سورة
اية:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

قال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط اللّه عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا خلقاً كثيراً وأخذوا منهم بلاداً كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثاً لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلى القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها، وقد قتل فأخذوها فحبسوها في بيت واحتفظوا بها لعل اللّه يرزقها غلاماً يكون نبياً لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله عزّ وجلّ أن يرزقها غلاماً فسمع اللّه لها ووهبها غلاماً فسمته شمويل أي سمع اللّه دعائي ومنهم من يقول شمعون روي عن قتادة أن النبي هو يوشع بن نون قال ابن كثير: هو بعيد لأن هذا كان بعد موسى بزمن طويل، وكان ذلك في زمن داود عليه السلام، وقد كان بين داود و موسى ما يزيد على ألف سنة، وروي عن السدي أنه شمويل ، وقال مجاهد: هو شمعون واللّه أعلم. وهو بمعناه فشب ذلك الغلام ونشأ فيهم وأنبته اللّه نباتاً حسناً، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى اللّه إليه وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضاً قد باد فيهم فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام اللّه لكم ملكاً ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه؟ { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} أي وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد! قال اللّه تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم واللّه عليم بالظالمين} أي ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم واللّه عليم بهم.

تفسير الجلالين

{ ألم تر إلى الملأ } الجماعة { من بني إسرائيل من بعد } موت { موسى } أي إلى قصتهم وخبرهم { إذ قالوا لنبي لهم } هو شمويل { ابعث } أقم { لنا ملكا نقاتل } معه { في سبيل الله } تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه { قال } النبي لهم { هل عسَيتم } بالفتح والكسر { إن كتب عليكم القتال أ } ن { لا تقاتلوا } خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها { قالوا وما لنا أ } ن { لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا } بسبيهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى : { فلما كُتب عليهم القتال تولوا } عنه وجبنوا { إلا قليلا منهم } وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي { والله عليم بالظالمين } فمجازيهم وسأل النبي إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ } أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِقَلْبِك , فَتَعْلَم بِخَبَرِي إيَّاكَ يَا مُحَمَّد { إلَى الْمَلَإِ } يَعْنِي إلَى وُجُوه بَنِي إسْرَائِيل وَأَشْرَافهمْ وَرُؤَسَائِهِمْ مِنْ بَعْد مُوسَى . يَقُول : مِنْ بَعْد مَا قَبَضَ مُوسَى فَمَاتَ , إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه . فَذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيّ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ شمويل بْن بالى بْن عَلْقَمَة بْن يرحام بْن أليهو بْن تهو بْن صوف بْن عَلْقَمَة بْن مَاحِث بْن عَمُوصَا بْن عزريا بْن صَفِيَّة بْن عَلْقَمَة بْن أَبِي يَاسِق بْن قَارُونَ بْن يصهر بْن قاهث بْن لَاوِي بْن يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم . 4387 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . 4388 - وَحَدَّثَنِي أَيْضًا الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : هُوَ شمويل . وَلَمْ يَنْسُبهُ كَمَا نَسَبَهُ إسْحَاق . وَقَالَ السُّدِّيّ : بَلْ اسْمه شَمْعُون , وَقَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ شَمْعُون لِأَنَّ أُمّه دَعَتْ اللَّه أَنْ يَرْزُقهَا غُلَامًا , فَاسْتَجَابَ اللَّه لَهَا دُعَاءَهَا فَرَزَقَهَا , فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ شَمْعُون ; تَقُول : اللَّه تَعَالَى سَمِعَ دُعَائِي . 4389 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . كَأَنَّ شَمْعُون فَعْلُون عِنْد السُّدِّيّ , مِنْ قَوْلهَا : سَمِعَ اللَّه دُعَاءَهَا . 4390 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ } قَالَ : شَمْعُون . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي سَأَلَهُ قَوْمه مِنْ بَنِي إسْرَائِيل أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه يُوشَع بْن نُون بْن إفْرَاثِيم بْن يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم . 4391 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهمْ } قَالَ : كَانَ نَبِيّهمْ الَّذِي بَعْد مُوسَى يُوشَع بْن نُون . قَالَ : وَهُوَ أَحَد الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ } أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِقَلْبِك , فَتَعْلَم بِخَبَرِي إيَّاكَ يَا مُحَمَّد { إلَى الْمَلَإِ } يَعْنِي إلَى وُجُوه بَنِي إسْرَائِيل وَأَشْرَافهمْ وَرُؤَسَائِهِمْ مِنْ بَعْد مُوسَى . يَقُول : مِنْ بَعْد مَا قَبَضَ مُوسَى فَمَاتَ , إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه . فَذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيّ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ شمويل بْن بالى بْن عَلْقَمَة بْن يرحام بْن أليهو بْن تهو بْن صوف بْن عَلْقَمَة بْن مَاحِث بْن عَمُوصَا بْن عزريا بْن صَفِيَّة بْن عَلْقَمَة بْن أَبِي يَاسِق بْن قَارُونَ بْن يصهر بْن قاهث بْن لَاوِي بْن يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم . 4387 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . 4388 - وَحَدَّثَنِي أَيْضًا الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : هُوَ شمويل . وَلَمْ يَنْسُبهُ كَمَا نَسَبَهُ إسْحَاق . وَقَالَ السُّدِّيّ : بَلْ اسْمه شَمْعُون , وَقَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ شَمْعُون لِأَنَّ أُمّه دَعَتْ اللَّه أَنْ يَرْزُقهَا غُلَامًا , فَاسْتَجَابَ اللَّه لَهَا دُعَاءَهَا فَرَزَقَهَا , فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ شَمْعُون ; تَقُول : اللَّه تَعَالَى سَمِعَ دُعَائِي . 4389 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . كَأَنَّ شَمْعُون فَعْلُون عِنْد السُّدِّيّ , مِنْ قَوْلهَا : سَمِعَ اللَّه دُعَاءَهَا . 4390 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ } قَالَ : شَمْعُون . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي سَأَلَهُ قَوْمه مِنْ بَنِي إسْرَائِيل أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه يُوشَع بْن نُون بْن إفْرَاثِيم بْن يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم . 4391 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهمْ } قَالَ : كَانَ نَبِيّهمْ الَّذِي بَعْد مُوسَى يُوشَع بْن نُون . قَالَ : وَهُوَ أَحَد الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . ' وَأَمَّا قَوْله : { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } فَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجَله سَأَلَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل نَبِيّهمْ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ إيَّاهُ مَا : 4392 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : خَلَفَ بَعْد مُوسَى فِي بَنِي إسْرَائِيل يُوشَع بْن نُون يُقِيم فِيهِمْ التَّوْرَاة وَأَمْر اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ كَالِب بْن يوقنا يُقِيم فِيهِمْ التَّوْرَاة وَأَمْر اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ حزقيل بْن بوزي وَهُوَ ابْن الْعَجُوز . ثُمَّ إنَّ اللَّه قَبَضَ حزقيل , وَعَظُمَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيل الْأَحْدَاث , وَنَسُوا مَا كَانَ مِنْ عَهْد اللَّه إلَيْهِمْ , حَتَّى نَصَبُوا الْأَوْثَان وَعَبَدُوهَا مِنْ دُون اللَّه . فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ إلْيَاس بْن يس بْن فِنْحَاص بْن العيزار بْن هَارُونَ بْن عِمْرَان نَبِيًّا . وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَنْبِيَاء مِنْ بَنِي إسْرَائِيل بَعْد مُوسَى يَبْعَثُونَ إلَيْهِمْ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنْ التَّوْرَاة . وَكَانَ إلْيَاس مَعَ مَلِك مِنْ مُلُوك بَنِي إسْرَائِيل يُقَال لَهُ أَخَاب , وَكَانَ يَسْمَع مِنْهُ وَيُصَدِّقهُ , فَكَانَ إلْيَاس يُقِيم لَهُ أَمْره . وَكَانَ سَائِر بَنِي إسْرَائِيل قَدْ اتَّخَذُوا صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون اللَّه , فَجَعَلَ إلْيَاس يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه , وَجَعَلُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا , إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِك , وَالْمُلُوك مُتَفَرِّقَة بِالشَّامِ , كُلّ مَلِك لَهُ نَاحِيَة مِنْهَا يَأْكُلهَا . فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلِك الَّذِي كَانَ إلْيَاس مَعَهُ يَقُوم لَهُ أَمْره وَيَرَاهُ عَلَى هُدًى مِنْ بَيْن أَصْحَابه يَوْمًا : يَا إلْيَاس وَاَللَّه مَا أَرَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ النَّاس إلَّا بَاطِلًا ! وَاَللَّه مَا أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا - يُعَدِّد مُلُوكًا مِنْ مُلُوك بَنِي إسْرَائِيل - قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَان مِنْ دُون اللَّه إلَّا عَلَى مِثْل مَا نَحْنُ عَلَيْهِ , يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ , مَالِكِينَ مَا يَنْقُص مِنْ دُنْيَاهُمْ , وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْل ! وَيَزْعُمُونَ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ إلْيَاس اسْتَرْجَعَ , وَقَامَ شَعْر رَأْسه وَجِلْده ثُمَّ رَفَضَهُ وَخَرَجَ عَنْهُ . فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِك فِعْل أَصْحَابه , عَبَدَ الْأَوْثَان , وَصَنَعَ مَا يَصْنَعُونَ . ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْده فِيهِمْ الْيَسَع , فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُون , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّه إلَيْهِ . وَخَلَفَتْ فِيهِمْ الْخُلُوف , وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا , وَعِنْدهمْ التَّابُوت يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِر , فِيهِ السَّكِينَة , وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُونَ , وَكَانُوا لَا يَلْقَاهُمْ عَدُوّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوت وَيَزْحَفُونَ بِهِ مَعَهُمْ , إلَّا هَزَمَ اللَّه ذَلِكَ الْعَدُوّ . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ مَلِك يُقَال لَهُ إيلَاء , وَكَانَ اللَّه قَدْ بَارَكَ لَهُمْ فِي جِبِلّهمْ مِنْ إيلِيَا لَا يَدْخُلهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّ وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى غَيْره . وَكَانَ أَحَدهمْ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَجْمَع التُّرَاب عَلَى الصَّخْرَة , ثُمَّ يَنْبِذ فِيهِ الْحَبّ , فَيَخْرَج اللَّه لَهُ مَا يَأْكُل سَنَته هُوَ وَعِيَاله , وَيَكُون لِأَحَدِهِمْ الزَّيْتُونَة فَيَعْتَصِر مِنْهَا مَا يَأْكُل هُوَ وَعِيَاله سَنَته . فَلَمَّا عَظُمَتْ أَحْدَاثهمْ وَتَرَكُوا عَهْد اللَّه إلَيْهِ , نَزَلَ بِهِمْ عَدُوّ , فَخَرَجُوا إلَيْهِ , وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ التَّابُوت كَمَا كَانُوا يُخْرِجُونَهُ , ثُمَّ زَحَفُوا بِهِ , فَقُوتِلُوا حَتَّى اسْتَلَبَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ . فَأَتَى مَلِكهمْ إيلَاء , فَأُخْبِرَ أَنَّ التَّابُوت قَدْ أُخِذَ وَاسْتُلِبَ , فَمَالَتْ عُنُقه , فَمَاتَ كَمَدًا عَلَيْهِ . فَمَرَجَ أَمْرهمْ عَلَيْهِمْ , وَوَطِئَهُمْ عَدُوّهُمْ , حَتَّى أُصِيبَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ , وَفِيهِمْ نَبِيّ لَهُمْ قَدْ كَانَ اللَّه بَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَكَانُوا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا يُقَال لَهُ شمويل , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } إلَى قَوْله : { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا } يَقُول اللَّه : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } إلَى قَوْله : { إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } قَالَ ابْن إسْحَاق : فَكَانَ مِنْ حَدِيثهمْ فِيمَا حَدَّثَنِي بِهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه : أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ بِهِمْ الْبَلَاء وَوَطِئَتْ بِلَادهمْ , كَلَّمُوا نَبِيّهمْ شمويل بْن بَالِي , فَقَالُوا : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! وَإِنَّمَا كَانَ قِوَام بَنِي إسْرَائِيل الِاجْتِمَاع عَلَى الْمُلُوك , وَطَاعَة الْمُلُوك أَنْبِيَاءَهُمْ , وَكَانَ الْمَلِك هُوَ يَسِير بِالْجُمُوعِ وَالنَّبِيّ يُقَوِّم لَهُ أَمْره , وَيَأْتِيه بِالْخَبَرِ مِنْ رَبّه , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ صَلُحَ أَمْرهمْ , فَإِذَا عَتَتْ مُلُوكهمْ وَتَرَكُوا أَمْر أَنْبِيَائِهِمْ فَسَدَ أَمْرهمْ . فَكَانَتْ الْمُلُوك إذَا تَابَعَتْهَا الْجَمَاعَة عَلَى الضَّلَالَة تَرَكُوا أَمْر الرُّسُل , فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ فَلَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا , وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَلَاء بِهِمْ حَتَّى قَالُوا لَهُ : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! فَقَالَ لَهُمْ : إنَّهُ لَيْسَ عِنْدكُمْ وَفَاء وَلَا صِدْق وَلَا رَغْبَة فِي الْجِهَاد . فَقَالُوا : إنَّمَا كُنَّا نَهَاب الْجِهَاد وَنَزْهَد فِيهِ أَنَّا كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادنَا لَا يَطَؤُهَا أَحَد فَلَا يَظْهَر عَلَيْنَا فِيهَا عَدُوّ , فَأَمَّا إذْ بَلَغَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْجِهَاد , فَنُطِيع رَبّنَا فِي جِهَاد عَدُوّنَا وَنَمْنَع أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَذَرَارِيّنَا . 4393 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل } إلَى : { وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } قَالَ الرَّبِيع : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ مُوسَى لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة اسْتَخْلَفَ فَتَاهُ يُوشَع بْن نُون عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَأَنَّ يُوشَع بْن نُون سَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّه التَّوْرَاة وَسُنَّة نَبِيّه مُوسَى . ثُمَّ إنَّ يُوشَع بْن نُون تُوُفِّيَ وَاسْتَخْلَفَ فِيهِمْ آخَر , فَسَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر , فَسَارَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ صَاحِبَيْهِ . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَعَرَفُوا وَأَنْكَرُوا , ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَأَنْكَرُوا عَامَّة أَمْره . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَأَنْكَرُوا أَمْره كُلّه . ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرَائِيل أَتَوْا نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ حِين أُوذُوا فِي نَفُوسهمْ وَأَمْوَالهمْ , فَقَالُوا لَهُ : سَلْ رَبّك أَنْ يَكْتُب عَلَيْنَا الْقِتَال ! فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيّ : { هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا } إلَى قَوْله : { وَاَللَّه يُؤْتِي مُلْكه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } . 4394 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا } قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : هَذَا حِين رُفِعَتْ التَّوْرَاة وَاسْتُخْرِجَ أَهْل الْإِيمَان , وَكَانَتْ الْجَبَابِرَة قَدْ أَخَرَجَتْهُمْ مِنْ دِيَارهمْ وَأَبْنَائِهِمْ . 4395 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا } قَالَ : هَذَا حِين رُفِعَتْ التَّوْرَاة وَاسْتُخْرِجَ أَهْل الْإِيمَان . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ نَبِيّهمْ ذَلِكَ , مَا : 4396 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيل يُقَاتِلُونَ الْعَمَالِقَة , وَكَانَ مَلِك الْعَمَالِقَة جَالُوت . وَإِنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , فَضَرَبُوا عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة , وَأَخَذُوا تَوْرَاتهمْ وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيل يَسْأَلُونَ اللَّه أَنْ يَبْعَث لَهُمْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَكَانَ سَبْط النُّبُوَّة قَدْ هَلَكُوا , فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا امْرَأَة حُبْلَى , فَأَخَذُوهَا فَحَبَسُوهَا فِي بَيْت رَهْبَة أَنْ تَلِد جَارِيَة فَتُبَدِّلهَا بِغُلَامٍ , لَمَّا تَرَى مِنْ رَغْبَة بَنِي إسْرَائِيل فِي وَلَدهَا . فَجَعَلَتْ الْمَرْأَة تَدْعُو اللَّه أَنْ يَرْزُقهَا غُلَامًا , فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ شَمْعُون . فَكَبِرَ الْغُلَام فَأَرْسَلَتْهُ يَتَعَلَّم التَّوْرَاة فِي بَيْت الْمَقْدِس , وَكَفَلَهُ شَيْخ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ . فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلَام أَنْ يَبْعَثهُ اللَّه نَبِيًّا أَتَاهُ جِبْرِيل وَالْغُلَام نَائِم إلَى جَنْب الشَّيْخ , وَكَانَ لَا يَأْتَمِن عَلَيْهِ أَحَدًا غَيْره , فَدَعَاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخ : يَا شماول ! فَقَامَ الْغُلَام فَزِعًا إلَى الشَّيْخ , فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ دَعَوْتنِي ؟ فَكَرِهَ الشَّيْخ أَنْ يَقُول لَا فَيَفْزَع الْغُلَام , فَقَالَ : يَا بُنَيّ ارْجِعْ فَنَمْ ! فَرَجَعَ فَنَامَ ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَة , فَأَتَاهُ الْغُلَام أَيْضًا , فَقَالَ : دَعَوْتنِي ؟ فَقَالَ : ارْجِعْ فَنَمْ , فَإِنْ دَعَوْتُك الثَّالِثَة فَلَا تُجِبْنِي ! فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَة ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : اذْهَبْ إلَى قَوْمك فَبَلِّغْهُمْ رِسَالَة رَبّك , فَإِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَك فِيهِمْ نَبِيًّا ! فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُوا : اسْتَعْجَلْت بِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَأْنِ لَك وَقَالُوا : إنْ كُنْت صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه آيَة مِنْ نُبُوَّتك ! فَقَالَ لَهُمْ شَمْعُون : عَسَى أَنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا ! وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَغَيْر جَائِز فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } إذَا قُرِئَ بِالنُّونِ غَيْر الْجَزْم عَلَى مَعْنَى الْمُجَازَاة وَشَرْط الْأَمْر . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الرَّفْع فِيهِ جَائِز وَقَدْ قُرِئَ بِالنُّونِ بِمَعْنَى الَّذِي نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر حَرْفَيْنِ . وَلَكِنَّ لَوْ كَانَ قُرِئَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ لَجَازَ رَفْعه , لِأَنَّهُ يَكُون لَوْ قُرِئَ كَذَلِكَ صِلَة لِلْمَلِكِ , فَيَصِير تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : ابْعَثْ لَنَا الَّذِي يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَابَعْث فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك } 2 129 لِأَنَّ قَوْله " يَتْلُو " مِنْ صِلَة " الرَّسُول " . وَأَمَّا قَوْله : { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } فَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجَله سَأَلَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل نَبِيّهمْ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ إيَّاهُ مَا : 4392 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : خَلَفَ بَعْد مُوسَى فِي بَنِي إسْرَائِيل يُوشَع بْن نُون يُقِيم فِيهِمْ التَّوْرَاة وَأَمْر اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ كَالِب بْن يوقنا يُقِيم فِيهِمْ التَّوْرَاة وَأَمْر اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ حزقيل بْن بوزي وَهُوَ ابْن الْعَجُوز . ثُمَّ إنَّ اللَّه قَبَضَ حزقيل , وَعَظُمَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيل الْأَحْدَاث , وَنَسُوا مَا كَانَ مِنْ عَهْد اللَّه إلَيْهِمْ , حَتَّى نَصَبُوا الْأَوْثَان وَعَبَدُوهَا مِنْ دُون اللَّه . فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ إلْيَاس بْن يس بْن فِنْحَاص بْن العيزار بْن هَارُونَ بْن عِمْرَان نَبِيًّا . وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَنْبِيَاء مِنْ بَنِي إسْرَائِيل بَعْد مُوسَى يَبْعَثُونَ إلَيْهِمْ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنْ التَّوْرَاة . وَكَانَ إلْيَاس مَعَ مَلِك مِنْ مُلُوك بَنِي إسْرَائِيل يُقَال لَهُ أَخَاب , وَكَانَ يَسْمَع مِنْهُ وَيُصَدِّقهُ , فَكَانَ إلْيَاس يُقِيم لَهُ أَمْره . وَكَانَ سَائِر بَنِي إسْرَائِيل قَدْ اتَّخَذُوا صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُون اللَّه , فَجَعَلَ إلْيَاس يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه , وَجَعَلُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا , إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِك , وَالْمُلُوك مُتَفَرِّقَة بِالشَّامِ , كُلّ مَلِك لَهُ نَاحِيَة مِنْهَا يَأْكُلهَا . فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلِك الَّذِي كَانَ إلْيَاس مَعَهُ يَقُوم لَهُ أَمْره وَيَرَاهُ عَلَى هُدًى مِنْ بَيْن أَصْحَابه يَوْمًا : يَا إلْيَاس وَاَللَّه مَا أَرَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ النَّاس إلَّا بَاطِلًا ! وَاَللَّه مَا أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا - يُعَدِّد مُلُوكًا مِنْ مُلُوك بَنِي إسْرَائِيل - قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَان مِنْ دُون اللَّه إلَّا عَلَى مِثْل مَا نَحْنُ عَلَيْهِ , يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ , مَالِكِينَ مَا يَنْقُص مِنْ دُنْيَاهُمْ , وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْل ! وَيَزْعُمُونَ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ إلْيَاس اسْتَرْجَعَ , وَقَامَ شَعْر رَأْسه وَجِلْده ثُمَّ رَفَضَهُ وَخَرَجَ عَنْهُ . فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِك فِعْل أَصْحَابه , عَبَدَ الْأَوْثَان , وَصَنَعَ مَا يَصْنَعُونَ . ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْده فِيهِمْ الْيَسَع , فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُون , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّه إلَيْهِ . وَخَلَفَتْ فِيهِمْ الْخُلُوف , وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا , وَعِنْدهمْ التَّابُوت يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِر , فِيهِ السَّكِينَة , وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُونَ , وَكَانُوا لَا يَلْقَاهُمْ عَدُوّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوت وَيَزْحَفُونَ بِهِ مَعَهُمْ , إلَّا هَزَمَ اللَّه ذَلِكَ الْعَدُوّ . ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ مَلِك يُقَال لَهُ إيلَاء , وَكَانَ اللَّه قَدْ بَارَكَ لَهُمْ فِي جِبِلّهمْ مِنْ إيلِيَا لَا يَدْخُلهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّ وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى غَيْره . وَكَانَ أَحَدهمْ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَجْمَع التُّرَاب عَلَى الصَّخْرَة , ثُمَّ يَنْبِذ فِيهِ الْحَبّ , فَيَخْرَج اللَّه لَهُ مَا يَأْكُل سَنَته هُوَ وَعِيَاله , وَيَكُون لِأَحَدِهِمْ الزَّيْتُونَة فَيَعْتَصِر مِنْهَا مَا يَأْكُل هُوَ وَعِيَاله سَنَته . فَلَمَّا عَظُمَتْ أَحْدَاثهمْ وَتَرَكُوا عَهْد اللَّه إلَيْهِ , نَزَلَ بِهِمْ عَدُوّ , فَخَرَجُوا إلَيْهِ , وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ التَّابُوت كَمَا كَانُوا يُخْرِجُونَهُ , ثُمَّ زَحَفُوا بِهِ , فَقُوتِلُوا حَتَّى اسْتَلَبَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ . فَأَتَى مَلِكهمْ إيلَاء , فَأُخْبِرَ أَنَّ التَّابُوت قَدْ أُخِذَ وَاسْتُلِبَ , فَمَالَتْ عُنُقه , فَمَاتَ كَمَدًا عَلَيْهِ . فَمَرَجَ أَمْرهمْ عَلَيْهِمْ , وَوَطِئَهُمْ عَدُوّهُمْ , حَتَّى أُصِيبَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ , وَفِيهِمْ نَبِيّ لَهُمْ قَدْ كَانَ اللَّه بَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَكَانُوا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا يُقَال لَهُ شمويل , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } إلَى قَوْله : { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا } يَقُول اللَّه : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } إلَى قَوْله : { إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } قَالَ ابْن إسْحَاق : فَكَانَ مِنْ حَدِيثهمْ فِيمَا حَدَّثَنِي بِهِ بَعْض أَهْل الْعِلْم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه : أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ بِهِمْ الْبَلَاء وَوَطِئَتْ بِلَادهمْ , كَلَّمُوا نَبِيّهمْ شمويل بْن بَالِي , فَقَالُوا : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! وَإِنَّمَا كَانَ قِوَام بَنِي إسْرَائِيل الِاجْتِمَاع عَلَى الْمُلُوك , وَطَاعَة الْمُلُوك أَنْبِيَاءَهُمْ , وَكَانَ الْمَلِك هُوَ يَسِير بِالْجُمُوعِ وَالنَّبِيّ يُقَوِّم لَهُ أَمْره , وَيَأْتِيه بِالْخَبَرِ مِنْ رَبّه , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ صَلُحَ أَمْرهمْ , فَإِذَا عَتَتْ مُلُوكهمْ وَتَرَكُوا أَمْر أَنْبِيَائِهِمْ فَسَدَ أَمْرهمْ . فَكَانَتْ الْمُلُوك إذَا تَابَعَتْهَا الْجَمَاعَة عَلَى الضَّلَالَة تَرَكُوا أَمْر الرُّسُل , فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ فَلَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا , وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَلَاء بِهِمْ حَتَّى قَالُوا لَهُ : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! فَقَالَ لَهُمْ : إنَّهُ لَيْسَ عِنْدكُمْ وَفَاء وَلَا صِدْق وَلَا رَغْبَة فِي الْجِهَاد . فَقَالُوا : إنَّمَا كُنَّا نَهَاب الْجِهَاد وَنَزْهَد فِيهِ أَنَّا كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادنَا لَا يَطَؤُهَا أَحَد فَلَا يَظْهَر عَلَيْنَا فِيهَا عَدُوّ , فَأَمَّا إذْ بَلَغَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْجِهَاد , فَنُطِيع رَبّنَا فِي جِهَاد عَدُوّنَا وَنَمْنَع أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَذَرَارِيّنَا . 4393 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل } إلَى : { وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } قَالَ الرَّبِيع : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ مُوسَى لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة اسْتَخْلَفَ فَتَاهُ يُوشَع بْن نُون عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَأَنَّ يُوشَع بْن نُون سَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّه التَّوْرَاة وَسُنَّة نَبِيّه مُوسَى . ثُمَّ إنَّ يُوشَع بْن نُون تُوُفِّيَ وَاسْتَخْلَفَ فِيهِمْ آخَر , فَسَارَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر , فَسَارَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ صَاحِبَيْهِ . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَعَرَفُوا وَأَنْكَرُوا , ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَأَنْكَرُوا عَامَّة أَمْره . ثُمَّ اسْتَخْلَفَ آخَر فَأَنْكَرُوا أَمْره كُلّه . ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرَائِيل أَتَوْا نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ حِين أُوذُوا فِي نَفُوسهمْ وَأَمْوَالهمْ , فَقَالُوا لَهُ : سَلْ رَبّك أَنْ يَكْتُب عَلَيْنَا الْقِتَال ! فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيّ : { هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا } إلَى قَوْله : { وَاَللَّه يُؤْتِي مُلْكه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } . 4394 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا } قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : هَذَا حِين رُفِعَتْ التَّوْرَاة وَاسْتُخْرِجَ أَهْل الْإِيمَان , وَكَانَتْ الْجَبَابِرَة قَدْ أَخَرَجَتْهُمْ مِنْ دِيَارهمْ وَأَبْنَائِهِمْ . 4395 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا } قَالَ : هَذَا حِين رُفِعَتْ التَّوْرَاة وَاسْتُخْرِجَ أَهْل الْإِيمَان . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ سَبَب مَسْأَلَتهمْ نَبِيّهمْ ذَلِكَ , مَا : 4396 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ بَعْد مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيل يُقَاتِلُونَ الْعَمَالِقَة , وَكَانَ مَلِك الْعَمَالِقَة جَالُوت . وَإِنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , فَضَرَبُوا عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة , وَأَخَذُوا تَوْرَاتهمْ وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيل يَسْأَلُونَ اللَّه أَنْ يَبْعَث لَهُمْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَكَانَ سَبْط النُّبُوَّة قَدْ هَلَكُوا , فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا امْرَأَة حُبْلَى , فَأَخَذُوهَا فَحَبَسُوهَا فِي بَيْت رَهْبَة أَنْ تَلِد جَارِيَة فَتُبَدِّلهَا بِغُلَامٍ , لَمَّا تَرَى مِنْ رَغْبَة بَنِي إسْرَائِيل فِي وَلَدهَا . فَجَعَلَتْ الْمَرْأَة تَدْعُو اللَّه أَنْ يَرْزُقهَا غُلَامًا , فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ شَمْعُون . فَكَبِرَ الْغُلَام فَأَرْسَلَتْهُ يَتَعَلَّم التَّوْرَاة فِي بَيْت الْمَقْدِس , وَكَفَلَهُ شَيْخ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ . فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلَام أَنْ يَبْعَثهُ اللَّه نَبِيًّا أَتَاهُ جِبْرِيل وَالْغُلَام نَائِم إلَى جَنْب الشَّيْخ , وَكَانَ لَا يَأْتَمِن عَلَيْهِ أَحَدًا غَيْره , فَدَعَاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخ : يَا شماول ! فَقَامَ الْغُلَام فَزِعًا إلَى الشَّيْخ , فَقَالَ : يَا أَبَتَاهُ دَعَوْتنِي ؟ فَكَرِهَ الشَّيْخ أَنْ يَقُول لَا فَيَفْزَع الْغُلَام , فَقَالَ : يَا بُنَيّ ارْجِعْ فَنَمْ ! فَرَجَعَ فَنَامَ ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَة , فَأَتَاهُ الْغُلَام أَيْضًا , فَقَالَ : دَعَوْتنِي ؟ فَقَالَ : ارْجِعْ فَنَمْ , فَإِنْ دَعَوْتُك الثَّالِثَة فَلَا تُجِبْنِي ! فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَة ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : اذْهَبْ إلَى قَوْمك فَبَلِّغْهُمْ رِسَالَة رَبّك , فَإِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَك فِيهِمْ نَبِيًّا ! فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُوا : اسْتَعْجَلْت بِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَأْنِ لَك وَقَالُوا : إنْ كُنْت صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه آيَة مِنْ نُبُوَّتك ! فَقَالَ لَهُمْ شَمْعُون : عَسَى أَنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا ! وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَغَيْر جَائِز فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } إذَا قُرِئَ بِالنُّونِ غَيْر الْجَزْم عَلَى مَعْنَى الْمُجَازَاة وَشَرْط الْأَمْر . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الرَّفْع فِيهِ جَائِز وَقَدْ قُرِئَ بِالنُّونِ بِمَعْنَى الَّذِي نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر حَرْفَيْنِ . وَلَكِنَّ لَوْ كَانَ قُرِئَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ لَجَازَ رَفْعه , لِأَنَّهُ يَكُون لَوْ قُرِئَ كَذَلِكَ صِلَة لِلْمَلِكِ , فَيَصِير تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : ابْعَثْ لَنَا الَّذِي يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَابَعْث فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك } 2 129 لِأَنَّ قَوْله " يَتْلُو " مِنْ صِلَة " الرَّسُول " .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : قَالَ النَّبِيّ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه : { هَلْ عَسَيْتُمْ } هَلْ تَعُدُّونَ إنْ كُتِبَ , يَعْنِي إنْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا ؟ يَعْنِي أَنْ لَا تَفُوا بِمَا تَعُدُّونَ اللَّه مِنْ أَنْفُسكُمْ مِنْ الْجِهَاد فِي سَبِيله ؟ فَإِنَّكُمْ أَهْل نَكْث وَغَدْر , وَقِلَّة وَفَاء بِمَا تَعُدُّونَ ! { قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } يَعْنِي قَالَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل لِنَبِيِّهِمْ ذَلِكَ : وَأَيّ شَيْء يَمْنَعنَا أَنْ نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه عَدُوّنَا وَعَدُوّ اللَّه , { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا } بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة ؟ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه دُخُول " أَنْ " فِي قَوْله : { وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } وَحَذَفَهُ مِنْ قَوْله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ } 57 8 ؟ قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ لِلْعَرَبِ , تُحْذَف " أَنَّ " مَرَّة مَعَ قَوْلنَا " مَا لَك " , فَتَقُول : مَا لَك لَا تَفْعَل كَذَا ؟ بِمَعْنَى : مَا لَك غَيْر فَاعِله , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَا لَك تَرْغِينَ وَلَا تَرْغُو الْخَلِف وَذَلِكَ هُوَ الْكَلَام الَّذِي لَا حَاجَة بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ إلَى الِاسْتِشْهَاد عَلَى صِحَّته لِفُشُوِّ ذَلِكَ عَلَى أَلْسُن الْعَرَب . وَتَثْبُت " أَنَّ " فِيهِ أُخْرَى , تَوْجِيهًا لِقَوْلِهَا مَا لَك إلَى مَعْنَاهُ , إذْ كَانَ مَعْنَاهُ : مَا مَنَعَك , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { مَا مَنَعَك أَلَّا تُسْجِد إذْ أَمَرْتُك } 7 12 ثُمَّ قَالَ فِي سُورَة أُخْرَى فِي نَظِيره : { مَا لَك أَلَّا تَكُون مَعَ السَّاجِدِينَ } 15 32 فَوَضَعَ " مَا مَنَعَك " مَوْضِع " مَا لَك " , و " مَا لَك " مَوْضِع " مَا مَنَعَك " لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمَا , كَمَا تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي نَظَائِره مِمَّا تَتَّفِق مَعَانِيه وَتَخْتَلِف أَلْفَاظه , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَقُول إذًا اقْلَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقْرَدَتْ أَلَا هَلْ أَخُو عَيْش لَذِيذ بِدَائِمِ فَأَدْخَلَ فِي " دَائِم " " الْبَاء " مَعَ " هَلْ " وَهِيَ اسْتِفْهَام , وَإِنَّمَا تَدْخُل فِي خَبَر " مَا " الَّتِي فِي مَعْنَى الْجَحْد لِتَقَارُبِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَام وَالْجَحْد . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : أُدْخِلَتْ " أَنَّ " فِي : { أَلَّا تُقَاتِلُوا } لِأَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْل الْقَائِل : مَا لَك فِي أَلَّا تُقَاتِل ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَجَازَ أَنْ يُقَال : مَا لَك أَنْ قُمْت ؟ وَمَا لَك أَنَّك قَائِم ؟ وَذَلِكَ غَيْر جَائِز ; لِأَنَّ الْمَنْع إنَّمَا يَكُون لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْأَفْعَال , كَمَا يُقَال : مَنَعْتُك أَنْ تَقُوم , وَلَا يُقَال : مَنَعْتُك أَنْ قُمْت ; فَلِذَلِكَ قِيلَ فِي " مَا لَك " : مَا لَك أَلَّا تَقُوم , وَلَمْ يَقُلْ : مَا لَك أَنْ قُمْت . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : " أَنَّ " هَهُنَا زَائِدَة بَعْد " مَا " " فَلَمَّا " " وَلَمَّا " " وَلَوْ " وَهِيَ تُزَاد فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا قَالَ : وَمَعْنَاهُ : وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! فَأَعْمَلَ " أَنْ " وَهِيَ زَائِدَة وَقَالَ الْفَرَزْدَق : لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا إذَنْ لَلَامَ ذَوُو أَحْسَابهَا عُمَرَا وَالْمَعْنَى : لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَهَا ذُنُوب . " وَلَا " زَائِدَة فَأَعْمَلَهَا وَأَنْكَرَ مَا قَالَ هَذَا الْقَائِل مِنْ قَوْله الَّذِي حُكِينَا عَنْهُ آخَرُونَ , وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ تَجْعَل " أَنْ " زَائِدَة فِي الْكَلَام وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنَى وَبِالْكَلَامِ إلَيْهِ الْحَاجَة قَالُوا : وَالْمَعْنَى : مَا يَمْنَعنَا أَلَّا نُقَاتِل ؟ فَلَا وَجْه لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنَّ " أَنْ " زَائِدَة , وَلَهُ مَعْنَى مَفْهُوم صَحِيح . قَالُوا : وَأَمَّا قَوْله : " لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا " , فَإِنْ " لَا " غَيْر زَائِدَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّهُ جَحَدَ , وَالْجَحْد إذَا جُحِدَ صَارَ إثْبَاتًا . قَالُوا : فَقَوْله : " لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا " إثْبَات الذُّنُوب لَهَا , كَمَا يُقَال : مَا أَخُوك لَيْسَ يَقُوم , بِمَعْنَى : هُوَ يَقُوم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل } مَا لَنَا وَلِأَنْ لَا نُقَاتِل , ثُمَّ حُذِفَتْ الْوَاو فَتُرِكَتْ , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : مَا لَك وَلِأَنْ تَذْهَب إلَى فُلَان ؟ فَأَلْقَى مِنْهَا الْوَاو , لِأَنَّ " أَنْ " حَرْف غَيْر مُتَمَكِّن فِي الْأَسْمَاء وَقَالُوا : نُجِيز أَنْ يُقَال : مَا لَك أَنْ تَقُوم ؟ وَلَا نُجِيز : مَا لَك الْقِيَام ؟ لِأَنَّ الْقِيَام اسْم صَحِيح , و " أَنَّ " اسْم غَيْر صَحِيح وَقَالُوا : قَدْ تَقُول الْعَرَب : إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّم , بِمَعْنَى إيَّاكَ وَأَنْ تَتَكَلَّم . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : لَوْ جَازَ أَنْ يُقَال ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِل مَنْ حُكِّينَا قَوْله , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون جَائِزًا : " ضَرَبْتُك بِالْجَارِيَةِ وَأَنْت كَفِيل " , بِمَعْنَى : وَأَنْت كَفِيل بِالْجَارِيَةِ , وَأَنْ تَقُول : " رَأَيْتُك أَبَانَا وَيَزِيد " , بِمَعْنَى : رَأَيْتُك وَأَبَانَا يَزِيد ; لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : إيَّاكَ بِالْبَاطِلِ أَنْ تَنْطِق قَالُوا : فَلَوْ كَانَتْ الْوَاو مُضْمَرَة فِي أَنْ لَجَازَ جَمِيع مَا ذَكَرْنَا ; وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز , لِأَنَّ مَا بَعْد الْوَاو مِنْ الْأَفَاعِيل غَيْر جَائِز لَهُ أَنْ يَقَع عَلَى مَا قَبْلهَا . وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاو مُضْمَرَة مَعَ " أَنْ " يَقُول الشَّاعِر : فَبُحْ بِالسَّرَائِرِ فِي أَهْلهَا إيَّاكَ فِي غَيْرهمْ أَنْ تَبُوحَا وَأَنْ " أَنْ تَبُوحَا " لَوْ كَانَ فِيهَا وَاو مُضْمَرَة لَمْ يَجُزْ تَقْدِيم غَيْرهمْ عَلَيْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : قَالَ النَّبِيّ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه : { هَلْ عَسَيْتُمْ } هَلْ تَعُدُّونَ إنْ كُتِبَ , يَعْنِي إنْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا ؟ يَعْنِي أَنْ لَا تَفُوا بِمَا تَعُدُّونَ اللَّه مِنْ أَنْفُسكُمْ مِنْ الْجِهَاد فِي سَبِيله ؟ فَإِنَّكُمْ أَهْل نَكْث وَغَدْر , وَقِلَّة وَفَاء بِمَا تَعُدُّونَ ! { قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } يَعْنِي قَالَ الْمَلَأ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل لِنَبِيِّهِمْ ذَلِكَ : وَأَيّ شَيْء يَمْنَعنَا أَنْ نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه عَدُوّنَا وَعَدُوّ اللَّه , { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا } بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة ؟ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه دُخُول " أَنْ " فِي قَوْله : { وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } وَحَذَفَهُ مِنْ قَوْله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ } 57 8 ؟ قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ لِلْعَرَبِ , تُحْذَف " أَنَّ " مَرَّة مَعَ قَوْلنَا " مَا لَك " , فَتَقُول : مَا لَك لَا تَفْعَل كَذَا ؟ بِمَعْنَى : مَا لَك غَيْر فَاعِله , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَا لَك تَرْغِينَ وَلَا تَرْغُو الْخَلِف وَذَلِكَ هُوَ الْكَلَام الَّذِي لَا حَاجَة بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ إلَى الِاسْتِشْهَاد عَلَى صِحَّته لِفُشُوِّ ذَلِكَ عَلَى أَلْسُن الْعَرَب . وَتَثْبُت " أَنَّ " فِيهِ أُخْرَى , تَوْجِيهًا لِقَوْلِهَا مَا لَك إلَى مَعْنَاهُ , إذْ كَانَ مَعْنَاهُ : مَا مَنَعَك , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { مَا مَنَعَك أَلَّا تُسْجِد إذْ أَمَرْتُك } 7 12 ثُمَّ قَالَ فِي سُورَة أُخْرَى فِي نَظِيره : { مَا لَك أَلَّا تَكُون مَعَ السَّاجِدِينَ } 15 32 فَوَضَعَ " مَا مَنَعَك " مَوْضِع " مَا لَك " , و " مَا لَك " مَوْضِع " مَا مَنَعَك " لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمَا , كَمَا تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي نَظَائِره مِمَّا تَتَّفِق مَعَانِيه وَتَخْتَلِف أَلْفَاظه , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَقُول إذًا اقْلَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقْرَدَتْ أَلَا هَلْ أَخُو عَيْش لَذِيذ بِدَائِمِ فَأَدْخَلَ فِي " دَائِم " " الْبَاء " مَعَ " هَلْ " وَهِيَ اسْتِفْهَام , وَإِنَّمَا تَدْخُل فِي خَبَر " مَا " الَّتِي فِي مَعْنَى الْجَحْد لِتَقَارُبِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَام وَالْجَحْد . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : أُدْخِلَتْ " أَنَّ " فِي : { أَلَّا تُقَاتِلُوا } لِأَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْل الْقَائِل : مَا لَك فِي أَلَّا تُقَاتِل ؟ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَجَازَ أَنْ يُقَال : مَا لَك أَنْ قُمْت ؟ وَمَا لَك أَنَّك قَائِم ؟ وَذَلِكَ غَيْر جَائِز ; لِأَنَّ الْمَنْع إنَّمَا يَكُون لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْأَفْعَال , كَمَا يُقَال : مَنَعْتُك أَنْ تَقُوم , وَلَا يُقَال : مَنَعْتُك أَنْ قُمْت ; فَلِذَلِكَ قِيلَ فِي " مَا لَك " : مَا لَك أَلَّا تَقُوم , وَلَمْ يَقُلْ : مَا لَك أَنْ قُمْت . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : " أَنَّ " هَهُنَا زَائِدَة بَعْد " مَا " " فَلَمَّا " " وَلَمَّا " " وَلَوْ " وَهِيَ تُزَاد فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا قَالَ : وَمَعْنَاهُ : وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه ! فَأَعْمَلَ " أَنْ " وَهِيَ زَائِدَة وَقَالَ الْفَرَزْدَق : لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا إذَنْ لَلَامَ ذَوُو أَحْسَابهَا عُمَرَا وَالْمَعْنَى : لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَهَا ذُنُوب . " وَلَا " زَائِدَة فَأَعْمَلَهَا وَأَنْكَرَ مَا قَالَ هَذَا الْقَائِل مِنْ قَوْله الَّذِي حُكِينَا عَنْهُ آخَرُونَ , وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ تَجْعَل " أَنْ " زَائِدَة فِي الْكَلَام وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنَى وَبِالْكَلَامِ إلَيْهِ الْحَاجَة قَالُوا : وَالْمَعْنَى : مَا يَمْنَعنَا أَلَّا نُقَاتِل ؟ فَلَا وَجْه لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنَّ " أَنْ " زَائِدَة , وَلَهُ مَعْنَى مَفْهُوم صَحِيح . قَالُوا : وَأَمَّا قَوْله : " لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا " , فَإِنْ " لَا " غَيْر زَائِدَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّهُ جَحَدَ , وَالْجَحْد إذَا جُحِدَ صَارَ إثْبَاتًا . قَالُوا : فَقَوْله : " لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَان لَا ذُنُوب لَهَا " إثْبَات الذُّنُوب لَهَا , كَمَا يُقَال : مَا أَخُوك لَيْسَ يَقُوم , بِمَعْنَى : هُوَ يَقُوم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل } مَا لَنَا وَلِأَنْ لَا نُقَاتِل , ثُمَّ حُذِفَتْ الْوَاو فَتُرِكَتْ , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : مَا لَك وَلِأَنْ تَذْهَب إلَى فُلَان ؟ فَأَلْقَى مِنْهَا الْوَاو , لِأَنَّ " أَنْ " حَرْف غَيْر مُتَمَكِّن فِي الْأَسْمَاء وَقَالُوا : نُجِيز أَنْ يُقَال : مَا لَك أَنْ تَقُوم ؟ وَلَا نُجِيز : مَا لَك الْقِيَام ؟ لِأَنَّ الْقِيَام اسْم صَحِيح , و " أَنَّ " اسْم غَيْر صَحِيح وَقَالُوا : قَدْ تَقُول الْعَرَب : إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّم , بِمَعْنَى إيَّاكَ وَأَنْ تَتَكَلَّم . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ آخَرُونَ , وَقَالُوا : لَوْ جَازَ أَنْ يُقَال ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِل مَنْ حُكِّينَا قَوْله , لَوَجَبَ أَنْ يَكُون جَائِزًا : " ضَرَبْتُك بِالْجَارِيَةِ وَأَنْت كَفِيل " , بِمَعْنَى : وَأَنْت كَفِيل بِالْجَارِيَةِ , وَأَنْ تَقُول : " رَأَيْتُك أَبَانَا وَيَزِيد " , بِمَعْنَى : رَأَيْتُك وَأَبَانَا يَزِيد ; لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : إيَّاكَ بِالْبَاطِلِ أَنْ تَنْطِق قَالُوا : فَلَوْ كَانَتْ الْوَاو مُضْمَرَة فِي أَنْ لَجَازَ جَمِيع مَا ذَكَرْنَا ; وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز , لِأَنَّ مَا بَعْد الْوَاو مِنْ الْأَفَاعِيل غَيْر جَائِز لَهُ أَنْ يَقَع عَلَى مَا قَبْلهَا . وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاو مُضْمَرَة مَعَ " أَنْ " يَقُول الشَّاعِر : فَبُحْ بِالسَّرَائِرِ فِي أَهْلهَا إيَّاكَ فِي غَيْرهمْ أَنْ تَبُوحَا وَأَنْ " أَنْ تَبُوحَا " لَوْ كَانَ فِيهَا وَاو مُضْمَرَة لَمْ يَجُزْ تَقْدِيم غَيْرهمْ عَلَيْهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَقَدْ أُخْرِجَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالنَا وَنِسَائِنَا مِنْ دِيَارهمْ وَأَوْلَادهمْ وَمَنْ سُبِيَ . وَهَذَا الْكَلَام ظَاهِره الْعُمُوم , وَبَاطِنه الْخُصُوص ; لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } كَانُوا فِي دِيَارهمْ وَأَوْطَانهمْ , وَإِنَّمَا كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دَاره وَوَلَده مَنْ أُسِرَ وَقُهِرَ مِنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَقُول : فَلَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَال عَدُوّهُمْ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله , { تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَقُول : أَدْبَرُوا مُوَلِّينَ عَنْ الْقِتَال , وَضَيَّعُوا مَا سَأَلُوهُ نَبِيّهمْ مِنْ فَرْض الْجِهَاد . وَالْقَلِيل الَّذِي اسْتَثْنَاهُمْ اللَّه مِنْهُمْ , هُمْ الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهَر مَعَ طَالُوت وَسَنَذْكُرُ سَبَب تَوَلِّي مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ وَعُبُور مَنْ عَبَرَ مِنْهُمْ النَّهَر بَعْد إنْ شَاءَ اللَّه إذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } يَعْنِي : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ نَفْسه , فَأَخْلَفَ اللَّه مَا وَعَدَهُ مِنْ نَفْسه وَخَالَفَ أَمْر رَبّه فِيمَا سَأَلَهُ ابْتِدَاء أَنْ يُوجِبهُ عَلَيْهِ . وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَقْرِيع لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيبهمْ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُخَالَفَتهمْ أَمْر رَبّهمْ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : إنَّكُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود عَصَيْتُمْ اللَّه وَخَالَفْتُمْ أَمْره فِيمَا سَأَلْتُمُوهُ أَنْ يُفْرِضهُ عَلَيْكُمْ ابْتِدَاء مِنْ غَيْر أَنْ يَبْتَدِئكُمْ رَبّكُمْ بِفَرْضِ مَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ , فَأَنْتُمْ بِمَعْصِيَتِهِ فِيمَا ابْتَدَأَكُمْ بِهِ مِنْ إلْزَام فَرْضه أَحْرَى . وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ عَمَّا تَرَكَ مِنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قَالُوا : وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا ! فَسَأَلَ نَبِيّهمْ رَبّهمْ أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ فِي سَبِيل اللَّه . فَبَعَثَ لَهُمْ مَلِكًا , وَكَتَبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال ; { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَقَدْ أُخْرِجَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالنَا وَنِسَائِنَا مِنْ دِيَارهمْ وَأَوْلَادهمْ وَمَنْ سُبِيَ . وَهَذَا الْكَلَام ظَاهِره الْعُمُوم , وَبَاطِنه الْخُصُوص ; لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه } كَانُوا فِي دِيَارهمْ وَأَوْطَانهمْ , وَإِنَّمَا كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دَاره وَوَلَده مَنْ أُسِرَ وَقُهِرَ مِنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَقُول : فَلَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَال عَدُوّهُمْ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله , { تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } يَقُول : أَدْبَرُوا مُوَلِّينَ عَنْ الْقِتَال , وَضَيَّعُوا مَا سَأَلُوهُ نَبِيّهمْ مِنْ فَرْض الْجِهَاد . وَالْقَلِيل الَّذِي اسْتَثْنَاهُمْ اللَّه مِنْهُمْ , هُمْ الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهَر مَعَ طَالُوت وَسَنَذْكُرُ سَبَب تَوَلِّي مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ وَعُبُور مَنْ عَبَرَ مِنْهُمْ النَّهَر بَعْد إنْ شَاءَ اللَّه إذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } يَعْنِي : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ نَفْسه , فَأَخْلَفَ اللَّه مَا وَعَدَهُ مِنْ نَفْسه وَخَالَفَ أَمْر رَبّه فِيمَا سَأَلَهُ ابْتِدَاء أَنْ يُوجِبهُ عَلَيْهِ . وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَقْرِيع لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيبهمْ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُخَالَفَتهمْ أَمْر رَبّهمْ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : إنَّكُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود عَصَيْتُمْ اللَّه وَخَالَفْتُمْ أَمْره فِيمَا سَأَلْتُمُوهُ أَنْ يُفْرِضهُ عَلَيْكُمْ ابْتِدَاء مِنْ غَيْر أَنْ يَبْتَدِئكُمْ رَبّكُمْ بِفَرْضِ مَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ , فَأَنْتُمْ بِمَعْصِيَتِهِ فِيمَا ابْتَدَأَكُمْ بِهِ مِنْ إلْزَام فَرْضه أَحْرَى . وَفِي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ عَمَّا تَرَكَ مِنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قَالُوا : وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه وَقَدْ أُخْرِجنَا مِنْ دِيَارنَا وَأَبْنَائِنَا ! فَسَأَلَ نَبِيّهمْ رَبّهمْ أَنْ يَبْعَث لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ فِي سَبِيل اللَّه . فَبَعَثَ لَهُمْ مَلِكًا , وَكَتَبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال ; { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال تَوَلَّوْا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ } '

تفسير القرطبي

ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل. والملأ : الأشراف من الناس، كأنهم ممتلئون شرفا. وقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم. والملأ في هذه الآية القوم؛ لأن المعنى يقتضيه. والملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط. والملأ أيضا : حسن الخلق، ومنه الحديث (أحسنوا الملأ فكلكم سيروى) خرجه مسلم. قوله تعالى { من بعد موسى} أي من بعد وفاته. { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} قيل : هو شمويل بن بال بن علقمة ويعرف بابن العجوز. ويقال فيه : شمعون، قاله السدي : وإنما قيل : ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها. ويقال له : سمعون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته "سمعون"، تقول : سمع الله دعائي، والسين تصير شينا بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب. وقال مقاتل : هو من نسل هارون عليه السلام. وقال قتادة : هو يوشع بن نون. قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن مدة داود هي من بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى. وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل، والله أعلم. وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كعَّ أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله. وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا، والله أعلم. قوله تعالى { نقاتل} بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء على جواب الأمر. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. قوله تعالى { قال هل عسيتم} و"عسيتم" بالفتح والكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، والباقون بالأولى وهي الأشهر. قال أبو حاتم : وليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن وطلحة. قال مكي في اسم الفاعل : عس، فهذا يدل على كسر السين في الماضي. والفتح في السين هي اللغة الفاشية. قال أبو علي : ووجه الكسر قول العرب : هو عسٍ بذلك، مثل حرٍ وشجٍ، وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم، وكذلك عَسَيت وعَسِيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عَسِيَ زيد، مثل رضي زيد، فإن قيل فهو القياس وإن لم يقل، فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى. ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار؟. { إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} قال الزجاج { ألا تقاتلوا} في موضع نصب، أي هل عسيتم مقاتلة. { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} قال الأخفش "أن" زائدة. وقال الفراء : هو محمول على المعنى، أي وما منعنا، كما تقول : ما لك ألا تصلي ؟ أي ما منعك. وقيل : المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله قال النحاس : وهذا أجودها. "وأن" في موضع نصب. { وقد أخرجنا من ديارنا} تعليل، وكذلك { وأبنائنا} أي بسبب ذرارينا. قوله تعالى { فلما كتب عليهم القتال} أي فرض عليهم. { القتال تولوا} أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم، ربما قد تذهب { تولوا} أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها. وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا) رواه الأئمة. ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 243 - 247

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الحق سبحانه يبلغنا بوسيلة السماع عنه، وعلينا أن نتلقى ذلك الأمر كأننا نراه بالعين، فماذا نرى؟ { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ } ، ما معنى الملأ؟ هي من ملأ يعني ازدحم الإناء، ولم يعد فيه مكان يتحمل زائداً. وأن الظرف قد شُغل بالمظروف شغلا لم يعد يتسع لسواه. وكلمة " ملأ " تُطلق على أشراف القوم كأنهم هم الذين يملأون حياة الوجود حولهم ولا يستطيع غيرهم أن يزاحمهم. و { ٱلْمَلإِ } من أشراف الوجوه والقوم يجلسون للتشاور. { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ } أي ألم يأتك خبر وجوه القوم وأشرافهم من بعد موسى عليه السلام مثلا في عصر " يوشع " أو " حزقيل أو شمويل " أو أي واحد منهم، ولا يعنينا ذلك لأن القرآن لا يذكر في أي عهد كانوا، المهم أنهم كانوا بعد موسى عليه السلام. { إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }.

لقد اجتمع أشراف بني إسرائيل للتشاور ثم ذهبوا إلى النبي الذي كان معاصراً لهم وقالوا له: ابعث لنا ملكا. ونفهم من ذلك أنه لم يكن لهم ملك. وماذا نستفيد من ذكر وجود نبي لهم وعدم وجود ملك لهم؟

نفهم من ذلك أن النبوة كانت تشرف على نفاذ الأعمال ولا تباشر الأعمال، وأما الملك فهو الذي يباشر الأعمال. ولو كانت النبوة تباشر أعمالاً لما طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وسبب ذلك أن الذي يباشر عرضه للكراهية من كثير من الناس وعرضه أن يفشل في تصريف بعض الأمور، فبدلا من أن يوجهوا الفشل للقمة العليا، ينقلون ذلك لمن هو أقل وهو الملك. ولذلك طلبوا من النبي أن يأتي بملك يعيد تصريف الأمور فتكون النبوة مرجعاً للحق، ولا تكون موطناً للوم في أي شيء.

الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قال لنبي بني إسرائيل:

أنتم الذين طلبتم القتال وأنتم الملأ ـ أي أشراف القوم ـ وأتيتم بالعلة الموجبة للقتال وهي أنكم أخرجتم من دياركم وأبنائكم أي بلغ بكم الهوان أنه لم تعد لكم ديار، وبلغ بكم الهوان أنه لم يعد لكم أبناء بعد أن أسرهم عدوكم. إذن علة طلب القتال موجودة، ومع ذلك قال لهم النبي: { هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ } لقد أوضح لهم نبيهم الشرط وقال: إنني أخاف أن آتي لكم بملك كي تقاتلوا في سبيل الله، وبعد ذلك يفرض الله عليكم القتال، وعندما نأتي للأمر الواقع لا نجد لكم عزما على القتال وتتخاذلون.

لكنهم قالوا: { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا }.. انظر إلى الدقة في قولهم: { فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } وتعليق ذلك السبيل على أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم! لقد أرادوا أن يقلبوا المسألة وأن يقولوا: إن القتال في سبيل الله بعد أن عضتهم التجربة فيما يحبون من الديار والأبناء، إذن فالله هو الملجأ في كل أمر، وقبل سبحانه منهم قولهم، واعتبر قتالهم في سبيله.وكان إخراجهم من ديارهم أمراً معقولاً، لكن كيف يخرجون من أبنائهم؟ ربما كانوا قد تركوا أبناءهم للعدو، وربما أخذهم العدو أسرى. لكنهم هم الذين أخرجوا من ديارهم، وينطبق عليهم في علاقتهم بالأبناء قول الشاعر:
إذا تـرحـلـت عـن قـوم وقـد قـدروا   ألا تـفـارقـهم فالراحـلـون همـو
وانظر إلى التمحيص، إنهم ملأ من بني إسرائيل وذهبوا إلى نبي وقالوا له: ابعث لنا ملكا حتى يجعلوها حربا مشروعة ليقاتلوا في سبيل الله، وقال لهم النبي ما قال وردوا عليه هم: { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعني وكيف لا نقاتل في سبيل الله؟

وجاء لهم الأمر بالقتال في قوله تعالى: { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ } إن قوله: { كُتِبَ } لأنهم هم الذي طلبوا تشريع القتال فجعلهم الله داخلين في العقد فجاء التعبير بـ { كُتِبَ } ولم يأت بـ " كَتبَ " ، ومع ذلك تولوا أي أعرضوا عن القتال.

لقد كان لنبيهم حق في أن يتشكك في قدرتهم على القتال، ويقول لهم: { هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ }. ولكن هل أعرضوا جميعا عن القتال؟ لا؛ فقد كان فيهم من ينطبق عليه قول الشاعر:
إن الـذي جـعـل الحـقيـقة علقماً   لم يـخـل مـن أهـل الحقـيـقـة جـيلاً
لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة، وهذا تمهيد مطلوب، حتى إذا انحسرت الجمهرة، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول: " إني قليل "؛ لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى.

وقد يكون عدوك كثيراً لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون في قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله: { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً }. كلمة { إِلاَّ قَلِيلاً } جاءت لتخدم قضية، لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى:
{  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
[البقرة: 249]

أي أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشيء المرئي واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني. أنت ترى زهرة جميلة، والرؤية قدر مشترك عند الجميع، ورآها غيرك، أعجبتك أنت وحافظت عليها وتركتها زينة لك ولغيرك، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال مِلْكُ من هي، وهكذا تعرف أن العمل النزوعي يختلف من شخص لآخر، فالعدو قد يكون كثيراً أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيراً ورأى نفسه قليلاً، لكن المواجيد تختلف. أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم؛ لأنه أخرج ربه من الحساب.{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ } إذن فالتولي ظلم للنفس؛ لأن الظلم في أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا الحال، إذن فقد ظلمت نفسك، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك، وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية.

إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية. وقوله الحق: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ } هو إشارة على أن الله مطلع على هؤلاء الذين تخاذلوا سراً، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم الذين يطلق عليهم في هذا العصر " الطابور الخامس " الذين يفتتون الروح المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم.

لقد طلب هؤلاء القوم من بني إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا، وكان يكفي النبي المرسل إليهم أن يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته، لكنهم يزيدون في التلكؤ واللجاجة ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين. ويقول الحق بعد ذلك: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا... }


www.alro7.net