سورة
اية:

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين { يوم نحشرهم جميعاً} يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلاً لهم: { أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} ، كقوله تعالى في سورة القصص: { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} ، وقوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم} أي حجتهم إلا أن قالوا { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، قال ابن عباس: أي حجتهم، وقال عطاء عنه: أي معذرتهم، وكذا قال قتادة، وقال عطاء الخراساني: { ثم لم تكن فتنتهم} بليتهم حين ابتلوا { إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، وقال ابن جرير: والصواب: ثم لم يكن قيلهم ""هذا القول الذي اختاره ابن جرير هو رواية ابن جرير عن ابن عباس ""عند فتنتنا إياهم اعتذاراً عما سلف منهم من الشرك بالله { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} ، وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت اللّه يقول: { والله ربنا ما كنا مشركين} قال: أما قوله: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثاً، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا ونزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه، ولهذا قال في حق هؤلاء: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} ، كقوله: { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا} الآية، وقوله: { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} : أي يجيئون ليستمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئاً لأن الله { جعل على قلوبهم أكنة} أي أغطية لئلا يفقهوا القرآن، { وفي آذانهم وقراً} أي صمماً عن السماع النافع لهم، كما قال تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} الآية. وقوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} أي مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها، فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: { ولو علم اللّه فيهم خيراً لأسمعهم} الآية، وقوله تعالى: { حتى إذا جاءوك يجادلونك} أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل، { يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين} أي ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم ""قال السهيلي: حيثما جاء في القرآن ذكر أساطير الأولين، فإن قائلها هو النضر بن الحارث بن كلدة، وكان قد دخل بلاد فارس وتعلم أخبار سبندياذ رستم الشيذ، ونحوها، فكان يقول: أنا أحدثكم بأحسن مما يحدثكم به محمد، ويقول في القرآن: أساطير الأولين: ليزهد الناس فيها، وفيه نزل: { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه} وقتله النبي صبراً يوم أُحُد. وقوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه} في معنى ينهون عنه قولان، أحدهما : أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول والانقياد للقرآن { وينأون عنه} أي ويبعدون هم عنه فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحداً ينتفع. قال ابن عباس: { وهم ينهون عنه} يردون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به. وقال محمد بن الحنفيه: كان كفار قريش لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وينهون عنه، وهذا القول أظهر وهو اختيار ابن جرير. والقول الثاني : رواه سفيان الثوري عن ابن عباس قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، وقال سعيد بن أبي هلال: نزلت في عمومة النبي وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر ""رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال""وقال محمد بن كعب القرظي: { وهم ينهون عنه} أي ينهون الناس عن قتله. وقوله: { وينأون عنه} أي يتباعدون منه، { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} أي وما يهلكون بهذا الصنيع ولا يعود وباله إلا عليهم وهم لا يشعرون.

تفسير الجلالين

قال تعال: { أنظر } يا محمد { كيف كذبوا على أنفسهم } بنفي الشرك عنهم { وضلَّ } غاب { عنهم ما كانوا يفترونـ } ـه على الله من الشركاء .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { انظر كيف كذبوا على أنفسهم} كذب المشركين قولهم : إن عبادة الأصنام تقربنا إلى الله زلفى، بل ظنوا ذلك وظنهم الخطأ لا يعذرهم ولا يزيل اسم الكذب عنهم، وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل، وجحدهم نفاقهم. { وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم. وقيل : { وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا؛ عن الحسن. وقيل : المعنى عزب عنهم افتراؤهم لدَهَشهم، وذهول عقولهم. والنظر في قوله : { انظر} يراد به نظر الاعتبار؛ ثم قيل { كذبوا} بمعنى يكذبون، فعبر عن المستقبل بالماضي؛ وجاز أن يكذبوا في الآخرة لأنه موضع دهش وحيرة وذهول عقل. وقيل : لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة؛ لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا - وعلى ذلك أكثر أهل النظر - وإنما ذلك في الدنيا؛ فمعنى { والله ربنا ما كنا مشركين} على هذا : ما كنا مشركين عند أنفسنا؛ وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة يعارضه قوله : { ولا يكتمون الله حديثا} ؛ ولا معارضة ولا تناقض؛ لا يكتمون الله حديثا في بعض المواطن إذا شهدت عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم، ويكذبون على أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدم. والله أعلم. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى { والله ربنا ما كنا مشركين} قال : اعتذروا وحلفوا؛ وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة : وروي عن مجاهد أنه قال : لما رأوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناس يخرجون من النار قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين} وقيل { والله ربنا ما كنا مشركين} أي علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع، وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد صدقوا ولم يكتموا، ولكن لا يعذرون بهذا؛ فإن المعاند كافر غير معذور. ثم قيل في قوله { ثم لم تكن فتنتهم} خمس قراءات : قرأ حمزة والكسائي { يكن} بالياء { فتنتهم} بالنصب خبر { يكن} { إلا أن قالوا} اسمها أي إلا قولهم؛ فهذه قراءة بينة. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو { تكن} بالتاء { فتنتهم} بالنصب { إلا أن قالوا} أي إلا مقالتهم. وقرأ أبي وابن مسعود وما كان - بدل قوله { ثم لم تكن} - { فتنتهم إلا أن قالوا} . وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص، والأعمش من رواية المفضل، والحسن وقتادة وغيرهم { ثم لم تكن} بالتاء { فتنتهم} بالرفع اسم { تكن} والخبر { إلا أن قالوا} فهذه أربع قراءات. الخامسة : { ثم لم يكن} بالياء { فتنتهم} ؛ رفع ويذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون، ومثله { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} [البقرة : 275]. { والله} الواو واو القسم { ربنا} نعت لله عز وجل، أو بدل. ومن نصب فعلى النداء أي يا ربنا وهي قراءة حسنة؛ لأن فيها معنى الاستكانة والتضرع، إلا أنه فصل بين القسم وجوابه بالمنادى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 22 - 26

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويلفت الحق نظر رسوله صلى الله عليه وسلم بدقة إلى عملية سوف تحدث يوم القيامة، وساعة يخبر الله بأمر فلنصدق أنه صار واقعاً وكأننا نراه أمامنا حقيقة لا جدال فيها. وسبحانه يقرر أنهم كذبوا على أنفسهم. ونعرف أن كل الأفعال تتجرد من زمانيتها حين تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، فليس عند الله فعل ماضٍ أو حاضر أو مستقبل.

والمثال على ذلك قوله الحق:
{  أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
[النحل: 1].

وليس لقائل أن يقول: كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ماضٍ، ثم ينهى العباد عن استعجاله، والإنسان لا يتعجلُ إلا شيئاً لم يحدث، ليس لقائل أن يقول ذلك؛ لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شيء يعوق الحق أن يفعل ما يريد. أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف نفعله غداً إننا فعلناه، ذلك أن غداً قد لا يأتي أبداً، أو قد يأتي الغد ولا نستطيع أن نفعل شيئاً مما وعدنا به، أو قد تتغير بنا الأسباب. وعلى فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئاً دون أن يشاء الله؟. ونحن - المؤمنون - نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما عملنا الله:
{  وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ }
[الكهف: 23-24].

وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب. وحينما يقول الله لرسول: " انظر " ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر فيه؛ فرسول الله يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر. إن الحق يصف هؤلاء الناس بأنهم: { كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أي أن كذبهم الذي سوف يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل. وقد يكذب الإنسان لصالحه في الدنيا. لكن الكذب أمام الله يكون على حساب الإنسان لا له.

ويتابع الحق: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } ومعنى هذا أنهم يبحثون في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنّهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء لأنهم قالوا أمام الله: { وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وغياب الشركاء عنهم أمام الله هو ما يوضحه ويبينّه قول الله: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فـ " ضل " هنا معناها " غاب ".

ألم يقولوا من قبل:
{  وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ }
[السجدة: 10].

أنهم كمنكرين للبعث يتساءل باندهاش: أإذا غابوا في الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد؟. فهم لا يصدقون أن الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى. ونعرف أن كلمة " ضل " لها معانٍ متعددة.لكن معناها هنا " غاب " ، وحين يسألهم الله: أين شركاؤكم؟، ينكرون كذباً أنهم أشركوا، لقد ضل عنهم - أي غاب عنهم - هؤلاء الشركاء. والإنسان يعبد الإله الذي ينفعه يوم الحشر، وعندما يغيب الآلهة عن يوم الحشر فهذا ما يبرز ضلال تلك الآلهة وغيابها وقت الحاجة إليها، ولا يبقى إلا وجه الله الذي يحاسب من أشركوا به.

و " ضل " يقابلها " اهتدى " ، و " ضل " أي لم يذهب إلى السبيل الموصلة للغاية، و " اهتدى " أي ذهب إلى السبيل الموصلة إلى الغاية. ومن لا يعرف السبيل الموصلة إلى الغاية، يكون قد ضل أيضا، ولكن هناك من يضل وهو يعلم السبيل الموصلة إلى الغاية وهذا هو الكفر. وعندما يتكلم الحق عن الذين كفروا يصفهم بأنهم ضلوا ضلالاً بعيداً؛ لأن الطريق إلى الهداية كان أمامهم ولم يسلكوه، وهذا هو ضلال القمة. وقد يكون الإنسان مؤمناً لكن مقومات الإيمان ضعيفة في نفسه فيعصي ربه.

ويقول الحق عن مثل هذا الإنسان:
{  وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً }
[الأحزاب: 36].

إنه ضلال دون ضلال وكفر دون كفر القمة. لكن ماذا عن الذي يضل لأنه لا يعرف طريق الهدى؟ إن ذلك هو ما يظهر لنا من قصة سيدنا موسى عليه السلام، فحين قال الحق لموسى وهارون عليهما السلام:
{  فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }
[الشعراء: 16-17].

أصدر الحق الأمر إلى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ليرسل معهما بني إسرائيل، فماذا عن موقف فرعون؟. ماذا قال فرعون؟:
{  قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }
[الشعراء: 18-19].

هنا يريد فرعون أن يمتن على موسى عليه السلام، ويذكره بأنه رباه في قصره إلى أن كبر ومع ذلك لم يرع موسى وقتل رجلاً من قوم فرعون، وكان ذلك في نظر فرعون لوناً من الجحود بنعمته، وها هوذا يعتدي مرة أخرى على ألوهية فرعون بدعوته للإيمان بالإله الحق الذي لا يتخيله الفرعون، ويلتقط موسى الخطأ الجوهري في سلوكه في ذلك الوقت. إن الخطأ لم يكن الكفر بفرعون، ولكن الخطأ كان هو القتل فيقول:
{  قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ }
[الشعراء: 20].

وهكذا نعرف أن موسى لحظة قَتْلِه رجلا من عدوه لم يكن عنده طريق الهدى، بل كان ضلاله حاصلا من عدم معرفته أن هناك طريقاً آخر إلى الهدى. وهاهوذا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم:
{  وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ }
[الضحى: 7].

أي لم يكن عندك يا رسول الله طريق واضح إلى الهدى قبل الرسالة، فليس معنى الضلال هنا الانحراف، ولكن معناه أنه قبل نزول الوحي لم يكن يعرف أي طريق يسلك.وقد يكون الضلال نسياناً، وما دام الإنسان قد نسي الحقيقة فهو ضال، والمثال قول الحق:
{  أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }
[البقرة: 282].

هنا يقرر الحق أن شهادة المرأة تحتاج إلى ضمان وذلك بتأكيدها بشهادة امرأة أخرى؛ لأن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضع أنفها في كل تفاصيل ما تراه، بل هي تسمع سمعاً سطحياً، ولذلك لا تكتمل الصورة عندها، وعندما تجتمع مع شهادة المرأة شهادة امرأة أخرى، فكل منهما تذكر الأخرى بتفاصيل قد تكون في منطقة النسيان؛ لأن نفسية المرأة وطبيعة تكوينها مبنية على الصيانة والتحرز من أن توجد في مجتمع فيه شقاق.

وعندما يصف الحق هؤلاء المشركين في يوم القيامة فهو يقول: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون ويدعون أنهم شركاء لله، والمشركون هم المؤاخذون والمحاسبون على اتخاذ الشركاء، فقد يكون بعضهم قد اتخذ شريكاً لله لا ذنب له في تلك المسألة، كاتخاذ بعضهم عيسى عليه السلام شريكاً لله. وعيسى عليه السلام منزه عن أن يشرك بالله أو يشرك نفسه في الألوهية. والحق قد قال:
{  وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }
[المائدة: 116].

بل إن الأصنام نفسها التي اتخذها المشركون أرباباً تقول: عبدونا ونحن أعبد الله من القائمين بالأسحار.

إذن فالخطأ يكون ممن أشركوا بالله لا من الأحجار العابدة لله المسبحة له لأنها مسخرة وميسرة لما خلقت له. لقد تخيل أحد الشعراء حواراً دار بين غار ثور وغار حراء، يقول غار ثَوْر:
كم حسدنا حراء حين ثوى الرو   ح أميناً يغزوك بالأنوار
وعندما أذن الحق بالهجرة اختبأ النبي بغار ثَوْر، فقالت بقية الأحجار:
فحراءٌ وثورُ صَارا سواءً   بهما أشفع لدولة الأحجار
عبدونا ونحن أَعْبَدُ لِلّهِ   من القائمين بالأسحار
تخذوا صمتنا علينا دليلا   فغدونا لهم وقود النار
قد تَجَنّوْا جهلاً كما قد تجنَّ   وْهُ على ابْنِ مريم والحواري
للمُغالِي جزاؤُه والمغالي   فيه تُنْجيه رحمةً الغفارِ
إذن، فها هي ذي الحجارة تقول: إنها بريئة من الشرك بالله وهي أعبد لله من القائمين بالأسحار، وصمت الحجارة الظاهر اتخذه البعض دليلاً على أن الحجارة رضيت بأن يعبدوها، لكن الحجارة تصير هي أحجار جهنم المعدة لمن كفر بالله، وكان التجني من العباد على الأحجار مثل التجني على عيسى ابن مريم. والذين غالوا في عبادة الأحجار أو البشر لهم عقاب، أما الأحجار والبشر الذين لا ذنب لهم في ذلك فهم طامعون في مغفرة الله ورحمته.

إذن فالضلال هنا يكون ضلال الذين اتخذوا شريكاً لله. ولكن الشريك المُتَّخَذ لا يقال له: ضل إلا على معنى أنه غاب عنهم في يوم كان أملهم أن يكون معهم ليحميهم من عذاب الله.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ... }


www.alro7.net