سورة
اية:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ

تفسير بن كثير

ينكر اللّه تعالى على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة اللّه، فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم التنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على اللّه فيما ادعوه لأنفسهم، أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوماً، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة، ثم قال تعالى: { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم، من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم، واختلقوه ولم ينزل اللّه به سلطاناً، قال اللّه تعالى متهدداً لهم ومتوعداً: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} ، أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على اللّه وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر!! واللّه تعالى سائلهم عن ذلك كله وحاكم عليهم ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} ؟ أي: لا شك في وقوعه وكونه، { ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}

تفسير الجلالين

{ ألم تر } تنظر { إلى الذين أوتوا نصيبا } حظاً { من الكتاب } التوراة { يُدْعَوْنَ } حال { إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } عن قبول حكمه نزلت في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم عليهما بالرجم فغضبوا فجيء بالتوراة فوجدا فيها فرجما.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُمَ بَيْنهمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَلَمْ تَرَ } يَا مُحَمَّد { إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } يَقُول : الَّذِينَ أُعْطُوا حَظًّا مِنْ الْكِتَاب , يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْكِتَاب الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ التَّوْرَاة دَعَاهُمْ إِلَى الرِّضَا بِمَا فِيهَا , إِذْ كَانَتْ الْفِرَق الْمُنْتَحِلَة الْكُتُب تُقِرّ بِهَا وَبِمَا فِيهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَحْكَام اللَّه قَبْل أَنْ يَنْسَخ مِنْهَا مَا نَسَخَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5333 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْمِدْرَاس عَلَى جَمَاعَة مِنْ يَهُود , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه , فَقَالَ لَهُ نُعَيْم بْن عَمْرو وَالْحَارِث بْن زَيْد : عَلَى أَيّ دِين أَنْتَ يَا مُحَمَّد ؟ فَقَالَ : " عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم وَدِينه " , فَقَالَا : فَإِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَهُودِيًّا , فَقَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاة فَهِيَ بَيْننَا وَبَيْنكُمْ " . فَأَبَوْا عَلَيْهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } . .. إِلَى قَوْله : { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى آلِ زَيْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْت الْمِدْرَاس , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلُمَّا إِلَى التَّوْرَاة " , وَقَالَ أَيْضًا : فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمَا : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث أَبِي كُرَيْب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ كِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد , وَإِنَّمَا دُعِيَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ بِالْحَقِّ , فَأَبَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5334 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } أُولَئِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود , دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ , وَإِلَى نَبِيِّهِ لِيَحْكُم بَيْنهمْ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَهُمْ مُعْرِضُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } . .. الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْيَهُود دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه وَإِلَى نَبِيّه , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ , ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ وَهُمْ مُعْرِضُونَ . 5335 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ } قَالَ : كَانَ أَهْل الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ بِالْحَقِّ يَكُون وَفِي الْحُدُود , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام , فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ طَائِفَة مِنْ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَهْده , مِمَّنْ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا بِالتَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه الَّذِي كَانُوا يُقِرُّونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه وَهُوَ فِي التَّوْرَاة فِي بَعْض مَا تَنَازَعُوا فِيهِ هُمْ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون تَنَازُعُهُمْ الَّذِي كَانُوا تَنَازَعُوا فِيهِ ثُمَّ دُعُوا إِلَى حُكْم التَّوْرَاة فِيهِ , فَامْتَنَعُوا مِنْ الْإِجَابَة إِلَيْهِ , كَانَ أَمْر مُحَمَّد وَأَمْر نُبُوَّته . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ أَمْر إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن وَدِينه . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ أَمْر الْإِسْلَام , وَالْإِقْرَار بِهِ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ فِي حَدّ , فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَانُوا نَازَعُوا فِيهِ رَسُول اللَّه , فَدَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى حُكْم التَّوْرَاة , فَأَبَى الْإِجَابَة فِيهِ , وَكَتَمَهُ بَعْضهمْ . وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِمَّنْ أَبَى , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : هُوَ هَذَا دُون هَذَا وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى مَعْرِفَة ذَلِكَ , لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ حَمَلَتْهُ هُوَ مِمَّا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ الْإِجَابَة إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ , فَامْتَنَعُوا مِنْهُ . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ بِرِدَّتهمْ وَتَكْذِيبهمْ : بِمَا فِي كِتَابهمْ وَجُحُودهمْ , مَا قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودهمْ وَمَوَاثِيقهمْ بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَل بِهِ , فَلَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِثْلهمْ فِي تَكْذِيبهمْ مُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ , وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقِرُّونَ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } ثُمَّ يَسْتَدْبِر عَنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي دَعَا إِلَى حُكْمه مُعْرِضًا عَنْهُ مُنْصَرِفًا , وَهُوَ بِحَقِيقَتِهِ وَحُجَّته عَالِم . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَاب هُوَ التَّوْرَاة , لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْقُرْآنِ مُكَذِّبِينَ وَبِالتَّوْرَاةِ بِزَعْمِهِمْ مُصَدِّقِينَ , فَكَانَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُمْ بِهِ فِي زَعْمِهِمْ مُقِرُّونَ أَبْلَغ وَلِلْعُذْرِ أَقْطَع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُمَ بَيْنهمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَلَمْ تَرَ } يَا مُحَمَّد { إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } يَقُول : الَّذِينَ أُعْطُوا حَظًّا مِنْ الْكِتَاب , يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْكِتَاب الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ التَّوْرَاة دَعَاهُمْ إِلَى الرِّضَا بِمَا فِيهَا , إِذْ كَانَتْ الْفِرَق الْمُنْتَحِلَة الْكُتُب تُقِرّ بِهَا وَبِمَا فِيهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَحْكَام اللَّه قَبْل أَنْ يَنْسَخ مِنْهَا مَا نَسَخَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5333 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْمِدْرَاس عَلَى جَمَاعَة مِنْ يَهُود , فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه , فَقَالَ لَهُ نُعَيْم بْن عَمْرو وَالْحَارِث بْن زَيْد : عَلَى أَيّ دِين أَنْتَ يَا مُحَمَّد ؟ فَقَالَ : " عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم وَدِينه " , فَقَالَا : فَإِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَهُودِيًّا , فَقَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاة فَهِيَ بَيْننَا وَبَيْنكُمْ " . فَأَبَوْا عَلَيْهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } . .. إِلَى قَوْله : { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى آلِ زَيْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْت الْمِدْرَاس , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَهَلُمَّا إِلَى التَّوْرَاة " , وَقَالَ أَيْضًا : فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمَا : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث أَبِي كُرَيْب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ كِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد , وَإِنَّمَا دُعِيَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ بِالْحَقِّ , فَأَبَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5334 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } أُولَئِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود , دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ , وَإِلَى نَبِيِّهِ لِيَحْكُم بَيْنهمْ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَهُمْ مُعْرِضُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } . .. الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْيَهُود دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه وَإِلَى نَبِيّه , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ , ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ وَهُمْ مُعْرِضُونَ . 5335 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ } قَالَ : كَانَ أَهْل الْكِتَاب يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَاب اللَّه لِيَحْكُم بَيْنهمْ بِالْحَقِّ يَكُون وَفِي الْحُدُود , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام , فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ طَائِفَة مِنْ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَهْده , مِمَّنْ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا بِالتَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ دُعُوا إِلَى كِتَاب اللَّه الَّذِي كَانُوا يُقِرُّونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه وَهُوَ فِي التَّوْرَاة فِي بَعْض مَا تَنَازَعُوا فِيهِ هُمْ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون تَنَازُعُهُمْ الَّذِي كَانُوا تَنَازَعُوا فِيهِ ثُمَّ دُعُوا إِلَى حُكْم التَّوْرَاة فِيهِ , فَامْتَنَعُوا مِنْ الْإِجَابَة إِلَيْهِ , كَانَ أَمْر مُحَمَّد وَأَمْر نُبُوَّته . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ أَمْر إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن وَدِينه . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ أَمْر الْإِسْلَام , وَالْإِقْرَار بِهِ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ فِي حَدّ , فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَانُوا نَازَعُوا فِيهِ رَسُول اللَّه , فَدَعَاهُمْ فِيهِ إِلَى حُكْم التَّوْرَاة , فَأَبَى الْإِجَابَة فِيهِ , وَكَتَمَهُ بَعْضهمْ . وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِمَّنْ أَبَى , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : هُوَ هَذَا دُون هَذَا وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى مَعْرِفَة ذَلِكَ , لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ حَمَلَتْهُ هُوَ مِمَّا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ الْإِجَابَة إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ , فَامْتَنَعُوا مِنْهُ . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ بِرِدَّتهمْ وَتَكْذِيبهمْ : بِمَا فِي كِتَابهمْ وَجُحُودهمْ , مَا قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودهمْ وَمَوَاثِيقهمْ بِإِقَامَتِهِ وَالْعَمَل بِهِ , فَلَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِثْلهمْ فِي تَكْذِيبهمْ مُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ , وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقِرُّونَ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } ثُمَّ يَسْتَدْبِر عَنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي دَعَا إِلَى حُكْمه مُعْرِضًا عَنْهُ مُنْصَرِفًا , وَهُوَ بِحَقِيقَتِهِ وَحُجَّته عَالِم . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَاب هُوَ التَّوْرَاة , لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْقُرْآنِ مُكَذِّبِينَ وَبِالتَّوْرَاةِ بِزَعْمِهِمْ مُصَدِّقِينَ , فَكَانَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا هُمْ بِهِ فِي زَعْمِهِمْ مُقِرُّونَ أَبْلَغ وَلِلْعُذْرِ أَقْطَع .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إني على ملة إبراهيم). فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم). فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (هلموا إلى التوراة ففيها صفتي) فأبوا. وقرأ الجمهور { ليحكم} وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع "ليحكم" بضم الياء. والقراءة الأولى أحسن؛ لقوله تعالى { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} [الجاثية : 29]. الثانية: في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف. وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة "النور" في قوله تعالى { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} إلى قوله { بل أولئك هم الظالمون} [النور : 48 - 49 - 50]. وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له). قال ابن العربي : وهذا حديث باطل. أما قوله (فهو ظالم) فكلام صحيح. وأما قوله (فلا حق له) فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ابن خويز منداد المالكي : واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه. الثالثة: وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا نسخه، وإنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها، ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب : إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها. وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها. وسيأتي بيان هذا في "المائدة" والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 20 - 23


سورة ال عمران الايات 23 - 26

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعرف أننا ساعة نسمع قول الحق: { أَلَمْ تَرَ }. فهنا همزة استفهام، وهنا أداة نفي هي " لم " ، وهنا " تر " ومعناها أن يستخدم الإنسان آلة الإبصار وهي العين. فإذا ما قال الله لرسوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ }. إن هذه دعوة لأمر واضح. لكن في بعض الأحيان تأتي { أَلَمْ تَرَ } في حادث كان زمانه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلم يره رسول الله كقول الحق:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1].

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل، إذن فساعة تسمع { أَلَمْ تَرَ } ' إن كان حدثها من المعاصر، فمن الممكن أن تكون رؤية، والرؤية تؤدي إلى علم يقين، لأنها رؤية لمشهود, وإن جاءت { أَلَمْ تَرَ } في أمر قد حدث من قبل، أو أمر لما يحدث بعد فهي تعني " ألم تعلم "؛ لأن الرؤية سيدة الأدلة، فكأن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول لرسوله في حدث لم يشهده الرسول: ألم تر؟ فهذا معناه: ألم تعلم؟

وقد يقول قائل: ولماذا لم يأت بـ " تعلم " وجاء ب " تر "؟ لأن سيادة الأدلة هو الدليل المرئي، فكأن الله يريد أن يخبرنا بـ { أَلَمْ تَرَ } أن نأخذ المعلومة من الله على أنها مرئية، وليكن ربك أوثق عندك من عينك، إنك قد لا ترى بالفعل هذا الأمر الذي يخبرك به الله، ولكن لأن القائل هو الله، ولا توجد قدرة تُخرج ما يقوله الله على غير ما يقوله الله. لذلك فقد قلنا ساعة يعبر الله عن الأمر المستقبل الذي سيأتي بعد، فإنه قد يعبر عنه بالماضي، فالحق قد قال:
{  أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }
[النحل: 1].

فهل ينسجم قوله: { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } مع { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }؟ إن الأمر الذي يخبرنا به الله قد أتى، فكيف يمكن عدم استعجاله؟ إن " أتى " معناها أن الأمر قد حصل قبل أن يتكلم. يجب علينا إذن أن نعرف أن الذي قال: " أتى " قادر على الإتيان به، فكأنه أمر واقع، إنها مسألة لا تحتاج إلى جدال؛ لأنه لا توجد قوة تستطيع أن نتازع الله لتبرز أمرا أراده في غير مراده. فكأن قوله الحق: { أَلَمْ تَرَ } إن كانت تحكى عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم، لأنه إخبار الله، وإن كانت تحكى عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضا هو العلم؛ لأنه صادر عن رؤية ومشاهدة.

وعندما يقول الحق: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ }." وأوتوا " تلفتنا إلى قوم قد نزل إليهم منهج من أعلى. ولذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج بـ " نزل " و " أنزل " ، وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج. وما هو النصيب؟ إننا نسمي النصيب " الحظ " ، أو خارج القسمة، كأن يكون عندنا عشرون دينارا، ونقسمهما على أربعة فيكون لكل واحد خمسة، هذه الخمسة الدنانير هي التي تسمى " نصيبا " أو " حظا " ، والنصيب: " حظ " أو " قسمة " يضاف لمن أخذه.

إذن، فلماذا يقول الحق: { ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ } إنها لفتة جميلة، فالكتاب كله لم يبق لهم، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب، فكأن هذه الكلمة تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه، إن نصيبا من الكتاب فقط هو الذي وصلهم.

ويشرح الحق ذلك في آيات أخرى:
{  فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ }
[المائدة: 13].

إن الجزء المنسي من الكتاب لم يأخذه المعاصرون لرسول الله. وقلنا أيضا: إن الحق قد أوضح أن بعضهم كتم بعضا من الكتاب.
{  ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
[البقرة: 146].

وما دام هناك من كتم بعضا من الكتاب فمعنى ذلك كتمانه عن المعاصرين له، وهناك أناس منهم مخدوعون، فشيء من الكتاب قد نسى، وبالتالي مسح من الذاكرة، وهناك شيء من الكتاب قد كتم، فصار معلوما عند البعض، وغير معلوم عند البعض الآخر، وحتى الذي لم يكتموه، جاء فيه القول الحكيم:
{  وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
[آل عمران: 78].

إذن فالكتاب الذي أنزل إليهم من الله قد تعرض لأكثر من عدوان منهم، ولم يبق إلا حظ من الكتاب، وهذا الحظ من الكتاب هو الذي يجادل القرآن به هؤلاء الناس، إن القرآن لا يجادلهم فيما تبدل عندهم بفعل أحبارهم ورهبانهم السابقين، ولكنه يجادلهم بالنصيب الذي أوتوه.

يقول الحق: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ }. وعن أي كتاب لله تتحدث هذه الآية؟ هل تتحدث عن القرآن؟ لو كان الحديث عن القرآن فلا بد أنه حُكِّمَ في أمر بينهم وبين رسول الله، لكن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب قد اختلفوا فيما بينهم، ولماذا يختلفون فيما بينهم؟ السبب هو أيضا لون من البغي فيما بينهم.وإذا كان الكتاب هو القرآن، أليس القرآن مصدقا لما معهم؟

إذن فعندما يدعون ليتم التصديق على ما جاء في كتبهم، فالدعوة هنا لأن يسود حكم القرآن. وما معنى { يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ } ، إن الداعي هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم المدعون، وما دام الحق قد قال: { أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ } فهل كان خلافهم في النصيب الذي بين أيديهم أم النصيب المحذوف؟ إنه خلاف بينهم في النصيب الذي بين أيديهم، ليكون ذلك حجة على أنهم غير مأمونين حتى على ما وصل إليهم وما هو مكتوب عندهم. وعندما تكلم العلماء عن هذه المسألة أوردوا لذلك الأمر حادثة. لقد اختلفوا في أمر سيدنا إبراهيم وقالوا: إن سيدنا إبراهيم يهودي وقال بعضهم: إنه نصراني. وجاء القرآن حاسما:
{  مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
[آل عمران: 67].

لماذا.. لأن كلمة يهودي ونصراني قد جاءت بعد إبراهيم، وكان لا بد لهم أن يخرجوا من قلة الفطنة وأن يرتبوا الأحداث حسب زمنها، إذن ففي إي أمر اختلفوا؟ هل اختلفوا في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل اختلفوا في حكم موجود عندهم في التوراة؟ لقد كانت الدعوة موجهة إليهم في ماذا؟ إنهم { يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وذلك يدل على أن كلمة:
{  بَغْياً بَيْنَهُمْ }
[آل عمران: 19].

هي حالة شائعة بينهم، لماذا؟ لأن العلماء حينما ذكروا الحادثة التي دعوا للحكم فيها بكتاب الله، قال العلماء: إن اثنين من يهود خيبر - امرأة - خيبرية ورجل من خيبر، قد زنيا، وكان الاثنان من أشراف القوم، ويريد الذي يحكمون في هذا الأمر بكتاب التوراة ألا يبرزوا حكم الله الذي جاء بالتوراة، وهو الرجم، فاحتالوا حيلة، وهي أن يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولماذا يذهبوا في هذه الجزئية إلى رسول الله عليه وسلم؟ إننا نأخذ مجرد الذهاب إلى رسول الله ارتضاء لحكمه.

لكن لماذا لم يرتضوا من البداية بكل ما جاء به رسول الله؟ لقد أرادوا أن يذهبوا لعلهم يجدون نفعا في مسألة يبغونها، أما في غير ذلك فهم لا يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن مجرد ذهابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا فكرة عنهم، لقد كانوا يريدون حكما مخففا غير الرجم. إن الزاني وهو من خيبر والخيبرية الزانية أرادا أن يستنقذا أنفسهما من حكم التوراة بالرجم، إنهما من أشراف خيبر، ولأن اليهود قد صنعوا لأنفسهم في ذلك الوقت سلطة زمنية، فذهب الزاني والزانية ومعهما الأحبار الذين الذين يريدون أن يلووا حكم الله السابق نزوله في التوارة وهو الرجم.وعندما دخلوا على رسول الله كان هناك واحد اسمه " النعمان بن أوفى " ، وواحد اسمه " بحرى بن عمرو " فقالوا: يارسول اقض بين هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: أوَ ليس عندكم حكم؟ وأضاف رسول الله ما معناه: أنا احتكم إلى التوراة وهي كتابكم، فماذا قالوا:؟قالوا: أنصفتنا.

وكان رسول الله قد بين لهم حكم الإسلام في الزنا بأنه الرجم، وجيء بالجزء الباقي عندهم من التوراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتضمن الحكم الملزم دليلا على أن الله أطلعه على أشياء لم تكن في بال أحد. فدعا بقسم من التوراة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: أيكم أعلم بالتوراة؟ فقالوا شخص اسمه عبد الله بن صورية فأحضروه، وأعطاه التوراة، وقال: اقرأ مجلس عبد الله بن صورية يقرأ، فلما مر على آية الرجم وضع كفه عليها ليخفيها، وقرأ غيرها وكان عبد الله بن سلام حاضرا، فقال: يا رسول الله أما رأيته قد ستر بكفه آية وقرأ ما بعدها؟ وزحزح ابن سلام كف الرجل، وقرأ هو فإذا هي آيةُ الرجم.

هذه المسألة تعطينا أن الحكم في القرآن الكريم هو الحكم في التوراة في أمر الزنا، وتعطينا أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض الله عليه من إلهاماته فجاء بالجزء من التوراة الذي يحمل هذا النص. وجاء بعد ذلك جندي من جنود الله هو عبد الله بن سلام وكان يهوديا قد أسلم ليظهر به رغبة القوم في التزييف والتزوير.

وإسلام عبد الله بن سلام له قصة عجيبة، فبعد أن اختمر الإيمان في قلبه، جاء إلى رسول الله قائلا: لقد شرح الله صدري إلى الإسلام ونطق بكلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ولكني أحب قبل أن أعلن إسلامي أن تحضر رؤساء اليهود لتسألهم رأيهم في شخصى، لأن اليهود " قوم بهت " فيهم افتراء وفيهم الكذب وفيهم التضليل، فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء اليهود عن رأيهم في عبد الله بن سلام قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا.. إلخ. وأفاضوا في صفات المدح والإطراء والتقدير. فقال عبد الله بن سلام أمامهم: الآن أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فانقلب رؤساء اليهود، وقالوا في عبد الله بن سلام: عكس ما قالوه أولا، قالوا: إنه خبيثنا وابن خبيثنا.. إلخ.

لقد غيروا المديح إلى ذم. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله أما قلت لك: إنهم قوم بهت؟ والله لقد أردت أن أعلمك برأيهم في قبل أن أسلم. ذلك هو عبد الله بن سلام الذي زحزح كف عبد الله بن صورية عن النص الذي فيه آية الرجم في التوراة، وفي ذلك جاء القول الحق: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } إنهم الذين أعرض فريق منهم عن قبول الحق.ما سبب هذا الإعراض؟ أهو قضية عامة؟ أو أنّ سبب هذا الإعراض هو السلطة الزمنية التي أراد اليهود أن يتخذوها لأنفسهم؟ ومعنى السلطة الزمنية أن يجيء أشخاص فيأخذوا من قداسة الدين ما يفيض عليهم هم قداسة، ويستمتعوا بهذه القداسة ثم يستخدموها في غير قضية الدين، هذا هو معنى السلطة الزمنية. وقلنا سابقا: إن كل تحوير في منهج الله سببه البغي، والمفروض أن أهل الكتاب من أصحاب التوراة كانوا يستفتحون على العرب ويقولون: سيأتي نبي من العرب نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوه سابقا في كتبهم كفروا به، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في مثل هذه القضية موضحا موقفهم من قضية الإيمان العليا:
{  وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ }
[الرعد: 43].

فكأن من عنده علم بالكتاب كان مفروضا فيه أن يشهد لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يقول الله: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ } لن يقول الحق ذلك إلا إذا كان عند علماء أهل الكتاب ما يتفق مع ما جاء به الله في صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عنه، وكان السبب في محاولة بعض اليهود لإنكار رسالة رسول الله هو السلطة الزمنية، وأرادوا أن ييسروا لأتباعهم أمور الدين.

إن كل دعي - أي مزيف - في مبدأ من المبادئ يحاول أن يأخذ لنفسه سلطة زمنية، فيأتي إلى تكاليف، الدين التي قد يكون فيها مشقة على النفس، ويحاول أن يخفف من هذه التكاليف، أو يأتي بدين فيه تخفيف مخل بالعبادات، فإذا نظرنا إلى مسيلمة الكذاب نجده قد خفف الصلاة حتى يُرغب في دينه من تشق عليه الصلاة، وينضم إلى دين مسيلمة، وحذف مسيلمة جزءا من الزكاة، وهذا يعطي فرصة التحلل من تكاليف الدين، ولذلك فالذي أفسد الأديان السابقة على الإسلام أن بعضا من رجال الدين فيها كلما رأوا قوما على دين فيه تيسيرات أخذوا من هذه التيسيرات ووضعوها في الدين؛ لأن تكاليف الدين شاقة ولا يحمل إنسان نفسه عليها إلا من آمن بها إيمان صدق وإيمان حق، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عمدة العبادات وهي الصلاة:
{  وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ }
[البقرة: 45].

ويقول في موقع آخر في القرآن الكريم عن الصلاة:
{  وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ }
[طه: 132].

إن الحق عليم حكيم بمن خلق وهو الإنسان، ويعلم أن الضعف قد يصيب روح الإنسان فلا يصطبر على الصلاة، أو يراها تكليفا صعبا، لكن الذي يقيم الصلاة ويحافظ عليها فهو الخاشع لربه.ولذلك فإننا نجد أن كل منحرف يأتي ويحاول أن يخفف من تكاليف الدين، ويحاول أن يحلل أشياء محرمة في الدين، ولم نر منحرفا يزيد في الأشياء المحرمة. إن المنحرفين يريدون إنقاص الأمور الحرام. إذا سألنا هؤلاء المنحرفين: لماذا تفعلون ذلك؟ فإننا نجد أنهم يفعلون ذلك لجذب الناس إلى أمور محرمة يحللها هؤلاء المنحرفون. ولذلك أراد أراد بعض اليهود أن يسهلوا على أتباعهم الدين، وقال بعض من أحبارهم: لا تخافوا من أمر يوم القيامة. وجاء القول الحق يحكي عنهم وكأنهم حاولوا أن يفهموا الأمر بأن الله يحلل لهم أمورا, لا، إن الله لم يحلل إلا الحلال، ولم يحرم إلا الحرام. وإذا كان الحق قد قال:
{  قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }
[التحريم: 2].

فهذا القول الحكيم جاء في مناسبة محددة وينطبق فقط في مجال ما حلل الله فلا تحرمه، أما ما حرم الله فلا تقربه، لقد أرادوا أن يبيحوا للأتباع ارتكاب الآثام، لأن النار لن تصيبهم إلا أيام معدودة، وإذا دققنا التأمل في القول الحق الذي جاء على لسانهم، فإننا نجد الآتي: إننا نعرف أن لكل حدث زمان، ولكل حدث قوة يحدث عليها، فمن ناحية الزمان. قال هؤلاء المزوّرون لأحكام الله عن يوم القيامة إنها أيام معدودة، فلا خلود في النار، وحتى لو كان العذاب شديدا فإنه أيام معدودة، فالإنسان يستطيع أن يتحمل، ومن ناحية قوة الحدث أرادوا أن يخففوا منه، فقالوا: إنه عذاب ليس بشديد إنما هو مجرد مس. إنهم يحاولون إغراء الناس لإفسادهم وقال هؤلاء الأحبار: نحن أبناء الله وأحباءه أرأيتم أحدا يعذب أبناءه وأحباءه؟ لقد أعطى الله يعقوب النبوة، ولا يمكن أن يعاقب ذريته أبدا، إلا بمقدار تحلة القسم.
{  وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }
[ص: 44].

إن أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته إذا برئ من مرضه مائة سوط، وأراد الله أن يحله في هذا القسم فأمره أن يأخذ حزمة من حشيش أو عشب فيها مائة عود ويضربها بها ضربة خفيفة ليبرّ في قسمه، وكان ذلك رحمة من الله به وبزوجه التي قامت على رعايته وقت المرض، وكان أيوب عبدا شاكراً لله، كأن الضربة الواحدة هي مائة ضربة، وهذا تحليل للقسم، وقال بعض من بني إسرائيل: إن ذرية بني يعقوب لن تُعذب من الله إلا بمقدار تحلة القسم، وكل ذلك ليزينوا للناس بقاءهم على هذا الدين الذي سوف تكون الآخرة فيه بعذابها مجرد مس من النار، وأيام معدودة، بادعاء أن بني يعقوب هم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد أعطى وعداً ليعقوب بأنه لن يعذب أبناءه إلا بمقدار تحلة القسم، وهذا بطبيعة الحال هو تزييف لدين الله ومنهجه لقد تولوا عن منهج الله، وأعرضوا عنه بعصيان، يوضح لنا هذا المعنى القول الكريم: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} الآية [23].
اختلفوا في سبب نزولها.
فقال السُّدِّي: دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهودَ إلى الإسلام، فقال له النعمان بن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل إلى كتاب الله، فقال: بل إلى الأحبار. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس قال:
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم [بيت] المِدْرَاسِ على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله، فقال له نُعَيْم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملّة إبراهيم، قالا: إن إبراهيم كان يهوديّاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم. فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: نزلت في قصة اللذين زنيا من خيبر، وسؤال اليهود النبيَّ صلى الله عليه وسلم، عن حد الزانيين. وسيأتي بيان ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى.


www.alro7.net