سورة
اية:

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

تفسير بن كثير

يخبر اللّه تعالى عن طالوت ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ - فيما ذكره السدي - ثمانين ألفاً فاللّه أعلم أنه قال: { إن اللّه مبتليكم} أي مختبركم بنهر، وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني نهر الشريعة المشهور { فمن شرب منه فليس مني} أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، { ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} أي فلا بأس عليه، قال اللّه تعالى: { فشربوا منه إلا قليلاً منهم} ، قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً وتبقى معه أربعة آلاف هذا قول السدي وروى البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وما جازه معه إلا مؤمن، ورواه البخاري عن عبداللّه بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن جده عن البراء بنحوه ولهذا قال تعالى: { فلما جاوزه هو الذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} أي استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوّهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد اللّه حق، فإن النصر من عند اللّه ليس عن كثرة عدد ولا عدة، ولهذا قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه واللّه مع الصابرين} .

تفسير الجلالين

{ فلمَّا فصل } خرج { طالوت بالجنود } من بيت المقدس وكان الحر شديدا وطلبوا منه الماء { قال إن الله مبتليكم } مختبركم { بنهر } ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين { فمن شرب منه } أي من مائه { فليس مني } أي من أتباعي { ومن لم يطعمه } يذقه { فإنه مني إلا من اغترف غرفة } بالفتح والضم { بيده } فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني { فشربوا منه } لما وافوه بكثرة { إلا قليلا منهم } فاقتصروا على الغرفة روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } وهم الذين اقتصروا على الغرفة { قالوا } أي الذين شربوا { لا طاقة } قوة { لنا اليوم بجالوت وجنوده } أي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه { قال الذين يظنون } يوقنون { أنهم ملاقوا الله } بالبعث وهم الذين جاوزوه { كم } خبرية بمعني كثير { من فئة } جماعة { قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } بإرادته { والله مع الصابرين } بالعون والنصر .

تفسير الطبري

وَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } وَفِي هَذَا الْخَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره مَتْرُوك قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْره . وَمَعْنَى الْكَلَام : إنَّ فِي ذَلِك لَآيَة لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فَأَتَاهُمْ التَّابُوت فِيهِ سَكِينَة مِنْ رَبّهمْ , وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُونَ تَحْمِلهُ الْمَلَائِكَة , فَصَدَّقُوا عِنْد ذَلِك نَبِيّهمْ , وَأَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ طَالُوت مَلِكًا عَلَيْهِمْ , وَأَذْعَنُوا لَهُ بِذَلِك . يَدُلّ عَلَى ذَلِك قَوْله : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ } وَمَا كَانَ لِيَفْصِل بِهِمْ إلَّا بَعْد رِضَاهُمْ بِهِ وَتَسْلِيمهمْ الْمُلْك لَهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْدِرُونَ عَلَى إكْرَاههمْ عَلَى ذَلِك فَيُظَنّ بِهِ أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِك كَرْهًا . وَأَمَّا قَوْله : { فَصَلَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ شَخَصَ بِالْجُنْدِ وَرَحَلَ بِهِمْ . وَأَصْل الْفَصْل : الْقَطْع , يُقَال مِنْهُ : فَصَلَ الرَّجُل مِنْ مَوْضِع كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي بِهِ قَطَعَ ذَلِك , فَجَاوَزَهُ شَاخِصًا إلَى غَيْره , يَفْصِل فُصُولًا ; وَفَصَلَ الْعَظْم وَالْقَوْل مِنْ غَيْره فَهُوَ يَفْصِلهُ فَصْلًا : إذَا قَطَعَهُ فَأَبَانَهُ ; وَفَصَلَ الصَّبِيّ فِصَالًا : إذَا قَطَعَهُ عَنْ اللَّبَن ; وَقَوْل فَصْل : يَقْطَع فَيُفَرِّق بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل لَا يُرَدّ . وَقِيلَ : إنَّ طَالُوت فَصَلَ بِالْجُنُودِ يَوْمئِذٍ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْف مُقَاتِل , لَمْ يَتَخَلَّف مَنْ بَنِي إسْرَائِيل عَنْ الْفُصُول مَعَهُ إلَّا ذُو عِلَّة لِعِلَّتِهِ , أَوْ كَبِير لِهَرَمِهِ , أَوْ مَعْذُور لَا طَاقَة لَهُ بِالنُّهُوضِ مَعَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4451 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثِنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : خَرَجَ بِهِمْ طَالُوت حِين اسْتَوْثَقُوا لَهُ , وَلَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إلَّا كَبِير ذُو عِلَّة , أَوْ ضَرِير مَعْذُور , أَوْ رَجُل فِي ضَيْعَة لَا بُدّ لَهُ مِنْ تَخَلُّف فِيهَا . 4452 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثِنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ التَّابُوت آمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُون , وَسَلَّمُوا مُلْك طَالُوت , فَخَرَجُوا مَعَهُ , وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَلَمَّا فَصَلَ بِهِمْ طَالُوت عَلَى مَا وَصَفْنَا قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } يَقُول : إنَّ اللَّه مُخْتَبِركُمْ بِنَهَرٍ , لِيَعْلَم كَيْفَ طَاعَتكُمْ لَهُ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاء : الِاخْتِبَار فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِك كَانَ قَتَادَةُ يَقُول . 4453 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : إنَّ اللَّه يَبْتَلِي خَلْقه بِمَا يَشَاء لِيَعْلَم مَنْ يُطِيعهُ مِمَّنْ يَعْصِيه . وَقِيلَ : إنَّ طَالُوت قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } لِأَنَّهُمْ شَكَوْا إلَى طَالُوت قِلَّة الْمِيَاه بَيْنهمْ وَبَيْن عَدُوّهُمْ , وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُو اللَّه لَهُمْ أَنْ يُجْرِيَ بَيْنهمْ وَبَيْن عَدُوّهُمْ نَهْرًا , فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت حِينَئِذٍ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ قَوْله : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4454 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : لَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ , قَالُوا : إنَّ الْمِيَاه لَا تَحْمِلنَا , فَادْعُ اللَّه لَنَا يَجْرِي لَنَا نَهَرًا ! فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } الْآيَة . وَالنَّهَر الَّذِي أَخْبَرَهُمْ طَالُوت أَنَّ اللَّه مُبْتَلِيهمْ بِهِ قِيلَ : هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4455 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : { إنْ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ الرَّبِيع : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . 4456 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . 4457 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ } غَازِيًا إلَى جَالُوت , قَالَ طَالُوت لِبَنِي إسْرَائِيل : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : نَهَرٌ بَيْن فِلَسْطِين وَالْأُرْدُنّ , نَهَر عَذْب الْمَاء طَيِّبه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ نَهَر فِلَسْطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4458 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِيّ عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } فَالنَّهَر الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ بَنُو إسْرَائِيل نَهَر فِلَسْطِين . 4459 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } هُوَ نَهَر فِلَسْطِين . وَأَمَّا قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } فَإِنَّهُ خَبَر مَنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ طَالُوت أَنَّهُ قَالَ لِجُنُودِهِ إذْ شَكَوْا إلَيْهِ الْعَطَش , فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّه مُبْتَلِيهمْ بِنَهَرٍ , ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الِابْتِلَاء الَّذِي أَخْبَرَهُمْ عَنْ اللَّه بِهِ مَنْ ذَلِك النَّهَر , هُوَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ مَائِهِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ , يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل وِلَايَته وَطَاعَته , وَلَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَبِلِقَائِهِ . وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِك كَذَلِك قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فَأَخْرُج مَنْ لَمْ يُجَاوِز النَّهَر مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا . ثُمَّ أَخْلَصَ ذِكْر الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ عِنْد دُنُوّهُمْ مَنْ جَالُوت وَجُنُوده بِقَوْلِهِ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَطْعَمهُ , يَعْنِي مَنْ لَمْ يَطْعَم الْمَاء مَنْ ذَلِك النَّهَر وَالْهَاء فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ } وَفِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ } عَائِدَة عَلَى النَّهَر , وَالْمَعْنَى لِمَائِهِ . وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْر الْمَاء اكْتِفَاء بِفَهْمِ السَّامِع بِذِكْرِ النَّهَر لِذَلِك أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَاء الَّذِي فِيهِ وَمَعْنَى قَوْله : { لَمْ يَطْعَمهُ } لَمْ يَذُقْهُ , يَعْنِي : وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مَاء ذَلِك النَّهَر فَهُوَ مِنِّي , يَقُول : هُوَ مِنْ أَهْل وِلَايَتِي وَطَاعَتِي وَالْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَبِلِقَائِهِ . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ } الْمُغْتَرِفِينَ بِأَيْدِيهِمْ غُرْفَة , فَقَالَ : وَمَنْ لَمْ يَطْعَم مَاء ذَلِك النَّهَر إلَّا غُرْفَة يَغْتَرِفهَا بِيَدِهِ فَإِنَّهُ مِنِّي . ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : " غَرْفَة " بِنَصْبِ الْغَيْن مَنْ الْغَرْفَة , بِمَعْنَى الْغَرْفَة الْوَاحِدَة , مِنْ قَوْلك : اغْتَرَفْت غَرْفَة , وَالْغَرْفَة هِيَ الْفِعْل بِعَيْنِهِ مِنْ الِاغْتِرَاف . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِالضَّمِّ , بِمَعْنَى : الْمَاء الَّذِي يَصِير فِي كَفّ الْمُغْتَرِف , فَالْغَرْفَة الِاسْم , وَالْغَرْفَة الْمَصْدَر . وَأَعْجَب الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِك إلَيَّ ضَمّ الْغَيْن فِي الْغُرْفَة بِمَعْنَى : إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ كَفًّا مِنْ مَاء , لِاخْتِلَافِ غُرْفَة إذَا فُتِحَتْ غينها , وَمَا هِيَ لَهُ مَصْدَر ; وَذَلِكَ أَنَّ مَصْدَرَ اغْتَرَفَ اغْتِرَافَة , وإنما غُرْفَة مصدر غَرَفْت , فَلَمَّا كَانَتْ غُرْفَة مخالفة مصدر اغترف , كانت الْغُرْفَة الَّتِي بِمَعْنَى الِاسْمِ عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا أَشْبَه مِنْهَا بِالْغُرْفَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْفِعْل وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَامَّتهمْ شَرِبُوا مَنْ ذَلِك الْمَاء , فَكَانَ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ , وَمَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة رُوِيَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4460 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } فَشَرِبَ الْقَوْم عَلَى قَدْر يَقِينهمْ . أَمَّا الْكُفَّار فَجَعَلُوا يَشْرَبُونَ فَلَا يَرْوُونَ , وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَجَعَلَ الرَّجُل يَغْتَرِف غُرْفَة بِيَدِهِ فَتَجْزِيهِ وَتَرْوِيهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } قَالَ : كَانَ الْكُفَّار يَشْرَبُونَ فَلَا يَرْوُونَ , وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْتَرِفُونَ غُرْفَة , فَيَجْزِيهِمْ ذَلِك . 4461 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ , وَكَانَ الْقَوْم كَثِيرًا فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ كَانَ أَحَدهمْ يَغْتَرِف الْغُرْفَة فَيَجْزِيه ذَلِك وَيَرْوِيه . 4462 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا أَصْبَحَ التَّابُوت وَمَا فِيهِ فِي دَار طَالُوت , آمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُون , وَسَلَّمُوا مُلْك طَالُوت , فَخَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا . وَكَانَ جَالُوت مِنْ أَعْظَم النَّاس , وَأَشَدّهمْ بَأْسًا , فَخَرَجَ يَسِير بَيْن يَدَيْ الْجُنْد , وَلَا تَجْتَمِع إلَيْهِ أَصْحَابه حَتَّى يَهْزِم هُوَ مَنْ لَقِيَ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ طَالُوت : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } فَشَرِبُوا مِنْهُ هَيْبَة مِنْ جَالُوت , فَعَبَرَ مِنْهُمْ أَرْبَعَة آلَاف , وَرَجَعَ سِتَّة وَسَبْعُونَ أَلْفًا . فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ , وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْهُ إلَّا غُرْفَة رُوِيَ . 4463 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : أَلْقَى اللَّه عَلَى لِسَان طَالُوت حِين فَصَلَ بِالْجُنُودِ , فَقَالَ : لَا يَصْحَبنِي أَحَد إلَّا أَحَد لَهُ نِيَّة فِي الْجِهَاد ! فَلَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ مُؤْمِن , وَلَمْ يَتْبَعهُ مُنَافِق فَلَمَّا رَأَى قِلَّتهمْ , قَالُوا : لَنْ نَمَسّ مِنْ هَذَا الْمَاء غُرْفَة وَلَا غَيْرهَا ! وَذَلِك أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } الْآيَة . فَقَالُوا : لَنْ نَمَسّ مَنْ هَذَا غُرْفَة وَلَا غَيْر غُرْفَة ! قَالَ : وَأَخَذَ الْبَقِيَّة الْغُرْفَة , فَشَرِبُوا مِنْهَا حَتَّى كَفَتْهُمْ , وَفَضَلَ مِنْهُمْ . قَالَ : وَاَلَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْغُرْفَة أَقْوَى مَنْ الَّذِينَ أَخَذُوهَا . 4464 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } فَشَرِبَ كُلّ إنْسَان كَقَدْرِ الَّذِي فِي قَلْبه , فَمَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة وَأَطَاعَهُ رُوِيَ بِطَاعَتِهِ , وَمَنْ شَرِبَ فَأَكْثَرَ عَصَى فَلَمْ يُرْوَ لِمَعْصِيَتِهِ . 4465 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق فِي حَدِيث ذَكَرَهُ , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ مَنْ تَتَابَعَ مِنْهُمْ فِي الشُّرْب الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَرْوِهِ , وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ إلَّا كَمَا أَمَرَ غُرْفَة بِيَدِهِ أَجْزَأَهُ وَكَفَاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ } فَلَمَّا جَاوَزَ النَّهَر طَالُوت . وَالْهَاء فِي " جَاوَزَهُ " عَائِدَة عَلَى النَّهَر , وَهُوَ كِنَايَة اسْم طَالُوت . وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } يَعْنِي : وَجَاوَزَ النَّهَر مَعَهُ الَّذِينَ آمَنُوا . { قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي عِدَّة مَنْ جَاوَزَ النَّهَر مَعَهُ يَوْمئِذٍ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ عِدَّتهمْ عِدَّة أَهْل بَدْر ثَلَثمِائَةِ رَجُل وَبِضْعَة عَشَرَ رَجُلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4466 - حَدَّثَنَا هَارُونَ بْن إسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : ثِنَا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَا جَمِيعًا : ثنا إسْرَائِيل , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ عِدَّة أَصْحَاب بَدْر عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَر مَعَهُ , وَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ إلَّا مُؤْمِن , ثَلَثمِائَةِ وَبَضْعَة عَشَرَ رَجُلًا . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب بَدْر يَوْم بَدْر كَعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت ثَلَثمِائَةِ رَجُل وَثَلَاثَة عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَر . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثِنَا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَرَ رَجُلًا عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت مَنْ جَازَ مَعَهُ , وَمَا جَازَ مَعَهُ إلَّا مُؤْمِن . * حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِنَحْوِهِ . * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْم بَدْر عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت يَوْم جَاوَزُوا النَّهَر , وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إلَّا مُسْلِم . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء مِثْله . 4467 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةُ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْم بَدْر : " أَنْتُمْ بِعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت يَوْم لَقِيَ " , وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا . 4468 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : مَحَّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا عِنْد النَّهَر وَكَانُوا ثَلَثمِائَةٍ , وَفَوْق الْعَشْرَة , وَدُون الْعِشْرِينَ , فَجَاءَ دَاوُد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْمَلَ بِهِ الْعِدَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَر أَرْبَعَة آلَاف , وَإِنَّمَا خَلَصَ أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ مَنْ أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق حِين لَقُوا جَالُوت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4469 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : عَبَرَ مَعَ طَالُوت النَّهَر مِنْ بَنِي إسْرَائِيل أَرْبَعَة آلَاف , فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فَنَظَرُوا إلَى جَالُوت رَجَعُوا أَيْضًا وَقَالُوا : لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده ! فَرَجَعَ عَنْهُ أَيْضًا ثَلَاثَة آلَاف وَسِتّمِائَةٍ وَبَضْعَة وَثَمَانُونَ , وَخَلَصَ فِي ثَلَثمِائَةِ وَبَضْعَة عَشَرَ عِدَّة أَهْل بَدْر . 4470 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : لَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ , قَالَ الَّذِينَ شَرِبُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِك بِالصَّوَابِ , مَا رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس وَقَالَهُ السُّدِّيّ ; وَهُوَ أَنَّهُ جَاوَزَ النَّهَر مَعَ طَالُوت الْمُؤْمِن الَّذِي لَمْ يَشْرَب مِنْ النَّهَر إلَّا الْغُرْفَة , وَالْكَافِر الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ الْكَثِير . ثُمَّ وَقَعَ التَّمْيِيز بَيْنهمْ بَعْد ذَلِك بِرُؤْيَةِ جَالُوت وَلِقَائِهِ , وَانْخَزَلَ عَنْهُ أَهْل الشِّرْك وَالنِّفَاق , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَمَضَى أَهْل الْبَصِيرَة بِأَمْرِ اللَّه عَلَى بِصَائِرِهِمْ , وَهُمْ أَهْل الثَّبَات عَلَى الْإِيمَان , فَقَالُوا : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَفْلَة أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون جَاوَزَ النَّهَر مَعَ طَالُوت إلَّا أَهْل الْإِيمَان الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ عَلَى إيمَانهمْ , وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْ النَّهَر إلَّا الْغُرْفَة , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِز مَعَهُ إلَّا أَهْل الْإِيمَان , عَلَى مَا رُوِيَ بِهِ الْخَبَر عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , وَلِأَنَّ أَهْل الْكُفْر لَوْ كَانُوا جَاوَزُوا النَّهَر كَمَا جَاوَزَهُ أَهْل الْإِيمَان لَمَا خَصَّ اللَّه بِالذِّكْرِ فِي ذَلِك أَهْل الْإِيمَان ; فَإِنَّ الْأَمْر فِي ذَلِك بِخِلَافِ مَا ظَنَّ . وَذَلِك أَنَّهُ غَيْر مُسْتَنْكَر أَنْ يَكُون الْفَرِيقَانِ , أَعْنِي فَرِيق الْإِيمَان وَفَرِيق الْكُفْر جَاوَزُوا النَّهَر , وَأَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُجَاوَزَةِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ الَّذِينَ جَاوَزُوهُ مَعَ مَلِكهمْ وَتَرَكَ ذِكْر أَهْل الْكُفْر , وَإِنْ كَانُوا قَدْ جَاوَزُوا النَّهَر مَعَ الْمُؤْمِنِينَ . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِك قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } فَأَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه هُمْ الَّذِينَ قَالُوا عِنْد مُجَاوَزَة النَّهَر : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } دُون غَيْرهمْ الَّذِينَ لَا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه , وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه هُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَغَيْر جَائِز أَنْ يُضَاف الْإِيمَان إلَى مَنْ جَحَدَ أَنَّهُ مُلَاقِي اللَّه أَوْ شَكَّ فِيهِ .وَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } وَفِي هَذَا الْخَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره مَتْرُوك قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْ ذِكْره . وَمَعْنَى الْكَلَام : إنَّ فِي ذَلِك لَآيَة لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فَأَتَاهُمْ التَّابُوت فِيهِ سَكِينَة مِنْ رَبّهمْ , وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُونَ تَحْمِلهُ الْمَلَائِكَة , فَصَدَّقُوا عِنْد ذَلِك نَبِيّهمْ , وَأَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ طَالُوت مَلِكًا عَلَيْهِمْ , وَأَذْعَنُوا لَهُ بِذَلِك . يَدُلّ عَلَى ذَلِك قَوْله : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ } وَمَا كَانَ لِيَفْصِل بِهِمْ إلَّا بَعْد رِضَاهُمْ بِهِ وَتَسْلِيمهمْ الْمُلْك لَهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْدِرُونَ عَلَى إكْرَاههمْ عَلَى ذَلِك فَيُظَنّ بِهِ أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِك كَرْهًا . وَأَمَّا قَوْله : { فَصَلَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ شَخَصَ بِالْجُنْدِ وَرَحَلَ بِهِمْ . وَأَصْل الْفَصْل : الْقَطْع , يُقَال مِنْهُ : فَصَلَ الرَّجُل مِنْ مَوْضِع كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي بِهِ قَطَعَ ذَلِك , فَجَاوَزَهُ شَاخِصًا إلَى غَيْره , يَفْصِل فُصُولًا ; وَفَصَلَ الْعَظْم وَالْقَوْل مِنْ غَيْره فَهُوَ يَفْصِلهُ فَصْلًا : إذَا قَطَعَهُ فَأَبَانَهُ ; وَفَصَلَ الصَّبِيّ فِصَالًا : إذَا قَطَعَهُ عَنْ اللَّبَن ; وَقَوْل فَصْل : يَقْطَع فَيُفَرِّق بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل لَا يُرَدّ . وَقِيلَ : إنَّ طَالُوت فَصَلَ بِالْجُنُودِ يَوْمئِذٍ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْف مُقَاتِل , لَمْ يَتَخَلَّف مَنْ بَنِي إسْرَائِيل عَنْ الْفُصُول مَعَهُ إلَّا ذُو عِلَّة لِعِلَّتِهِ , أَوْ كَبِير لِهَرَمِهِ , أَوْ مَعْذُور لَا طَاقَة لَهُ بِالنُّهُوضِ مَعَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4451 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثِنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : خَرَجَ بِهِمْ طَالُوت حِين اسْتَوْثَقُوا لَهُ , وَلَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إلَّا كَبِير ذُو عِلَّة , أَوْ ضَرِير مَعْذُور , أَوْ رَجُل فِي ضَيْعَة لَا بُدّ لَهُ مِنْ تَخَلُّف فِيهَا . 4452 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثِنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ التَّابُوت آمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُون , وَسَلَّمُوا مُلْك طَالُوت , فَخَرَجُوا مَعَهُ , وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَلَمَّا فَصَلَ بِهِمْ طَالُوت عَلَى مَا وَصَفْنَا قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } يَقُول : إنَّ اللَّه مُخْتَبِركُمْ بِنَهَرٍ , لِيَعْلَم كَيْفَ طَاعَتكُمْ لَهُ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاء : الِاخْتِبَار فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِك كَانَ قَتَادَةُ يَقُول . 4453 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : إنَّ اللَّه يَبْتَلِي خَلْقه بِمَا يَشَاء لِيَعْلَم مَنْ يُطِيعهُ مِمَّنْ يَعْصِيه . وَقِيلَ : إنَّ طَالُوت قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } لِأَنَّهُمْ شَكَوْا إلَى طَالُوت قِلَّة الْمِيَاه بَيْنهمْ وَبَيْن عَدُوّهُمْ , وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُو اللَّه لَهُمْ أَنْ يُجْرِيَ بَيْنهمْ وَبَيْن عَدُوّهُمْ نَهْرًا , فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت حِينَئِذٍ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ قَوْله : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4454 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه , قَالَ : لَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ , قَالُوا : إنَّ الْمِيَاه لَا تَحْمِلنَا , فَادْعُ اللَّه لَنَا يَجْرِي لَنَا نَهَرًا ! فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } الْآيَة . وَالنَّهَر الَّذِي أَخْبَرَهُمْ طَالُوت أَنَّ اللَّه مُبْتَلِيهمْ بِهِ قِيلَ : هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4455 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : { إنْ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ الرَّبِيع : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . 4456 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . 4457 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت بِالْجُنُودِ } غَازِيًا إلَى جَالُوت , قَالَ طَالُوت لِبَنِي إسْرَائِيل : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } قَالَ : نَهَرٌ بَيْن فِلَسْطِين وَالْأُرْدُنّ , نَهَر عَذْب الْمَاء طَيِّبه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ نَهَر فِلَسْطِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4458 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِيّ عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } فَالنَّهَر الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ بَنُو إسْرَائِيل نَهَر فِلَسْطِين . 4459 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } هُوَ نَهَر فِلَسْطِين . وَأَمَّا قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } فَإِنَّهُ خَبَر مَنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ طَالُوت أَنَّهُ قَالَ لِجُنُودِهِ إذْ شَكَوْا إلَيْهِ الْعَطَش , فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّه مُبْتَلِيهمْ بِنَهَرٍ , ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الِابْتِلَاء الَّذِي أَخْبَرَهُمْ عَنْ اللَّه بِهِ مَنْ ذَلِك النَّهَر , هُوَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ مَائِهِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ , يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل وِلَايَته وَطَاعَته , وَلَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَبِلِقَائِهِ . وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِك كَذَلِك قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فَأَخْرُج مَنْ لَمْ يُجَاوِز النَّهَر مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا . ثُمَّ أَخْلَصَ ذِكْر الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ عِنْد دُنُوّهُمْ مَنْ جَالُوت وَجُنُوده بِقَوْلِهِ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَطْعَمهُ , يَعْنِي مَنْ لَمْ يَطْعَم الْمَاء مَنْ ذَلِك النَّهَر وَالْهَاء فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ } وَفِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ } عَائِدَة عَلَى النَّهَر , وَالْمَعْنَى لِمَائِهِ . وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْر الْمَاء اكْتِفَاء بِفَهْمِ السَّامِع بِذِكْرِ النَّهَر لِذَلِك أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمَاء الَّذِي فِيهِ وَمَعْنَى قَوْله : { لَمْ يَطْعَمهُ } لَمْ يَذُقْهُ , يَعْنِي : وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مَاء ذَلِك النَّهَر فَهُوَ مِنِّي , يَقُول : هُوَ مِنْ أَهْل وِلَايَتِي وَطَاعَتِي وَالْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَبِلِقَائِهِ . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ } الْمُغْتَرِفِينَ بِأَيْدِيهِمْ غُرْفَة , فَقَالَ : وَمَنْ لَمْ يَطْعَم مَاء ذَلِك النَّهَر إلَّا غُرْفَة يَغْتَرِفهَا بِيَدِهِ فَإِنَّهُ مِنِّي . ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة : " غَرْفَة " بِنَصْبِ الْغَيْن مَنْ الْغَرْفَة , بِمَعْنَى الْغَرْفَة الْوَاحِدَة , مِنْ قَوْلك : اغْتَرَفْت غَرْفَة , وَالْغَرْفَة هِيَ الْفِعْل بِعَيْنِهِ مِنْ الِاغْتِرَاف . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِالضَّمِّ , بِمَعْنَى : الْمَاء الَّذِي يَصِير فِي كَفّ الْمُغْتَرِف , فَالْغَرْفَة الِاسْم , وَالْغَرْفَة الْمَصْدَر . وَأَعْجَب الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِك إلَيَّ ضَمّ الْغَيْن فِي الْغُرْفَة بِمَعْنَى : إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ كَفًّا مِنْ مَاء , لِاخْتِلَافِ غُرْفَة إذَا فُتِحَتْ غينها , وَمَا هِيَ لَهُ مَصْدَر ; وَذَلِكَ أَنَّ مَصْدَرَ اغْتَرَفَ اغْتِرَافَة , وإنما غُرْفَة مصدر غَرَفْت , فَلَمَّا كَانَتْ غُرْفَة مخالفة مصدر اغترف , كانت الْغُرْفَة الَّتِي بِمَعْنَى الِاسْمِ عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا أَشْبَه مِنْهَا بِالْغُرْفَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْفِعْل وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَامَّتهمْ شَرِبُوا مَنْ ذَلِك الْمَاء , فَكَانَ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ , وَمَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة رُوِيَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4460 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } فَشَرِبَ الْقَوْم عَلَى قَدْر يَقِينهمْ . أَمَّا الْكُفَّار فَجَعَلُوا يَشْرَبُونَ فَلَا يَرْوُونَ , وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَجَعَلَ الرَّجُل يَغْتَرِف غُرْفَة بِيَدِهِ فَتَجْزِيهِ وَتَرْوِيهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } قَالَ : كَانَ الْكُفَّار يَشْرَبُونَ فَلَا يَرْوُونَ , وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْتَرِفُونَ غُرْفَة , فَيَجْزِيهِمْ ذَلِك . 4461 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثِنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ , وَكَانَ الْقَوْم كَثِيرًا فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ كَانَ أَحَدهمْ يَغْتَرِف الْغُرْفَة فَيَجْزِيه ذَلِك وَيَرْوِيه . 4462 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا أَصْبَحَ التَّابُوت وَمَا فِيهِ فِي دَار طَالُوت , آمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُون , وَسَلَّمُوا مُلْك طَالُوت , فَخَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا . وَكَانَ جَالُوت مِنْ أَعْظَم النَّاس , وَأَشَدّهمْ بَأْسًا , فَخَرَجَ يَسِير بَيْن يَدَيْ الْجُنْد , وَلَا تَجْتَمِع إلَيْهِ أَصْحَابه حَتَّى يَهْزِم هُوَ مَنْ لَقِيَ . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ طَالُوت : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } فَشَرِبُوا مِنْهُ هَيْبَة مِنْ جَالُوت , فَعَبَرَ مِنْهُمْ أَرْبَعَة آلَاف , وَرَجَعَ سِتَّة وَسَبْعُونَ أَلْفًا . فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ , وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْهُ إلَّا غُرْفَة رُوِيَ . 4463 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : أَلْقَى اللَّه عَلَى لِسَان طَالُوت حِين فَصَلَ بِالْجُنُودِ , فَقَالَ : لَا يَصْحَبنِي أَحَد إلَّا أَحَد لَهُ نِيَّة فِي الْجِهَاد ! فَلَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ مُؤْمِن , وَلَمْ يَتْبَعهُ مُنَافِق فَلَمَّا رَأَى قِلَّتهمْ , قَالُوا : لَنْ نَمَسّ مِنْ هَذَا الْمَاء غُرْفَة وَلَا غَيْرهَا ! وَذَلِك أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : { إنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } الْآيَة . فَقَالُوا : لَنْ نَمَسّ مَنْ هَذَا غُرْفَة وَلَا غَيْر غُرْفَة ! قَالَ : وَأَخَذَ الْبَقِيَّة الْغُرْفَة , فَشَرِبُوا مِنْهَا حَتَّى كَفَتْهُمْ , وَفَضَلَ مِنْهُمْ . قَالَ : وَاَلَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْغُرْفَة أَقْوَى مَنْ الَّذِينَ أَخَذُوهَا . 4464 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } فَشَرِبَ كُلّ إنْسَان كَقَدْرِ الَّذِي فِي قَلْبه , فَمَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة وَأَطَاعَهُ رُوِيَ بِطَاعَتِهِ , وَمَنْ شَرِبَ فَأَكْثَرَ عَصَى فَلَمْ يُرْوَ لِمَعْصِيَتِهِ . 4465 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق فِي حَدِيث ذَكَرَهُ , عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه فِي قَوْله : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَة بِيَدِهِ } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ مَنْ تَتَابَعَ مِنْهُمْ فِي الشُّرْب الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَرْوِهِ , وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ إلَّا كَمَا أَمَرَ غُرْفَة بِيَدِهِ أَجْزَأَهُ وَكَفَاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ } فَلَمَّا جَاوَزَ النَّهَر طَالُوت . وَالْهَاء فِي " جَاوَزَهُ " عَائِدَة عَلَى النَّهَر , وَهُوَ كِنَايَة اسْم طَالُوت . وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } يَعْنِي : وَجَاوَزَ النَّهَر مَعَهُ الَّذِينَ آمَنُوا . { قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي عِدَّة مَنْ جَاوَزَ النَّهَر مَعَهُ يَوْمئِذٍ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ عِدَّتهمْ عِدَّة أَهْل بَدْر ثَلَثمِائَةِ رَجُل وَبِضْعَة عَشَرَ رَجُلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4466 - حَدَّثَنَا هَارُونَ بْن إسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : ثِنَا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَا جَمِيعًا : ثنا إسْرَائِيل , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ عِدَّة أَصْحَاب بَدْر عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَر مَعَهُ , وَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ إلَّا مُؤْمِن , ثَلَثمِائَةِ وَبَضْعَة عَشَرَ رَجُلًا . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب بَدْر يَوْم بَدْر كَعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت ثَلَثمِائَةِ رَجُل وَثَلَاثَة عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ جَاوَزُوا النَّهَر . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثِنَا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَرَ رَجُلًا عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت مَنْ جَازَ مَعَهُ , وَمَا جَازَ مَعَهُ إلَّا مُؤْمِن . * حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِنَحْوِهِ . * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْم بَدْر عَلَى عِدَّة أَصْحَاب طَالُوت يَوْم جَاوَزُوا النَّهَر , وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إلَّا مُسْلِم . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء مِثْله . 4467 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةُ , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْم بَدْر : " أَنْتُمْ بِعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت يَوْم لَقِيَ " , وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا . 4468 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثِنَا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : مَحَّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا عِنْد النَّهَر وَكَانُوا ثَلَثمِائَةٍ , وَفَوْق الْعَشْرَة , وَدُون الْعِشْرِينَ , فَجَاءَ دَاوُد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْمَلَ بِهِ الْعِدَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَر أَرْبَعَة آلَاف , وَإِنَّمَا خَلَصَ أَهْل الْإِيمَان مِنْهُمْ مَنْ أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق حِين لَقُوا جَالُوت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4469 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : عَبَرَ مَعَ طَالُوت النَّهَر مِنْ بَنِي إسْرَائِيل أَرْبَعَة آلَاف , فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فَنَظَرُوا إلَى جَالُوت رَجَعُوا أَيْضًا وَقَالُوا : لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده ! فَرَجَعَ عَنْهُ أَيْضًا ثَلَاثَة آلَاف وَسِتّمِائَةٍ وَبَضْعَة وَثَمَانُونَ , وَخَلَصَ فِي ثَلَثمِائَةِ وَبَضْعَة عَشَرَ عِدَّة أَهْل بَدْر . 4470 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : لَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ , قَالَ الَّذِينَ شَرِبُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِك بِالصَّوَابِ , مَا رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس وَقَالَهُ السُّدِّيّ ; وَهُوَ أَنَّهُ جَاوَزَ النَّهَر مَعَ طَالُوت الْمُؤْمِن الَّذِي لَمْ يَشْرَب مِنْ النَّهَر إلَّا الْغُرْفَة , وَالْكَافِر الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ الْكَثِير . ثُمَّ وَقَعَ التَّمْيِيز بَيْنهمْ بَعْد ذَلِك بِرُؤْيَةِ جَالُوت وَلِقَائِهِ , وَانْخَزَلَ عَنْهُ أَهْل الشِّرْك وَالنِّفَاق , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَمَضَى أَهْل الْبَصِيرَة بِأَمْرِ اللَّه عَلَى بِصَائِرِهِمْ , وَهُمْ أَهْل الثَّبَات عَلَى الْإِيمَان , فَقَالُوا : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَفْلَة أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون جَاوَزَ النَّهَر مَعَ طَالُوت إلَّا أَهْل الْإِيمَان الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ عَلَى إيمَانهمْ , وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْ النَّهَر إلَّا الْغُرْفَة , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِز مَعَهُ إلَّا أَهْل الْإِيمَان , عَلَى مَا رُوِيَ بِهِ الْخَبَر عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , وَلِأَنَّ أَهْل الْكُفْر لَوْ كَانُوا جَاوَزُوا النَّهَر كَمَا جَاوَزَهُ أَهْل الْإِيمَان لَمَا خَصَّ اللَّه بِالذِّكْرِ فِي ذَلِك أَهْل الْإِيمَان ; فَإِنَّ الْأَمْر فِي ذَلِك بِخِلَافِ مَا ظَنَّ . وَذَلِك أَنَّهُ غَيْر مُسْتَنْكَر أَنْ يَكُون الْفَرِيقَانِ , أَعْنِي فَرِيق الْإِيمَان وَفَرِيق الْكُفْر جَاوَزُوا النَّهَر , وَأَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُجَاوَزَةِ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ الَّذِينَ جَاوَزُوهُ مَعَ مَلِكهمْ وَتَرَكَ ذِكْر أَهْل الْكُفْر , وَإِنْ كَانُوا قَدْ جَاوَزُوا النَّهَر مَعَ الْمُؤْمِنِينَ . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِك قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } فَأَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه هُمْ الَّذِينَ قَالُوا عِنْد مُجَاوَزَة النَّهَر : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } دُون غَيْرهمْ الَّذِينَ لَا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه , وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه هُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَغَيْر جَائِز أَنْ يُضَاف الْإِيمَان إلَى مَنْ جَحَدَ أَنَّهُ مُلَاقِي اللَّه أَوْ شَكَّ فِيهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَمْر هَذَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ , أَعْنِي الْقَائِلِينَ : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَالْقَائِلِينَ : { كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } مَنْ هُمَا . فَقَالَ بَعْضهمْ : الْفَرِيق الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } هُمْ أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَنِفَاق , وَلَيْسُوا مِمَّنْ شَهِدَ قِتَال جَالُوت وَجُنُوده , لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا عَنْ طَالُوت وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ لِقِتَالِ عَدُوّ اللَّه جَالُوت وَمَنْ مَعَهُ , وَهُمْ الَّذِينَ عَصَوْا أَمْر اللَّه لِشُرْبِهِمْ مِنْ النَّهَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4471 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ بِذَلِك ; وَهُوَ قَوْل ابْن عَبَّاس . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِك عَنْهُ آنِفًا . 4472 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } الَّذِينَ اغْتَرَفُوا وَأَطَاعُوا الَّذِينَ مَضَوْا مَعَ طَالُوت الْمُؤْمِنُونَ , وَجَلَسَ الَّذِينَ شَكُّوا . وَقَالَ آخَرُونَ : كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ أَهْل إيمَان , وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَد شَرِبَ مِنْ الْمَاء إلَّا غُرْفَة , بَلْ كَانُوا جَمِيعًا أَهْل طَاعَة , وَلَكِنَّ بَعْضهمْ كَانَ أَصَحّ يَقِينًا مِنْ بَعْض , وَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : { كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } وَالْآخَرُونَ كَانُوا أَضْعَف يَقِينًا , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4473 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثِنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } وَيَكُون الْمُؤْمِنُونَ بَعْضهمْ أَفْضَل جِدًّا وَعَزْمًا مِنْ بَعْض , وَهُمْ مُؤْمِنُونَ كُلّهمْ . 4474 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } أَنَّ النَّبِيّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْم بَدْر : " أَنْتُمْ بِعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت ثَلَثمِائَةٍ " قَالَ قَتَادَةَ : وَكَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبَضْعَة عَشَرَ . 4475 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : الَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْغُرْفَة أَقْوَى مَنْ الَّذِينَ أَخَذُوا , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } وَيَجِبُ عَلَى الْقَوْل الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِز النَّهَر مَعَ طَالُوت إلَّا عِدَّة أَصْحَاب بَدْر أَنْ يَكُون كِلَا الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَهُمَا اللَّه بِمَا وَصَفَهُمَا بِهِ أَمَرَهُمَا عَلَى نَحْو مَا قَالَ فِيهِمَا قَتَادَةَ وَابْن زَيْد . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيل الْآيَة مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْجٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّة فِي ذَلِك فِيمَا مَضَى قَبْلُ آنِفًا . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه . 4476 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : قَالَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ وَيُصَدِّقُونَ بِالْمَرْجِعِ إلَى اللَّه لِلَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة } يَعْنِي بِكَمْ كَثِيرًا غَلَبَتْ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه , يَعْنِي : بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَره . { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } يَقُول : مَعَ الْحَابِسِينَ أَنْفُسهمْ عَلَى رِضَاهُ وَطَاعَته . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ وُجُوه الظَّنّ وَأَنَّ أَحَد مَعَانِيه الْعِلْم الْيَقِين بِمَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِك فِيمَا مَضَى , فَكَرِهْنَا إعَادَته . وَأَمَّا الْفِئَة فَإِنَّهُمْ الْجَمَاعَة مَنْ النَّاس لَا وَاحِد لَهُ مَنْ لَفْظه , وَهُوَ مِثْل الرَّهْط وَالنَّفَر جَمْعه فِئَات وَفِئُون فِي الرَّفْع وَفِئِينَ فِي النَّصْب وَالْخَفْض بِفَتْحِ نُونهَا فِي كُلّ حَال , وَفِئِينُ بِالرَّفْعِ بِإِعْرَابِ نُونهَا بِالرَّفْعِ وَتَرْك الْيَاء فِيهَا , وَفِي النَّصْب فِئِينًا , وَفِي الْخَفْض فِئِينَ , فَيَكُون الْإِعْرَاب فِي الْخَفْض وَالنَّصْب فِي نُونهَا , وَفِي كُلّ ذَلِك مُقَرَّة فِيهَا الْيَاء عَلَى حَالهَا , فَإِنْ أُضِيفَتْ , قِيلَ : هَؤُلَاءِ فِئِينُك بِإِقْرَارِ النُّون وَحَذْف التَّنْوِين , كَمَا قَالَ الَّذِينَ لُغَتهمْ هَذِهِ سِنِينَ فِي جَمَعَ السَّنَة هَذِهِ سِنِينُك بِإِثْبَاتِ النُّون وَإِعْرَابهَا , وَحَذْف التَّنْوِين مِنْهَا لِلْإِضَافَةِ , وَكَذَلِك الْعَمَل فِي كُلّ مَنْقُوص , مِثْل مِائَة وَثِبَة وَقِلَة وَعِزَة , فَأَمَّا مَا كَانَ نَقْصه مِنْ أَوَّله ; فَإِنَّ جَمْعه بِالتَّاءِ مِثْل عِدَةٍ وَعِدَات وَصِلَة وَصِلَات . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَمْر هَذَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ , أَعْنِي الْقَائِلِينَ : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } وَالْقَائِلِينَ : { كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } مَنْ هُمَا . فَقَالَ بَعْضهمْ : الْفَرِيق الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } هُمْ أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَنِفَاق , وَلَيْسُوا مِمَّنْ شَهِدَ قِتَال جَالُوت وَجُنُوده , لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا عَنْ طَالُوت وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ لِقِتَالِ عَدُوّ اللَّه جَالُوت وَمَنْ مَعَهُ , وَهُمْ الَّذِينَ عَصَوْا أَمْر اللَّه لِشُرْبِهِمْ مِنْ النَّهَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4471 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثِنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ بِذَلِك ; وَهُوَ قَوْل ابْن عَبَّاس . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِك عَنْهُ آنِفًا . 4472 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } الَّذِينَ اغْتَرَفُوا وَأَطَاعُوا الَّذِينَ مَضَوْا مَعَ طَالُوت الْمُؤْمِنُونَ , وَجَلَسَ الَّذِينَ شَكُّوا . وَقَالَ آخَرُونَ : كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ أَهْل إيمَان , وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَد شَرِبَ مِنْ الْمَاء إلَّا غُرْفَة , بَلْ كَانُوا جَمِيعًا أَهْل طَاعَة , وَلَكِنَّ بَعْضهمْ كَانَ أَصَحّ يَقِينًا مِنْ بَعْض , وَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : { كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } وَالْآخَرُونَ كَانُوا أَضْعَف يَقِينًا , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 4473 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثِنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } وَيَكُون الْمُؤْمِنُونَ بَعْضهمْ أَفْضَل جِدًّا وَعَزْمًا مِنْ بَعْض , وَهُمْ مُؤْمِنُونَ كُلّهمْ . 4474 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه } أَنَّ النَّبِيّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْم بَدْر : " أَنْتُمْ بِعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت ثَلَثمِائَةٍ " قَالَ قَتَادَةَ : وَكَانَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر ثَلَثمِائَةٍ وَبَضْعَة عَشَرَ . 4475 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : الَّذِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْغُرْفَة أَقْوَى مَنْ الَّذِينَ أَخَذُوا , وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : { كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } وَيَجِبُ عَلَى الْقَوْل الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِز النَّهَر مَعَ طَالُوت إلَّا عِدَّة أَصْحَاب بَدْر أَنْ يَكُون كِلَا الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَهُمَا اللَّه بِمَا وَصَفَهُمَا بِهِ أَمَرَهُمَا عَلَى نَحْو مَا قَالَ فِيهِمَا قَتَادَةَ وَابْن زَيْد . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيل الْآيَة مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْجٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّة فِي ذَلِك فِيمَا مَضَى قَبْلُ آنِفًا . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه . 4476 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّه } الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : قَالَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ وَيُصَدِّقُونَ بِالْمَرْجِعِ إلَى اللَّه لِلَّذِينَ قَالُوا : { لَا طَاقَة لَنَا الْيَوْم بِجَالُوت وَجُنُوده كَمْ مَنْ فِئَة قَلِيلَة } يَعْنِي بِكَمْ كَثِيرًا غَلَبَتْ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه , يَعْنِي : بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَره . { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } يَقُول : مَعَ الْحَابِسِينَ أَنْفُسهمْ عَلَى رِضَاهُ وَطَاعَته . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ وُجُوه الظَّنّ وَأَنَّ أَحَد مَعَانِيه الْعِلْم الْيَقِين بِمَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِك فِيمَا مَضَى , فَكَرِهْنَا إعَادَته . وَأَمَّا الْفِئَة فَإِنَّهُمْ الْجَمَاعَة مَنْ النَّاس لَا وَاحِد لَهُ مَنْ لَفْظه , وَهُوَ مِثْل الرَّهْط وَالنَّفَر جَمْعه فِئَات وَفِئُون فِي الرَّفْع وَفِئِينَ فِي النَّصْب وَالْخَفْض بِفَتْحِ نُونهَا فِي كُلّ حَال , وَفِئِينُ بِالرَّفْعِ بِإِعْرَابِ نُونهَا بِالرَّفْعِ وَتَرْك الْيَاء فِيهَا , وَفِي النَّصْب فِئِينًا , وَفِي الْخَفْض فِئِينَ , فَيَكُون الْإِعْرَاب فِي الْخَفْض وَالنَّصْب فِي نُونهَا , وَفِي كُلّ ذَلِك مُقَرَّة فِيهَا الْيَاء عَلَى حَالهَا , فَإِنْ أُضِيفَتْ , قِيلَ : هَؤُلَاءِ فِئِينُك بِإِقْرَارِ النُّون وَحَذْف التَّنْوِين , كَمَا قَالَ الَّذِينَ لُغَتهمْ هَذِهِ سِنِينَ فِي جَمَعَ السَّنَة هَذِهِ سِنِينُك بِإِثْبَاتِ النُّون وَإِعْرَابهَا , وَحَذْف التَّنْوِين مِنْهَا لِلْإِضَافَةِ , وَكَذَلِك الْعَمَل فِي كُلّ مَنْقُوص , مِثْل مِائَة وَثِبَة وَقِلَة وَعِزَة , فَأَمَّا مَا كَانَ نَقْصه مِنْ أَوَّله ; فَإِنَّ جَمْعه بِالتَّاءِ مِثْل عِدَةٍ وَعِدَات وَصِلَة وَصِلَات .' وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاَللَّه مُعِين الصَّابِرِينَ عَلَى الْجِهَاد فِي سَبِيله وَغَيْر ذَلِك مَنْ طَاعَته , وَظُهُورهمْ وَنَصْرهمْ عَلَى أَعْدَائِهِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله , الْمُخَالِفِينَ مِنْهَاج دِينه . وَكَذَلِك يُقَال لِكُلِّ مُعِين رَجُلًا عَلَى غَيْره هُوَ مَعَهُ بِمَعْنَى هُوَ مَعَهُ بِالْعَوْنِ لَهُ وَالنُّصْرَة .وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاَللَّه مُعِين الصَّابِرِينَ عَلَى الْجِهَاد فِي سَبِيله وَغَيْر ذَلِك مَنْ طَاعَته , وَظُهُورهمْ وَنَصْرهمْ عَلَى أَعْدَائِهِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله , الْمُخَالِفِينَ مِنْهَاج دِينه . وَكَذَلِك يُقَال لِكُلِّ مُعِين رَجُلًا عَلَى غَيْره هُوَ مَعَهُ بِمَعْنَى هُوَ مَعَهُ بِالْعَوْنِ لَهُ وَالنُّصْرَة .'

تفسير القرطبي

فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى { فلما فصل طالوت بالجنود} { فصل} معناه خرج بهم. فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته فانقطع. قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت قالوا له أن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر. وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفا. وقال وهب : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. والابتلاء الاختبار. والنهَر والنهْر لغتان. واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدم. قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين. وقرأ الجمهور "بنهر" بفتح الهاء. وقرأ مجاهد وحميد الأعرج "بنهر" بإسكان الهاء. ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة : وأحسوا قراح الماء والماء بارد ** قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : (حسب المرء لقيمات يقمن صلبه). وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا. الثانية: استدل من قال إن طالوت كان نبيا بقوله { إن الله مبتليكم} وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم. ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب. وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم، وسيأتي بيانه في "النساء" إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى { فمن شرب منه فليس مني} شرب قيل معناه كرع. ومعنى { فليس مني} أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان. قال السدي: كانوا ثمانين ألفا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وفي الحديث (من غشنا فليس منا) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا. قال : إذا حاولت في أسد فجورا ** فإني لست منك ولست مني هذا مهيع في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني. الرابعة: قوله تعالى { ومن لم يطعمه فإنه مني} يقال : طعمت الشيء أي ذقته. وأطعمته الماء أي أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء. الخامسة: استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام "ومن لم يشرب منه". السادسة: لما قال تعالى { ومن لم يطعمه} دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا. السابعة: قال ابن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق؛ لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد. قال: وهذا فاسد؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث، فاعلمه. قلت : قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة. قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لغة أخرى [كرع] بكسر الراء يكرع كرعا. والكَرَع : ماء السماء يكرع فيه. وأما السنة فذكر ابن ماجة في سننه : حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد) وهذا نص. وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف. الثامنة: قوله تعالى { إلا من اغترف غرفة بيده} الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغَرف مثل الاغتراف. وقرئ "غرفة" بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف والاغتراف واحد. والغرفة المرة الواحدة. وقرئ "غرفة" بضم الغين وهي الشيء المغترف. وقال بعض المفسرين : الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين. وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن : لا يدلفون إلى ماء بآنية ** إلا اغترافا من الغدران بالراح الدليف : المشي الرويد. قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل وآناء النهار، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم عليهما السلام إذا طرح القدح فقال أف هذا مع الدنيا). خرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال : (لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مخمرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء...) الحديث كما تقدم، وفي إسناده بقية بن الوليد، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة. التاسعة: قوله تعالى { فشربوا منه إلا قليلا منهم} قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. العاشرة: قوله تعالى { فلما جاوزه هو} الهاء تعود على النهر، و"هو" توكيد. { والذين} في موضع رفع عطفا على المضمر في { جاوزه} يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا. والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه. قال ابن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون؛ فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} . وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم فقال أولو العزم منهم { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} . قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن. الحادية عشرة: قوله تعالى { قال الذين يظنون} والظن هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شكا لا علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل. قوله تعالى { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته. وفي قولهم رضي الله عنهم { كم من فئة قليلة} الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه. قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم). فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى { اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله} [آل عمران : 200] وقال { وعلى الله فتوكلوا} [المائدة : 23] وقال { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128] وقال { ولينصرن الله من ينصره} [الحج : 40] وقال { إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال : 45]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 247 - 251

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الفصل هو أن تعزل شيئا عن شيء آخر، ومثل ذلك قوله تعالى:
{  وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ }
[يوسف: 94]

{ فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ } أي غادرت مصر وخرجت منه. ونحن نستخدم كلمة " فصل " في تبويب الكتب، ونقصد به قدراً من المعلومات المترابطة التي تكون وحدة واحدة، وعندما تنضم الفصول مع بعضها في الكتب تصير أبواباً، وعندما تنظم الأبواب الموضوعة في مجال علم واحد مع بعضها نقول عنها: هذا " كتاب ".

ونحن نستخدم كلمة " فصل " في وصف مجموعة من التلاميذ المتقاربين في العمر والمستوى الدراسي ونقسمهم إلى فصل أول وثانٍ وثالث، على حسب سعة الفصول وعدد التلاميذ. وهكذا نفهم معنى قول الحق: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ } أي فصلهم عن بقية غير المقاتلين، وقسمهم إلى جماعات مرتبة، وكل جماعة لها مهمة.

وكلمة " جنود " هي جمع " جند " وهي مفردة لكنها تدل على جماعة، وأصل الكلمة من " جَنَد " وهي الأرض الغليظة الصلبة القوية، ونظرا لأن الجنود مفروض فيهم الغلظة والقوة فقد أُطلق عليهم لفظ: جُنْد. وبرغم أن كلمة " جند " مفرد؛ إلا أنها تدل على القوم مثل " رهط " و " طائفة " ويسمونها اسم جمع. { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } أي عندما خرج إلى مكان إقامة الجيش بدأ في مباشرة أولى مهماته كملك، لقد أراد أن يختبرهم، فهم قوم وقفوا ضد تعيينه ملكاً، لذلك أراد أن يدخل الحكم على أرض صلبة. فقال لهم عن الحق: { إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ }.

لقد أوضح لهم: أنتم مقبلون على مهمة لله في سبيل الله، وهو سبحانه الذي سيجري عليكم الاختبار، ولست أنا لأن الاختبار يكون على قدر المهمة؛ أنا مشرف فقط على تنفيذ الأمر، والله مبتليكم بنهر من يشرب منه فليس منا إلا من اغترف غرفة بيده.

وساعة تسمع كلمة { مُبْتَلِيكُمْ } فلا تفسرها على أنها مصيبة، ولكن فسرها على أنها اختبار، قد ينجح من يدخل وقد يفشل. والاختبار هنا بنهر. ومادام كان الاختبار بنهر فلا بد أن لهذه الكلمة موقعاً وأثراً نفسيا عندهم، لابد أنهم كانوا عِطاشاً، وإلا لو لم يكونوا عطاشاً لما كان النهر ابتلاء. { إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي }.

إنهم عطاش، وساعة يُرى الماء فسيقبلون عليه بنهم شرباً ورياً، ومع ذلك يختبر الحق صلابتهم فيطالبهم بأن يمتنعوا عن الشرب منه، لقد جاء الاختبار في منعهم مما تصبو إليه نفوسهم.{ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } لماذا؟

لأنهم ساعة يرون ما يحبونه ويشتهونه فسيندفعون إليه وينسون أمر الله. ومن ينس أمر الله ويفضل نفسه، فهو غير مأمون أن يكون في جند الله. لكن الذي يرى الماء ويمتنع عنه وهو في حاجة إليه، فهو صابر قادر على نفسه، وسيكون من جند الله، لأنه آثر مطلوب الله على مطلوب بطنه، وهو أهل لأن يُبتلى.

ومع ذلك لم يَقْسُ الله في الابتلاء، فأباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه نهائياً. { إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } لقد سمح لهم بغرفة يد تسد الرمق وتستبقي الحياة، أباح لهم ما تقتضيه الضرورة. لكن ما صلة هذا الابتلاء بالعملية التي سيقبلون عليها؟

إن العملية الحربية التي سيدخلونها سيقابلون فيها الويل وسيعرضون لنفاذ الزاد وهم أيضا عرضة لأن يحاصرهم عدوهم، وعلى الإنسان المقاتل في مثل هذه الأمور أن يقوى على شهوته ويأخذ من زاده ومائه على قدر ضرورة استبقاء الحياة، لذلك تكفي غرفة واحدة لاستبقاء الحياة. كأن التدريب هنا ضرورة للمهمة. فهل فعلوا ذلك؟

يأتينا الخبر من الحق { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ }. وهكذا تتم التصفية، ففي البداية سبق لهم أن تولوا وأعرضوا عن القتال إلا قليلا، وهنا امتنع عن الشرب قليل من القليل، وهذه غرابيل الاصطفاء أو مصافي الاختبار، فقد يقوى واحد على نصف المشقة، ويقوى آخر على ثلث المشقة، ويقوى ثالث على ربعها. لقد بقي منهم القليل، لكنه القليل الذي يصلح للمهمة؛ إنّه الذي ظل على الإيمان.

وانظر كيف تكون مصافي الابتلاء في الجهاد في سبيل الله؟ حتى لا يحمل راية الجهاد إلا المأمون عليها الذي يعرف حقها. { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } أي عندما عبروا النهر واجتازوا كل الاختبارات السابقة قال بعضهم: { لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } لقد خاف بعض منهم من الاختبار الأخير، ولكن الذين آمنوا بالله لم يخافوا، ويقول الحق: { قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.

لقد اختلفت المواجيد وإن اتحدت المرائي. فالذين جاوزوا النهر انقسموا قسمين، قسم رأى جالوت وجنوده، والقسم الآخر رأوه أيضا، ولم ينقسموا عند الرؤية لكنهم انقسموا عند المواجيد التابعة للرؤية، فقسم خاف وقسم لم يخف، والذين خافوا قالوا: { لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } لقد وجد الخوف من جالوت وجنوده في نفوسهم فقالوا: { لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } ، لقد مروا بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: هي إدراك لجالوت وجنوده، والثانية: هي وجدان متوجس من قوة جالوت وجنوده، والأخيرة: هي نزوع إلى الخوف من جالوت وجنوده، لكن القسم الذي لم يخف رأوا المشهد أيضا وجاء فيهم قول الله: { قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }.كأنهم أدخلوا ربهم في حسابهم فاستهانوا بعدوهم، لكن الفئة السابقة عزلت نفسها عن ربها فرأوا أنفسهم قلة فخافوا. لقد كان مجرد ظن الفئة المؤمنة أنهم ملاقو الله قد جعل لهم هذه العقيدة، وإذا كان هذا حال مجرد الظن فما بالك باليقين؟ { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }. ونعرف أن هناك معارك يفوز فيها الأقدر على الصبر، ودليلنا على ذلك قول الحق:
{  إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ }
[آل عمران: 124]

هذا هو الوعد لكن إذا صبرتم كم يكون المدد؟ يقول الحق:
{  بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ }
[آل عمران: 125]

فكأن البدء بثلاثة آلاف لمساندة أهل الإيمان ويزيد العدد في المدد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا. إذن فالمدد يأتي على قدر الصبر؛ لأن حنان القدرة الإلهية عليك يزداد ساعة يجدك تتحمل المشقة فيحن عليك ويعطيك جزءا أكبر. فالله يريد من عبده أن يستنفد أسباب قوته الخاصة، وحين تستنفد الأسباب برجولة وثبات، تأتيك معونة الله، ويقول الله لملائكته: هذا يستحق أن يعان فأعينوه. ولذلك جاء قوله الحق على ألسنة المؤمنين: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }. ويقول الحق بعد ذلك: { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً }

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة البقرة (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ولماذا جاءت صيغة الطعام مع النهر الذي فيه شراب؟
أولاً ما معنى طعِم؟ لها في اللغة دلالتان فتأتي بمعنى أكل أو ذاق نقول عديم الطعم أي المذاق.
ليس بالضرورة أن تكون طعِم بمعنى أكل لأنها كما قلنا تأتي بمعنى ذاق. وقوله تعالى (فمن لم يطعمه) لا تعني بالضرورة أنه أكل لكن لماذا اختار ومن لم يطعمه ولم يقل ومن لم يشربه؟

قال تعالى (فمن شرب منه فإنه مني) لأن الماء قد يُطعم إذا كان مع شيء يُمضغ: شيئ تمضغه تشرب ماءً فأصبح يُطعم الآن فهذا ممنوع لأنه لو قال لم يشربه جاز أن يطعمه مع شيء آخر يعني يأكلون شيئاً ويمضغون فيشربون الماء بهذا يكون انتفى الشرب لكن حصل الطعم فأراد تعالى أن ينفي هذه المسألة.
فمن شرب منه فليس مني: شراب فقط بدون طعام كما نشرب الماء.
لم يطعمه: لو قال لم يشربه جاز له أن يطعمه فأراد أن ينفي القليل وبالتالي ينفي الكثير.
إلا من اغترف غرفة بيده: هذه استثناها (غرفة بيده) ولو قال يطعمه لم تستثنى هذه يكون له ما يشاء. لكن ألا تدخل هذه في نطاق الطعام؟ إنه يطعم الماء ليتذوقه الآن تذوقه بهذا القدر ليس له الزيادة التي أباحها الله فيه ولو قال لم يطعمه اتّسع القدر يأكل مع الطعام.


www.alro7.net