيْهِ سِتَّة فِي كُلّ ذَلِك يَقُول : لَيْسَ بِهَذَا , فَقَالَ : هَلْ لَك مَنْ وَلَد غَيْرهمْ ؟ فَقَالَ : بُنَيّ لِي غُلَام وَهُوَ رَاعٍ فِي الْغَنَم . فَقَالَ : أَرْسِلْ إلَيْهِ ! فَلَمَّا أَنْ جَاءَ دَاوُد جَاءَ غُلَام أَمْعَر , فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ , وَقَالَ لِأَبِيهِ : اُكْتُمْ هَذَا , فَإِنَّ طَالُوت لَوْ يَطَّلِع عَلَيْهِ قَتَلَهُ ; فَسَارَ جَالُوت فِي قَوْمه إلَى بَنِي إسْرَائِيل , فَعَسْكَرَ وَسَارَ طَالُوت بِبَنِي إسْرَائِيل وَعَسْكَرَ , وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ , فَأَرْسَلَ جَالُوت إلَى طَالُوت : لِمَ تَقْتُل قَوْمِي وَأَقْتُل قَوْمك ؟ اُبْرُزْ لِي أَوْ أَبْرِزْ لِي مَنْ شِئْت , فَإِنْ قَتَلْتُك كَانَ الْمُلْك لِي , وَإِنْ قَتَلْتنِي كَانَ الْمُلْك لَك ! فَأَرْسَلَ طَالُوت فِي عَسْكَره صَائِحًا مَنْ يَبْرُز لِجَالُوت , فَإِنَّ قَتَلَهُ , فَإِنَّ الْمَلِك يُنْكِحهُ ابْنَته , وَيُشْرِكهُ فِي مُلْكه . فَأَرْسَلَ إيشا دَاوُد إلَى إخْوَته وَكَانُوا فِي الْعَسْكَر , فَقَالَ : اذْهَبْ فَرُدَّ إخْوَتك , وَأَخْبِرْنِي خَبَر النَّاس مَاذَا صَنَعُوا . فَجَاءَ إلَى إخْوَته , وَسَمِعَ صَوْتًا : إنَّ الْمَلِك يَقُول : مَنْ يَبْرُز لِجَالُوت فَإِنَّ قَتَلَهُ أَنْكَحَهُ الْمَلِك ابْنَته . فَقَالَ دَاوُد لِإِخْوَتِهِ : مَا مِنْكُمْ رَجُل يَبْرُز لِجَالُوت فَيَقْتُلهُ , وَيَنْكِح ابْنَة الْمَلِك ؟ فَقَالُوا : إنَّك غُلَام أَحْمَق , وَمَنْ يُطِيق جَالُوت وَهُوَ مِنْ بَقِيَّة الْجَبَّارِينَ ؟ فَلَمَّا لَمْ يَرَهُمْ رَغِبُوا فِي ذَلِك , قَالَ : فَأَنَا أَذْهَب فَأَقْتُلهُ ! فَانْتَهَرُوهُ وَغَضِبُوا عَلَيْهِ . فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ , ذَهَبَ حَتَّى جَاءَ الصَّائِح , فَقَالَ : أَنَا أَبْرُز لِجَالُوت . فَذَهَبَ بِهِ إلَى الْمَلِك , فَقَالَ لَهُ : لَمْ يُجِبْنِي أَحَد إلَّا غُلَام مَنْ بَنِي إسْرَائِيل هُوَ هَذَا ؟ قَالَ : يَا بُنَيّ أَنْت تَبْرُز لِجَالُوت فَتُقَاتِلهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَهَلْ آنَسْت مِنْ نَفْسك شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , كُنْت رَاعِيًا فِي الْغَنَم , فَأَغَارَ عَلَيَّ الْأَسَد , فَأَخَذْت بِلَحْيَيْهِ فَفَكَكْتهمَا . فَدَعَا لَهُ بِقَوْسٍ وَأَدَاة كَامِلَة , فَلَبِسَهَا وَرَكِبَ الْفَرَس , ثُمَّ سَارَ مِنْهُمْ قَرِيبًا . ثُمَّ صَرَفَ فَرَسه , فَرَجَعَ إلَى الْمَلِك , فَقَالَ الْمَلِك وَمَنْ حَوْله : جَبُنَ الْغُلَام ! فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَلِك , فَقَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ دَاوُد : إنْ لَمْ يَقْتُلهُ اللَّه لِي لَمْ يَقْتُلهُ هَذَا الْفَرَس وَهَذَا السِّلَاح , فَدَعْنِي فَأُقَاتِل كَمَا أُرِيد . فَقَالَ : نَعَمْ يَا بُنَيّ . فَأَخَذَ دَاوُد مِخْلَاته , فَتَقَلَّدَهَا وَأَلْقَى فِيهَا أَحْجَارًا , وَأَخَذَ مِقْلَاعه الَّذِي كَانَ يَرْعَى بِهِ . ثُمَّ مَضَى نَحْو جَالُوت ; فَلَمَّا دَنَا مَنْ عَسْكَره , قَالَ : أَيْنَ جَالُوت يَبْرُز لِي ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلَى فَرَس عَلَيْهِ السِّلَاح كُلّه , فَلَمَّا رَآهُ جَالُوت قَالَ : إلَيْك أَبْرُز ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : فَأَتَيْتنِي بِالْمِقْلَاعِ وَالْحَجَر كَمَا يُؤْتَى إلَى الْكَلْب ؟ قَالَ : هُوَ ذَاكَ . قَالَ : لَا جَرَم إنِّي سَوْف أُقَسِّم لَحْمك بَيْن طَيْر السَّمَاء وَسِبَاع الْأَرْض . قَالَ دَاوُد : أَوْ يُقَسِّم اللَّه لَحْمك . فَوَضَعَ دَاوُد حَجَرًا فِي مِقْلَاعه , ثُمَّ دُوره فَأَرْسَلَهُ نَحْو جَالُوت , فَأَصَابَ أَنْف الْبَيْضَة الَّتِي عَلَى جَالُوت حَتَّى خَالَطَ دِمَاغه , فَوَقَعَ مَنْ فَرَسه , فَمَضَى دَاوُد إلَيْهِ , فَقُطْع رَأَسَهُ بِسَيْفِهِ , فَأَقْبَلَ بِهِ فِي مِخْلَاته , وَبِسَلَبِهِ يَجُرّهُ , حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْن يَدَيْ طَالُوت , فَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا , وَانْصَرَفَ طَالُوت . فَلَمَّا كَانَ دَاخِل الْمَدِينَة , سَمِعَ النَّاس يَذْكُرُونَ دَاوُد , فَوَجَدَ فِي نَفْسه , فَجَاءَهُ دَاوُد , فَقَالَ : أَعْطِنِي امْرَأَتِي ! فَقَالَ : أَتُرِيدُ ابْنَة الْمَلِك بِغَيْرِ صَدَاق ؟ فَقَالَ دَاوُد : مَا اشْتَرَطْت عَلَيَّ صَدَاقًا , وَمَا لِي مِنْ شَيْءٍ . قَالَ : لَا أُكَلِّفك إلَّا مَا تُطِيق , أَنْت رَجُل جَرِيء , وَفِي جِبَالنَا هَذِهِ جراجمة يَحْتَرِبُون النَّاس وَهُمْ غُلْف , فَإِذَا قَتَلْت مِنْهُمْ مِائَتَيْ رَجُل , فَأْتِنِي بِغُلْفِهِمْ . فَجَعَلَ كُلَّمَا قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا نَظَمَ غُلْفَته فِي خَيْط , حَتَّى نَظَمَ مِائَتَيْ غُلْفَة , ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ إلَى طَالُوت , فَأَلْقَى إلَيْهِ , فَقَالَ : ادْفَعْ لِي امْرَأَتِي قَدْ جِئْت بِمَا اشْتَرَطْت ! فَزَوَّجَهُ ابْنَته . وَأَكْثَرَ النَّاس ذِكْر دَاوُد , وَزَادَهُ عِنْد النَّاس عَجَبًا , فَقَالَ طَالُوت لَابْنه : لَتَقْتُلَنّ دَاوُد ! قَالَ : سُبْحَان اللَّه لَيْسَ بِأَهْلِ ذَلِك مِنْك ! قَالَ : إنَّك غُلَام أَحْمَق , مَا أَرَاهُ إلَّا سَوْف يُخْرِجك وَأَهْل بَيْتك مَنْ الْمُلْك . فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِك مِنْ أَبِيهِ , انْطَلَقَ إلَى أُخْته , فَقَالَ لَهَا : إنِّي قَدْ خِفْت أَبَاك أَنْ يَقْتُل زَوْجك دَاوُد , فَمُرِيهِ أَنْ يَأْخُذ حَذَره , وَيَتَغَيَّب مِنْهُ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَته ذَلِك فَتَغَيَّبَ . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ طَالُوت مَنْ يَدْعُو لَهُ دَاوُد , وَقَدْ صَنَعَتْ امْرَأَته عَلَى فِرَاشه كَهَيْئَةِ النَّائِم وَلَحَفَتْهُ . فَلَمَّا جَاءَ رَسُول طَالُوت قَالَ : أَيْنَ دَاوُد ؟ لِيُجِبْ الْمَلِك ! فَقَالَتْ لَهُ : بَاتَ شَاكِيًا وَنَامَ الْآن تَرَوْنَهُ عَلَى الْفِرَاش . فَرَجَعُوا إلَى طَالُوت فَأَخْبَرُوهُ ذَلِك , فَمَكَثَ سَاعَة ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ , فَقَالَتْ : هُوَ نَائِم لَمْ يَسْتَيْقِظ بَعْد . فَرَجَعُوا إلَى الْمَلِك فَقَالَ : ائْتُونِي بِهِ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ! فَجَاءُوا إلَى الْفِرَاش , فَلَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ أَحَدًا . فَجَاءُوا الْمَلِك فَأَخْبَرُوهُ , فَأَرْسَلَ إلَى ابْنَته فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تُكَذِّبِينِي ؟ قَالَتْ : هُوَ أَمَرَنِي بِذَلِك , وَخِفْت إنْ لَمْ أَفْعَل أَمْره أَنْ يَقْتُلنِي . وَكَانَ دَاوُد فَارًّا فِي الْجَبَل حَتَّى قَتَلَ طَالُوت , وَمَلَكَ دَاوُد بَعْده . 4480 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ طَالُوت أَمِيرًا عَلَى الْجَيْش , فَبَعَثَ أَبُو دَاوُد مَعَ دَاوُد بِشَيْءٍ إلَى إخْوَته , فَقَالَ دَاوُد لِطَالُوت : مَاذَا لِي فَأَقْتُل جَالُوت ؟ قَالَ : لَك ثُلُث مَالِي , وَأُنْكِحك ابْنَتِي . فَأَخَذَ مِخْلَاته , فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاث مَرْوَات , ثُمَّ سَمَّى حِجَارَته تِلْكَ إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فَقَالَ : بِاسْمِ إلَهِي وَإِلَه آبَائِي إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ! فَخَرَجَ عَلَى إبْرَاهِيم , فَجَعَلَهُ فِي مِرْجَمَته , فَخَرَقَتْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَة عَنْ رَأْسه , وَقَتَلَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا مَنْ وَرَائِهِ . 4481 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : عَبَرَ يَوْمئِذٍ النَّهَر مَعَ طَالُوت أَبُو دَاوُد فِيمَنْ عَبَرَ مَعَ ثَلَاثَة عَشَرَ ابْنًا لَهُ , وَكَانَ دَاوُد أَصْغَر بَنِيهِ . فَأَتَاهُ ذَات يَوْم فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إلَّا صَرَعْته . فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ اللَّه قَدْ جَعَلَ رِزْقك فِي قَذَّافَتك ! ثُمَّ أَتَاهُ مَرَّة أُخْرَى قَالَ : يَا أَبَتَاهُ لَقَدْ دَخَلْت بَيْن الْجِبَال , فَوَجَدْت أَسَدًا رَابِضًا , فَرَكِبْت عَلَيْهِ , فَأَخَذْت بِأُذُنِيهِ , فَلَمْ يُهِجْنِي . قَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ هَذَا خَيْر يُعْطِيكَهُ اللَّه ! ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَر فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ إنِّي لَأَمْشِي بَيْن الْجِبَال , فَأُسَبِّح , فَمَا يَبْقَى جَبَل إلَّا سَبَّحَ مَعِي . فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا بُنَيّ , فَإِنَّ هَذَا خَيْر أَعْطَاكَهُ اللَّه ! . وَكَانَ دَاوُد رَاعِيًا , وَكَانَ أَبُوهُ خَلْفه يَأْتِي إلَيْهِ وَإِلَى إخْوَته بِالطَّعَامِ . فَأَتَى النَّبِيّ بِقَرْنٍ فِيهِ دُهْن وَبِثَوْبٍ مَنْ حَدِيد , فَبَعَثَ بِهِ إلَى طَالُوت , فَقَالَ : إنَّ صَاحِبكُمْ الَّذِي يَقْتُل جَالُوت يُوضَع هَذَا الْقَرْن عَلَى رَأْسه فَيَغْلِي حَتَّى يَدْهُن مِنْهُ وَلَا يَسِيل عَلَى وَجْهه , يَكُون عَلَى رَأْسه كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيل , وَيَدْخُل فِي هَذَا الثَّوْب فَيَمْلَؤُهُ . فَدَعَا طَالُوت بَنِي إسْرَائِيل فَجَرَّبَهُمْ , فَلَمْ يُوَافِقهُ مِنْهُمْ أَحَد . فَلَمَّا فَرَغُوا , قَالَ طَالُوت لِأَبِي دَاوُد : هَلْ بَقِيَ لَك مِنْ وَلَد لَمْ يَشْهَدنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , بَقِيَ ابْنِي دَاوُد , وَهُوَ يَأْتِينَا بِطَعَامِنَا . فَلَمَّا أَتَاهُ دَاوُد مَرَّ فِي الطَّرِيق بِثَلَاثَةِ أَحْجَار , فَكَلَّمْنَهُ , وَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُد تَقْتُل بِنَا جَالُوت ! قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ فَجَعَلَهُنَّ فِي مِخْلَاته . وَكَانَ طَالُوت قَالَ : مَنْ قَتَلَ جَالُوت زَوَّجْته ابْنَتِي , وَأَجْرَيْت خَاتَمه فِي مُلْكِي . فَلَمَّا جَاءَ دَاوُد وَضَعُوا الْقَرْن عَلَى رَأْسه , فَغَلَى حَتَّى ادَّهَنَ مِنْهُ , وَلَبِسَ الثَّوْب فَمَلَأَهُ , وَكَانَ رَجُلًا مِسْقَامًا مُصْفَارًّا , وَلَمْ يَلْبَسهُ أَحَد إلَّا تَقَلْقَلَ فِيهِ . فَلَمَّا لَبِسَهُ دَاوُد تَضَايَقَ الثَّوْب عَلَيْهِ حَتَّى تَنَقَّضَ . ثُمَّ مَشَى إلَى جَالُوت , وَكَانَ جَالُوت مِنْ أَجْسَم النَّاس وَأَشَدّهمْ ; فَلَمَّا نَظَرَ إلَى دَاوُد قُذِفَ فِي قَلْبه الرُّعْب مِنْهُ , فَقَالَ لَهُ : يَا فَتَى ارْجِعْ فَإِنِّي أَرْحَمك أَنْ أَقْتُلك ! قَالَ دَاوُد : لَا , بَلْ أَنَا أَقْتُلك . فَأَخْرِجْ الْحِجَارَة فَجَعَلَهَا فِي الْقَذَّافَة , كُلَّمَا رَفَعَ حَجَرًا سَمَّاهُ , فَقَالَ : هَذَا بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيم , وَالثَّانِي بِاسْمِ أَبِي إسْحَاق , وَالثَّالِث بِاسْمِ أَبِي إسْرَائِيل . ثُمَّ أَدَارَ الْقَذَّافَة فَعَادَتْ الْأَحْجَار حَجَرًا وَاحِدًا , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَكَّ بِهِ بَيْن عَيْنَيْ جَالُوت , فَنَقَبَ رَأْسه فَقَتَلَهُ . ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَقْتُل كُلّ إنْسَان تُصِيبهُ تَنْفُذ مِنْهُ , حَتَّى لَمْ يَكُنْ بِحِيَالِهَا أَحَد . فَهَزَمُوهُمْ عِنْد ذَلِك , وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت . وَرَجَعَ طَالُوت , فَأَنْكَحَ دَاوُد ابْنَته , وَأَجْرَى خَاتَمه فِي مُلْكه ; فَمَالَ النَّاس إلَى دَاوُد فَأَحَبُّوهُ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِك طَالُوت وَجَدَ فِي نَفْسه وَحَسَدَهُ , فَأَرَادَ قَتْله . فَعَلِمَ بِهِ دَاوُد أَنَّهُ يُرِيد بِهِ ذَلِك , فَسَجَّى لَهُ زِقّ خَمْر فِي مَضْجَعه , فَدَخَلَ طَالُوت إلَى مَنَام دَاوُد , وَقَدْ هَرَبَ دَاوُد فَضَرَبَ الزِّقّ ضَرْبَة فَخَرَقَهُ , فَسَالَتْ الْخَمْر مِنْهُ , فَوَقَعَتْ قَطْرَة مَنْ خَمْر فِي فِيهِ , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه دَاوُد مَا كَانَ أَكْثَر شُرْبه لِلْخَمْرِ ! ثُمَّ إنَّ دَاوُد أَتَاهُ مِنْ الْقَابِلَة فِي بَيْته وَهُوَ نَائِم , فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْد رَأْسه وَعِنْد رِجْلَيْهِ وَعَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله سَهْمَيْنِ ; فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوت بَصُرَ بِالسِّهَامِ فَعَرَفَهَا , فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه دَاوُد هُوَ خَيْر مِنِّي , ظَفَرَتْ بِهِ فَقَتَلَتْهُ , وَظَفَرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي . ثُمَّ إنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي فِي الْبَرِيَّة وَطَالُوت عَلَى فَرَس , فَقَالَ طَالُوت : الْيَوْم أَقْتُل دَاوُد ! وَكَانَ دَاوُد إذَا فَزِعَ لَا يُدْرَك , فَرَكَضَ عَلَى أَثَره طَالُوت , فَفَزَعَ دَاوُد , فَاشْتَدَّ فَدَخَلَ غَارًا , وَأَوْحَى اللَّه إلَى الْعَنْكَبُوت فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا ; فَلَمَّا انْتَهَى طَالُوت إلَى الْغَار نَظَرَ إلَى بِنَاء الْعَنْكَبُوت , فَقَالَ : لَوْ كَانَ دَخَلَ هَا هُنَا لَخَرَقَ بَيْت الْعَنْكَبُوت , فَخُيِّلَ إلَيْهِ فَتَرَكَهُ . 4482 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَاوُد حِين أَتَاهُمْ كَانَ قَدْ جَعَلَ مَعَهُ مِخْلَاة فِيهَا ثَلَاثَة أَحْجَار . وَإِنَّ جَالُوت بَرَزَ لَهُمْ , فَنَادَى : أَلَا رَجُل لِرَجُلٍ ! فَقَالَ طَالُوت : مَنْ يَبْرُز لَهُ , وَإِلَّا بَرَزْت لَهُ . فَقَامَ دَاوُد فَقَالَ : أَنَا فَقَامَ لَهُ طَالُوت فَشَدَّ عَلَيْهِ دِرْعه , فَجَعَلَ يَرَاهُ يَشْخَص فِيهَا وَيَرْتَفِع . فَعَجِبَ مَنْ ذَلِك طَالُوت , فَشَدَّ عَلَيْهِ أَدَاته كُلّهَا . وَإِنَّ دَاوُد رَمَاهُمْ بِحَجَرٍ مَنْ تِلْكَ الْحِجَارَة فَأَصَابَ فِي الْقَوْم , ثُمَّ رَمَى الثَّانِيَة بِحَجَرٍ فَأَصَابَ فِيهِمْ , ثُمَّ رَمَى الثَّالِثَة فَقَتَلَ جَالُوت . فَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة , وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء , وَصَارَ هُوَ الرَّئِيس عَلَيْهِمْ , وَأَعْطَوْهُ الطَّاعَة . 4483 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثَنِيّ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } قَالَ : أَوْحَى اللَّه إلَى نَبِيّهمْ إنَّ فِي وَلَد فُلَان رَجُلًا يَقْتُل اللَّه بِهِ جَالُوت , وَمِنْ عَلَامَته هَذَا الْقَرْن تَضَعهُ عَلَى رَأَسَهُ , فَيَفِيض مَاء . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إنَّ اللَّه أَوْحَى إلَيَّ أَنَّ فِي وَلَد فُلَان رَجُلًا يَقْتُل اللَّه بِهِ جَالُوت , فَقَالَ : نَعَمْ يَا نَبِيّ اللَّه , قَالَ : فَأَخْرَجَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَمْثَال السَّوَارِي , وَفِيهِمْ رَجُل بَارِع عَلَيْهِمْ , فَجَعَلَ يَعْرِضهُمْ عَلَى الْقَرْن فَلَا يَرَى شَيْئًا , فَيَقُول لِذَلِك الْجَسِيم : ارْجِعْ فَيَرُدّهُ عَلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِ : إنَّا لَا نَأْخُذ الرِّجَال عَلَى صُوَرهمْ , وَلَكِنْ نَأْخُذهُمْ عَلَى صَلَاح قُلُوبهمْ , قَالَ : يَا رَبّ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَد غَيْره , فَقَالَ : كَذَبَ , فَقَالَ : إنَّ رَبِّي قَدْ كَذَّبَك , وَقَالَ : إنَّ لَك وَلَدًا غَيْرهمْ , فَقَالَ : صَدَقَ يَا نَبِيّ اللَّه , لِي وَلَد قَصِير اسْتَحْيَيْت أَنْ يَرَاهُ النَّاس , فَجَعَلْته فِي الْغَنَم , قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ فِي شِعْب كَذَا وَكَذَا مِنْ جَبَل كَذَا وَكَذَا , فَخَرَجَ إلَيْهِ , فَوَجَدَ الْوَادِي قَدْ سَالَ بَيْنه وَبَيْن الَّتِي كَانَ يُرِيح إلَيْهَا قَالَ : وَوَجَدَهُ يَحْمِل شَاتَيْنِ يُجِيز بِهِمَا , وَلَا يَخُوض بِهِمَا السَّيْل , فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : هَذَا هُوَ لَا شَكَّ فِيهِ , هَذَا يَرْحَم الْبَهَائِم فَهُوَ بِالنَّاسِ أَرْحَم , قَالَ : فَوَضَعَ الْقَرْن عَلَى رَأَسَهُ فَفَاضَ , فَقَالَ لَهُ : ابْن أَخِي هَلْ رَأَيْت هَا هُنَا مَنْ شَيْء يُعْجِبك ؟ قَالَ : نَعَمْ إذَا سَبَّحْت , سَبَّحَتْ مَعِي الْجِبَال , وَإِذَا أَتَى النَّمِر أَوْ الذِّئْب أَوْ السَّبْع أَخَذَ شَاة قُمْت إلَيْهِ , فَافْتَحْ لَحْيَيْهِ عَنْهَا فَلَا يُهِيجنِي , وَأَلْفَى مَعَهُ صِفْنَهُ , قَالَ : فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَار يَأْثُر بَعْضهَا عَلَى بَعْض : كُلّ وَاحِد مِنْهَا يَقُول : أَنَا الَّذِي يَأْخُذ , وَيَقُول هَذَا : لَا بَلْ إيَّايَ يَأْخُذ , وَيَقُول الْآخَر مِثْل ذَلِك , قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ جَمِيعًا , فَطَرَحَهُنَّ فِي صِفْنَهُ ; فَلَمَّا جَاءَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجُوا قَالَ لَهُمْ نَبِيّهمْ : { إنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوت مَلِكًا } فَكَانَ مَنْ قِصَّة نَبِيّهمْ وَقِصَّتهمْ مَا ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه , وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } قَالَ : وَاجْتَمَعَ أَمْرهمْ وَكَانُوا جَمِيعًا , وَقَرَأَ : { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } وَبَرَزَ جَالُوت عَلَى بِرْذَوْن لَهُ أَبْلَق , فِي يَده قَوْس وَنُشَّاب , فَقَالَ : مَنْ يَبْرُز ؟ أَبْرِزُوا إلَيَّ رَأْسكُمْ , قَالَ : فَفَظِعَ بِهِ طَالُوت , قَالَ : فَالْتَفَتّ إلَى أَصْحَابه فَقَالَ : مَنْ رَجُل يَكْفِينِي الْيَوْم جَالُوت , فَقَالَ دَاوُد أَنَا , فَقَالَ تَعَالَ , قَالَ : فَنَزَعَ دِرْعًا لَهُ , فَأَلْبَسَهُ إيَّاهَا , قَالَ : وَنَفَخَ اللَّه مَنْ رُوحه فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ , قَالَ : فَرَمَى بِنُشَّابَةِ , فَوَضَعَهَا فِي الدِّرْع , قَالَ : فَكَسَرَهَا دَاوُد وَلَمْ تَضُرّهُ شَيْئًا ثَلَاث مَرَّات , ثُمَّ قَالَ لَهُ : خُذْ الْآن , فَقَالَ دَاوُد : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَرًا وَاحِدًا , قَالَ : وَسَمَّى وَاحِدًا إبْرَاهِيم , وَآخَر إسْحَاق , وَآخَر يَعْقُوب , قَالَ : فَجَمَعَهُنَّ جَمِيعًا فَكُنَّ حَجَرًا وَاحِدًا , قَالَ : فَأَخَذَهُنَّ وَأَخَذَ مِقْلَاعًا , فَأَدَارَهَا لِيَرْمِيَ بِهَا , فَقَالَ : أَتَرْمِينِي كَمَا تَرْمِي السَّبْع وَالذِّئْب , ارْمِنِي بِالْقَوْسِ , قَالَ : لَا أَرْمِيك الْيَوْم إلَّا بِهَا , فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِك أَيْضًا , فَقَالَ نَعَمْ , وَأَنْت أَهْوَن عَلَيَّ مِنْ الذِّئْب , فَأَدَارَهَا وَفِيهَا أَمْر اللَّه وَسُلْطَان اللَّه , قَالَ : فَخَلَّى سَبِيلهَا مَأْمُورَة , قَالَ : فَجَاءَتْ مُظِلَّة فَضَرَبَتْ بَيْن عَيْنَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مَنْ قَفَاهُ , ثُمَّ قَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابه وَرَاءَهُ كَذَا وَكَذَا , وَهَزَمَهُمْ اللَّه . 4484 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : لَمَّا قَطَعُوا ذَلِك يَعْنِي النَّهَر الَّذِي قَالَ اللَّه فِيهِ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ طَالُوت لِجُنُودِهِ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } وَجَاءَ جَالُوت وَشَقَّ عَلَى طَالُوت قِتَاله , فَقَالَ طَالُوت لِلنَّاسِ : لَوْ أَنَّ جَالُوت قُتِلَ أَعْطَيْت الَّذِي يَقْتُلهُ نِصْف مُلْكِي , وَنَاصَفْته كُلّ شَيْء أَمْلِكهُ , فَبَعَثَ اللَّه دَاوُد , وَدَاوُد يَوْمئِذٍ فِي الْجَبَل رَاعِي غَنَم , وَقَدْ غَزَا مَعَ طَالُوت تِسْعَة إخْوَة لِدَاوُد , وَهُمْ أَنَدّ مِنْهُ وَأَعْتَى مِنْهُ , وَأَعْرَف فِي النَّاس مِنْهُ , وَأَوْجَه عِنْد طَالُوت مِنْهُ , فَغَزَا وَتَرَكُوهُ فِي غَنَمهمْ , فَقَالَ دَاوُد حِين أَلْقَى اللَّه فِي نَفْسه مَا أَلْقَى وَأَكْرَمَهُ : لَأَسْتَوْدِعَنّ رَبِّي غَنَمِي الْيَوْم , وَلَآتِيَنّ النَّاس فَلَأَنْظُرَنّ مَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ قَوْل الْمُلْك لِمَنْ قَتَلَ جَالُوت , فَأَتَى دَاوُد إخْوَته , فَلَامُوهُ حِين أَتَاهُمْ , فَقَالُوا : لِمَ جِئْت ؟ قَالَ : لِأَقْتُل جَالُوت , فَإِنَّ اللَّه قَادِر أَنْ أَقْتُلهُ , فَسُخِرُوا مِنْهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِد : كَانَ بُعِثَ أَبُو دَاوُد مَعَ دَاوُد بِشَيْءٍ إلَى إخْوَته , فَأَخَذَ مِخْلَاة فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاث مَرْوَات , ثُمَّ سَمَّاهُنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالُوا : وَهُوَ ضَعِيف رَثّ الْحَال , فَمَرَّ بِثَلَاثَةِ أَحْجَار , فَقُلْنَ لَهُ : خُذْنَا يَا دَاوُد فَقَاتِلْ بِنَا جَالُوت . فَأَخَذَهُنَّ دَاوُد وَأَلْقَاهُنَّ فِي مِخْلَاته , فَلَمَّا أَلْقَاهُنَّ سَمِعَ حَجَرًا مِنْهُنَّ يَقُول لِصَاحِبِهِ : أَنَا حَجَر هَارُونَ الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِك كَذَا وَكَذَا ; وَقَالَ الثَّانِي : أَنَا حَجَر مُوسَى الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِك كَذَا وَكَذَا ; وَقَالَ الثَّالِث : أَنَا حَجَر دَاوُد الَّذِي أَقْتُل جَالُوت , فَقَالَ الْحَجَرَانِ : يَا حَجَر دَاوُد نَحْنُ أَعْوَان لَك , فَصِرْنَ حَجَرًا وَاحِدًا ; وَقَالَ الْحَجَر : يَا دَاوُد اقْذِفْ بِي فَإِنِّي سَأَسْتَعِينُ بِالرِّيحِ , وَكَانَتْ بَيْضَته فِيمَا يَقُولُونَ وَاَللَّه أَعْلَم فِيهَا سِتّمِائَةِ رِطْل , فَأَقَع فِي رَأْس جَالُوت فَأَقْتُلهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِد : سَمَّى وَاحِدًا إبْرَاهِيم , وَالْآخَر إسْحَاق , وَالْآخَر يَعْقُوب , وَقَالَ : بِاسْمِ إلَهِي وَإِلَه آبَائِي إبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب , وَجَعَلَهُنَّ فِي مِرْجَمَته . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : فَانْطَلَقَ حَتَّى نَفَذَ إلَى طَالُوت , فَقَالَ : إنَّك قَدْ جَعَلْت لِمَنْ قَتَلَ جَالُوت نِصْف مُلْكك وَنِصْف كُلّ شَيْء تَمْلِك . أَفَلِي ذَلِك إنْ قَتَلْته ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَالنَّاس يُسْتَهْزَءُونَ بِدَاوُدَ , وَإِخْوَة دَاوُد أَشَدّ مَنْ هُنَالِكَ عَلَيْهِ , وَكَانَ طَالُوت لَا يُنْتَدَب إلَيْهِ أَحَد زَعَمَ أَنَّهُ يَقْتُل جَالُوت إلَّا أَلْبَسَهُ دِرْعًا عِنْده , فَإِذَا لَمْ تَكُنْ قَدْرًا عَلَيْهِ نَزَعَهَا عَنْهَا , وَكَانَتْ دِرْعًا سَابِغَة مِنْ دُرُوع طَالُوت , فَأَلْبَسَهَا دَاوُد ; فَلَمَّا رَأَى قَدْرهَا عَلَيْهِ أَمَرَهُ أَنْ يَتَقَدَّم , فَتَقَدَّمَ دَاوُد , فَقَامَ مَقَامًا لَا يَقُوم فِيهِ أَحَد وَعَلَيْهِ الدِّرْع , فَقَالَ لَهُ جَالُوت : وَيْحك مَنْ أَنْت إنِّي أَرَحَمك , لِيَتَقَدَّم إلَيَّ غَيْرك مَنْ هَذِهِ الْمُلُوك , أَنْت إنْسَان ضَعِيف مِسْكِين , فَارْجِعْ , فَقَالَ دَاوُد : أَنَا الَّذِي أَقْتُلك بِإِذْنِ اللَّه , وَلَنْ أَرْجِع حَتَّى أَقْتُلك , فَلَمَّا أَبَى دَاوُد إلَّا قِتَاله , تَقَدَّمَ جَالُوت إلَيْهِ لِيَأْخُذهُ بِيَدِهِ مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَ الْحَجَر مَنْ الْمِخْلَاة , فَدَعَا رَبّه , وَرَمَاهُ بِالْحَجَرِ , فَأَلْقَتْ الرِّيح بَيْضَته عَنْ رَأَسَهُ , فَوَقَعَ الْحَجَر فِي رَأْس جَالُوت حَتَّى دَخَلَ فِي جَوْفه , فَقَتَلَهُ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ مُجَاهِد : لَمَّا رَمَى جَالُوت بِالْحَجَرِ خَرَقَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَيْضَة عَنْ رَأْسه , وَقَتَلَتْ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت } فَقَالَ دَاوُد لِطَالُوت : وَفِّ بِمَا جَعَلْت , فَأَبَى طَالُوت أَنْ يُعْطِيه ذَلِك , فَانْطَلَقَ دَاوُد , فَسَكَنَ مَدِينَة مِنْ مَدَائِن بَنِي إسْرَائِيل , حَتَّى مَاتَ طَالُوت ; فَلَمَّا مَاتَ عَمَدَ بَنُو إسْرَائِيل إلَى دَاوُد , فَجَاءُوا بِهِ , فَمَلَّكُوهُ , وَأَعْطَوْهُ خَزَائِن طَالُوت , وَقَالُوا : لَمْ يَقْتُل جَالُوت إلَّا نَبِيّ , قَالَ اللَّه : { وَقَتَلَ دَاوُد جَالُوت وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : وَأَعْطَى اللَّه دَاوُد الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء . وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه } عَائِدَة عَلَى دَاوُد وَالْمُلْك السُّلْطَان وَالْحِكْمَة النُّبُوَّة . وَقَوْله : { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } يَعْنِي عَلَّمَهُ صَنْعَة الدُّرُوع , وَالتَّقْدِير فِي السَّرْد , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَة لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنكُمْ مَنْ بَأْسكُمْ } 21 80 وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة } أَنَّ اللَّه آتَى دَاوُد مُلْك طَالُوت وَنُبُوَّة أشمويل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4485 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : مَلَكَ دَاوُد بَعْدَمَا قَتَلَ طَالُوت , وَجَعَلَهُ اللَّه نَبِيًّا , وَذَلِك قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة } قَالَ : الْحِكْمَة : هِيَ النُّبُوَّة , آتَاهُ نُبُوَّة شَمْعُون , وَمُلْك طَالُوت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : وَأَعْطَى اللَّه دَاوُد الْمُلْك وَالْحِكْمَة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء . وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه } عَائِدَة عَلَى دَاوُد وَالْمُلْك السُّلْطَان وَالْحِكْمَة النُّبُوَّة . وَقَوْله : { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } يَعْنِي عَلَّمَهُ صَنْعَة الدُّرُوع , وَالتَّقْدِير فِي السَّرْد , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَة لَبُوس لَكُمْ لِتُحْصِنكُمْ مَنْ بَأْسكُمْ } 21 80 وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة } أَنَّ اللَّه آتَى دَاوُد مُلْك طَالُوت وَنُبُوَّة أشمويل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4485 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : مَلَكَ دَاوُد بَعْدَمَا قَتَلَ طَالُوت , وَجَعَلَهُ اللَّه نَبِيًّا , وَذَلِك قَوْله : { وَآتَاهُ اللَّه الْمُلْك وَالْحِكْمَة } قَالَ : الْحِكْمَة : هِيَ النُّبُوَّة , آتَاهُ نُبُوَّة شَمْعُون , وَمُلْك طَالُوت .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض وَلَكِنَّ اللَّه ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : وَلَوْلَا أَنَّ اللَّه يَدْفَع بِبَعْضِ النَّاس , وَهُمْ أَهْل الطَّاعَة لَهُ وَالْإِيمَان بِهِ , بَعْضًا وَهُمْ أَهْل الْمَعْصِيَة لِلَّهِ , وَالشِّرْك بِهِ , كَمَا دَفَعَ عَنْ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ طَالُوت يَوْم جَالُوت مِنْ أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ وَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا سَأَلُوا رَبّهمْ ابْتِدَاء مَنْ بَعْثَة مَلِك عَلَيْهِمْ لِيُجَاهِدُوا مَعَهُ فِي سَبِيله بِمَنْ جَاهَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْيَقِين وَالصَّبْر , جَالُوت وَجُنُوده , لَفَسَدَتْ الْأَرْض , يَعْنِي لَهَلَكَ أَهْلهَا بِعُقُوبَةِ اللَّه إيَّاهُمْ , فَفَسَدَتْ بِذَلِك الْأَرْض , وَلَكِنَّ اللَّه ذُو مَنّ عَلَى خَلْقه , وَتَطَوُّل عَلَيْهِمْ بِدَفْعِهِ بِالْبَرِّ مِنْ خَلْقه عَنْ الْفَاجِر , وَبِالْمُطِيعِ عَنْ الْعَاصِي مِنْهُمْ , وَبِالْمُؤْمِنِ عَنْ الْكَافِر . وَهَذِهِ الْآيَة إعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ مَشَاهِده وَالْجِهَاد مَعَهُ لِلشَّكِّ الَّذِي فِي نَفُوسهمْ وَمَرَض قُلُوبهمْ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ , وَأَنَّهُ إنَّمَا يَدْفَع عَنْهُمْ مُعَاجَلَتهمْ الْعُقُوبَة , عَلَى كُفْرهمْ وَنِفَاقهمْ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , الَّذِينَ هُمْ أَهْل الْبَصَائِر وَالْجَدّ فِي أَمْر اللَّه , وَذَوُو الْيَقِين بِإِنْجَازِ اللَّه إيَّاهُمْ وَعْده عَلَى جِهَاد أَعْدَائِهِ , وَأَعْدَاء رَسُوله مِنْ النَّصْر فِي الْعَاجِل , وَالْفَوْز بِجَنَّاتِهِ فِي الْآخِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4486 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر , قَالَ : ثِنَا أَبُو عَاصِم عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه بِالْبَارِّ عَنْ الْفَاجِر , وَدَفْعه بِبَقِيَّةِ أَخْلَاف النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض لَفَسَدَتْ الْأَرْض بِهَلَاكِ أَهْلهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثِنَا سبل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه بِالْبَرِّ عَنْ الْفَاجِر , وَبِبَقِيَّةِ أَخْلَاف النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض لَهَلَكَ أَهْلهَا . 4487 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثِنَا أَبِي , عَنْ حَنْظَلَة , عَنْ أَبِي مُسْلِم , قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : لَوْلَا بَقِيَّة مَنْ الْمُسْلِمِينَ فِيكُمْ لَهَلَكْتُمْ . 4488 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : لَهَلَكَ مَنْ فِي الْأَرْض . 4489 - حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثِنَا حَفْص بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , عَنْ وَبْرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ ابْن عُمَر , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه لَيَدْفَع بِالْمُؤْمِنِ الصَّالِح عَنْ مِائَة أَهْل بَيْت مَنْ جِيرَانه الْبَلَاء " ثُمَّ قَرَأَ ابْن عُمَر : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } 4490 - حَدَّثَنِي أَحْمَد أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثِنَا عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه لَيُصْلِح بِصَلَاحِ الرَّجُل الْمُسْلِم وَلَده وَوَلَد وَلَده وَأَهْل دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتٍ حَوْله , وَلَا يَزَالُونَ فِي حِفْظ اللَّه مَا دَامَ فِيهِمْ " . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى قَوْله الْعَالَمِينَ , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَة فِيهِ . وَأَمَّا الْقُرَّاء فَإِنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مَنْ الْقُرَّاء : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه } عَلَى وَجْه الْمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَفَعَ اللَّه عَنْ خَلْقه , فَهُوَ يَدْفَع دَفْعًا . وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِك بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , هُوَ الْمُتَفَرِّد بِالدَّفْعِ عَنْ خَلْقه , وَلَا أَحَد يُدَافِعهُ فَيُغَالِبهُ . وَقَرَأَتْ ذَلِك جَمَاعَة أُخْرَى مِنْ الْقُرَّاء : " وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه النَّاس " عَلَى وَجْه الْمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَافَعَ اللَّه عَنْ خَلْقه , فَهُوَ يُدَافِع مُدَافَعَة وَدِفَاعًا . وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِك بِأَنَّ كَثِيرًا مَنْ خَلْقه يُعَادُونَ أَهْل دِين اللَّه , وَوِلَايَته وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , فَهُوَ بِمُحَارَبَتِهِمْ إيَّاهُمْ وَمُعَادَاتهمْ لَهُمْ لِلَّهِ مُدَافِعُونَ بِبَاطِلِهِمْ , وَمُغَالِبُونَ بِجَهْلِهِمْ , وَاَللَّه مُدَافِعهمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَهْل طَاعَته وَالْإِيمَان بِهِ . وَالْقَوْل فِي ذَلِك عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَتْ بِهِمَا الْقُرَّاء وَجَاءَتْ بِهِمَا جَمَاعَة الْأُمَّة , وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَة بِأَحَدِ الْحَرْفَيْنِ إحَالَة مَعْنَى الْآخِر . وَذَلِك أَنَّ مَنْ دَافَعَ غَيْره عَنْ شَيْء , فَمُدَافِعه عَنْهُ دَافِع , وَمَتَى امْتَنَعَ الْمَدْفُوع عَنْ الِانْدِفَاع , فَهُوَ لِمُدَافِعِهِ مُدَافِع ; وَلَا شَكَّ أَنَّ جَالُوت وَجُنُوده كَانُوا بِقِتَالِهِمْ طَالُوت وَجُنُوده , مُحَاوِلِينَ مُغَالَبَة حِزْب اللَّه وَجُنْده , وَكَانَ فِي مُحَاوَلَتهمْ ذَلِك مُحَاوَلَة مُغَالَبَة اللَّه وَدِفَاعه عَمَّا قَدْ تَضَمَّنَ لَهُمْ مَنْ النُّصْرَة , وَذَلِك هُوَ مَعْنَى مُدَافَعَة اللَّه عَنْ الَّذِينَ دَافَعَ اللَّه عَنْهُمْ بِمَنْ قَاتَلَ جَالُوت وَجُنُوده مِنْ أَوْلِيَائِهِ . فَتَبَيَّنَ إذًا أَنَّ سَوَاء قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } وَقِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ " فِي التَّأْوِيل وَالْمَعْنَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض وَلَكِنَّ اللَّه ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِك : وَلَوْلَا أَنَّ اللَّه يَدْفَع بِبَعْضِ النَّاس , وَهُمْ أَهْل الطَّاعَة لَهُ وَالْإِيمَان بِهِ , بَعْضًا وَهُمْ أَهْل الْمَعْصِيَة لِلَّهِ , وَالشِّرْك بِهِ , كَمَا دَفَعَ عَنْ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ طَالُوت يَوْم جَالُوت مِنْ أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ وَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا سَأَلُوا رَبّهمْ ابْتِدَاء مَنْ بَعْثَة مَلِك عَلَيْهِمْ لِيُجَاهِدُوا مَعَهُ فِي سَبِيله بِمَنْ جَاهَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْيَقِين وَالصَّبْر , جَالُوت وَجُنُوده , لَفَسَدَتْ الْأَرْض , يَعْنِي لَهَلَكَ أَهْلهَا بِعُقُوبَةِ اللَّه إيَّاهُمْ , فَفَسَدَتْ بِذَلِك الْأَرْض , وَلَكِنَّ اللَّه ذُو مَنّ عَلَى خَلْقه , وَتَطَوُّل عَلَيْهِمْ بِدَفْعِهِ بِالْبَرِّ مِنْ خَلْقه عَنْ الْفَاجِر , وَبِالْمُطِيعِ عَنْ الْعَاصِي مِنْهُمْ , وَبِالْمُؤْمِنِ عَنْ الْكَافِر . وَهَذِهِ الْآيَة إعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ مَشَاهِده وَالْجِهَاد مَعَهُ لِلشَّكِّ الَّذِي فِي نَفُوسهمْ وَمَرَض قُلُوبهمْ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكُفْر مِنْهُمْ , وَأَنَّهُ إنَّمَا يَدْفَع عَنْهُمْ مُعَاجَلَتهمْ الْعُقُوبَة , عَلَى كُفْرهمْ وَنِفَاقهمْ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , الَّذِينَ هُمْ أَهْل الْبَصَائِر وَالْجَدّ فِي أَمْر اللَّه , وَذَوُو الْيَقِين بِإِنْجَازِ اللَّه إيَّاهُمْ وَعْده عَلَى جِهَاد أَعْدَائِهِ , وَأَعْدَاء رَسُوله مِنْ النَّصْر فِي الْعَاجِل , وَالْفَوْز بِجَنَّاتِهِ فِي الْآخِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4486 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر , قَالَ : ثِنَا أَبُو عَاصِم عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه بِالْبَارِّ عَنْ الْفَاجِر , وَدَفْعه بِبَقِيَّةِ أَخْلَاف النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض لَفَسَدَتْ الْأَرْض بِهَلَاكِ أَهْلهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثِنَا سبل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه بِالْبَرِّ عَنْ الْفَاجِر , وَبِبَقِيَّةِ أَخْلَاف النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض لَهَلَكَ أَهْلهَا . 4487 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثِنَا أَبِي , عَنْ حَنْظَلَة , عَنْ أَبِي مُسْلِم , قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : لَوْلَا بَقِيَّة مَنْ الْمُسْلِمِينَ فِيكُمْ لَهَلَكْتُمْ . 4488 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } يَقُول : لَهَلَكَ مَنْ فِي الْأَرْض . 4489 - حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثِنَا حَفْص بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , عَنْ وَبْرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ ابْن عُمَر , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه لَيَدْفَع بِالْمُؤْمِنِ الصَّالِح عَنْ مِائَة أَهْل بَيْت مَنْ جِيرَانه الْبَلَاء " ثُمَّ قَرَأَ ابْن عُمَر : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض } 4490 - حَدَّثَنِي أَحْمَد أَبُو حُمَيْد الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثِنَا عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ اللَّه لَيُصْلِح بِصَلَاحِ الرَّجُل الْمُسْلِم وَلَده وَوَلَد وَلَده وَأَهْل دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتٍ حَوْله , وَلَا يَزَالُونَ فِي حِفْظ اللَّه مَا دَامَ فِيهِمْ " . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى قَوْله الْعَالَمِينَ , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَة فِيهِ . وَأَمَّا الْقُرَّاء فَإِنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مَنْ الْقُرَّاء : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه } عَلَى وَجْه الْمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَفَعَ اللَّه عَنْ خَلْقه , فَهُوَ يَدْفَع دَفْعًا . وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِك بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , هُوَ الْمُتَفَرِّد بِالدَّفْعِ عَنْ خَلْقه , وَلَا أَحَد يُدَافِعهُ فَيُغَالِبهُ . وَقَرَأَتْ ذَلِك جَمَاعَة أُخْرَى مِنْ الْقُرَّاء : " وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه النَّاس " عَلَى وَجْه الْمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : دَافَعَ اللَّه عَنْ خَلْقه , فَهُوَ يُدَافِع مُدَافَعَة وَدِفَاعًا . وَاحْتَجَّتْ لِاخْتِيَارِهَا ذَلِك بِأَنَّ كَثِيرًا مَنْ خَلْقه يُعَادُونَ أَهْل دِين اللَّه , وَوِلَايَته وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , فَهُوَ بِمُحَارَبَتِهِمْ إيَّاهُمْ وَمُعَادَاتهمْ لَهُمْ لِلَّهِ مُدَافِعُونَ بِبَاطِلِهِمْ , وَمُغَالِبُونَ بِجَهْلِهِمْ , وَاَللَّه مُدَافِعهمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَهْل طَاعَته وَالْإِيمَان بِهِ . وَالْقَوْل فِي ذَلِك عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَتْ بِهِمَا الْقُرَّاء وَجَاءَتْ بِهِمَا جَمَاعَة الْأُمَّة , وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَة بِأَحَدِ الْحَرْفَيْنِ إحَالَة مَعْنَى الْآخِر . وَذَلِك أَنَّ مَنْ دَافَعَ غَيْره عَنْ شَيْء , فَمُدَافِعه عَنْهُ دَافِع , وَمَتَى امْتَنَعَ الْمَدْفُوع عَنْ الِانْدِفَاع , فَهُوَ لِمُدَافِعِهِ مُدَافِع ; وَلَا شَكَّ أَنَّ جَالُوت وَجُنُوده كَانُوا بِقِتَالِهِمْ طَالُوت وَجُنُوده , مُحَاوِلِينَ مُغَالَبَة حِزْب اللَّه وَجُنْده , وَكَانَ فِي مُحَاوَلَتهمْ ذَلِك مُحَاوَلَة مُغَالَبَة اللَّه وَدِفَاعه عَمَّا قَدْ تَضَمَّنَ لَهُمْ مَنْ النُّصْرَة , وَذَلِك هُوَ مَعْنَى مُدَافَعَة اللَّه عَنْ الَّذِينَ دَافَعَ اللَّه عَنْهُمْ بِمَنْ قَاتَلَ جَالُوت وَجُنُوده مِنْ أَوْلِيَائِهِ . فَتَبَيَّنَ إذًا أَنَّ سَوَاء قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } وَقِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ " فِي التَّأْوِيل وَالْمَعْنَى .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فهزموهم بإذن الله} أي فأنزل الله عليهم النصر { فهزموهم} : فكسروهم. والهزم : الكسر ومنه سقاء متهزم، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم : إنها هزمة جبريل أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. والهزم : ما تكسر من يابس الحطب. قوله تعالى { وقتل داود جالوت} وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشى - بكسر الهمزة، ويقال : داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي؛ فجاء داود عليه السلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغير سنه وقصره فرده، وكان داود أزرق قصيرا؛ ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له : هل جربت نفسك بشيء ؟ قال نعم؛ قال بماذا ؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده. قال طالوت : الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره ؟ قال : نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما؛ أفترى هذا أشد من الأسد ؟ قال لا؛ وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت؛ فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلا رجع فقال الناس : جبن الفتى فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال : وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره؛ فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي قال نعم؛ قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب قال نعم، وأنت أهون. قال : لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع؛ ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله، وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته، وأختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل : عينه وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل : إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه؛ وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين، والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. قلت : وفي قول طالوت : (من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي) معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في "الأنفال" إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه. وحكي عنه أنه قال : لا بأس به، فإن نهى الإمام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه؛ هذا قول مالك. سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك فيما مضى. وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه. قوله تعالى { وآتاه الله الملك والحكمة} قال السدي: أتاه الله ملك، طالوت ونبوة شمعون. والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود؛ فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ؛ وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت. قوله تعالى { مما يشاء} أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد تقدم. قوله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} كذا قراءة الجماعة، إلا نافعا فإنه قرأ "دفاع" ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال : حسبت الشيء حسابا، وآب إيابا، ولقيته لقاء؛ ومثله كتبه كتابا؛ ومنه { كتاب الله عليكم} [النساء : 24] النحاس : وهذا حسن؛ فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه. وقال أبو حاتم : دافع ودفع بمعنى واحد؛ مثل طرقت النعل وطارقت؛ أي خصفت إحداهما فوق الأخرى، والخصف : الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور { ولولا دفع الله} . وأنكر أن يقرأ "دفاع" وقال : لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي : هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم "الله" في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و"دفاع" مرفوع بالابتداء عند سيبويه. { الناس} مفعول، { بعضهم} بدل من الناس، { ببعض} في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك : ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فاعلمه. الثانية: واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟ فقيل : هم الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم؛ اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروي عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدله الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء) ذكره الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول". وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال؛ لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب، وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس، وبهم يمطرون ومن يرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال ابن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوري : هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق. وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم؛ وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا. قال الثعلبي وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض، أي هلكت وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا) خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا). أخذ بعضهم هذا المعنى فقال : لولا عباد للإله ركع ** وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع ** صب عليكم العذاب الأوجع وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم). وقال قتادة : يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن. وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء). ثم قرأ ابن عمر { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} . وقيل : هذا الدفع بما شرع على السنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله. { ولكن الله ذو فضل على العالمين} . بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 247 - 251


سورة البقرة الايات 251 - 253

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الحق يبلغنا أنه قد نصر المؤمنين به. ويجيء الحق بكلمة { هَزَمُوهُمْ } وهي تدل على فرار من كان يجب أن يكون مهاجما. والمحارب يجب أن يكون مهاجما كاراً دائما، فحين يلجأ إلى أن يفر، هنا نتوقف لنتبين أمره، هل هذا الفِرار تحرفا لقتال وانعطافا وميلا إلى موقف آخر هو أصلح للقتال فيه؟ لو كان الأمر كذلك فلا تكون الهزيمة، لكن إذا كان الفِرار لغير كَرٍ ومخادعة للعدو بل كان للخوف هنا تكون الهزيمة.

وقول الله: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } يدل على أن جنود جالوت لم يُقتلوا كلهم، ولكن الذين قُتلوا هم أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ }. وجالوت هو زعيم جيش الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله. ولأول مرة يظهر لنا اسم { دَاوُدَ } في هذه القصة الطويلة، وهو اسم لم يكن عندنا فكرة عنه من قبل، وستأتي الفكرة عنه بعد هذه القصة في قوله تعالى:
{  وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
[سبأ: 10-11]

إذن فبداية داود جاءت من هذه المعركة بعد قتل جالوت، وكان { دَاوُدَ } أخاً لعشرة وهو أصغرهم، وقال النبي للقوم: إن من يدخل المعركة ضد جالوت لابد أن يأتي درع موسى على مقاسه، وهنا استعرض والد { دَاوُودَ } الدرع على جميع أبنائه، فلم يأتي على مقاس أي واحد منهم إلا على أصغرهم، وهو { دَاوُودَ }. جاء الدرع على مقاسه، ودخل { دَاوُودَ } المعركة فقتل جالوت قائد المشركين، وشاءت حكمة الله أن يكون أصغر المؤمنين هو الذي يقتل كبير جيش المشركين.

كانت هذه المعركة بداية تاريخ داود، وقد جاءت له هذه المعركة بالفتح العظيم، ثم أنعم الله عليه بالملك والحكمة وجعل الجبال والطير تردد وترجع معه تسبيح الله وتنزيهه، كل ذلك نتيجة قتل جالوت. وأحب داود الدرع وصار أمله أن يعلمه الله صناعة الدروع، ولذلك لم يتخذ صنعة في حياته إلا عمل الدروع. وجعل الله له الحديد ليناً ليصنع منه ما يشاء كما جاء في قوله تعالى:
{  وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ }
[الأنبياء: 80]

وهذا دليل على أن الإنسان يحب الشيء الذي له صلة برفعة شأنه. ولقد كان قتل جالوت هو البداية لداود. { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } إن الحق يأتي هنا بقضية كونية في الوجود، وهي أن الحرب ضرورة اجتماعية، وأن الحق يدفع الناس بالناس. وأنه لولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم؛ فلو سيطرت قوة واحدة في الكون لفسد.فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة؛ قوة تقابلها قوة أخرى. ولذلك نجد العالم دائما محروسا بالقوتين العظميين، ولو كانت قوة واحدة لعم الضلال. ولو تأملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائية في القوى تحفظ الاستقرار في العالم.

في بداية الإسلام كانت الدولتان العظميان هما الفرس في الشرق، والروم في الغرب. والآن سقطت قوة روسيا من كفة ميزان العالم، وتتسابق ألمانيا واليابان ليوازنا قوة أمريكا.

إن قول الله تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } جاء تعقيبا على قصة الصراع بين بني إسرائيل وبين أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وعندما نتأمل هذه القصة من بدايتها نجد أنهم طلبوا أولا من الله الإذن بالقتال. وبعث الله لهم ملكا ليقاتلوا تحت رايته؛ وكانت علامة هذا الملك في الصدق أن يأتي الله بالتابوت. ثم جاءت قضية اجتماعية ينتهي إليها الناس عادة بحكيم الرأي ولو بدون الوحي، وهي أن الإنسان إذا ما أقبل على أمر يجب أن يعد له إعداداً بالأسباب البشرية، حتى إذا ما استوفى إعداده كل الأسباب لجأ إلى معونة الله، لأن الأسباب ـ كما قلنا ـ هي من يد الله، فلا ترد أنت يد الله بأسبابها، لتطلب معونة الله بذاته، بل خذ الأسباب أولا لأنها من يد ربك.

ويعلمنا الحق أيضا أن من الأسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصا يبين لنا قوة ثباتهم في الاختبار الإيماني؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً بلسانه؛ ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بألا يوفي، وقد نجح قلة من القوم في الابتلاءات المتعددة. وفعلا دارت المعركة؛ وهزم هؤلاء المؤمنون أعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت.

إذن فتلك قضية دفع الله فيها أناسا بأناس، ويطلقها الحق سبحانه قضية عامة { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } ، فالدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه، كما قال سبحانه:
{  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }
[التوبة: 14]

إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بأيدي المؤمنين. وعندما نتأمل القول الحكيم: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضا تقول:
{  ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }
[الحج: 40]

والسياق مختلف في الآيتين، السياق الذي يأتي في سورة البقرة عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي يأتي في سورة الحج عن أناس مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى أخوتهم المؤمنين في دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين.صحيح أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون الدفاع بأن تَفِرَّ لَتِكِرّ.. أي أن تخرج من ديار الكفر مهاجراً لتجمع أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلاً فاتحاً، ومرة يكون الدفاع بأن تقاتل بالفعل، فالآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو مكثوا في مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين:
{  إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }
[النصر: 1]

إن السياق في الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول الحق: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناساً ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا على من ألف الفساد ليردوهم إلى الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى في الآية الثانية السبب فيقول:
{  وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً }
[الحج: 40]

والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها، لأن فيه متعبداً عَمِلَ بالتكليف العام؛ ومتعبداً آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى العام في التعبد للنصارى هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبيع، والمعنى الخاص هو التعبد في الصوامع.

إذن { لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } هذه لخاصة المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: { وَصَلَوَاتٌ } ، من صالوت، وهي مكان العبادة لليهود، و { وَمَسَاجِدُ } وهي مساجد المسلمين.

إن قوله تعالى: { لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } في هذه الآية، وقوله تعالى هناك { لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ } أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا.

فالأديرة والكنائس والصوامع ـ حين كانت ـ والمساجد الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد؛ فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور.فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله في مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله أقدر لسانك على الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها في المعصية.

قال الله تعالى في هذه الآية: { لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } وشرح ذلك في قوله تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } فهذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين. " وأصول القيم في التدين " غير " كل القيم في التدين " ، ولذلك نحن قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام. ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساسا لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس.

والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن المساجد ـ ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي ـ هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب.

ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناساً يريدون الشر وأناساً يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل:
{  وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }
[الحج: 40]

أي إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: إن المعارك التي نراها في الكون لا نجد فيها معركة بين حقين؛ لأنه لا يوجد في الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق. لا، إن هناك حقاً واحداً فقط. والمعركة ـ إن وجدت ـ توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل. والمعركة بين الحق والباطل لا تطول؛ لأن الباطل زهوق. والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله. فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ينتهيان. ويأتي من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون.

والمعارك التي تدور في أي مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوىً مختلف.ولا يقف الله في أي جانب منهما؛ لأنه ليس هناك جانب أحمق بالله من الآخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، ومادام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلا بد أن تطول المعركة. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. وكذلك نرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول؛ لأننا لا نجد القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه:
{  وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }
[الحجرات: 9]

إن الحق سبحانه وتعالى يأمر عند اقتتال طائفتين من المؤمنين أن يصلح بينهما قوم مؤمنون، فإن تعدت إحداهما على الأخرى، ورفضت الصلح فالحق يأمر المؤمنين بأن يقاتلوا الفئة التي تتعدى إلى أن ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فالإصلاح بين الفئتين يكون بالإنصاف؛ لأن الله يحب العادلين المنصفين.

ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل؛ لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواءً تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفة التي تناسب هواه.

وهذه هي الخيبة في الكون المعاصر؛ إن المعارك تطول لأنه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، لما حدثت الحرب. وماداموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض أن تتدخل الفئة القادرة على الإصلاح، ولكن حتى هؤلاء لم يدخلوا للإصلاح، وهذا معناه أن الخيبة في العالم كله. وسيظل العالم في خيبة إلى أن يرعووا ويرتدعوا. إنهم يطيلون على أنفسهم أمد التجربة وسيظلون في هذه الخيبة حتى يفطنوا إلى أنه لا سبيل إلى أن تنتهي هذه المشاكل إلا أن يرجعوا جميعاً عن أهوائهم إلى مراد خالقهم.

{ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } ، نعم تفسد الأرض فيما جعل الله للإنسان يداً فيه، أما الشيء الذي لم يجعل الله للإنسان يداً فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها أحد، فلا أحد يؤثر في الشمس أو القمر أو الهواء أو المطر، إنما الفساد جاء فيما للإنسان فيه يد.

انظر إلى الكون، إنك تجد المسائل التي لا دخل للإنسان فيها مستقيمة على أحسن ما يكون، وإنما يأتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الإنسان بغير منهج الله. ولو أن الإنسان دخل فيها بمنهج الله لاستقامت الأمور كما استقامت النواميس العليا تماما.

في سورة الرحمن قوله تعالى:
{  وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }
[الرحمن: 7]

ومادام الحق قد رفع السماء ووضع الميزان، فالسماء لا تقع على الأرض والنظام محكم تماما، الشمس تطلع من الشرق وتغرب في الغرب، والقمر والنجوم تسير في منتهى الدقة والإبداع، لأنه لا دخل لأحد من البشر فيه.فإن أردتم أن تصلح حياتكم، وأن تستقيم أموركم كما استقامت هندسة السماء والأرض فخذوا الميزان من السماء في أعمالكم، واتبعوا القول الحق:
{  وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ }
[الرحمن: 7-9]

ومادمتم قد رأيتم أن الأمور الموجودة التي تسير بنظام لا تتحكمون فيه تعمل باستقامة وترون أن الفساد قد جاء من ناحية الأمور التي دخلتم فيها، فلماذا لا نتبع منهج الله في الأمور التي لنا دخل فيها؟ إنك إن عملت في الحياة بمنهج الله الذي خلق الحياة فإن أمورك تستقيم لك كما استقامت الأمور العليا في الكون. واحفظ جيداً قوله تعالى:
{  وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ }
[الرحمن: 7-8]

ليحفظ كل منا هذا القول لنعرف أن الأمور العليا موزونة لأن يد الإنسان لا تدخل فيها. إن السماء لا تقع على الأرض لأنها محكومة بنظام محكم تماماً.

والأرض لا تدور بعيداً عن فلكها؛ لأن خالقها قد قدر لها النظام المحكم تماماً. ولهذا يقول الحق سبحانه عن نظام الكواكب في الكون:
{  لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
[يس: 40]

إنه نظام دقيق محكم لأنه لا دخل للإنسان فيه. اصنعوا ميزاناً في كل الأمور التي لكم فيها اختيار حتى لا تطغوا في الميزان.

ومادام الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ومنحه الاختيار، وبعض الناس اختار مذهباً، والبعض الآخر اختار مذهبا مضادا، وكلٌّ من المذهبين خارج عن منهج الله، فالحق سبحانه وتعالى يترك الفئتين للتقاتل والتناحر. ولأنه سبحانه ذو رحمة على العالمين، يبقى عناصر الخير في الوجود، لعل أحداً يرى ويتنبه ويتلفت ويذهب ليأخذها. فعندما تطغى جماعة يأتي لهم الحق بجماعة يردونهم، حتى تبقى عناصر الخير في الوجود لعل إنساناً يأتي ليأخذ عنصراً منها يحرك به حياته، وصاحب الخير إنما يأتي من فضل الله على العالمين. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }


www.alro7.net