سورة
اية:

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} قال البخاري، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغيِّر شيئاً منه من مكانه، ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها. وروي عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ثم أنزل اللّه بعد: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال: { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم} ، فبيّن ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة. وقال عطاء، قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى: { غير إخراج} ، قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول اللّه: { فلا جناح عليكم فيما فعلن} ، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشر وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يُمكَنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن اخترن ذلك ولهذا قال تعالى: { وصية لأزواجهم} أي يوصيكم اللّه بهن وصية كقوله: { يوصيكم اللّه في أولادكم} الآية. { غير إخراج} فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله: { فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف} ، وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام ابن تيمية،، ورده آخرون منهم الشيخ ابن عبد البر، وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلَّم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي رحمه اللّه. وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها أنها جاءت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أَعبْدٍ له أَبَقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (نعم)، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له، فقال: (كيف قلت؟) فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفّان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به ""رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح"". وقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} ، لما نزل قوله تعالى: { متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل فأنزل اللّه هذه الآية: { وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضاً لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولاً بها، وهو قول عن الشافعي رحمه الله، واختاره ابن جرير ومن لم يوجبها مطلقاً يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة ومتعوهنّ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} . وقوله تعالى: { كذلك يبين اللّه لكم آياته} أي في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده فيما أمركم به ونهاكم عنه، بيَّنه ووضحه وفسَّره، ولم يتركه مجملاً في وقت احتياجكم إليه، { لعلكم تعقلون} أي تفهمون وتتدبرون.

تفسير الجلالين

{ كذلك } كما يبين لكم ما ذكر { يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } تتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا بَيَّنْت لَكُمْ مَا يَلْزَمكُمْ لِأَزْوَاجِكُمْ وَيَلْزَم أَزْوَاجكُمْ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , وَعَرَّفْتُكُمْ أَحْكَامِي وَالْحَقّ الْوَاجِب لِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْض فِي هَذِهِ الْآيَات , فَكَذَلِكَ أُبَيِّن لَكُمْ سَائِر الْأَحْكَام فِي آيَاتِي الَّتِي أَنْزَلْتهَا عَلَى نَبِيِّي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْكِتَاب , لِتَعْقِلُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِي وَبِرَسُولِي حُدُودِي , فَتَفْهَمُوا اللَّازِم لَكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَتَعْرِفُوا بِذَلِكَ مَا فِيهِ صَلَاح دِينكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَعَاجِلكُمْ وَآجِلكُمْ , فَتَعْلَمُوا بِهِ , لِيُصْلِح ذَات بَيْنكُمْ وَتَنَالُوا بِهِ الْجَزِيل مِنْ ثَوَابِي فِي مُعَادكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا بَيَّنْت لَكُمْ مَا يَلْزَمكُمْ لِأَزْوَاجِكُمْ وَيَلْزَم أَزْوَاجكُمْ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , وَعَرَّفْتُكُمْ أَحْكَامِي وَالْحَقّ الْوَاجِب لِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْض فِي هَذِهِ الْآيَات , فَكَذَلِكَ أُبَيِّن لَكُمْ سَائِر الْأَحْكَام فِي آيَاتِي الَّتِي أَنْزَلْتهَا عَلَى نَبِيِّي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْكِتَاب , لِتَعْقِلُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِي وَبِرَسُولِي حُدُودِي , فَتَفْهَمُوا اللَّازِم لَكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَتَعْرِفُوا بِذَلِكَ مَا فِيهِ صَلَاح دِينكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَعَاجِلكُمْ وَآجِلكُمْ , فَتَعْلَمُوا بِهِ , لِيُصْلِح ذَات بَيْنكُمْ وَتَنَالُوا بِهِ الْجَزِيل مِنْ ثَوَابِي فِي مُعَادكُمْ .'

تفسير القرطبي

اختلف الناس في هذه الآية؛ فقال أبو ثور : هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة؛ وكذلك قال الزهري. قال الزهري : حتى للأمة يطلقها زوجها. وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية. وقال مالك : لكل مطلقه - اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا؛ سمى لها صداقا أم لا - المتعة، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حد؛ حكاه عنه ابن القاسم. وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة، قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم ابن زيد أنها نسختها. قال ابن عطية : ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله { وللمطلقات} يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن؛ فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم. فهذا يجيء على أن قوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة : 237] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا فرض؛ لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم { فتعالين أمتعكن} [الأحزاب : 28] محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم، لا وجوب له. وقوله { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} [الأحزاب : 49] محمول على غير المفروضة أيضا؛ قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا، وقد مضى هذا مبينا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 237 - 243

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فنحن نعرف مما سبق أن الآيات هي الأمور العجيبة، والحق سبحانه وتعالى حين ينبه العقل إلى استقبال حكم بالتعقل يكون العقل المحض لو وجه فكره إلى دراسة أسباب هذا الموضوع فلن ينتهي إلا إلى هذا الحكم. ولذلك تجد أن الحق سبحانه وتعالى يترك لبعض المشادات في التعامل والثارات في الخصومة أن تخرج عن حكم ما شرع الله في أي شيء من الأشياء التي تقدمت، ثم يصيب المجتمع شر من المخالفة، وكأنه بذلك يؤكد حكمته في تشريع ما شرع. وإلا لو لم تحدث من المخالفات شرور لقال الناس: إنه لا داعي للتشريع. ولتركوا التشريع دون أن يصيبهم شر.

إذن فحين لا نلتزم بالتشريع فالمنطق والكمال الكوني أن تحدث الشرور؛ لأنه لو لم تحدث الشرور لاتهم الناس منهج الله وقالوا: إننا لم نلتزم يا رب بمنهجك، ومع ذلك لا شرور عندنا. فكأن الشرور التي نجدها في المجتمع تلفتنا إلى صدق الله وكمال حكمته في تحديد منهجه. وهكذا يكون المخالفون لمنهج الله مؤيدين لمنهج الله. وبعد ذلك ينتقل الحديث إلى علاج قضية إيمانية وهو أن الله حين يقدر قدرا لا يمكن لمخلوق أن يفلت من هذا القدر، يقول سبحانه: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ... }


www.alro7.net