سورة
اية:

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

هذا أمر من اللّه عزّ وجلّ للرجال: إذا طلق أحدهم المرأة طلاقاً له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها أي يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها أي يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح، قال اللّه تعالى: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} قال ابن عباس ومجاهد: كان الرجل يطلق المرأة فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضراراً لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم اللّه عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي بمخالفته أمر اللّه تعالى. وقوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات اللّه هزواً} قال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة، وقال الحسن وقتادة: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعباً، فأنزل اللّه: { ولا تتخذوا آيات اللّه هزوا} ، وعن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب ولا يريد الطلاق، فأنزل اللّه: { ولا تتخذوا آيات اللّه هزوا} فألزمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الطلاق. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة) ""رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب"" وقوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم} أي في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} أي السنّة { يعظكم به} أي يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم { واتقوا الله} أي فيما تأتون وفيما تذرون { واعلموا أن الله بكل شيء عليمْ} أي فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.

تفسير الجلالين

{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } قاربن انقضاء عدتهن { فأمسكوهن } بأن تراجعوهن { بمعروف } من غير ضرر { أو سرحوهن بمعروف } اتركوهن حتى تنقضي عدتهن { ولا تمسكوهن } بالرجعة { ضرارا } مفعول لأجله { لتعتدوا } عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل الحبس { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } بتعريضها إلى عذاب الله { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } مهزوءا بها بمخالفتها { واذكروا نعمت الله عليكم } بالإسلام { وما أنزل عليكم من الكتاب } القرآن { والحكمة } ما فيه من الأحكام { يعظكم به } بأن تشكروها بالعمل به { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم } ولا يخفى عليه شيء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلّهنَّ فَأَمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرَحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ , يَعْنِي مِيقَاتهنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ مِنْ انْقِضَاء الْأَقْرَاء الثَّلَاثَة إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْأَقْرَاء وَانْقِضَاء الْأَشْهُر , إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الشُّهُور , { فَأَمْسِكُوهُنَّ } يَقُول : فَرَاجِعُوهُنَّ إنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتهنَّ فِي الطَّلْقَة الَّتِي فِيهَا رَجْعَة , وَذَلِكَ إمَّا فِي التَّطْلِيقَة الْوَاحِدَة أَوْ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } 2 229 وَأَمَّا قَوْله : { بِمَعْرُوفٍ } فَإِنَّهُ عَنَى بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنْ الرَّجْعَة مِنْ الْإِشْهَاد عَلَى الرَّجْعَة قَبْل انْقِضَاء الْعِدَّة دُون الرَّجْعَة بِالْوَطْءِ وَالْجِمَاع , لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوز لِلرَّجُلِ بَعْد الرَّجْعَة , وَعَلَى الصُّحْبَة مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَة بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَبَيَّنَهُ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس . { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يَقُول : أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَام عُدْتهنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّة أَجَلهنَّ الَّذِي أَجَّلْته لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ , يَقُول : بِإِيفَائِهِنَّ تَمَام حُقُوقهنَّ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْر وَمُتْعَة وَنَفَقَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُقُوقهنَّ قَبْلكُمْ . { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَقُول : وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدهنَّ مُضَارَّة لَهُنَّ لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّة انْقِضَاء عِدَدهنَّ , أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْع مِنْكُمْ لِمُضَارَّتِكُمْ إيَّاهُنَّ بِإِمْسَاكِكُمْ إيَّاهُنَّ , ومُراجَعَتكُمُوهنّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاء . وَقَوْله : { لِتَعْتَدُوا } يَقُول : لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرهنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتهَا لَكُمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3874 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } قَالَ : يُطَلِّقهَا حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَيَدَعهَا , حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , فَذَلِكَ الَّذِي يُضَارّ وَيَتَّخِذ آيَات اللَّه هُزُوًا . 3875 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سُئِلَ الْحَسَن عَنْ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الْمَرْأَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا يُضَارّهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3876 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } قَالَ نَهَى اللَّه عَنْ الضِّرَار ضِرَارًا أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته , ثُمَّ يُرَاجِعهَا عِنْد آخَر يَوْم يَبْقَى مِنْ الْأَجَل حَتَّى يَفِي لَهَا تِسْعَة أَشْهُر لِيُضَارّهَا بِهِ . 3877 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنْ الضِّرَار , وَالضِّرَار فِي الطَّلَاق : أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا . وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو . 3878 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا قِيلَ انْقِضَاء عِدَّتهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , يَفْعَل ذَلِكَ يُضَارّهَا وَيَعْضُلهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . 3879 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثُمَّ يَدَعهَا , حَتَّى إذَا مَا تَكَاد تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , حَتَّى إذَا مَا كَادَ تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ فِيهَا , إنَّمَا يُرِيد أَنْ يُضَارّهَا بِذَلِكَ , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ , وَقَالَ : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } 3880 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل الْمَرْأَة وَبَلَغَتْ أَجَلهَا فَلْيُرَاجِعْهَا بِمَعْرُوفٍ أَوْ لِيُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا ضِرَارًا , وَلَيْسَتْ لَهُ فِيهَا رَغْبَة إلَّا أَنْ يُضَارّهَا . 3881 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : هُوَ فِي الرَّجُل يَحْلِف بِطَلَاقِ امْرَأَته , فَإِذَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتهَا شَيْء رَاجَعَهَا يُضَارّهَا بِذَلِكَ , وَيُطَوِّل عَلَيْهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3882 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ مَالِك بْن أَنَس , عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدَّيْلِيّ , أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , كَيْمَا يَطُول عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْعِدَّة لِيُضَارّهَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يُعَظِّم ذَلِكَ . 3883 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } : هُوَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته وَاحِدَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا ; لِيُضَارّهَا بِذَلِكَ لِتَخْتَلِع مِنْهُ . 3884 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا } قَالَ نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُدْعَى ثَابِت بْن يَسَار طَلَّقَ امْرَأَته حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتهَا إلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة رَاجَعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا , حَتَّى مَضَتْ لَهَا تِسْعَة أَشْهُر مُضَارَّة يُضَارّهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3885 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الْعَزِيز يَسْأَل عَنْ طَلَاق الضِّرَار , فَقَالَ : يُطَلِّق ثُمَّ يُرَاجِع ثُمَّ يُطَلِّق , ثُمَّ يُرَاجِع , فَهَذَا الضِّرَار الَّذِي قَالَ اللَّه : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3886 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة , ثُمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يَطْلِقهَا تَطْلِيقَة , ثُمَّ يُمْسِك عَنْهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا لِتَعْتَدُوا ; قَالَ : لَا يُطَاوِل عَلَيْهِنَّ . وَأَصْل التَّسْرِيح مِنْ سَرَحَ الْقَوْم , وَهُوَ مَا أُطْلِقَ مِنْ نَعَمهمْ لِلرِّعْيِ , يُقَال لِلْمَوَاشِي الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ : هَذَا سَرْح الْقَوْم , يُرَاد بِهِ مَوَاشِيهمْ الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ } 16 5 : 6 يَعْنِي بِقَوْلِهِ حِين تَسْرَحُونَ : حِين تُرْسِلُونَهَا لِلرَّعْيِ فَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ إذَا خَلَاهَا زَوْجهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ : سَرَّحَهَا , تَمْثِيلًا لِذَلِكَ بِتَسْرِيحِ الْمُسَرِّح مَاشِيَته لِلرَّعْيِ وَتَشْبِيهًا بِهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلّهنَّ فَأَمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرَحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ , يَعْنِي مِيقَاتهنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ مِنْ انْقِضَاء الْأَقْرَاء الثَّلَاثَة إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْأَقْرَاء وَانْقِضَاء الْأَشْهُر , إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الشُّهُور , { فَأَمْسِكُوهُنَّ } يَقُول : فَرَاجِعُوهُنَّ إنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتهنَّ فِي الطَّلْقَة الَّتِي فِيهَا رَجْعَة , وَذَلِكَ إمَّا فِي التَّطْلِيقَة الْوَاحِدَة أَوْ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } 2 229 وَأَمَّا قَوْله : { بِمَعْرُوفٍ } فَإِنَّهُ عَنَى بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنْ الرَّجْعَة مِنْ الْإِشْهَاد عَلَى الرَّجْعَة قَبْل انْقِضَاء الْعِدَّة دُون الرَّجْعَة بِالْوَطْءِ وَالْجِمَاع , لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوز لِلرَّجُلِ بَعْد الرَّجْعَة , وَعَلَى الصُّحْبَة مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَة بِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَبَيَّنَهُ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس . { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يَقُول : أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَام عُدْتهنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّة أَجَلهنَّ الَّذِي أَجَّلْته لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ , يَقُول : بِإِيفَائِهِنَّ تَمَام حُقُوقهنَّ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْر وَمُتْعَة وَنَفَقَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُقُوقهنَّ قَبْلكُمْ . { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } يَقُول : وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدهنَّ مُضَارَّة لَهُنَّ لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّة انْقِضَاء عِدَدهنَّ , أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْع مِنْكُمْ لِمُضَارَّتِكُمْ إيَّاهُنَّ بِإِمْسَاكِكُمْ إيَّاهُنَّ , ومُراجَعَتكُمُوهنّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاء . وَقَوْله : { لِتَعْتَدُوا } يَقُول : لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرهنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتهَا لَكُمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3874 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } قَالَ : يُطَلِّقهَا حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَيَدَعهَا , حَتَّى إذَا كَادَتْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , فَذَلِكَ الَّذِي يُضَارّ وَيَتَّخِذ آيَات اللَّه هُزُوًا . 3875 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سُئِلَ الْحَسَن عَنْ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الْمَرْأَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا يُضَارّهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3876 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } قَالَ نَهَى اللَّه عَنْ الضِّرَار ضِرَارًا أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته , ثُمَّ يُرَاجِعهَا عِنْد آخَر يَوْم يَبْقَى مِنْ الْأَجَل حَتَّى يَفِي لَهَا تِسْعَة أَشْهُر لِيُضَارّهَا بِهِ . 3877 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنْ الضِّرَار , وَالضِّرَار فِي الطَّلَاق : أَنْ يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا . وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو . 3878 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا قِيلَ انْقِضَاء عِدَّتهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , يَفْعَل ذَلِكَ يُضَارّهَا وَيَعْضُلهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . 3879 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثُمَّ يَدَعهَا , حَتَّى إذَا مَا تَكَاد تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , حَتَّى إذَا مَا كَادَ تَخْلُو عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ فِيهَا , إنَّمَا يُرِيد أَنْ يُضَارّهَا بِذَلِكَ , فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ , وَقَالَ : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } 3880 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل الْمَرْأَة وَبَلَغَتْ أَجَلهَا فَلْيُرَاجِعْهَا بِمَعْرُوفٍ أَوْ لِيُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ , وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا ضِرَارًا , وَلَيْسَتْ لَهُ فِيهَا رَغْبَة إلَّا أَنْ يُضَارّهَا . 3881 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : هُوَ فِي الرَّجُل يَحْلِف بِطَلَاقِ امْرَأَته , فَإِذَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتهَا شَيْء رَاجَعَهَا يُضَارّهَا بِذَلِكَ , وَيُطَوِّل عَلَيْهَا ; فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 3882 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا إسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ مَالِك بْن أَنَس , عَنْ ثَوْر بْن زَيْد الدَّيْلِيّ , أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُطَلِّق امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا , وَلَا حَاجَة لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيد إمْسَاكهَا , كَيْمَا يَطُول عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْعِدَّة لِيُضَارّهَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يُعَظِّم ذَلِكَ . 3883 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } : هُوَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته وَاحِدَة , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يُطَلِّقهَا ; لِيُضَارّهَا بِذَلِكَ لِتَخْتَلِع مِنْهُ . 3884 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هُزُوًا } قَالَ نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُدْعَى ثَابِت بْن يَسَار طَلَّقَ امْرَأَته حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتهَا إلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة رَاجَعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقهَا , فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا , حَتَّى مَضَتْ لَهَا تِسْعَة أَشْهُر مُضَارَّة يُضَارّهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3885 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الْعَزِيز يَسْأَل عَنْ طَلَاق الضِّرَار , فَقَالَ : يُطَلِّق ثُمَّ يُرَاجِع ثُمَّ يُطَلِّق , ثُمَّ يُرَاجِع , فَهَذَا الضِّرَار الَّذِي قَالَ اللَّه : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } 3886 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } قَالَ : الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته تَطْلِيقَة , ثُمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا , ثُمَّ يَطْلِقهَا تَطْلِيقَة , ثُمَّ يُمْسِك عَنْهَا حَتَّى تَحِيض ثَلَاث حِيَض , ثُمَّ يُرَاجِعهَا لِتَعْتَدُوا ; قَالَ : لَا يُطَاوِل عَلَيْهِنَّ . وَأَصْل التَّسْرِيح مِنْ سَرَحَ الْقَوْم , وَهُوَ مَا أُطْلِقَ مِنْ نَعَمهمْ لِلرِّعْيِ , يُقَال لِلْمَوَاشِي الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ : هَذَا سَرْح الْقَوْم , يُرَاد بِهِ مَوَاشِيهمْ الْمُرْسَلَة لِلرَّعْيِ , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ } 16 5 : 6 يَعْنِي بِقَوْلِهِ حِين تَسْرَحُونَ : حِين تُرْسِلُونَهَا لِلرَّعْيِ فَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ إذَا خَلَاهَا زَوْجهَا فَأَبَانَهَا مِنْهُ : سَرَّحَهَا , تَمْثِيلًا لِذَلِكَ بِتَسْرِيحِ الْمُسَرِّح مَاشِيَته لِلرَّعْيِ وَتَشْبِيهًا بِهِ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَمِنْ يُرَاجِع امْرَأَته بَعْد طَلَاقه إيَّاهَا فِي الطَّلَاق الَّذِي لَهُ فِيهِ عَلَيْهَا الرَّجْعَة ضِرَارًا بِهَا لِيَعْتَدِيَ حَدّ اللَّه فِي أَمْرهَا , فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه , يَعْنِي فَأَكْسَبَهَا بِذَلِكَ إثْمًا , وَأَوْجَبَ لَهَا مِنْ اللَّه عُقُوبَة بِذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْم فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه وَفِعْل مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ فِعْله الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَمِنْ يُرَاجِع امْرَأَته بَعْد طَلَاقه إيَّاهَا فِي الطَّلَاق الَّذِي لَهُ فِيهِ عَلَيْهَا الرَّجْعَة ضِرَارًا بِهَا لِيَعْتَدِيَ حَدّ اللَّه فِي أَمْرهَا , فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه , يَعْنِي فَأَكْسَبَهَا بِذَلِكَ إثْمًا , وَأَوْجَبَ لَهَا مِنْ اللَّه عُقُوبَة بِذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْم فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه وَفِعْل مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ فِعْله' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَتَّخِذُوا أَعْلَام اللَّه وَفُصُوله بَيْن حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله اسْتِهْزَاء وَلَعِبًا , فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِي تَنْزِيله وَآي كِتَابه مَا لَكُمْ مِنْ الرَّجْعَة عَلَى نِسَائِكُمْ فِي الطَّلَاق الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة , وَمَا لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا , وَمَا الْوَجْه الْجَائِز لَكُمْ مِنْهَا وَمَا الَّذِي لَا يَجُوز , وَمَا الطَّلَاق الَّذِي لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة وَمَا لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ فِيهِ , وَكَيْفَ وُجُوه ذَلِكَ ; رَحْمَة مِنْهُ بِكُمْ وَنِعْمَة مِنْهُ عَلَيْكُمْ , لِيَجْعَل بِذَلِكَ لِبَعْضِكُمْ مِنْ مَكْرُوه إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ صَاحِبه مِمَّا هُوَ فِيهِ الْمَخْرَج وَالْمُخَلِّص بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاق , وَجَعَلَ مَا جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرَّجْعَة سَبِيلًا لَكُمْ إلَى الْوُصُول إلَى مَا نَازَعَهُ إلَيْهِ وَدَعَاهُ إلَيْهِ هَوَاهُ بَعْد فِرَاقه إيَّاهُنَّ مِنْهُنَّ , لِتُدْرِكُوا بِذَلِكَ قَضَاء أَوْطَاركُمْ مِنْهُنَّ , إنْعَامًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لَا لِتَتَّخِذُوا مَا بَيَّنَتْ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي آي كِتَابِي وَتَنْزِيلِي تَفَضُّلًا مِنِّي بِبَيَانِهِ عَلَيْكُمْ , وَإِنْعَامًا وَرَحْمَة مِنِّي بِكُمْ لَعِبًا وَسُخْرِيًّا وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3887 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن سِيبَوَيْهِ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَيُّوب بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَة , عَنْ ابْن شِهَاب , عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم , أَنَّ الْحَسَن حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّاس كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَلِّق الرَّجُل أَوْ يُعْتِق , فَيُقَال : مَا صَنَعْت ؟ فَيَقُول : إنَّمَا كُنْت لَاعِبًا ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ طَلَّقَ لَاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ " قَالَ الْحَسَن : وَفِيهِ نَزَلَتْ : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3888 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته , فَيَقُول : إنَّمَا طَلَّقْت لَاعِبًا , وَيَتَزَوَّج أَوْ يُعْتِق أَوْ يَتَصَدَّق فَيَقُول : إنَّمَا فَعَلْت لَاعِبًا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3889 - حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبِ , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن مَنْصُور , عَنْ عَبْد السِّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي الْعِلَاء , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَتَاهُ أَبُو مُوسَى , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه غَضِبْت عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ ! فَقَالَ : " يَقُول أَحَدكُمْ قَدْ طَلَّقْت قَدْ رَاجَعْت ! لَيْسَ هَذَا طَلَاق الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " * حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد , عَنْ ابْن شَبَّة , قَالَ : ثنا أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد السَّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي خَالِد , يَعْنِي الدَّالَانِيّ , عَنْ أَبِي الْعِلَاء الْأَوْدِيّ , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " يَقُول أَحَدكُمْ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك , قَدْ رَاجَعْتُك ! لَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَتَّخِذُوا أَعْلَام اللَّه وَفُصُوله بَيْن حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله اسْتِهْزَاء وَلَعِبًا , فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِي تَنْزِيله وَآي كِتَابه مَا لَكُمْ مِنْ الرَّجْعَة عَلَى نِسَائِكُمْ فِي الطَّلَاق الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة , وَمَا لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا , وَمَا الْوَجْه الْجَائِز لَكُمْ مِنْهَا وَمَا الَّذِي لَا يَجُوز , وَمَا الطَّلَاق الَّذِي لَكُمْ عَلَيْهِنَّ فِيهِ الرَّجْعَة وَمَا لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ فِيهِ , وَكَيْفَ وُجُوه ذَلِكَ ; رَحْمَة مِنْهُ بِكُمْ وَنِعْمَة مِنْهُ عَلَيْكُمْ , لِيَجْعَل بِذَلِكَ لِبَعْضِكُمْ مِنْ مَكْرُوه إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ صَاحِبه مِمَّا هُوَ فِيهِ الْمَخْرَج وَالْمُخَلِّص بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاق , وَجَعَلَ مَا جَعَلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرَّجْعَة سَبِيلًا لَكُمْ إلَى الْوُصُول إلَى مَا نَازَعَهُ إلَيْهِ وَدَعَاهُ إلَيْهِ هَوَاهُ بَعْد فِرَاقه إيَّاهُنَّ مِنْهُنَّ , لِتُدْرِكُوا بِذَلِكَ قَضَاء أَوْطَاركُمْ مِنْهُنَّ , إنْعَامًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لَا لِتَتَّخِذُوا مَا بَيَّنَتْ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي آي كِتَابِي وَتَنْزِيلِي تَفَضُّلًا مِنِّي بِبَيَانِهِ عَلَيْكُمْ , وَإِنْعَامًا وَرَحْمَة مِنِّي بِكُمْ لَعِبًا وَسُخْرِيًّا وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3887 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن سِيبَوَيْهِ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَيُّوب بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن أَبِي أُوَيْس , عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَة , عَنْ ابْن شِهَاب , عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم , أَنَّ الْحَسَن حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّاس كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَلِّق الرَّجُل أَوْ يُعْتِق , فَيُقَال : مَا صَنَعْت ؟ فَيَقُول : إنَّمَا كُنْت لَاعِبًا ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ طَلَّقَ لَاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ " قَالَ الْحَسَن : وَفِيهِ نَزَلَتْ : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3888 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق امْرَأَته , فَيَقُول : إنَّمَا طَلَّقْت لَاعِبًا , وَيَتَزَوَّج أَوْ يُعْتِق أَوْ يَتَصَدَّق فَيَقُول : إنَّمَا فَعَلْت لَاعِبًا , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَات اللَّه هَزُّوا } 3889 - حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبِ , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن مَنْصُور , عَنْ عَبْد السِّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي الْعِلَاء , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَتَاهُ أَبُو مُوسَى , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه غَضِبْت عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ ! فَقَالَ : " يَقُول أَحَدكُمْ قَدْ طَلَّقْت قَدْ رَاجَعْت ! لَيْسَ هَذَا طَلَاق الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " * حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد , عَنْ ابْن شَبَّة , قَالَ : ثنا أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد السَّلَام بْن حَرْب , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي خَالِد , يَعْنِي الدَّالَانِيّ , عَنْ أَبِي الْعِلَاء الْأَوْدِيّ , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " يَقُول أَحَدكُمْ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك , قَدْ رَاجَعْتُك ! لَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ الْمُسْلِمِينَ , طَلِّقُوا الْمَرْأَة فِي قُبُل عِدَّتهَا " ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ , الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ , فَهَدَاكُمْ لَهُ , وَسَائِر نِعَمه الَّتِي خَصَّكُمْ بِهَا دُون غَيْركُمْ مِنْ سَائِر خَلْقه , فَاشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَاذْكُرُوا أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ , مَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابه ذَلِكَ , الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ فَاعْمَلُوا بِهِ , وَاحْفَظُوا حُدُوده فِيهِ وَالْحِكْمَة : يَعْنِي : وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْحِكْمَة وَهِيَ السُّنَن الَّتِي عَلَّمَكُمُوهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَّهَا لَكُمْ وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى الْحِكْمَة فِيمَا مَضَى قَبْل فِي قَوْله : { وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } 2 129 فَأَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ , الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهِ , فَهَدَاكُمْ لَهُ , وَسَائِر نِعَمه الَّتِي خَصَّكُمْ بِهَا دُون غَيْركُمْ مِنْ سَائِر خَلْقه , فَاشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَاذْكُرُوا أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ , مَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابه ذَلِكَ , الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ فَاعْمَلُوا بِهِ , وَاحْفَظُوا حُدُوده فِيهِ وَالْحِكْمَة : يَعْنِي : وَمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْحِكْمَة وَهِيَ السُّنَن الَّتِي عَلَّمَكُمُوهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَّهَا لَكُمْ وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى الْحِكْمَة فِيمَا مَضَى قَبْل فِي قَوْله : { وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة } 2 129 فَأَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعِظكُمْ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله " بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْكِتَاب { وَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول : وَخَافُوا اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابه الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَيْكُمْ , وَفِيمَا أَنَزَلَهُ فَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ وَتَتَعَدَّوْا حُدُوده , فَتَسْتَوْجِبُوا مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلِيم عِقَابه , وَنَكَال عَذَابه الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَعِظكُمْ بِهِ } يَعِظكُمْ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله " بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْكِتَاب { وَاتَّقُوا اللَّه } يَقُول : وَخَافُوا اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابه الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَيْكُمْ , وَفِيمَا أَنَزَلَهُ فَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ وَتَتَعَدَّوْا حُدُوده , فَتَسْتَوْجِبُوا مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلِيم عِقَابه , وَنَكَال عَذَابه' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } وَقَوْله : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَقُول : وَاعْلَمُوا أَيّهَا النَّاس أَنَّ رَبّكُمْ الَّذِي حَدَّ لَكُمْ هَذِهِ الْحُدُود , وَشَرَعَ لَكُمْ هَذِهِ الشَّرَائِع , وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْفَرَائِض فِي كِتَابه وَفِي تَنْزِيله , عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَحَسَن وَسَيِّئ , وَطَاعَة وَمَعْصِيَة , عَالِم لَا يَخْفِي عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِر ذَلِكَ وَخَفْيه وَسِرّه وَجَهْره شَيْء , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِالْإِحْسَانِ إحْسَانًا , وَبِالسَّيِّئِ سَيِّئًا , إلَّا أَنْ يَعْفُو وَيَصْفَح ; فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِعِقَابِهِ , وَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسكُمْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } وَقَوْله : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَقُول : وَاعْلَمُوا أَيّهَا النَّاس أَنَّ رَبّكُمْ الَّذِي حَدَّ لَكُمْ هَذِهِ الْحُدُود , وَشَرَعَ لَكُمْ هَذِهِ الشَّرَائِع , وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْفَرَائِض فِي كِتَابه وَفِي تَنْزِيله , عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَحَسَن وَسَيِّئ , وَطَاعَة وَمَعْصِيَة , عَالِم لَا يَخْفِي عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِر ذَلِكَ وَخَفْيه وَسِرّه وَجَهْره شَيْء , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِالْإِحْسَانِ إحْسَانًا , وَبِالسَّيِّئِ سَيِّئًا , إلَّا أَنْ يَعْفُو وَيَصْفَح ; فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِعِقَابِهِ , وَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسكُمْ'

تفسير القرطبي

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى { فبلغن أجلهن} معنى "بلغن" قاربن، بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى. الثانية: قوله تعالى { فأمسكوهن بمعروف} الإمساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء : إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال : إن ذلك سنة. ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة : لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم، وهذا قول عطاء والزهري، وإليه ذهب الكوفيون والثوري، واحتجوا بقوله تعالى { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة : 280] وقال { وأنكحوا الأيامى منكم} [النور : 32] الآية، فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله، أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها. والحجة للأول قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : (تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني) فهذا نص في موضع الخلاف. والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافا للشافعي في قوله : إنها طلقة بائنة، لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية، أصله طلاق المولي. الثالثة: قوله تعالى { أو سرحوهن بمعروف} يعني فطلقوهن، وقد تقدم. { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} روى مالك عن ثور بن زيد الديلي : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كيما يطول بذلك العدة عليها وليضارها، فأنزل الله تعالى { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} يعظهم الله به. وقال الزجاج { فقد ظلم نفسه} يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله. وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى { الطلاق مرتان} . فأفادنا هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الإضرار بها، وهذا ظاهر. الرابعة: قوله تعالى { ولا تتخذوا آيات الله هزوا} معناه لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها جد كلها، فمن هزل فيها لزمته. قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب، وكان يعتق وينكح ويقول : كنت لاعبا، فنزلت هذه الآية، فقال عليه السلام : (من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد). رواه معمر قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبي الدرداء فذكره بمعناه. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة مرة فماذا ترى علي؟ فقال ابن عباس : (طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا). وخرج الدارقطني من حديث إسماعيل بن أمية القرشي عن علي قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال : (تتخذون آيات الله هزوا - أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره). إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث. وروي عن عائشة : (أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول : والله لا أورثك ولا أدعك. قالت : وكيف ذاك؟ قال : إذا كدت تقضين عدتك راجعتك)، فنزلت { ولا تتخذوا آيات الله هزوا} . قال علماؤنا : والأقوال كلها داخلة في معنى الآية، لأنه يقال لمن سخر من آيات الله : اتخذها هزوا. ويقال ذلك لمن كفر بها، ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها، فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية. وآيات الله : دلائله وأمره ونهيه. الخامسة: ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه، واختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في "براءة" إن شاء الله تعالى. وخرج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة). وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء كلهم قالوا : (ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جادّ : النكاح والطلاق والعتاق). وقيل : المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه. السادسة: قوله تعالى { واذكروا نعمة الله عليكم} أي بالإسلام وبيان الأحكام. "والحكمة" هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب. { يعظكم به} أي يخوفكم. { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 229 - 234

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولنلاحظ قوله: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ونسأل: هل إذا بلغت الأجل وانتهت العدة، هل يوجد بعدها إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؟، هل يوجد إلا التسريح؟. إن هناك آية بعد ذلك تقول:
{  وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ }
[البقرة: 232]

إذن نحن أمام آيتين كل منهما تبدأ بقوله: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ }. لكن تكملة الآية الأولى هو: { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وتكملة الآية الثانية هو: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ }. ما سر هذا الاختلاف إذن؟

نقول: إن البلوغ يأتي بمعنيين، المعنى الأول: أن يأتي البلوغ بمعنى المقاربة مثل قوله تعالى: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ }. أي عندما تقارب القيام إلى الصلاة فافعل ذلك. والمعنى الثاني: يطلق البلوغ على الوصول الحقيقي والفعلي. إن الإنسان عندما يكون مسافرا بالطائرة ويهبط في بلد الوصول فهو يلاحظ أن الطيار يعلن أنه قد وصل إلى البلد الفلاني. إذن مرة يطلق البلوغ على القرب ومرة أخرى يطلق على البلوغ الحقيقي.

وفي الآية الأولى { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } هنا طلق الرجل زوجته لكن عدتها لم تنته بل قاربت على الانتهاء فربما يمكنه أن يسرحها أو يمسكها بإحسان، وأصبح للزوج قدر من زمن العدة يبيح له أن يمسك أو يسرح، لكنه زمن قليل. إن الحق يريد أن يتمسك الزوج بالإبقاء إلى آخر لحظة ويستبقي أسباب الالتقاء وعدم الانفصال حتى آخر لحظة، وهذه علة التعبير بقوله: { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي قاربن بلوغ الأجل. إن الحق يريدنا أن نتمسك باستبقاء الحياة الزوجية إلى آخر فرصة تتسع للإمساك، فهي لحظة قد ينطق فيها الرجل بكلمة يترتب عليها إما طلاق، وإما عودة الحياة الزوجية.

أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } فالله سبحانه وتعالى يريد أن يحصر مناقشة الأسباب في الانفصال أو الاستمرار بين الزوج والزوجة فقط فلا تتعدى إلى غير الزوج والزوجة؛ لأن بين الاثنين من الأسباب ما قد تجعل الواحد منهما يُلين جانبه للآخر.

لكن إذا ما دخل طرف ثالث ليست عنده هذه فسوف تكبر في نفسه الخصومة ولا توجد عنده الحاجة فلا يبقى على عشرة الزوجين. فإذا ما دخل الأب أو الأخ أو الأم في النزاع فسوف تشتعل الخصومة، وكل منهم لا يشعر بإحساس كل من الزوجين للآخر، ولا بليونة الزوج لزوجته، ولا بمهادنة الزوجة لزوجها، فهذه مسائل عاطفية ونفسية لا توجد إلا بين الزوج والزوجة، أما الأطراف الخارجية فلا يربطها بالزوج ولا بالزوجة إلا صلة القرابة. ومن هنا فإن حرص تلك الأطراف الخارجية على بقاء عشرة الزوجين لا يكون مثل حرص كل من الزوجين على التمسك بالآخر.ولذلك يجب أن نفهم أن كل مشكلة تحدث بين زوج وزوجته ولا يتدخل فيها أحد تنتهي بسرعة بدون أم أو أب أو أخ، ذلك لأنه تدخل طرفٍ خارجي لا يكون مالكا للدوافع العاطفية والنفسية التي بين الزوجين، أما الزوجان فقد تكفي نظرة واحدة من أحدهما للآخر لأن تعيد الأمور إلى مجاريها. فقد يُعجب الرجل بجمال المرأة ويشتاق إليها، فينسى كل شيء. وقد ترى المرأة في الرجل أمراً لا تحب أن تفقده منه فتنسى ما حدث بينهما، وهكذا.

لكن أين ذلك من أمها وأمه، أو أبيها وأبيه؟ ليس بين هؤلاء وبين الزوجين أسرار وعواطف ومعاشرة وغير ذلك.

ولهذا فأنا أنصح دائما بأن يظل الخلاف محصوراً بين الزوج والزوجة؛ لأن الله قد جعل بينهما سيالا عاطفيا. والسيال العاطفي قد يسيل إلى نزوع ورغبة في شيء ما، وربما تكون هذه الرغبة هي التي تصلح وتجعل كلا من الطرفين يتنازل عن الخصومة والطلاق. ولذلك شاءت إرادة الله عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته وهي حائض، لماذا؟

لأن المرأة في فترة الحيض لا يكون لزوجها رغبة فيها، وربما ينفر منها، لكن يريد الحق عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته إلا في طهر لم يسبق له أن عاشرها فيه معاشرة الزوج زوجته وبعد أن تغتسل من الحيض، وذلك حتى لا يطلقها إلا وهو في أشد الأوقات رغبة لها.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن تكون الخلافات بين الزوج والزوجة في إطار الحياة الزوجية، حتى يحفظهما سياج المحبة والمودة والرحمة. لكن تدخل الأطراف الأخرى يحطم هذا السياج، أياً كان الطرف أما أو أبا أو أخا.

ويقول الحق: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ } أي لا تبق أيها الرجل على الحياة الزوجية من أجل الإضرار بالمرأة وإذلالها، ومعنى الضرار أنك تصنع شيئا في ظاهره أنك تريد الخير وفي الباطن تريد الشر. ولذلك أطلق اللفظ على " مسجد الضرار " فظاهر بنائه أنه مسجد بني للصلاة فيه، وفي الباطن كان الهدف منه هو الكفر والتفريق بين المؤمنين. وكذلك الضرار في الزواج؛ يقول الرجل أنا لا أريد طلاقها وسأعيدها لبيتها، يقول ذلك ويُبيت في نفسه أن يعيدها ليذلها وينتقم منها، وذلك لا يقره الإسلام؛ بل وينهى عنه.

إن الحق عز وجل يحذر من مثل هذا السلوك فيقول: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } فإياك أن تظن أنك حين تعتدي على زوجتك بعد أن تراجعها أنك ظلمتها هي، لا، إنما أنت تظلم نفسك؛ لأنك حين تعتدي على إنسان فقد جعلت ربه في جانبه، فإن دعا عليك قِبل الله دعوته، وبذلك تحرم نفسك من رضا الله عنك، فهل هناك ظلم أكثر من الظلم الذي يأتيك بسخط الله عليك.ويتابع الحق سبحانه وتعالى: { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً } أي خذوا نظام الله على أنه نظام جاء ليحكم حركة الحياة حكما بلا مراوغة وبلا تحليق في خيال كاذب، إنما هو أمر واقعي، فلا يصح أن يهزأ أحد بما أنزله الله من أنظمة تصون حياة وكرامة الإنسان رجلاً كان أو امرأة.

{ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ } ونعمة الله عليهم التي يذكرهم الله بها في معرض الحديث عن الطلاق هي أنه ـ سبحانه ـ يلفتهم إلى ما كانوا عليه قبل أن يشرع لهم أين كان حظ المرأة في الجاهلية في أمور الزواج والطلاق، وما أصبحت عليه بعد نزول القرآن؟ لقد صارت حقوقها مصونة بالقرآن.

إن الحق عز وجل يمتن على المؤمنين ليلفت نظرهم إلى حالتهم قبل الإسلام؛ فقد كان الرجل يطلق امرأته ويعيدها، ثم يطلقها ويعيدها ولو ألف مرة دون ضابط أو رابط. وكان يحرم عليها المعاشرة الزوجية شهوراً ويتركها تتعذب بلوعة البعد عنه، ولا تستطيع أن تتكلم.

وكانت المرأة إذا مات زوجها تنفى من المجتمع فلا تظهر أبداً ولا تخرج من بيتها وكأنها جرثومة، وقبل ذلك كله كانت مصدر عار لأبيها، فكان يقتلها قبل أن تصل إلى سن البلوغ بدعوى الحرص على عرضه وشرفه.

باختصار كان الزواج أقرب إلى المهازل منه إلى الجد، فجاء الإسلام، فحسم الأمور حتى لا تكون فوضى بلا ضوابط وبلا قوانين. فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم بالإسلام، وانظروا إلى ما أنعم به عليكم من نظام أسري يلهث العالم شرقه وغربه ليصل إلى مثله.

كنتم أمة بلا حضارة وبلا ثقافة، تعبدون الأصنام وتقيمون الحرب وتشعلونها بينكم على أتفه الأسباب وأدونها، وتجهلون القراءة والكتابة، ثم نزل الله عليكم هذا التشريع الراقي الناضج الذي لم تصل إليه أية حضارة حتى الآن. أَلاَ تذكرون هذه النعمة التي أنتم فيها بفضل من الله؟ لذلك قال سبحانه: { وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ } والكتاب هو القرآن، والحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويختتم الحق تلك الآية الكريمة بقول: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.

فإياكم أن تتهموا دينكم بأنه قد فاته شيء من التشريع لكم، فكل تشريع جاهز في الإسلام، لأن الله عليم بما تكون عليه أحوال الناس، فلا يستدرك كون الله في الواقع على ما شرع الله في كتابه، لأنه سبحانه خالق الكون ومنزل التشريع. وبعد ذلك يقول الحق: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ... }


www.alro7.net