سورة
اية:

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

تفسير بن كثير

هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة مادامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم اللّه إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو داود عن ابن عباس: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهن} الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: { الطلاق مرتان} الآية. وعن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً قال لامرأته: لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل اللّه عزّ وجلّ: { الطلاق مرتان} ""رواه النسائي"". وعن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس قال: (والله لأتركنك لا أيِّماً ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مراراً فأنزل اللّه عزّ وجلّ: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فوقَّت الطلاق ثلاثاً لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره ""رواه ابن مردويه والحاكم"" وقوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقها شيئاً ولا تُضارَّ بها. وعن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق اللّه في ذلك، أي في الثالثة فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً، وعن أنَس ابن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه: ذكر اللّه الطلاق مرتين فأين الثالثة؟ قال: { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ""رواه ابن مردويه وأحمد وعبد بن حميد"" وقوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه كما قال تعالى: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فأما إن وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفسٍ منها فقد قال تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} وأما إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليه في بذلها له ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهم شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألا يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به} الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ""رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة"" وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (المختلعات هن المنافقات) ""رواه الترمذي وقال: غريب من هذا الوجه"" ""حديث آخر"" وقال الإمام أحمد: عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : (المختلعات والمنتزعات هن المنافقات) وعن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموه شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ، قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً وهو مضار لها وجب رده إليها وكان الطلاق رجعياً، قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة، وقد ذكر ابن جرير رحمه اللّه أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول . قال البخاري: عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه: ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكن أكره الكفر في الإسلام فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، وهكذا رواه البخاري أيضاً من طرق عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه يعني بغضاً. وفي رواية عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت: واللّه ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً، فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم : (تردِّين عليه حديقته؟) قالت: نعم، فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد. وقال ابن جرير: عن عبد اللّه بن رباح عن جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه فأرسل إليها النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا جميلة ما كرهت من ثابت؟) قالت: واللّه ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: (أتردين عليه الحديقة؟) قالت: نعم، فردت الحديقة وفرق بينهما. وأول خلع كان في الإسلام في أخت عبد اللّه بن أُبي أنها أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، فقال زوجها: يارسول اللّه، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي فإن ردت عليَّ حديقتي، قال: (ماذا تقولين؟) قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما. وقد اختلف الأئمة رحمهم اللّه في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} وعن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتي بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحةً منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها ""رواه عبد الرزاق وابن جرير"" وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها لحديث الربيع بنت معوذ قالت: كان لي زوج يُقلُّ عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يوما فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وهذا مذهب مالك والشافعي واختاره ابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً فإن أخذ جاز في القضاء، وقال الإمام أحمد: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وقال معمر: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. قلت: ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية ابن عباس في قصة ثابت بن قيس فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روي عن عطاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي من الذي أعطاها لتقدم قوله: { ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} ولهذا قال بعده: { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} فصل قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فعن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، وروي عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ قال: نعم ليس الخلع بطلاق، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ، وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رواية عن عثمان وابن عمر وبه يقول أحمد وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعري عن البينة فليس بشيء بالكلية. مسألة وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها. بما بذلت له من العطاء، وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها؟ وإن كان يسمى طلاقاً فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة وبه يقول داود الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى ابن عبد البر عن فرقة أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود. مسألة وهل له أن يوقع عليها طلاقاً آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقول للعلماء. أحدها: ليس له ذلك لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه يقول الشافعي وأحمد بن حنبل. والثاني: قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما وقع، وإن سكت بينهما لم يقع قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي اللّه عنه. والثالث أنه يقع عليها الطلاق بكل حال مادامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي. وقوله تعالى: { تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعد حدود اللّه فأولئك هم الظالمون} أي هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده فلا تتجاوزوها كما ثبت في الحديث الصحيح: (إن اللّه حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألو عنها)، وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: { الطلاق مرتان} ثم قال: { تلك حدود الله فلا تعتدوها} الآية. أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام غضبان ثم قال: (أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم) حتى قام رجل فقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ ""رواه النسائي، قال ابن كثير: وفيه انقطاع"" وقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، أي حتى يطأها زوج آخر، في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك اليمين لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، لحديث ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة، فيتزوجها زوج آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها أترجع إلى الأول؟ قال: (لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها) عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعده رجلاً فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته. قال مسلم في صحيحه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها فتتزوج رجلا آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لزوجها الأول قال:(لا حتى يذوق عسيلتها). وعن عائشة أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) ""تفرد به البخاري من هذا الوجه"" وقال الإمام أحمد عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني البتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها - وخالد ابن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له - فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول باللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فما زاد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن التبسم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك). فصل والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأ مباحاً، فلو وطئها وهي مُحْرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء، أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف، لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا لو كان الزوج الثاني ذمياً لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك الحديث الأول: عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمحلّل والمحلَّل له، وآكل الربا وموكله ""تفرد به البخاري من هذا الوجه"" الحديث الثاني: عن علي رضي اللّه عنه قال: لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والواشمة والمستوشمة للحسن ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له، وكان ينهى عن النوح ""رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة"" الحديث الثالث عن جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لعن اللّه المحلل والمحلل له) ""رواه الترمذي"" الحديث الرابع: عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ألا أخبركم بالتيس المستعار)، قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:(هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له) ""تفرد به ابن ماجة"". الحديث الخامس عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن نكاح المحلل قال: (لا، إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب اللّه، ثم يذوق عسيلتها) ""رواه الجوزجاني السعدي"" الحديث السادس: عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المحلل والمحلل له ""رواه أحمد"" الحديث السابع: عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ""رواه الحاكم في المستدرك"". وقوله تعالى: { فإن طلقها} أي الزوج الثاني بعد الدخول بها { فلا جناح عليهما أن يتراجعا} أي المرأة والزوج الأول { إن ظنا أن يقيما حدود الله} أي يتعاشرا بالمعروف، قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة { وتلك حدود الله} أي شرائعه وأحكامه { يبينها} أي يوضحها { لقوم يعلمون} . وقد اختلف الأئمة رحمهم اللّه فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها ثم تزوجت بآخر فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها ثم تزوجها الأول هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة رضي اللّه عنهم، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم اللّه، حجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلا يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، واللّه أعلم

تفسير الجلالين

{ الطلاق } أي التطليق الذي يراجع بعده { مرتان } أي اثنتان { فإمساك } أي فعليكم إمساكهن بعده بأن تراجعوهن { بمعروف } من غير ضرار { أو تسريح } أي إرسالهن { بإحسان ولا يحل لكم } أيها الأزواج { أن تأخذوا مما آتيتموهن } من المهور { شيئا } إذا طلقتموهن { إلا أن يخافا } أي الزوجان { أ } ن { لا يقيما حدود الله } أي لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فأن لا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرئ بالفوقانية في الفعلين { فإن خفتم أ } ن { لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما } { فيما افتدت به } نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله { تلك } الأحكام المذكورة { حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ دَلَالَة عَلَى عَدَد الطَّلَاق الَّذِي يَكُون لِلرَّجُلِ فِيهِ الرَّجْعَة عَلَى زَوْجَته , وَالْعَدَد الَّذِي تَبِين بِهِ زَوْجَته مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ إنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ لِأَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَأَهْل الْإِسْلَام قَبْل نُزُولهَا لَمْ يَكُنْ لِطَلَاقِهِمْ نِهَايَة تَبِين بِالِانْتِهَاءِ إلَيْهَا امْرَأَته مِنْهُ مَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتهَا مِنْهُ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِذَلِك حَدًّا حَرَّمَ بِانْتِهَاءِ الطَّلَاق إلَيْهِ عَلَى الرَّجُل امْرَأَته الْمُطَلَّقَة إلَّا بَعْد زَوْج , وَجَعَلَهَا حِينَئِذٍ أَمْلَك بِنَفْسِهَا مِنْهُ . ذِكْر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 3775 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق مَا شَاءَ ثُمَّ إنْ رَاجَعَ امْرَأَته قَبْل أَنْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا كَانَتْ امْرَأَته , فَغَضِبَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَلَى امْرَأَته , فَقَالَ لَهَا : لَا أَقْرَبك وَلَا تَحِلِّينَ مِنِّي ! قَالَتْ لَهُ : كَيْفَ ؟ قَالَ : أُطَلِّقك , حَتَّى إذَا دَنَا أَجَلك رَاجَعْتُك ثُمَّ أُطَلِّقك , فَإِذَا دَنَا أَجَلك رَاجَعْتُك . قَالَ : فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } . . الْآيَة . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ هِشَام , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ رَجُل لِامْرَأَتِهِ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا آوِيك , وَلَا أَدَعَك تَحِلِّينَ ! فَقَالَتْ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَع ؟ قَالَ : أُطَلِّقك , فَإِذَا دَنَا مُضِيّ عِدَّتك رَاجَعْتُك , فَمَتَى تَحِلِّينَ ؟ فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاس جَدِيدًا مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ . 3776 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الثَّلَاث وَالْعَشْر وَأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ يُرَاجِع مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّة , فَجَعَلَ اللَّه حَدَّ الطَّلَاق ثَلَاث تَطْلِيقَات . * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُطَلِّق أَحَدهمْ امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا لَا حَدّ فِي ذَلِكَ , هِيَ امْرَأَته مَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتهَا , فَجَعَلَ اللَّه حَدَّ ذَلِكَ يَصِير إلَى ثَلَاثَة قُرُوء , وَجَعَلَ حَدّ الطَّلَاق ثَلَاث تَطْلِيقَات . 3777 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } قَالَ كَانَ الطَّلَاق قَبْل أَنْ يَجْعَل اللَّه الطَّلَاق ثَلَاث لَيْسَ لَهُ أَمَد يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته مِائَة , ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا قَبْل أَنْ تَحِلّ كَانَ ذَلِكَ لَهُ , وَطَلَّقَ رَجُل امْرَأَته حَتَّى إذَا كَادَتْ أَنْ تَحِلّ ارْتَجَعَهَا , ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِهَا طَلَاقًا بَعْد ذَلِكَ لِيُضَارّهَا بِتَرْكِهَا , حَتَّى إذَا كَانَ قَبْل انْقِضَاء عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَصَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا . فَلَمَّا عَلِمَ اللَّه ذَلِكَ مِنْهُ , جَعَلَ الطَّلَاق ثَلَاثًا , مَرَّتَيْنِ , ثُمَّ بَعْد الْمَرَّتَيْنِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . 3778 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } أَمَّا قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } فَهُوَ الْمِيقَات الَّذِي يَكُون عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَة . 3779 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : إذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يُطَلِّق امْرَأَته فَيُطَلِّقهَا تَطْلِيقَتَيْنِ , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة , فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا أُخْرَى , فَلَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَا عَدَد الطَّلَاق الَّذِي لَكُمْ أَيّهَا النَّاس فِيهِ عَلَى أَزْوَاجكُمْ الرَّجْعَة إذَا كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ : تَطْلِيقَتَانِ , ثُمَّ الْوَاجِب عَلَى مَنْ رَاجَعَ مِنْكُمْ بَعْد التَّطْلِيقَتَيْنِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , لِأَنَّهُ لَا رَجْعَة لَهُ بَعْد التَّطْلِيقَتَيْنِ إنْ سَرَّحَهَا فَطَلَّقَهَا الثَّالِثَة . وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عِبَاده سُنَّة طَلَاقهمْ نِسَاءَهُمْ إذَا أَرَادُوا طَلَاقهنَّ , لَا دَلَالَة عَلَى الْقَدْر الَّذِي تَبِين بِهِ الْمَرْأَة مِنْ زَوْجهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3780 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يُطَلِّقهَا بَعْد مَا تَطْهُر مِنْ قَبْل جِمَاع , ثُمَّ يَدَعهَا حَتَّى تَطْهُر مَرَّة أُخْرَى , ثُمَّ يُطَلِّقهَا إنْ شَاءَ , ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا رَاجَعَهَا , ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا , وَإِلَّا تَرَكَهَا حَتَّى تَتِمّ ثَلَاث حِيَض وَتَبِين مِنْهُ بِهِ . 3781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : إذَا طَلَّقَ الرَّجُل امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ , فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة , فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكهَا بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِن صَحَابَتهَا , أَوْ يُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ فَلَا يَظْلِمهَا مِنْ حَقّهَا شَيْئًا . 3782 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع , فَإِذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ فَقَدْ تَمَّ الْقُرْء , ثُمَّ يُطَلِّق الثَّانِيَة كَمَا يُطَلِّق الْأُولَى , إنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَل , فَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَة ثُمَّ حَاضَتْ الْحَيْضَة الثَّانِيَة فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْءَانِ , ثُمَّ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي الثَّالِثَة : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَيُطَلِّقهَا فِي ذَلِكَ الْقُرْء كُلّه إنْ شَاءَ حِين تَجْمَع عَلَيْهَا ثِيَابهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَحَاضَتْ الْحَيْضَة الثَّانِيَة , كَمَا طَلَّقَ الْأُولَى , فَهَذَانِ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْءَانِ , ثُمَّ قَالَ : الثَّالِثَة , وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . وَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ : سُنَّة الطَّلَاق الَّتِي سَنَنْتهَا وَأَبَحْتهَا لَكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ طَلَاق نِسَائِكُمْ , أَنْ تُطَلِّقُوهُنَّ ثِنْتَيْنِ فِي كُلّ طُهْر وَاحِدَة , ثُمَّ الْوَاجِب بَعْد ذَلِكَ عَلَيْكُمْ : إمَّا أَنْ تُمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تُسَرِّحُوهُنَّ بِإِحْسَانٍ . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ التَّنْزِيل مَا قَالَهُ عُرْوَة وَقَتَادَةُ وَمِنْ قَالَ مِثْل قَوْلهمَا مِنْ أَنَّ الْآيَة إنَّمَا هِيَ دَلِيل عَلَى عَدَد الطَّلَاق الَّذِي يَكُون بِهِ التَّحْرِيم , وَبُطُول الرَّجْعَة فِيهِ , وَاَلَّذِي يَكُون فِيهِ الرَّجْعَة مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي تَتْلُوهَا : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره } فَعَرَفَ عِبَاده الْقَدْر الَّذِي بِهِ تَحْرُم الْمَرْأَة عَلَى زَوْجهَا إلَّا بَعْد زَوْج , وَلَمْ يُبَيِّن فِيهَا الْوَقْت الَّذِي يَجُوز الطَّلَاق فِيهِ وَالْوَقْت الَّذِي لَا يَجُوز ذَلِكَ فِيهِ , فَيَكُون مُوَجِّهًا تَأْوِيل الْآيَة إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْن مَسْعُود وَمُجَاهِد وَمِنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلهمَا فِيهِ . وَأَمَّا قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَإِنَّ فِي تَأْوِيله وَفِيمَا عَنِيَ بِهِ اخْتِلَافًا بَيْن أَهْل التَّأْوِيل , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى اللَّازِم لِلْأَزْوَاجِ الْمُطَلَّقَات اثْنَتَيْنِ بَعْد مُرَاجَعَتهمْ إيَّاهُنَّ مِنْ التَّطْلِيقَة الثَّانِيَة مِنْ عِشْرَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ , أَوْ فِرَاقهنَّ بِطَلَاقٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : الطَّلَاق مَرَّتَانِ ؟ قَالَ : يَقُول عِنْد الثَّالِثَة : إمَّا أَنْ يُمْسِك بِمَعْرُوفٍ , وَإِمَّا أَنْ يُسَرِّح بِإِحْسَانٍ . وَغَيْره قَالَهَا قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : الرَّجُل أَمْلَك بِامْرَأَتِهِ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ مِنْ غَيْره , فَإِذَا تَكَلَّمَ الثَّالِثَة فَلَيْسَتْ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , وَتَعْتَدّ لِغَيْرِهِ . 3784 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ إسْمَاعِيل بْن سَمِيع , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ ; هِيَ الثَّالِثَة " . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ إسْمَاعِيل بْن سُمَيْع , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : جَاءَ رَجُل إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ : " إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ إسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , يَقُول اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ : " التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ " . 3785 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ فِي الثَّالِثَة . 3786 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة قَالَ : كَانَ الطَّلَاق لَيْسَ لَهُ وَقْت حَتَّى أَنَزَلَ اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } قَالَ : الثَّالِثَة : { إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى مَا يَلْزَمهُمْ لَهُنَّ بَعْد التَّطْلِيقَة الثَّانِيَة مِنْ مُرَاجَعَة بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , بِتَرْكِ رَجْعَتهنَّ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهنَّ , فَيَصِرْنَ أَمْلَك لِأَنْفُسِهِنَّ . وَأَنْكَرُوا قَوْل الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ دَلِيل عَلَى التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3787 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : ذَلِكَ : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } إذَا طَلَّقَ وَاحِدَة أَوْ اثْنَتَيْنِ , إمَّا أَنْ يُمْسِك - وَيُمْسِك : يُرَاجِع بِمَعْرُوفٍ - وَإِمَّا سَكَتَ عَنْهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا فَتَكُون أَحَقّ بِنَفْسِهَا . 3788 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } وَالتَّسْرِيح : أَنْ يَدَعهَا حَتَّى تَمْضِي عِدَّتهَا . 3789 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَصْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يَعْنِي تَطْلِيقَتَيْنِ بَيْنهمَا مُرَاجَعَة , فَأَمَرَ أَنْ يُمْسِك أَوْ يُسَرِّح بِإِحْسَانٍ . قَالَ : فَإِنْ هُوَ طَلَّقَهَا ثَالِثَة فَلَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ السُّدِّيّ وَالضَّحَّاك ذَهَبُوا إلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَإِمْسَاك فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا لَهُنَّ بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ . وَهَذَا مَذْهَب مِمَّا يَحْتَمِلهُ ظَاهِر التَّنْزِيل لَوْلَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْته عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي رَوَاهُ إسْمَاعِيل بْن سُمَيْع , عَنْ أَبِي رَزِين ; فَإِنَّ اتِّبَاع الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِنَا مِنْ غَيْره . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب , فَبَيِّن أَنَّ تَأْوِيل الْآيَة : الطَّلَاق الَّذِي لِأَزْوَاجِ النِّسَاء عَلَى نِسَائِهِمْ فِيهِ الرَّجْعَة مَرَّتَانِ , ثُمَّ الْأَمْر بَعْد ذَلِكَ إذَا رَاجَعُوهُنَّ فِي الثَّانِيَة , إمَّا إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , وَإِمَّا تَسْرِيح مِنْهُمْ لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ بِالتَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَة حَتَّى تَبِين مِنْهُمْ , فَتَبْطُل مَا كَانَ لَهُنَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرَّجْعَة وَيَصِرْنَ أَمْلَك لِأَنْفُسِهِنَّ مِنْهُنَّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا ذَلِكَ الْإِمْسَاك الَّذِي هُوَ بِمَعْرُوفٍ ؟ قِيلَ : هُوَ مَا : 3790 - حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } قَالَ : الْمَعْرُوف : أَنْ يُحْسِن صُحْبَتهَا . 3791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } قَالَ : لِيَتَّقِ اللَّه فِي التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة , فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكهَا بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِن صَحَابَتهَا . فَإِنْ قَالَ : فَمَا التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ ؟ قِيلَ : هُوَ مَا : 3792 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قِيلَ : يُسَرِّحهَا , وَلَا يَظْلِمهَا مِنْ حَقّهَا شَيْئًا . 3793 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : هُوَ الْمِيثَاق الْغَلِيظ . 3794 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : الْإِحْسَان : أَنْ يُوَفِّيهَا حَقّهَا , فَلَا يُؤْذِيهَا , وَلَا يَشْتُمهَا . 3795 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ : أَنْ يَدَعهَا حَتَّى تَمْضِي عِدَّتهَا , وَيُعْطِيهَا مَهْرًا إنْ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا . فَذَلِكَ التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ , وَالْمُتْعَة عَلَى قَدْر الْمَيْسَرَة . 3796 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 4 21 قَالَ قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَإِنْ قَالَ : فَمَا الرَّافِع لِلْإِمْسَاكِ وَالتَّسْرِيح ؟ قِيلَ : مَحْذُوف اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام مِنْ ذِكْره , وَمَعْنَاهُ : الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَالْأَمْر الْوَاجِب حِينَئِذٍ بِهِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي قَوْله : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } 2 178 فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ دَلَالَة عَلَى عَدَد الطَّلَاق الَّذِي يَكُون لِلرَّجُلِ فِيهِ الرَّجْعَة عَلَى زَوْجَته , وَالْعَدَد الَّذِي تَبِين بِهِ زَوْجَته مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ إنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ لِأَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة وَأَهْل الْإِسْلَام قَبْل نُزُولهَا لَمْ يَكُنْ لِطَلَاقِهِمْ نِهَايَة تَبِين بِالِانْتِهَاءِ إلَيْهَا امْرَأَته مِنْهُ مَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتهَا مِنْهُ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِذَلِك حَدًّا حَرَّمَ بِانْتِهَاءِ الطَّلَاق إلَيْهِ عَلَى الرَّجُل امْرَأَته الْمُطَلَّقَة إلَّا بَعْد زَوْج , وَجَعَلَهَا حِينَئِذٍ أَمْلَك بِنَفْسِهَا مِنْهُ . ذِكْر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 3775 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق مَا شَاءَ ثُمَّ إنْ رَاجَعَ امْرَأَته قَبْل أَنْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا كَانَتْ امْرَأَته , فَغَضِبَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَلَى امْرَأَته , فَقَالَ لَهَا : لَا أَقْرَبك وَلَا تَحِلِّينَ مِنِّي ! قَالَتْ لَهُ : كَيْفَ ؟ قَالَ : أُطَلِّقك , حَتَّى إذَا دَنَا أَجَلك رَاجَعْتُك ثُمَّ أُطَلِّقك , فَإِذَا دَنَا أَجَلك رَاجَعْتُك . قَالَ : فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } . . الْآيَة . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ هِشَام , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ رَجُل لِامْرَأَتِهِ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا آوِيك , وَلَا أَدَعَك تَحِلِّينَ ! فَقَالَتْ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَع ؟ قَالَ : أُطَلِّقك , فَإِذَا دَنَا مُضِيّ عِدَّتك رَاجَعْتُك , فَمَتَى تَحِلِّينَ ؟ فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاس جَدِيدًا مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ . 3776 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ الرَّجُل يُطَلِّق الثَّلَاث وَالْعَشْر وَأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ يُرَاجِع مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّة , فَجَعَلَ اللَّه حَدَّ الطَّلَاق ثَلَاث تَطْلِيقَات . * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُطَلِّق أَحَدهمْ امْرَأَته ثُمَّ يُرَاجِعهَا لَا حَدّ فِي ذَلِكَ , هِيَ امْرَأَته مَا رَاجَعَهَا فِي عِدَّتهَا , فَجَعَلَ اللَّه حَدَّ ذَلِكَ يَصِير إلَى ثَلَاثَة قُرُوء , وَجَعَلَ حَدّ الطَّلَاق ثَلَاث تَطْلِيقَات . 3777 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } قَالَ كَانَ الطَّلَاق قَبْل أَنْ يَجْعَل اللَّه الطَّلَاق ثَلَاث لَيْسَ لَهُ أَمَد يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته مِائَة , ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا قَبْل أَنْ تَحِلّ كَانَ ذَلِكَ لَهُ , وَطَلَّقَ رَجُل امْرَأَته حَتَّى إذَا كَادَتْ أَنْ تَحِلّ ارْتَجَعَهَا , ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِهَا طَلَاقًا بَعْد ذَلِكَ لِيُضَارّهَا بِتَرْكِهَا , حَتَّى إذَا كَانَ قَبْل انْقِضَاء عِدَّتهَا رَاجَعَهَا , وَصَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا . فَلَمَّا عَلِمَ اللَّه ذَلِكَ مِنْهُ , جَعَلَ الطَّلَاق ثَلَاثًا , مَرَّتَيْنِ , ثُمَّ بَعْد الْمَرَّتَيْنِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . 3778 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } أَمَّا قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } فَهُوَ الْمِيقَات الَّذِي يَكُون عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَة . 3779 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : إذَا أَرَادَ الرَّجُل أَنْ يُطَلِّق امْرَأَته فَيُطَلِّقهَا تَطْلِيقَتَيْنِ , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة , فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا أُخْرَى , فَلَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَا عَدَد الطَّلَاق الَّذِي لَكُمْ أَيّهَا النَّاس فِيهِ عَلَى أَزْوَاجكُمْ الرَّجْعَة إذَا كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ : تَطْلِيقَتَانِ , ثُمَّ الْوَاجِب عَلَى مَنْ رَاجَعَ مِنْكُمْ بَعْد التَّطْلِيقَتَيْنِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , لِأَنَّهُ لَا رَجْعَة لَهُ بَعْد التَّطْلِيقَتَيْنِ إنْ سَرَّحَهَا فَطَلَّقَهَا الثَّالِثَة . وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عِبَاده سُنَّة طَلَاقهمْ نِسَاءَهُمْ إذَا أَرَادُوا طَلَاقهنَّ , لَا دَلَالَة عَلَى الْقَدْر الَّذِي تَبِين بِهِ الْمَرْأَة مِنْ زَوْجهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3780 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يُطَلِّقهَا بَعْد مَا تَطْهُر مِنْ قَبْل جِمَاع , ثُمَّ يَدَعهَا حَتَّى تَطْهُر مَرَّة أُخْرَى , ثُمَّ يُطَلِّقهَا إنْ شَاءَ , ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعهَا رَاجَعَهَا , ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا , وَإِلَّا تَرَكَهَا حَتَّى تَتِمّ ثَلَاث حِيَض وَتَبِين مِنْهُ بِهِ . 3781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : إذَا طَلَّقَ الرَّجُل امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ , فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة , فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكهَا بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِن صَحَابَتهَا , أَوْ يُسَرِّحهَا بِإِحْسَانٍ فَلَا يَظْلِمهَا مِنْ حَقّهَا شَيْئًا . 3782 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يُطَلِّق الرَّجُل امْرَأَته طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع , فَإِذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ فَقَدْ تَمَّ الْقُرْء , ثُمَّ يُطَلِّق الثَّانِيَة كَمَا يُطَلِّق الْأُولَى , إنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَل , فَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَة ثُمَّ حَاضَتْ الْحَيْضَة الثَّانِيَة فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْءَانِ , ثُمَّ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي الثَّالِثَة : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَيُطَلِّقهَا فِي ذَلِكَ الْقُرْء كُلّه إنْ شَاءَ حِين تَجْمَع عَلَيْهَا ثِيَابهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَحَاضَتْ الْحَيْضَة الثَّانِيَة , كَمَا طَلَّقَ الْأُولَى , فَهَذَانِ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْءَانِ , ثُمَّ قَالَ : الثَّالِثَة , وَسَائِر الْحَدِيث مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . وَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ : سُنَّة الطَّلَاق الَّتِي سَنَنْتهَا وَأَبَحْتهَا لَكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ طَلَاق نِسَائِكُمْ , أَنْ تُطَلِّقُوهُنَّ ثِنْتَيْنِ فِي كُلّ طُهْر وَاحِدَة , ثُمَّ الْوَاجِب بَعْد ذَلِكَ عَلَيْكُمْ : إمَّا أَنْ تُمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تُسَرِّحُوهُنَّ بِإِحْسَانٍ . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ التَّنْزِيل مَا قَالَهُ عُرْوَة وَقَتَادَةُ وَمِنْ قَالَ مِثْل قَوْلهمَا مِنْ أَنَّ الْآيَة إنَّمَا هِيَ دَلِيل عَلَى عَدَد الطَّلَاق الَّذِي يَكُون بِهِ التَّحْرِيم , وَبُطُول الرَّجْعَة فِيهِ , وَاَلَّذِي يَكُون فِيهِ الرَّجْعَة مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي تَتْلُوهَا : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره } فَعَرَفَ عِبَاده الْقَدْر الَّذِي بِهِ تَحْرُم الْمَرْأَة عَلَى زَوْجهَا إلَّا بَعْد زَوْج , وَلَمْ يُبَيِّن فِيهَا الْوَقْت الَّذِي يَجُوز الطَّلَاق فِيهِ وَالْوَقْت الَّذِي لَا يَجُوز ذَلِكَ فِيهِ , فَيَكُون مُوَجِّهًا تَأْوِيل الْآيَة إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْن مَسْعُود وَمُجَاهِد وَمِنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلهمَا فِيهِ . وَأَمَّا قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَإِنَّ فِي تَأْوِيله وَفِيمَا عَنِيَ بِهِ اخْتِلَافًا بَيْن أَهْل التَّأْوِيل , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى اللَّازِم لِلْأَزْوَاجِ الْمُطَلَّقَات اثْنَتَيْنِ بَعْد مُرَاجَعَتهمْ إيَّاهُنَّ مِنْ التَّطْلِيقَة الثَّانِيَة مِنْ عِشْرَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ , أَوْ فِرَاقهنَّ بِطَلَاقٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : الطَّلَاق مَرَّتَانِ ؟ قَالَ : يَقُول عِنْد الثَّالِثَة : إمَّا أَنْ يُمْسِك بِمَعْرُوفٍ , وَإِمَّا أَنْ يُسَرِّح بِإِحْسَانٍ . وَغَيْره قَالَهَا قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : الرَّجُل أَمْلَك بِامْرَأَتِهِ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ مِنْ غَيْره , فَإِذَا تَكَلَّمَ الثَّالِثَة فَلَيْسَتْ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , وَتَعْتَدّ لِغَيْرِهِ . 3784 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ إسْمَاعِيل بْن سَمِيع , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ ; هِيَ الثَّالِثَة " . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ إسْمَاعِيل بْن سُمَيْع , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : جَاءَ رَجُل إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ : " إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ إسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , يَقُول اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } فَأَيْنَ الثَّالِثَة ؟ قَالَ : " التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ " . 3785 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ فِي الثَّالِثَة . 3786 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة قَالَ : كَانَ الطَّلَاق لَيْسَ لَهُ وَقْت حَتَّى أَنَزَلَ اللَّه : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ } قَالَ : الثَّالِثَة : { إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى مَا يَلْزَمهُمْ لَهُنَّ بَعْد التَّطْلِيقَة الثَّانِيَة مِنْ مُرَاجَعَة بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ , بِتَرْكِ رَجْعَتهنَّ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهنَّ , فَيَصِرْنَ أَمْلَك لِأَنْفُسِهِنَّ . وَأَنْكَرُوا قَوْل الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ دَلِيل عَلَى التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3787 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : ذَلِكَ : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } إذَا طَلَّقَ وَاحِدَة أَوْ اثْنَتَيْنِ , إمَّا أَنْ يُمْسِك - وَيُمْسِك : يُرَاجِع بِمَعْرُوفٍ - وَإِمَّا سَكَتَ عَنْهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا فَتَكُون أَحَقّ بِنَفْسِهَا . 3788 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } وَالتَّسْرِيح : أَنْ يَدَعهَا حَتَّى تَمْضِي عِدَّتهَا . 3789 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَصْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يَعْنِي تَطْلِيقَتَيْنِ بَيْنهمَا مُرَاجَعَة , فَأَمَرَ أَنْ يُمْسِك أَوْ يُسَرِّح بِإِحْسَانٍ . قَالَ : فَإِنْ هُوَ طَلَّقَهَا ثَالِثَة فَلَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ السُّدِّيّ وَالضَّحَّاك ذَهَبُوا إلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَإِمْسَاك فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا لَهُنَّ بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ . وَهَذَا مَذْهَب مِمَّا يَحْتَمِلهُ ظَاهِر التَّنْزِيل لَوْلَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْته عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي رَوَاهُ إسْمَاعِيل بْن سُمَيْع , عَنْ أَبِي رَزِين ; فَإِنَّ اتِّبَاع الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِنَا مِنْ غَيْره . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب , فَبَيِّن أَنَّ تَأْوِيل الْآيَة : الطَّلَاق الَّذِي لِأَزْوَاجِ النِّسَاء عَلَى نِسَائِهِمْ فِيهِ الرَّجْعَة مَرَّتَانِ , ثُمَّ الْأَمْر بَعْد ذَلِكَ إذَا رَاجَعُوهُنَّ فِي الثَّانِيَة , إمَّا إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , وَإِمَّا تَسْرِيح مِنْهُمْ لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ بِالتَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَة حَتَّى تَبِين مِنْهُمْ , فَتَبْطُل مَا كَانَ لَهُنَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرَّجْعَة وَيَصِرْنَ أَمْلَك لِأَنْفُسِهِنَّ مِنْهُنَّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا ذَلِكَ الْإِمْسَاك الَّذِي هُوَ بِمَعْرُوفٍ ؟ قِيلَ : هُوَ مَا : 3790 - حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } قَالَ : الْمَعْرُوف : أَنْ يُحْسِن صُحْبَتهَا . 3791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } قَالَ : لِيَتَّقِ اللَّه فِي التَّطْلِيقَة الثَّالِثَة , فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكهَا بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِن صَحَابَتهَا . فَإِنْ قَالَ : فَمَا التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ ؟ قِيلَ : هُوَ مَا : 3792 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قِيلَ : يُسَرِّحهَا , وَلَا يَظْلِمهَا مِنْ حَقّهَا شَيْئًا . 3793 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : هُوَ الْمِيثَاق الْغَلِيظ . 3794 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : الْإِحْسَان : أَنْ يُوَفِّيهَا حَقّهَا , فَلَا يُؤْذِيهَا , وَلَا يَشْتُمهَا . 3795 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } قَالَ : التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ : أَنْ يَدَعهَا حَتَّى تَمْضِي عِدَّتهَا , وَيُعْطِيهَا مَهْرًا إنْ كَانَ لَهَا عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا . فَذَلِكَ التَّسْرِيح بِإِحْسَانٍ , وَالْمُتْعَة عَلَى قَدْر الْمَيْسَرَة . 3796 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 4 21 قَالَ قَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } فَإِنْ قَالَ : فَمَا الرَّافِع لِلْإِمْسَاكِ وَالتَّسْرِيح ؟ قِيلَ : مَحْذُوف اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام مِنْ ذِكْره , وَمَعْنَاهُ : الطَّلَاق مَرَّتَانِ , فَالْأَمْر الْوَاجِب حِينَئِذٍ بِهِ إمْسَاك بِمَعْرُوفٍ , أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي قَوْله : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } 2 178 فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا أَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنَّ تَأْخُذُوا مِمَّا أَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الرِّجَال أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ نِسَائِكُمْ إذَا أَنْتُمْ أَرَدْتُمْ طَلَاقهنَّ بِطَلَاقِكُمْ وَفِرَاقكُمْ إيَّاهُنَّ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنْ الصَّدَاق , وَسُقْتُمْ إلَيْهِنَّ , بَلْ الْوَاجِب عَلَيْكُمْ تَسْرِيحهنَّ بِإِحْسَانٍ , وَذَلِكَ إيفَادهنَّ حُقُوقهنَّ مِنْ الصَّدَاق وَالْمُتْعَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَجِب لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } وَذَلِكَ قِرَاءَة عُظْم أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة بِمَعْنَى إلَّا أَنْ يَخَاف الرَّجُل وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " إلَّا أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " . 3797 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي ثَوْر , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان , قَالَ : فِي حَرْف أُبَيّ بْن كَعْب إنَّ الْفِدَاء تَطْلِيقَة . قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَيُّوبِ , فَأَتَيْنَا رَجُلًا عِنْده مُصْحَف قَدِيم لِأُبَيّ خَرَجَ مِنْ ثِقَة , فَقَرَأْنَاهُ فَإِذَا فِيهِ : " إلَّا أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَإِنْ ظَنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ " : لَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . وَالْعَرَب قَدْ تَضَع الظَّنّ مَوْضِع الْخَوْف وَالْخَوْف مَوْضِع الظَّنّ فِي كَلَامهَا لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَتَانِي كَلَام عَنْ نُصِيب يَقُولهُ وَمَا خِفْت يَا سَلَّام أَنَّك عَائِبِي بِمَعْنَى : مَا ظَنَنْت . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : " إلَّا أَنْ يُخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " فَأَمَّا قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا مِنْهُ بِقِرَاءَةِ ابْن مَسْعُود , وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : " إلَّا أَنْ تَخَافُوا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " وَقِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ ابْن مَسْعُود الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّ ابْن مَسْعُود إنْ كَانَ قَرَأَهُ كَمَا ذَكَرَ عَنْهُ , فَإِنَّمَا أَعْمَلَ الْخَوْف فِي " أَنْ " وَحْدهَا , وَذَلِكَ غَيْر مَدْفُوعَة صِحَّته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إذَا مِتّ فَادْفِنِّي إلَى جَنْب كَرْمَة تُرَوِّي عِظَامِي بَعْد مَوْتِي عُرُوقهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَاف إذَا مَا مِتّ أَنْ لَا أَذُوقهَا فَأَمَّا قَارِئُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى , فَقَدْ أَعْمَلَ فِي مَتْرُوكَة تَسْمِيَته وَفِي " أَنْ " , فَأَعْمَلَهُ فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء : الْمَتْرُوك الَّذِي هُوَ اسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَفِي أَنَّ الَّتِي تَنُوب عَنْ شَيْئَيْنِ , وَلَا تَقُول الْعَرَب فِي كَلَامهَا ظَنَّا أَنْ يَقُومَا , لَكِنْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحِيحَة عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي قَرَأَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قِرَاءَته كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه الَّذِي وَصَفْنَا , وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ إذَا قُرِئَ كَذَلِكَ . إلَّا أَنْ يَخَاف بِأَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَيَكُون الْعَامِل فِي أَنَّ غَيْر الْخَوْف , وَيَكُون الْخَوْف عَامِلًا فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب عِنْدنَا فِي الْقِرَاءَة لِدَلَالَةِ مَا بَعْده عَلَى صِحَّته , وَهُوَ قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فَكَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْأَوَّل بِمَعْنَى : إلَّا أَنْ تَخَافُوا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيَّة حَال الْحَال الَّتِي يَخَاف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه حَتَّى يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ حِينَئِذٍ مِنْهَا مَا آتَاهَا ؟ قِيلَ : حَال نُشُوزهَا وَإِظْهَارهَا لَهُ بِغْضَته , حَتَّى يَخَاف عَلَيْهَا تَرْك طَاعَة اللَّه فِيمَا لَزِمَهَا لِزَوْجِهَا مِنْ الْحَقّ , وَيَخَاف عَلَى زَوْجهَا بِتَقْصِيرِهَا فِي أَدَاء حُقُوقه الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّه لَهُ تَرْكه أَدَاء الْوَاجِب لَهَا عَلَيْهِ , فَذَلِكَ حِين الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَيُطِيعَاهُ فِيمَا أَلْزَمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ , وَالْحَال الَّتِي أَبَاحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْن قَيْس بْن شَمَّاس أَخَذَ مَا كَانَ أَتَى زَوْجَته إذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ بُغْضًا مِنْهَا لَهُ . كَمَا : 3798 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : قَرَأْت عَلَى فُضَيْل , عَنْ أَبِي جَرِير أَنَّهُ سَأَلَ عِكْرِمَة , هَلْ كَانَ لِلْخُلْعِ أَصْل ؟ قَالَ : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إنَّ أَوَّل خُلْع كَانَ فِي الْإِسْلَام أُخْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , أَنَّهَا أَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه لَا يَجْمَع رَأْسِي وَرَأْسه شَيْء أَبَدًا ! إنِّي رَفَعْت جَانِب الْخِبَاء فَرَأَيْته أَقْبَلَ فِي عِدَّة , فَإِذَا هُوَ أَشَدّهمْ سَوَادًا وَأَقْصَرهمْ قَامَة وَأَقْبَحهمْ وَجْهًا . قَالَ زَوْجهَا : يَا رَسُول اللَّه إنِّي أَعْطَيْتهَا أَفَضْل مَالِي حَدِيقَة فَلْتَرُدَّ عَلَيَّ حَدِيقَتِي ! قَالَ : " مَا تَقُولِينَ ؟ " قَالَتْ : نَعَمْ , وَإِنْ شَاءَ زِدْته قَالَ : فَفَرَّقَ بَيْنهمَا . 3799 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو السَّدُوسِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه , يَعْنِي ابْن أَبِي بَكْر , عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة : أَنَّ حَبِيبَة بِنْت سَهْل كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضهَا , فَأَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد الصُّبْح , فَاشْتَكَتْهُ , فَدَعَا رَسُول اللَّه ثَابِتًا , فَقَالَ : " خُذْ بَعْض مَالهَا وَفَارِقْهَا ! " قَالَ : وَيَصْلُح ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ : فَإِنِّي أَصَدَقْتهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا ! " فَفَعَلَ . 3800 - حَدَّثَنَا أَبُو يَسَار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا مَالِك , عَنْ يَحْيَى , عَنْ عَمْرَة أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل الْأَنْصَارِيَّة : أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاس , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهَا عِنْد بَابه بِالْغَلَسِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ هَذِهِ ؟ " قَالَتْ : أَنَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل , لَا أَنَا وَلَا ثَابِت بْن قَيْس ! لِزَوْجِهَا . فَلَمَّا جَاءَ ثَابِت قَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذِهِ حَبِيبَة بِنْت سَهْل تَذْكُر مَا شَاءَ اللَّه أَنْ تَذْكُر " . فَقَالَتْ حَبِيبَة : يَا رَسُول اللَّه كُلّ مَا أَعْطَانِيهِ عِنْدِي . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْ مِنْهَا ! " فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي بَيْتهَا . 3801 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن وَاقِد , عَنْ ثَابِت , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح , عَنْ جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ ابْن سَلُول , أَنَّهَا كَانَتْ عِنْد ثَابِت بْن قَيْس فَنَشَزَتْ عَلَيْهِ , فَأَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " يَا جَمِيلَة مَا كَرِهْت مِنْ ثَابِت ؟ " قَالَتْ : وَاَللَّه مَا كَرِهْت مِنْهُ دِينًا وَلَا خُلُقًا , إلَّا أَنِّي كَرِهْت دَمَامَته . فَقَالَ لَهَا : " أَتَرُدِّينَ الْحَدِيقَة ؟ " قَالَتْ : نَعَمْ ! فَرُدَّتْ الْحَدِيقَة وَفَرَّقَ بَيْنهمَا . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْنهمَا , أَعْنِي فِي شَأْن ثَابِت بْن قَيْس وَزَوْجَته هَذِهِ . 3802 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ثَابِت بْن قَيْس وَفِي حَبِيبَة , قَالَ : وَكَانَتْ اشْتَكَتْهُ إلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته ؟ " فَقَالَتْ : نَعَمْ ! فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : وَيَطِيب لِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ ثَابِت : وَقَدْ فَعَلْت فَنَزَلَتْ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَإِنَّ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } . وَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخَوْف مِنْهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَظْهَر مِنْ الْمَرْأَة سُوء الْخُلُق وَالْعِشْرَة لِزَوْجِهَا , فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهَا لَهُ , حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ فِدْيَة عَلَى فِرَاقهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3803 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } إلَّا أَنْ يَكُون النُّشُوز وَسُوء الْخُلُق مِنْ قَبْلهَا , فَتَدْعُوك إلَى أَنْ تَفْتَدِي مِنْك , فَلَا جُنَاح عَلَيْك فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . 3804 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ عُرْوَة كَانَ يَقُول : لَا يَحِلّ الْفِدَاء حَتَّى يَكُون الْفَسَاد مِنْ قَبْلهَا , وَلَمْ يَكُنْ يَقُول : لَا يَحِلّ لَهُ حَتَّى تَقُول : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . 3805 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , قَالَ : قَالَ جَابِر بْن زَيْد : إذَا كَانَ النَّشَز مِنْ قَبْلهَا حَلَّ الْفِدَاء . - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني ابْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُول إذَا كَانَ سُوء الْخُلُق وَسُوء الْعِشْرَة مِنْ قِبَل الْمَرْأَة فَذَاكَ يُحِلّ خَلْعهَا . * حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثِير , عَنْ حَمَّاد , عَنْ هِشَام , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَصْلُح الْخُلْع , حَتَّى يَكُون الْفَسَاد مِنْ قِبَل الْمَرْأَة . 3806 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان القناد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إسْمَاعِيل , عَنْ عَامِر فِي امْرَأَة قَالَتْ لَزَوْجهَا : لَا أَبِرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . قَالَ : مَا هَذَا ؟ وَحَرَّكَ يَده , لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا ! إذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَة زَوْجهَا فَلْيَأْخُذْهُ وَلْيَتْرُكْهَا . 3807 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : يَعِظهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا رَفَعَ أَمْرهَا إلَى السُّلْطَان , فَيَبْعَث حَكَمًا مِنْ أَهْله وَحَكَمًا مِنْ أَهْلهَا , فَيَقُول الْحَكَم الَّذِي مِنْ أَهْلهَا : تَفْعَل بِهَا كَذَا وَتَفْعَل بِهَا كَذَا , وَيَقُول الْحَكَم الَّذِي مِنْ أَهْله : تَفْعَل بِهِ كَذَا وَتَفْعَل بِهِ كَذَا , فَأَيّهمَا كَانَ أَظْلَم رَدَّهُ السُّلْطَان وَأَخَذَ فَوْق يَده , وَإِنْ كَانَتْ نَاشِزًا أَمَرَهُ أَنْ يَخْلَع . 3808 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } إلَى قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : إذَا كَانَتْ الْمَرْأَة رَاضِيَة مُغْتَبِطَة مُطِيعَة , فَلَا مَحِلّ لَهُ أَنْ يَضْرِبهَا , حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ , فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ , فَمَا أَخَذَ مِنْهَا فَهُوَ حَرَام , وَإِذَا كَانَ النُّشُوز وَالْبُغْض وَالظُّلْم مِنْ قِبَلهَا , فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا مَا افْتَدَتْ بِهِ . 3809 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلَع امْرَأَته إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا , فَأَمَّا أَنْ يَكُون يُضَارّهَا حَتَّى تَخْتَلِع , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُح , وَلَكِنْ إذَا نَشَزَتْ فَأَظْهَرَتْ لَهُ الْبَغْضَاء , وَأَسَاءَتْ عِشْرَته , فَقَدْ حَلَّ لَهُ خُلْعهَا . 3810 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ : الصَّدَاق { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } وَحُدُود اللَّه أَنْ تَكُون الْمَرْأَة نَاشِزَة , فَإِنَّ اللَّه أَمَرَ الزَّوْج أَنْ يَعِظهَا بِكِتَابِ اللَّه , فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا , وَالْهِجْرَان أَنْ لَا يُجَامِعهَا وَلَا يُضَاجِعهَا عَلَى فِرَاش وَاحِد وَيُوَلِّيهَا ظَهْره وَلَا يُكَلِّمهَا , فَإِنْ أَبَتْ غَلَّظَ عَلَيْهَا الْقَوْل بِالشَّتِيمَةِ لِتَرْجِع إلَى طَاعَته , فَإِنْ أَبَتْ فَالضَّرْب ضَرْب غَيْر مُبَرِّح , فَإِنْ أَبَتْ إلَّا جِمَاحًا فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْخَوْف مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَبِرّ لَهُ قَسَمًا وَلَا تُطِيع لَهُ أَمْرًا , وَتَقُول : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , فَحِينَئِذٍ يَحِلّ لَهُ عِنْدهمْ أَخْذ مَا آتَاهَا عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3811 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : إذَا قَالَتْ : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة , وَلَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , فَحِينَئِذٍ حَلَّ الْخُلْع . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إذَا قَالَتْ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة , وَلَا أُقِيم حَدًّا مِنْ حُدُود اللَّه , فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَالهَا . 3812 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُونَ بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن سَالِم , قَالَ : سَأَلْت الشَّعْبِيّ , قُلْت : مَتَى يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ مَال امْرَأَته ؟ قَالَ : إذَا أَظْهَرَتْ بُغْضه وَقَالَتْ : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا . 3813 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَب مِنْ قَوْل مَنْ يَقُول : لَا تَحِلّ الْفِدْيَة حَتَّى تَقُول : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . وَقَالَ : إنَّ الزَّانِي يَزْنِي ثُمَّ يَغْتَسِل . 3814 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إبْرَاهِيم فِي النَّاشِز , قَالَ : إنَّ الْمَرْأَة رُبَّمَا عَصَتْ زَوْجهَا , ثُمَّ أَطَاعَته , وَلَكِنْ إذَا عَصَتْهُ فَلَمْ تَبَرّ قَسَمه , فَعِنْد ذَلِكَ تَحِلّ الْفِدْيَة . 3815 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْ مَهْرهَا شَيْئًا { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فَإِذَا لَمْ يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْفِدَاء , وَذَلِكَ أَنْ تَقُول : وَاَللَّه لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أُكْرِم لَك نَفْسًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . فَهُوَ حُدُود اللَّه , فَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَة ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ الْفِدَاء لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذهُ وَيُطَلِّقهَا . 3816 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } 4 19 يَقُول : " إلَّا أَنْ يُفْحِشْنَ " فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود , قَالَ إذَا عَصَتْك وَآذَتْك , فَقَدْ حَلَّ لَك مَا أَخَذْت مِنْهَا . 3817 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ : الْخُلْع , قَالَ : وَلَا يَحِلّ لَهُ إلَّا أَنْ تَقُول الْمَرْأَة لَا أَبَرّ قَسَمه وَلَا أُطِيع أَمْره , فَيَقْبَلهُ خِيفَة أَنْ يُسِيء إلَيْهَا إنْ أَمْسَكَهَا , وَيَتَعَدَّى الْحَقّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْخَوْف مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَبْتَدِئ لَهُ بِلِسَانِهَا قَوْلًا أَنَّهَا لَهُ كَارِهَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3818 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم الْمِصْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , قَالَ : يَحِلّ الْخُلْع أَنْ تَقُول الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : إنِّي لَأَكْرَهك , وَمَا أُحِبّك , وَلَقَدْ خَشِيت أَنْ أَنَام فِي جَنْبك وَلَا أُؤَدِّي حَقّك . وَتَطِيب نَفْسك بِالْخُلْعِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي يُبِيح لَهُ أَخْذ الْفِدْيَة أَنْ يَكُون خَوْف أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه مِنْهُمَا جَمِيعًا لِكَرَاهَةِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صُحْبَة الْآخَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3819 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَةَ قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , قَالَ : قَالَ عَامِر : أُحِلَّ لَهُ مَالهَا بِنُشُوزِهِ وَنُشُوزهَا . 3820 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : طَاوُس : يَحِلّ لَهُ الْفِدَاء مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , وَلَمْ يَكُنْ يَقُول قَوْل السُّفَهَاء : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَكِنْ يَحِلّ لَهُ الْفِدَاء مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه فِي الْعِشْرَة وَالصُّحْبَة . 3821 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد يَقُول : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَ : فِيمَا افْتَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمَا فِي الْعِشْرَة وَالصُّحْبَة . 3822 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني ابْن شِهَاب , قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ : لَا يَحِلّ الْخُلْع حَتَّى يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فِي الْعِشْرَة الَّتِي بَيْنهمَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ قَوْل مَنْ قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ امْرَأَته عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا , حَتَّى يَكُون خَوْف مَعْصِيَة اللَّه مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى نَفْسه فِي تَفْرِيطه فِي الْوَاجِب عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا , عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ طَاوُس وَالْحَسَن وَمِنْ قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلهمَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إنَّمَا أَبَاحَ لِلزَّوْجِ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ امْرَأَته عِنْد خَوْف الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون حَرَامًا عَلَى الرَّجُل قَبُول الْفِدْيَة مِنْهَا إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْهَا دُونه , حَتَّى يَكُون مِنْهُ مِنْ الْكَرَاهَة لَهَا مِثْل الَّذِي يَكُون مِنْهَا لَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَنْت , وَذَلِكَ أَنَّ فِي نُشُوزهَا عَلَيْهِ دَاعِيَة لَهُ إلَى التَّقْصِير فِي وَاجِبهَا وَمُجَازَاتهَا بِسُوءِ فِعْلهَا بِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِب لِلْمُسْلِمِينَ الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّفْرِيط مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَاجِب حَقّ صَاحِبه قَدْ وُجِدَ وَسُوء الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة قَدْ ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ , فَلَيْسَ هُنَاكَ لِلْخَوْفِ مَوْضِع , إذْ كَانَ الْمَخُوف قَدْ وُجِدَ , وَإِنَّمَا يَخَاف وُقُوع الشَّيْء قَبْل حُدُوثه , فَأَمَّا بَعْد حُدُوثه فَلَا وَجْه لِلْخَوْفِ مِنْهُ وَلَا الزِّيَادَة فِي مَكْرُوهه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا أَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنَّ تَأْخُذُوا مِمَّا أَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الرِّجَال أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ نِسَائِكُمْ إذَا أَنْتُمْ أَرَدْتُمْ طَلَاقهنَّ بِطَلَاقِكُمْ وَفِرَاقكُمْ إيَّاهُنَّ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنْ الصَّدَاق , وَسُقْتُمْ إلَيْهِنَّ , بَلْ الْوَاجِب عَلَيْكُمْ تَسْرِيحهنَّ بِإِحْسَانٍ , وَذَلِكَ إيفَادهنَّ حُقُوقهنَّ مِنْ الصَّدَاق وَالْمُتْعَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَجِب لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } وَذَلِكَ قِرَاءَة عُظْم أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة بِمَعْنَى إلَّا أَنْ يَخَاف الرَّجُل وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " إلَّا أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " . 3797 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي ثَوْر , عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان , قَالَ : فِي حَرْف أُبَيّ بْن كَعْب إنَّ الْفِدَاء تَطْلِيقَة . قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَيُّوبِ , فَأَتَيْنَا رَجُلًا عِنْده مُصْحَف قَدِيم لِأُبَيّ خَرَجَ مِنْ ثِقَة , فَقَرَأْنَاهُ فَإِذَا فِيهِ : " إلَّا أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَإِنْ ظَنَّا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ " : لَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . وَالْعَرَب قَدْ تَضَع الظَّنّ مَوْضِع الْخَوْف وَالْخَوْف مَوْضِع الظَّنّ فِي كَلَامهَا لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَتَانِي كَلَام عَنْ نُصِيب يَقُولهُ وَمَا خِفْت يَا سَلَّام أَنَّك عَائِبِي بِمَعْنَى : مَا ظَنَنْت . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : " إلَّا أَنْ يُخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " فَأَمَّا قَارِئ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا مِنْهُ بِقِرَاءَةِ ابْن مَسْعُود , وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : " إلَّا أَنْ تَخَافُوا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " وَقِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ ابْن مَسْعُود الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّ ابْن مَسْعُود إنْ كَانَ قَرَأَهُ كَمَا ذَكَرَ عَنْهُ , فَإِنَّمَا أَعْمَلَ الْخَوْف فِي " أَنْ " وَحْدهَا , وَذَلِكَ غَيْر مَدْفُوعَة صِحَّته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إذَا مِتّ فَادْفِنِّي إلَى جَنْب كَرْمَة تُرَوِّي عِظَامِي بَعْد مَوْتِي عُرُوقهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَاف إذَا مَا مِتّ أَنْ لَا أَذُوقهَا فَأَمَّا قَارِئُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى , فَقَدْ أَعْمَلَ فِي مَتْرُوكَة تَسْمِيَته وَفِي " أَنْ " , فَأَعْمَلَهُ فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء : الْمَتْرُوك الَّذِي هُوَ اسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَفِي أَنَّ الَّتِي تَنُوب عَنْ شَيْئَيْنِ , وَلَا تَقُول الْعَرَب فِي كَلَامهَا ظَنَّا أَنْ يَقُومَا , لَكِنْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحِيحَة عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي قَرَأَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قِرَاءَته كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه الَّذِي وَصَفْنَا , وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ إذَا قُرِئَ كَذَلِكَ . إلَّا أَنْ يَخَاف بِأَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَيَكُون الْعَامِل فِي أَنَّ غَيْر الْخَوْف , وَيَكُون الْخَوْف عَامِلًا فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب عِنْدنَا فِي الْقِرَاءَة لِدَلَالَةِ مَا بَعْده عَلَى صِحَّته , وَهُوَ قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فَكَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْأَوَّل بِمَعْنَى : إلَّا أَنْ تَخَافُوا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيَّة حَال الْحَال الَّتِي يَخَاف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه حَتَّى يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ حِينَئِذٍ مِنْهَا مَا آتَاهَا ؟ قِيلَ : حَال نُشُوزهَا وَإِظْهَارهَا لَهُ بِغْضَته , حَتَّى يَخَاف عَلَيْهَا تَرْك طَاعَة اللَّه فِيمَا لَزِمَهَا لِزَوْجِهَا مِنْ الْحَقّ , وَيَخَاف عَلَى زَوْجهَا بِتَقْصِيرِهَا فِي أَدَاء حُقُوقه الَّتِي أَلْزَمَهَا اللَّه لَهُ تَرْكه أَدَاء الْوَاجِب لَهَا عَلَيْهِ , فَذَلِكَ حِين الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَيُطِيعَاهُ فِيمَا أَلْزَمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ , وَالْحَال الَّتِي أَبَاحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْن قَيْس بْن شَمَّاس أَخَذَ مَا كَانَ أَتَى زَوْجَته إذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ بُغْضًا مِنْهَا لَهُ . كَمَا : 3798 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : قَرَأْت عَلَى فُضَيْل , عَنْ أَبِي جَرِير أَنَّهُ سَأَلَ عِكْرِمَة , هَلْ كَانَ لِلْخُلْعِ أَصْل ؟ قَالَ : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إنَّ أَوَّل خُلْع كَانَ فِي الْإِسْلَام أُخْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , أَنَّهَا أَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه لَا يَجْمَع رَأْسِي وَرَأْسه شَيْء أَبَدًا ! إنِّي رَفَعْت جَانِب الْخِبَاء فَرَأَيْته أَقْبَلَ فِي عِدَّة , فَإِذَا هُوَ أَشَدّهمْ سَوَادًا وَأَقْصَرهمْ قَامَة وَأَقْبَحهمْ وَجْهًا . قَالَ زَوْجهَا : يَا رَسُول اللَّه إنِّي أَعْطَيْتهَا أَفَضْل مَالِي حَدِيقَة فَلْتَرُدَّ عَلَيَّ حَدِيقَتِي ! قَالَ : " مَا تَقُولِينَ ؟ " قَالَتْ : نَعَمْ , وَإِنْ شَاءَ زِدْته قَالَ : فَفَرَّقَ بَيْنهمَا . 3799 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو السَّدُوسِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه , يَعْنِي ابْن أَبِي بَكْر , عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة : أَنَّ حَبِيبَة بِنْت سَهْل كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضهَا , فَأَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد الصُّبْح , فَاشْتَكَتْهُ , فَدَعَا رَسُول اللَّه ثَابِتًا , فَقَالَ : " خُذْ بَعْض مَالهَا وَفَارِقْهَا ! " قَالَ : وَيَصْلُح ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ : فَإِنِّي أَصَدَقْتهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا ! " فَفَعَلَ . 3800 - حَدَّثَنَا أَبُو يَسَار , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا مَالِك , عَنْ يَحْيَى , عَنْ عَمْرَة أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل الْأَنْصَارِيَّة : أَنَّهَا كَانَتْ تَحْت ثَابِت بْن قَيْس بْن شِمَاس , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهَا عِنْد بَابه بِالْغَلَسِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ هَذِهِ ؟ " قَالَتْ : أَنَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل , لَا أَنَا وَلَا ثَابِت بْن قَيْس ! لِزَوْجِهَا . فَلَمَّا جَاءَ ثَابِت قَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذِهِ حَبِيبَة بِنْت سَهْل تَذْكُر مَا شَاءَ اللَّه أَنْ تَذْكُر " . فَقَالَتْ حَبِيبَة : يَا رَسُول اللَّه كُلّ مَا أَعْطَانِيهِ عِنْدِي . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْ مِنْهَا ! " فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي بَيْتهَا . 3801 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن وَاقِد , عَنْ ثَابِت , عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح , عَنْ جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ ابْن سَلُول , أَنَّهَا كَانَتْ عِنْد ثَابِت بْن قَيْس فَنَشَزَتْ عَلَيْهِ , فَأَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " يَا جَمِيلَة مَا كَرِهْت مِنْ ثَابِت ؟ " قَالَتْ : وَاَللَّه مَا كَرِهْت مِنْهُ دِينًا وَلَا خُلُقًا , إلَّا أَنِّي كَرِهْت دَمَامَته . فَقَالَ لَهَا : " أَتَرُدِّينَ الْحَدِيقَة ؟ " قَالَتْ : نَعَمْ ! فَرُدَّتْ الْحَدِيقَة وَفَرَّقَ بَيْنهمَا . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْنهمَا , أَعْنِي فِي شَأْن ثَابِت بْن قَيْس وَزَوْجَته هَذِهِ . 3802 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ثَابِت بْن قَيْس وَفِي حَبِيبَة , قَالَ : وَكَانَتْ اشْتَكَتْهُ إلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته ؟ " فَقَالَتْ : نَعَمْ ! فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : وَيَطِيب لِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " , قَالَ ثَابِت : وَقَدْ فَعَلْت فَنَزَلَتْ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَإِنَّ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } . وَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخَوْف مِنْهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَظْهَر مِنْ الْمَرْأَة سُوء الْخُلُق وَالْعِشْرَة لِزَوْجِهَا , فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهَا لَهُ , حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ فِدْيَة عَلَى فِرَاقهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3803 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } إلَّا أَنْ يَكُون النُّشُوز وَسُوء الْخُلُق مِنْ قَبْلهَا , فَتَدْعُوك إلَى أَنْ تَفْتَدِي مِنْك , فَلَا جُنَاح عَلَيْك فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . 3804 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ عُرْوَة كَانَ يَقُول : لَا يَحِلّ الْفِدَاء حَتَّى يَكُون الْفَسَاد مِنْ قَبْلهَا , وَلَمْ يَكُنْ يَقُول : لَا يَحِلّ لَهُ حَتَّى تَقُول : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . 3805 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , قَالَ : قَالَ جَابِر بْن زَيْد : إذَا كَانَ النَّشَز مِنْ قَبْلهَا حَلَّ الْفِدَاء . - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني ابْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُول إذَا كَانَ سُوء الْخُلُق وَسُوء الْعِشْرَة مِنْ قِبَل الْمَرْأَة فَذَاكَ يُحِلّ خَلْعهَا . * حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثِير , عَنْ حَمَّاد , عَنْ هِشَام , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَصْلُح الْخُلْع , حَتَّى يَكُون الْفَسَاد مِنْ قِبَل الْمَرْأَة . 3806 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان القناد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إسْمَاعِيل , عَنْ عَامِر فِي امْرَأَة قَالَتْ لَزَوْجهَا : لَا أَبِرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . قَالَ : مَا هَذَا ؟ وَحَرَّكَ يَده , لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا ! إذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَة زَوْجهَا فَلْيَأْخُذْهُ وَلْيَتْرُكْهَا . 3807 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : يَعِظهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا , فَإِنْ انْتَهَتْ وَإِلَّا رَفَعَ أَمْرهَا إلَى السُّلْطَان , فَيَبْعَث حَكَمًا مِنْ أَهْله وَحَكَمًا مِنْ أَهْلهَا , فَيَقُول الْحَكَم الَّذِي مِنْ أَهْلهَا : تَفْعَل بِهَا كَذَا وَتَفْعَل بِهَا كَذَا , وَيَقُول الْحَكَم الَّذِي مِنْ أَهْله : تَفْعَل بِهِ كَذَا وَتَفْعَل بِهِ كَذَا , فَأَيّهمَا كَانَ أَظْلَم رَدَّهُ السُّلْطَان وَأَخَذَ فَوْق يَده , وَإِنْ كَانَتْ نَاشِزًا أَمَرَهُ أَنْ يَخْلَع . 3808 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ } إلَى قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : إذَا كَانَتْ الْمَرْأَة رَاضِيَة مُغْتَبِطَة مُطِيعَة , فَلَا مَحِلّ لَهُ أَنْ يَضْرِبهَا , حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ , فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ , فَمَا أَخَذَ مِنْهَا فَهُوَ حَرَام , وَإِذَا كَانَ النُّشُوز وَالْبُغْض وَالظُّلْم مِنْ قِبَلهَا , فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا مَا افْتَدَتْ بِهِ . 3809 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلَع امْرَأَته إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا , فَأَمَّا أَنْ يَكُون يُضَارّهَا حَتَّى تَخْتَلِع , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُح , وَلَكِنْ إذَا نَشَزَتْ فَأَظْهَرَتْ لَهُ الْبَغْضَاء , وَأَسَاءَتْ عِشْرَته , فَقَدْ حَلَّ لَهُ خُلْعهَا . 3810 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ : الصَّدَاق { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } وَحُدُود اللَّه أَنْ تَكُون الْمَرْأَة نَاشِزَة , فَإِنَّ اللَّه أَمَرَ الزَّوْج أَنْ يَعِظهَا بِكِتَابِ اللَّه , فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا , وَالْهِجْرَان أَنْ لَا يُجَامِعهَا وَلَا يُضَاجِعهَا عَلَى فِرَاش وَاحِد وَيُوَلِّيهَا ظَهْره وَلَا يُكَلِّمهَا , فَإِنْ أَبَتْ غَلَّظَ عَلَيْهَا الْقَوْل بِالشَّتِيمَةِ لِتَرْجِع إلَى طَاعَته , فَإِنْ أَبَتْ فَالضَّرْب ضَرْب غَيْر مُبَرِّح , فَإِنْ أَبَتْ إلَّا جِمَاحًا فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْخَوْف مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَبِرّ لَهُ قَسَمًا وَلَا تُطِيع لَهُ أَمْرًا , وَتَقُول : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , فَحِينَئِذٍ يَحِلّ لَهُ عِنْدهمْ أَخْذ مَا آتَاهَا عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3811 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : إذَا قَالَتْ : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة , وَلَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , فَحِينَئِذٍ حَلَّ الْخُلْع . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : إذَا قَالَتْ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة , وَلَا أُقِيم حَدًّا مِنْ حُدُود اللَّه , فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَالهَا . 3812 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُونَ بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن سَالِم , قَالَ : سَأَلْت الشَّعْبِيّ , قُلْت : مَتَى يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ مَال امْرَأَته ؟ قَالَ : إذَا أَظْهَرَتْ بُغْضه وَقَالَتْ : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا . 3813 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَب مِنْ قَوْل مَنْ يَقُول : لَا تَحِلّ الْفِدْيَة حَتَّى تَقُول : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . وَقَالَ : إنَّ الزَّانِي يَزْنِي ثُمَّ يَغْتَسِل . 3814 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إبْرَاهِيم فِي النَّاشِز , قَالَ : إنَّ الْمَرْأَة رُبَّمَا عَصَتْ زَوْجهَا , ثُمَّ أَطَاعَته , وَلَكِنْ إذَا عَصَتْهُ فَلَمْ تَبَرّ قَسَمه , فَعِنْد ذَلِكَ تَحِلّ الْفِدْيَة . 3815 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْ مَهْرهَا شَيْئًا { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فَإِذَا لَمْ يُقِيمَا حُدُود اللَّه , فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْفِدَاء , وَذَلِكَ أَنْ تَقُول : وَاَللَّه لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا , وَلَا أُكْرِم لَك نَفْسًا , وَلَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة . فَهُوَ حُدُود اللَّه , فَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَة ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ الْفِدَاء لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذهُ وَيُطَلِّقهَا . 3816 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } 4 19 يَقُول : " إلَّا أَنْ يُفْحِشْنَ " فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود , قَالَ إذَا عَصَتْك وَآذَتْك , فَقَدْ حَلَّ لَك مَا أَخَذْت مِنْهَا . 3817 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ : الْخُلْع , قَالَ : وَلَا يَحِلّ لَهُ إلَّا أَنْ تَقُول الْمَرْأَة لَا أَبَرّ قَسَمه وَلَا أُطِيع أَمْره , فَيَقْبَلهُ خِيفَة أَنْ يُسِيء إلَيْهَا إنْ أَمْسَكَهَا , وَيَتَعَدَّى الْحَقّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْخَوْف مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَبْتَدِئ لَهُ بِلِسَانِهَا قَوْلًا أَنَّهَا لَهُ كَارِهَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3818 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم الْمِصْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , قَالَ : يَحِلّ الْخُلْع أَنْ تَقُول الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : إنِّي لَأَكْرَهك , وَمَا أُحِبّك , وَلَقَدْ خَشِيت أَنْ أَنَام فِي جَنْبك وَلَا أُؤَدِّي حَقّك . وَتَطِيب نَفْسك بِالْخُلْعِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِي يُبِيح لَهُ أَخْذ الْفِدْيَة أَنْ يَكُون خَوْف أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه مِنْهُمَا جَمِيعًا لِكَرَاهَةِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صُحْبَة الْآخَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3819 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَةَ قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , قَالَ : قَالَ عَامِر : أُحِلَّ لَهُ مَالهَا بِنُشُوزِهِ وَنُشُوزهَا . 3820 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : طَاوُس : يَحِلّ لَهُ الْفِدَاء مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , وَلَمْ يَكُنْ يَقُول قَوْل السُّفَهَاء : لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَكِنْ يَحِلّ لَهُ الْفِدَاء مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه فِي الْعِشْرَة وَالصُّحْبَة . 3821 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد يَقُول : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَ : فِيمَا افْتَرَضَ اللَّه عَلَيْهِمَا فِي الْعِشْرَة وَالصُّحْبَة . 3822 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني ابْن شِهَاب , قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ : لَا يَحِلّ الْخُلْع حَتَّى يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فِي الْعِشْرَة الَّتِي بَيْنهمَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ قَوْل مَنْ قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ امْرَأَته عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا , حَتَّى يَكُون خَوْف مَعْصِيَة اللَّه مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى نَفْسه فِي تَفْرِيطه فِي الْوَاجِب عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا , عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ طَاوُس وَالْحَسَن وَمِنْ قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلهمَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إنَّمَا أَبَاحَ لِلزَّوْجِ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ امْرَأَته عِنْد خَوْف الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون حَرَامًا عَلَى الرَّجُل قَبُول الْفِدْيَة مِنْهَا إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْهَا دُونه , حَتَّى يَكُون مِنْهُ مِنْ الْكَرَاهَة لَهَا مِثْل الَّذِي يَكُون مِنْهَا لَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَنْت , وَذَلِكَ أَنَّ فِي نُشُوزهَا عَلَيْهِ دَاعِيَة لَهُ إلَى التَّقْصِير فِي وَاجِبهَا وَمُجَازَاتهَا بِسُوءِ فِعْلهَا بِهِ , وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِب لِلْمُسْلِمِينَ الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه . فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّفْرِيط مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَاجِب حَقّ صَاحِبه قَدْ وُجِدَ وَسُوء الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة قَدْ ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ , فَلَيْسَ هُنَاكَ لِلْخَوْفِ مَوْضِع , إذْ كَانَ الْمَخُوف قَدْ وُجِدَ , وَإِنَّمَا يَخَاف وُقُوع الشَّيْء قَبْل حُدُوثه , فَأَمَّا بَعْد حُدُوثه فَلَا وَجْه لِلْخَوْفِ مِنْهُ وَلَا الزِّيَادَة فِي مَكْرُوهه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } الَّتِي إذَا خِيفَ مِنْ الزَّوْج وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَاهَا حَلَّتْ لَهُ الْفِدْيَة مِنْ أَجْل الْخَوْف عَلَيْهِمَا بِصَنِيعِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اسْتِخْفَاف الْمَرْأَة بِحَقِّ زَوْجهَا وَسُوء طَاعَتهَا إيَّاهُ , وَأَذَاهَا لَهُ بِالْكَلَامِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3823 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : هُوَ تَرْكهَا إقَامَة حُدُود اللَّه , وَاسْتِخْفَافهَا بِحَقِّ زَوْجهَا , وَسُوء خُلُقهَا , فَتَقُول لَهُ : وَاَللَّه لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أَطَأ لَك مَضْجَعًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا ; فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . 3824 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ يَزِيد بْن إبْرَاهِيم , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : إذَا قَالَتْ : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا . 3825 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : يَحِلّ الْخُلْع حِين يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَأَدَاء حُدُود اللَّه فِي الْعِشْرَة الَّتِي بَيْنهمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُطِيعَا اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3826 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ عَامِر : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَا : أَنْ لَا يُطِيعَا اللَّه . 3827 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : الْحُدُود : الطَّاعَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه مَا أَوْجَبَ اللَّه عَلَيْهِمَا مِنْ الْفَرَائِض فِيمَا أَلْزَمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ الْحَقّ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْعِشْرَة بِالْمَعْرُوفِ , وَالصُّحْبَة بِالْجَمِيلِ , فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . وَقَدْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ , وَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , لِأَنَّ مِنْ الْوَاجِب لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَة إطَاعَته فِيمَا أَوْجَبَ اللَّه طَاعَته فِيهِ , وَأَنْ لَا تُؤْذِيه بِقَوْلٍ , وَلَا تَمْتَنِع عَلَيْهِ إذَا دَعَاهَا لِحَاجَتِهِ , فَإِذَا خَالَفَتْ مَا أَمَرَهَا اللَّه بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ قَدْ ضَيَّعَتْ حُدُود اللَّه الَّتِي أَمَرَهَا بِإِقَامَتِهَا . وَأَمَّا مَعْنَى إقَامَة حُدُود اللَّه , فَإِنَّهُ الْعَمَل بِهَا , وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا , وَتَرْك تَضْيِيعهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا يَدُلّ عَلَى صِحَّته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } الَّتِي إذَا خِيفَ مِنْ الزَّوْج وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَاهَا حَلَّتْ لَهُ الْفِدْيَة مِنْ أَجْل الْخَوْف عَلَيْهِمَا بِصَنِيعِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اسْتِخْفَاف الْمَرْأَة بِحَقِّ زَوْجهَا وَسُوء طَاعَتهَا إيَّاهُ , وَأَذَاهَا لَهُ بِالْكَلَامِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3823 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : هُوَ تَرْكهَا إقَامَة حُدُود اللَّه , وَاسْتِخْفَافهَا بِحَقِّ زَوْجهَا , وَسُوء خُلُقهَا , فَتَقُول لَهُ : وَاَللَّه لَا أَبَرّ لَك قَسَمًا , وَلَا أَطَأ لَك مَضْجَعًا , وَلَا أُطِيع لَك أَمْرًا ; فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . 3824 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ يَزِيد بْن إبْرَاهِيم , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : إذَا قَالَتْ : لَا أَغْتَسِل لَك مِنْ جَنَابَة حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا . 3825 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : يَحِلّ الْخُلْع حِين يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَأَدَاء حُدُود اللَّه فِي الْعِشْرَة الَّتِي بَيْنهمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُطِيعَا اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3826 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ عَامِر : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه } قَالَا : أَنْ لَا يُطِيعَا اللَّه . 3827 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : الْحُدُود : الطَّاعَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه مَا أَوْجَبَ اللَّه عَلَيْهِمَا مِنْ الْفَرَائِض فِيمَا أَلْزَمَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ الْحَقّ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْعِشْرَة بِالْمَعْرُوفِ , وَالصُّحْبَة بِالْجَمِيلِ , فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ . وَقَدْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ , وَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , لِأَنَّ مِنْ الْوَاجِب لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَة إطَاعَته فِيمَا أَوْجَبَ اللَّه طَاعَته فِيهِ , وَأَنْ لَا تُؤْذِيه بِقَوْلٍ , وَلَا تَمْتَنِع عَلَيْهِ إذَا دَعَاهَا لِحَاجَتِهِ , فَإِذَا خَالَفَتْ مَا أَمَرَهَا اللَّه بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ قَدْ ضَيَّعَتْ حُدُود اللَّه الَّتِي أَمَرَهَا بِإِقَامَتِهَا . وَأَمَّا مَعْنَى إقَامَة حُدُود اللَّه , فَإِنَّهُ الْعَمَل بِهَا , وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا , وَتَرْك تَضْيِيعهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا يَدُلّ عَلَى صِحَّته .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَلَّا يُقِيم الزَّوْجَانِ مَا حَدّ اللَّه لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه مِنْ حَقّ , وَأَلْزَمَهُ لَهُ مِنْ فَرْض , وَخَشِيتُمْ عَلَيْهِمَا تَضْيِيع فَرْض اللَّه وَتَعَدِّي حُدُوده فِي ذَلِكَ فَلَا جُنَاح حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا , وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَعْطَتْ هَذِهِ عَلَى فِرَاق زَوْجهَا إيَّاهَا وَلَا عَلَى هَذَا فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ الْجُعْل وَالْعِوَض عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ كَانَتْ الْمَرْأَة حَرِجَة لَوْ كَانَ الضِّرَار مِنْ الرَّجُل بِهَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسهَا , فَيَكُون لَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا أَعْطَتْهُ مِنْ الْفِدْيَة عَلَى فِرَاقهَا إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا ؟ قِيلَ : لَوْ عَلِمَتْ فِي حَال ضِرَاره بِهَا لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا آتَاهَا أَنَّ ضِرَاره ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ أَخْذه عَلَى الْوَجْه الَّذِي نَهَاهُ اللَّه عَنْ أَخْذه مِنْهَا , ثُمَّ قَدَرَتْ أَنْ تَمْتَنِع مِنْ إعْطَائِهِ بِمَا لَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي نَفْس , وَلَا دِين , وَلَا حَقّ عَلَيْهَا فِي ذَهَاب حَقّ لَهَا لَمَا حَلَّ لَهَا إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ , إلَّا عَلَى وَجْه طِيب النَّفْس مِنْهَا بِإِعْطَائِهِ إيَّاهُ عَلَى مَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا لِأَنَّهَا مَتَى أَعْطَتْهُ مَا لَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا وَهِيَ قَادِرَة عَلَى مَنْعه ذَلِكَ بِمَا لَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي نَفْس , وَلَا دِين , وَلَا فِي حَقّ لَهَا تَخَاف ذَهَابه , فَقَدْ شَارَكَتْهُ فِي الْإِثْم بِإِعْطَائِهِ مَا لَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا عَلَى الْوَجْه الَّذِي أَعْطَتْهُ عَلَيْهِ , فَلِذَلِكَ وَضَعَ عَنْهَا الْجُنَاح إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا , وَأَعْطَتْهُ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ الْفِدْيَة بِطِيبِ نَفْس , ابْتِغَاء مِنْهَا بِذَلِكَ سَلَامَتهَا وَسَلَامَة صَاحِبهَا مِنْ الْوِزْر وَالْمَأْثَم , وَهِيَ إذَا أَعْطَتْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْه بِاسْتِحْقَاقِ الْأَجْر وَالثَّوَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى أُولَى إنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْجُنَاح وَالْحَرَج , وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } فَوَضَعَ الْحَرَج عَنْهَا فِيمَا أَعْطَتْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْه مِنْ الْفِدْيَة عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا , وَعَنْهُ فِيمَا قَبَضَ مِنْهَا إذَا كَانَتْ مُعْطِيَة عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفّنَا , وَكَانَ قَابِضًا مِنْهَا مَا أَعْطَتْهُ مِنْ غَيْر ضِرَار , بَلْ طَلَبَ السَّلَامَة لِنَفْسِهِ وَلَهَا فِي أَدْيَانهمَا وَحِذَار الْأَوْزَار وَالْمَأْثَم . وَقَدْ يَتَّجِه قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } وَجْهًا آخَر مِنْ التَّأْوِيل وَهُوَ أَنَّهَا لَوْ بَذَلَتْ مَا بَذَلَتْ مِنْ الْفِدْيَة عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي أَذِنَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةِ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَذَلِكَ لِكَرَاهَتِهَا أَخْلَاق زَوْجهَا أَوْ دَمَامَة خَلْقه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي يَكْرَههَا النَّاس بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , وَلَكِنْ عَلَى الِانْصِرَاف مِنْهَا بِوَجْهِهَا إلَى آخَر غَيْره عَلَى وَجْه الْفَسَاد وَمَا لَا يَحِلّ لَهَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِي عَلَى مَسْأَلَتهَا إيَّاهُ فِرَاقهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه شَيْئًا ; لِأَنَّ مَسْأَلَتهَا إيَّاهُ الْفُرْقَة عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه مَعْصِيَة مِنْهَا لِلَّهِ , وَتِلْكَ هِيَ الْمُخْتَلِعَة - إنْ خُولِعَتْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه - الَّتِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمَّاهَا مُنَافِقَة . كَمَا : 3828 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثني الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ لَيْث , عَنْ أَبِي إدْرِيس , عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَيّمَا امْرَأَة سَأَلَتْ زَوْجهَا الطَّلَاق مِنْ غَيْر بَأْس حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة " . وَقَالَ : " الْمُخْتَلِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " 3829 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُزَاحِم بْن دُوَاد بْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ أَبِي الْخَطَّاب عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ أَبِي إدْرِيس , عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّه , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالْمُخْتَلِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " 3830 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن بِشْر , قَالَ : ثنا قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار , عَنْ الْحَسَن , عَنْ ثَابِت بْن يَزِيد , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الْمُخْتَلِعَات الْمُنْتَزِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَا جَمِيعًا : ثنا أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَيّمَا امْرَأَة سَأَلَتْ زَوْجهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْر بَأْس فَحَرَام عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة " . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَارِم , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَبِي أَسَمَاء الرَّحَبِيّ , عَنْ ثَوْبَانَ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه . فَإِذَا كَانَ مِنْ وُجُوه افْتِدَاء الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا مَا تَكُون بِهِ حَرِجَة , وَعَلَيْهَا فِي افْتِدَائِهَا نَفْسهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَرَج وَالْجُنَاح , وَكَانَ مِنْ وُجُوهه مَا يَكُون الْحَرَج وَالْجُنَاح فِيهِ عَلَى الرَّجُل دُون الْمَرْأَة , وَمِنْهُ مَا يَكُون عَلَيْهِمَا , وَمِنْهُ مَا لَا يَكُون عَلَيْهِمَا فِيهِ حَرَج وَلَا جُنَاح . قِيلَ فِي الْوَجْه : الَّذِي لَا حَرَج عَلَيْهِمَا فِيهِ لَا جُنَاح إذْ كَانَ فِيمَا حَاوَلَا وَقَصَدَا مِنْ افْتِرَاقهمَا بِالْجُعْلِ الَّذِي بَذَلَتْهُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا لَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أُبِيحَ لَهُمَا , وَذَلِكَ أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه بِمَقَامِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مُرَادًا لَهُ : فَلَا جُنَاح عَلَى الرَّجُل فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة دُون الْمَرْأَة , وَإِنْ كَانَا قَدْ ذَكَرَا جَمِيعًا كَمَا قَالَ فِي سُورَة الرَّحْمَن : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 وَهُمَا مِنْ الْمِلْح لَا مِنْ الْعَذْب , قَالَ : وَمِثْله . { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَع بَيْنهمَا نَسِيَا حُوتهمَا } 18 61 وَإِنَّمَا النَّاسِي صَاحِب مُوسَى وَحْده ; قَالَ : وَمِثْله فِي الْكَلَام أَنْ تَقُول : عِنْدِي دَابَّتَانِ أَرْكَبهُمَا وَأَسْقِي عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا تَرْكَب إحْدَاهُمَا وَتَسْقِي عَلَى الْأُخْرَى , وَهَذَا مِنْ سَعَة الْعَرَبِيَّة الَّتِي يُحْتَجّ بِسَعَتِهَا فِي الْكَلَام . قَالَ : وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ يَشْتَرِكَا جَمِيعًا فِي أَنْ لَا يَكُون عَلَيْهِمَا جُنَاح , إذْ كَانَتْ تُعْطِي مَا قَدْ نُفِيَ عَنْ الزَّوْج فِيهِ الْإِثْم . اشْتَرَكَتْ فِيهِ , لِأَنَّهَا إذَا أَعْطَتْ مَا يَطْرَح فِيهِ الْمَأْثَم احْتَاجَتْ إلَى مِثْل ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَلَمْ يُصِبْ الصَّوَاب فِي وَاحِد مِنْ الْوَجْهَيْنِ , وَلَا فِي احْتِجَاجه فِيمَا احْتَجَّ بِهِ قَوْله : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 فَأَمَّا قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه صَوَابه , وَسَنُبَيِّنُ وَجْه قَوْله : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 فِي مَوْضِعه إذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَإِنَّمَا خَطَّأْنَا قَوْله ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَضْعه الْحَرَج عَنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَة مِنْ زَوْجهَا عَلَى مَا أَذِنَ , وَأَخْبَرَ عَنْ الْبَحْرَيْنِ أَنَّ مِنْهُمَا يَخْرُج اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان , فَأَضَافَ إلَى اثْنَيْنِ , فَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول : إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَر عَنْ أَحَدهمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَكُون عَنْهُمَا جَازَ فِي كُلّ خَبَر كَانَ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْر مُسْتَحِيلَة صِحَّته أَنْ يَكُون عَنْهُمَا أَنْ يُقَال : إنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ أَحَدهمَا , وَذَلِكَ قَلْب الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام النَّاس وَالْمَعْرُوف مِنْ اسْتِعْمَالهمْ فِي مُخَاطَبَاتهمْ , وَغَيْر جَائِز حَمْل كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه جَلَّ ذِكْره عَلَى الشَّوَاذّ مِنْ الْكَلَام وَلَهُ فِي الْمَفْهُوم الْجَارِي بَيْن النَّاس وَجْه صَحِيح مَوْجُود . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أَمَعْنِيّ بِهِ : أَنَّهُمَا مَوْضُوع عَنْهُمَا الْجُنَاح فِي كُلّ حَدّ افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ شَيْء أَمْ فِي بَعْضه ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ صَدَاقهَا الَّذِي كَانَ آتَاهَا زَوْجهَا الَّذِي تَخْتَلِع مِنْهُ وَاحْتَجُّوا فِي قَوْلهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ آخِر الْآيَة مَرْدُود عَلَى أَوَّلهَا , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ . قَالُوا : فَاَلَّذِي أَحَلَّهُ اللَّه لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْد الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه هُوَ الَّذِي كَانَ حَظَّرَ عَلَيْهِمَا قَبْل حَال الْخَوْف عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ امْرَأَته إذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدّ مَا كَانَ ثَابِت أَصْدَقَهَا , وَأَنَّهَا عَرَضَتْ الزِّيَادَة فَلَمْ يَقْبَلهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3831 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع أَنَّهُ كَانَ يَقُول : لَا يَصْلُح لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا سَاقَ إلَيْهَا , وَيَقُول : إنَّ اللَّه يَقُول : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } مِنْهُ , يَقُول : مِنْ الْمَهْر . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ " 3832 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا بِشْر بْن بَكْر , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن شُعَيْب وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالزُّهْرِيّ يَقُولُونَ فِي النَّاشِز : لَا يَأْخُذ مِنْهَا إلَّا مَا سَاقَ إلَيْهَا . 3833 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ عَطَاء , قَالَ : النَّاشِز لَا يَأْخُذ مِنْهَا إلَّا مَا سَاقَ إلَيْهَا . * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذ فِي الْخُلْع أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3834 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ الرَّجُل مِنْ الْمُخْتَلِعَة فَوْق مَا أَعْطَاهَا , وَكَانَ يَرَى أَنْ يَأْخُذ دُون ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , يَعْنِي الْمُخْتَلِعَة . 3835 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , قَالَ : كَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : لَا يَأْخُذ مِنْ الْمُخْتَلِعَة فَوْق مَا أَعْطَاهَا . 3836 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ الْحَكَم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : أَحَبّ إلَيَّ أَنْ لَا يَزْدَاد . 3837 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ مَطَر أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَن , أَوْ أَنَّ الْحَسَن سُئِلَ عَنْ رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَة عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَم , فَأَرَادَ أَنْ يَخْلَعهَا , هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذ أَرْبَعمِائَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّه , ذَاكَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . قَالَ مَعْمَر : وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3838 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ ابْن الْمُسَيِّب , قَالَ : مَا أُحِبّ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا كُلّ مَا أَعْطَاهَا حَتَّى يَدَع لَهَا مِنْهُ مَا يُعَيِّشهَا . 3839 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُول فِي الْمُفْتَدِيَة : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3840 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ امْرَأَته أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ قَلِيل مَا تَمْلِكهُ وَكَثِيره . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَة , وَأَنَّهُ غَيْر جَائِز إحَالَة ظَاهِر عَامّ إلَى بَاطِن خَاصّ إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا قَالُوا : وَلَا حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا بِأَنَّ الْآيَة مُرَاد بِهَا بَعْض الْفِدْيَة . دُون بَعْض مِنْ أَصْلِ أَوْ قِيَاس , فَهِيَ عَلَى ظَاهِرهَا وَعُمُومهَا . ذِكْر مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 3841 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب عَنْ كَثِير مَوْلَى سَمُرَة : أَنَّ عُمَر أُتِيَ بِامْرَأَةٍ نَاشِز , فَأَمَرَ بِهَا إلَى بَيْت كَثِير الزَّبْل ثَلَاثًا , ثُمَّ دَعَا بِهَا فَقَالَ : كَيْفَ وَجَدْت ؟ قَالَتْ : مَا وَجَدْت رَاحَة مُنْذُ كُنْت عِنْده إلَّا هَذِهِ اللَّيَالِي الَّتِي حَبَسَتْنِي . فَقَالَ لِزَوْجِهَا : اخْلَعْهَا وَلَوْ مِنْ قُرْطهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ كَثِير مَوْلَى سَمُرَة , قَالَ : أَخَذَ عُمَر بْن الْخَطَّاب امْرَأَة نَاشِزَة فَوَعَظَهَا , فَلَمْ تَقْبَل بِخَيْرٍ , فَحَبَسَهَا فِي بَيْت كَثِير الزَّبْل ثَلَاثَة أَيَّام وَذَكَرَ نَحْو حَدِيث ابْن عُلَيَّة . 3842 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَا : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن : أَنَّ امْرَأَة أَتَتْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَشَكَتْ زَوْجهَا , فَقَالَ : إنَّهَا نَاشِز . فَأَبَاتهَا فِي بَيْت الزَّبْل , فَلِمَا أَصْبَحَ قَالَ لَهَا : كَيْفَ وَجَدْت مَكَانك ؟ قَالَتْ : مَا كُنْت عِنْده لَيْلَة أَقَرّ لِعَيْنِي مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَة . فَقَالَ : خُذْ وَلَوْ عِقَاصهَا . 3843 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ نَافِع : أَنَّ مَوْلَاة لِصَفِيَّة اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ شَيْء تَمْلِكهُ إلَّا مِنْ ثِيَابهَا , فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ ابْن عُمَر . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت عُبَيْد اللَّه يُحَدِّث , عَنْ نَافِع , قَالَ : ذُكِرَ لِابْنِ عُمَر مَوْلَاة لَهُ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ مَال لَهَا , فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرهُ . 3844 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ حُمَيْد , عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } 3845 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ فِي الْخُلْع : خُذْ مَا دُون عِقَاص شَعْرهَا , وَإِنَّ كَانَتْ الْمَرْأَة لَتَفْتَدِي بِبَعْضِ مَالهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : الْخُلْع بِمَا دُون عِقَاص الرَّأْس . * حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ إبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : خُذْ مِنْهَا وَلَوْ عِقَاصهَا . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : الْخُلْع بِمَا دُون عِقَاص الرَّأْس , وَقَدْ تَفْتَدِي الْمَرْأَة بِبَعْضِ مَالهَا . 3846 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل أَنَّ الرُّبَيِّع ابْنَة مُعَوِّذ بْن عَفْرَاء حَدَّثَتْهُ قَالَتْ : كَانَ لِي زَوْج يُقِلّ عَلَيَّ الْخَيْر إذَا حَضَرَنِي , وَيَحْرِمنِي إذَا غَابَ . قَالَتْ : فَكَانَتْ مِنِّي زِلَّة يَوْمًا , فَقُلْت : أَخْتَلِعُ مِنْك بِكُلِّ شَيْء أَمْلِكهُ ! قَالَ : نَعَمْ ! قَالَ : فَفَعَلْت قَالَتْ : فَخَاصَمَ عَمِّي مُعَاذ بْن عَفْرَاء إلَى عُثْمَان بْن عَفَّانَ , فَأَجَازَ الْخُلْع وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ عِقَاص رَأْسِي فَمَا دُونه . أَوْ قَالَتْ : مَا دُون عِقَاص الرَّأْس . 3847 - حَدَّثَنِي ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَا بَأْس بِمَا خَلَعَهَا بِهِ مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير , وَلَوْ عَقَصَهَا . 3848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول : قَالَ ابْن عَبَّاس : لِيَأْخُذ مِنْهَا حَتَّى قُرْطهَا . يَعْنِي فِي الْخُلْع . 3850 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِك بْن أَنَس , عَنْ نَافِع , عَنْ مَوْلَاة لِصَفِيَّة ابْنَة أَبِي عُبَيْد : أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ شَيْء لَهَا , فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُوَيْب أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3851 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَزِيد وَسَهْل بْن يُوسُف وَابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ حُمَيْد , قَالَ : قُلْت لِرَجَاءِ بْن حَيْوَة : إنَّ الْحَسَن يَقُول فِي الْمُخْتَلِعَة : لَا يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , وَيَتَأَوَّل : { وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ رَجَاء : فَإِنَّ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب كَانَ يُرَخِّص أَنْ يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , وَيَتَأَوَّل : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3852 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي الصَّهْبَاء قَالَ : سَأَلَتْ بَكْرًا عَنْ الْمُخْتَلِعَة أَيَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا ؟ قَالَ لَا وَقَرَأَ : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 4 21 3853 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي الصَّهْبَاء , قَالَ : سَأَلَتْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه عَنْ رَجُل تُرِيد امْرَأَته مِنْهُ الْخُلْع , قَالَ : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئًا . قُلْت : يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي كِتَابه : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : هَذِهِ نُسِخَتْ . قُلْت : فَإِنِّي حَفِظْت ؟ قَالَ : حَفِظْت فِي سُورَة النِّسَاء قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } 4 20 وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : إذَا خِيفَ مِنْ الرَّجُل وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه عَلَى سَبِيل مَا قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ , فَلَا حَرَج عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا مِنْ قَلِيل مَا تَمْلِكهُ وَكَثِيره مِمَّا يَجُوز لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْلِكُوهُ , وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيع مِلْكهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَخُصّ مَا أَبَاحَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدّ لَا يُجَاوِز , بَلْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا افْتَدَتْ بِهِ غَيْر أَنِّي أَخْتَار لِلرَّجُلِ اسْتِحْبَابًا لَا تَحْتِيمًا إذَا تَبَيَّنَ مِنْ امْرَأَته أَنَّ افْتِدَاءَهَا مِنْهُ لِغَيْرِ مَعْصِيَة لِلَّهِ , بَلْ خَوْفًا مِنْهَا عَلَى دِينهَا أَنْ يُفَارِقهَا بِغَيْرِ فَدِيَة وَلَا جُعْل ; فَإِنْ شَحَّتْ نَفْسه بِذَلِكَ , فَلَا يَبْلُغ بِمَا يَأْخُذ مِنْهَا جَمِيع مَا آتَاهَا . فَأَمَّا مَا قَالَهُ بَكْر بْن عَبْد اللَّه مِنْ أَنَّ هَذَا الْحُكْم فِي جَمِيع الْآيَة مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 فَقَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , فَنَتَشَاغَل بِالْإِنَابَةِ عَنْ خَطَئِهِ لِمَعْنَيَيْنِ . أَحَدهمَا : إجْمَاع الْجَمِيع مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْ بَعْدهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , عَلَى تَخْطِئَته وَإِجَازَة أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ الْمُفْتَدِيَة نَفْسهَا لِزَوْجِهَا , وَفِي ذَلِكَ الْكِفَايَة عَنْ الِاسْتِشْهَاد عَلَى خَطَئِهِ بِغَيْرِهِ . وَالْآخَر : أَنَّ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء إنَّمَا حَرَّمَ اللَّه فِيهَا عَلَى زَوْج الْمَرْأَة أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا , بِأَنْ أَرَادَ الرَّجُل اسْتِبْدَال زَوْج بِزَوْجٍ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُنَالِكَ خَوْف مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِمَقَامِ أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَلَا نُشُوز مِنْ الْمَرْأَة عَلَى الرَّجُل . وإذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَخْذ الزَّوْج مِنْ امْرَأَته مَالًا عَلَى وَجْه الْإِكْرَاه لَهَا وَالْإِضْرَار بِهَا حَتَّى تُعْطِيه شَيْئًا مِنْ مَالهَا عَلَى فِرَاقهَا حَرَام , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَبَّة فِضَّة فَصَاعِدًا . وَأَمَّا الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة , فَإِنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى إبَاحَة اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْهَا فِي حَال الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه بِنُشُوزِ الْمَرْأَة , وَطَلَبهَا فِرَاق الرَّجُل , وَرَغْبَته فِيهَا . فَالْأَمْر الَّذِي أَذِنَ بِهِ لِلزَّوْجِ فِي أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ الْمَرْأَة فِي سُورَة الْبَقَرَة ضَدَّ الْأَمْر الَّذِي نَهَى مِنْ أَجْله عَنْ أَخْذ الْفِدْيَة فِي سُورَة النِّسَاء , كَمَا الْحَظْر فِي سُورَة النِّسَاء غَيْر الطَّلَاق وَالْإِبَاحَة فِي سُورَة الْبَقَرَة . فَإِنَّمَا يَجُوز فِي الْحُكْمَيْنِ أَنْ يُقَال أَحَدهمَا نَاسِخ إذَا اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْمَحْكُوم فِيهِ , ثُمَّ خُولِفَ بَيْن الْأَحْكَام فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات وَالْأَزْمِنَة . وَأَمَّا اخْتِلَاف الْأَحْكَام بِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْمَحْكُوم فِيهِ فِي حَال وَاحِدَة وَوَقْت وَاحِد , فَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة , وَالْمَفْهُوم فِي الْعَقْل وَالْفِطْرَة , وَهُوَ مِنْ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ بِمَعْزِلٍ . وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْآيَة : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ , فَنَظِير قَوْل بَكْر فِي دَعْوَاهُ نَسْخ قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } بِقَوْلِهِ : { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 لِادِّعَائِهِ فِي كِتَاب اللَّه مَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ رَسْمه . وَيُقَال لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : قَدْ قَالَ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّة الدِّين : إنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ مِلْكهَا , فَهَلْ مِنْ حُجَّة تُبَيِّن تَهَافُتهمْ غَيْر الدَّعْوَى , فَقَدْ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , وَادَّعَيْت فِيهِ خُصُوصًا . ثُمَّ يَعْكِس عَلَيْهِ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُول فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إلَّا أَلْزَمَ فِي الْآخَر مِثْله . وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَدِلَّة بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّة قَوْل مَنْ قَالَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا كُلّ مَا أَعْطَتْهُ الْمُفْتَدِيَة الَّتِي أَبَاحَ اللَّه لَهَا الِافْتِدَاء فِي كِتَابنَا كِتَاب " اللَّطِيف " فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَلَّا يُقِيم الزَّوْجَانِ مَا حَدّ اللَّه لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه مِنْ حَقّ , وَأَلْزَمَهُ لَهُ مِنْ فَرْض , وَخَشِيتُمْ عَلَيْهِمَا تَضْيِيع فَرْض اللَّه وَتَعَدِّي حُدُوده فِي ذَلِكَ فَلَا جُنَاح حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا , وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَعْطَتْ هَذِهِ عَلَى فِرَاق زَوْجهَا إيَّاهَا وَلَا عَلَى هَذَا فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ الْجُعْل وَالْعِوَض عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ كَانَتْ الْمَرْأَة حَرِجَة لَوْ كَانَ الضِّرَار مِنْ الرَّجُل بِهَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسهَا , فَيَكُون لَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا أَعْطَتْهُ مِنْ الْفِدْيَة عَلَى فِرَاقهَا إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا ؟ قِيلَ : لَوْ عَلِمَتْ فِي حَال ضِرَاره بِهَا لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا آتَاهَا أَنَّ ضِرَاره ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ أَخْذه عَلَى الْوَجْه الَّذِي نَهَاهُ اللَّه عَنْ أَخْذه مِنْهَا , ثُمَّ قَدَرَتْ أَنْ تَمْتَنِع مِنْ إعْطَائِهِ بِمَا لَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي نَفْس , وَلَا دِين , وَلَا حَقّ عَلَيْهَا فِي ذَهَاب حَقّ لَهَا لَمَا حَلَّ لَهَا إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ , إلَّا عَلَى وَجْه طِيب النَّفْس مِنْهَا بِإِعْطَائِهِ إيَّاهُ عَلَى مَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا لِأَنَّهَا مَتَى أَعْطَتْهُ مَا لَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا وَهِيَ قَادِرَة عَلَى مَنْعه ذَلِكَ بِمَا لَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي نَفْس , وَلَا دِين , وَلَا فِي حَقّ لَهَا تَخَاف ذَهَابه , فَقَدْ شَارَكَتْهُ فِي الْإِثْم بِإِعْطَائِهِ مَا لَا يَحِلّ لَهُ أَخْذه مِنْهَا عَلَى الْوَجْه الَّذِي أَعْطَتْهُ عَلَيْهِ , فَلِذَلِكَ وَضَعَ عَنْهَا الْجُنَاح إذَا كَانَ النُّشُوز مِنْ قِبَلهَا , وَأَعْطَتْهُ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ الْفِدْيَة بِطِيبِ نَفْس , ابْتِغَاء مِنْهَا بِذَلِكَ سَلَامَتهَا وَسَلَامَة صَاحِبهَا مِنْ الْوِزْر وَالْمَأْثَم , وَهِيَ إذَا أَعْطَتْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْه بِاسْتِحْقَاقِ الْأَجْر وَالثَّوَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى أُولَى إنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الْجُنَاح وَالْحَرَج , وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } فَوَضَعَ الْحَرَج عَنْهَا فِيمَا أَعْطَتْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْه مِنْ الْفِدْيَة عَلَى فِرَاقه إيَّاهَا , وَعَنْهُ فِيمَا قَبَضَ مِنْهَا إذَا كَانَتْ مُعْطِيَة عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفّنَا , وَكَانَ قَابِضًا مِنْهَا مَا أَعْطَتْهُ مِنْ غَيْر ضِرَار , بَلْ طَلَبَ السَّلَامَة لِنَفْسِهِ وَلَهَا فِي أَدْيَانهمَا وَحِذَار الْأَوْزَار وَالْمَأْثَم . وَقَدْ يَتَّجِه قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } وَجْهًا آخَر مِنْ التَّأْوِيل وَهُوَ أَنَّهَا لَوْ بَذَلَتْ مَا بَذَلَتْ مِنْ الْفِدْيَة عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي أَذِنَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةِ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَذَلِكَ لِكَرَاهَتِهَا أَخْلَاق زَوْجهَا أَوْ دَمَامَة خَلْقه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي يَكْرَههَا النَّاس بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , وَلَكِنْ عَلَى الِانْصِرَاف مِنْهَا بِوَجْهِهَا إلَى آخَر غَيْره عَلَى وَجْه الْفَسَاد وَمَا لَا يَحِلّ لَهَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِي عَلَى مَسْأَلَتهَا إيَّاهُ فِرَاقهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه شَيْئًا ; لِأَنَّ مَسْأَلَتهَا إيَّاهُ الْفُرْقَة عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه مَعْصِيَة مِنْهَا لِلَّهِ , وَتِلْكَ هِيَ الْمُخْتَلِعَة - إنْ خُولِعَتْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه - الَّتِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمَّاهَا مُنَافِقَة . كَمَا : 3828 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثني الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ لَيْث , عَنْ أَبِي إدْرِيس , عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَيّمَا امْرَأَة سَأَلَتْ زَوْجهَا الطَّلَاق مِنْ غَيْر بَأْس حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة " . وَقَالَ : " الْمُخْتَلِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " 3829 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُزَاحِم بْن دُوَاد بْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ أَبِي الْخَطَّاب عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ أَبِي إدْرِيس , عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّه , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالْمُخْتَلِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " 3830 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن بِشْر , قَالَ : ثنا قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار , عَنْ الْحَسَن , عَنْ ثَابِت بْن يَزِيد , عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الْمُخْتَلِعَات الْمُنْتَزِعَات هُنَّ الْمُنَافِقَات " * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَا جَمِيعًا : ثنا أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَيّمَا امْرَأَة سَأَلَتْ زَوْجهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْر بَأْس فَحَرَام عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة " . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَارِم , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن زَيْد , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَبِي أَسَمَاء الرَّحَبِيّ , عَنْ ثَوْبَانَ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه . فَإِذَا كَانَ مِنْ وُجُوه افْتِدَاء الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا مَا تَكُون بِهِ حَرِجَة , وَعَلَيْهَا فِي افْتِدَائِهَا نَفْسهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَرَج وَالْجُنَاح , وَكَانَ مِنْ وُجُوهه مَا يَكُون الْحَرَج وَالْجُنَاح فِيهِ عَلَى الرَّجُل دُون الْمَرْأَة , وَمِنْهُ مَا يَكُون عَلَيْهِمَا , وَمِنْهُ مَا لَا يَكُون عَلَيْهِمَا فِيهِ حَرَج وَلَا جُنَاح . قِيلَ فِي الْوَجْه : الَّذِي لَا حَرَج عَلَيْهِمَا فِيهِ لَا جُنَاح إذْ كَانَ فِيمَا حَاوَلَا وَقَصَدَا مِنْ افْتِرَاقهمَا بِالْجُعْلِ الَّذِي بَذَلَتْهُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا لَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أُبِيحَ لَهُمَا , وَذَلِكَ أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه بِمَقَامِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مُرَادًا لَهُ : فَلَا جُنَاح عَلَى الرَّجُل فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة دُون الْمَرْأَة , وَإِنْ كَانَا قَدْ ذَكَرَا جَمِيعًا كَمَا قَالَ فِي سُورَة الرَّحْمَن : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 وَهُمَا مِنْ الْمِلْح لَا مِنْ الْعَذْب , قَالَ : وَمِثْله . { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَع بَيْنهمَا نَسِيَا حُوتهمَا } 18 61 وَإِنَّمَا النَّاسِي صَاحِب مُوسَى وَحْده ; قَالَ : وَمِثْله فِي الْكَلَام أَنْ تَقُول : عِنْدِي دَابَّتَانِ أَرْكَبهُمَا وَأَسْقِي عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا تَرْكَب إحْدَاهُمَا وَتَسْقِي عَلَى الْأُخْرَى , وَهَذَا مِنْ سَعَة الْعَرَبِيَّة الَّتِي يُحْتَجّ بِسَعَتِهَا فِي الْكَلَام . قَالَ : وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ يَشْتَرِكَا جَمِيعًا فِي أَنْ لَا يَكُون عَلَيْهِمَا جُنَاح , إذْ كَانَتْ تُعْطِي مَا قَدْ نُفِيَ عَنْ الزَّوْج فِيهِ الْإِثْم . اشْتَرَكَتْ فِيهِ , لِأَنَّهَا إذَا أَعْطَتْ مَا يَطْرَح فِيهِ الْمَأْثَم احْتَاجَتْ إلَى مِثْل ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَلَمْ يُصِبْ الصَّوَاب فِي وَاحِد مِنْ الْوَجْهَيْنِ , وَلَا فِي احْتِجَاجه فِيمَا احْتَجَّ بِهِ قَوْله : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 فَأَمَّا قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا } فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه صَوَابه , وَسَنُبَيِّنُ وَجْه قَوْله : { يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان } 55 22 فِي مَوْضِعه إذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَإِنَّمَا خَطَّأْنَا قَوْله ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَضْعه الْحَرَج عَنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَة مِنْ زَوْجهَا عَلَى مَا أَذِنَ , وَأَخْبَرَ عَنْ الْبَحْرَيْنِ أَنَّ مِنْهُمَا يَخْرُج اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان , فَأَضَافَ إلَى اثْنَيْنِ , فَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول : إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَر عَنْ أَحَدهمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَكُون عَنْهُمَا جَازَ فِي كُلّ خَبَر كَانَ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْر مُسْتَحِيلَة صِحَّته أَنْ يَكُون عَنْهُمَا أَنْ يُقَال : إنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ أَحَدهمَا , وَذَلِكَ قَلْب الْمَفْهُوم مِنْ كَلَام النَّاس وَالْمَعْرُوف مِنْ اسْتِعْمَالهمْ فِي مُخَاطَبَاتهمْ , وَغَيْر جَائِز حَمْل كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه جَلَّ ذِكْره عَلَى الشَّوَاذّ مِنْ الْكَلَام وَلَهُ فِي الْمَفْهُوم الْجَارِي بَيْن النَّاس وَجْه صَحِيح مَوْجُود . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أَمَعْنِيّ بِهِ : أَنَّهُمَا مَوْضُوع عَنْهُمَا الْجُنَاح فِي كُلّ حَدّ افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ شَيْء أَمْ فِي بَعْضه ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ صَدَاقهَا الَّذِي كَانَ آتَاهَا زَوْجهَا الَّذِي تَخْتَلِع مِنْهُ وَاحْتَجُّوا فِي قَوْلهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ آخِر الْآيَة مَرْدُود عَلَى أَوَّلهَا , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ . قَالُوا : فَاَلَّذِي أَحَلَّهُ اللَّه لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْد الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه هُوَ الَّذِي كَانَ حَظَّرَ عَلَيْهِمَا قَبْل حَال الْخَوْف عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ امْرَأَته إذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدّ مَا كَانَ ثَابِت أَصْدَقَهَا , وَأَنَّهَا عَرَضَتْ الزِّيَادَة فَلَمْ يَقْبَلهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3831 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع أَنَّهُ كَانَ يَقُول : لَا يَصْلُح لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا سَاقَ إلَيْهَا , وَيَقُول : إنَّ اللَّه يَقُول : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } مِنْهُ , يَقُول : مِنْ الْمَهْر . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ " 3832 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا بِشْر بْن بَكْر , عَنْ الْأَوْزَاعِيّ , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن شُعَيْب وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالزُّهْرِيّ يَقُولُونَ فِي النَّاشِز : لَا يَأْخُذ مِنْهَا إلَّا مَا سَاقَ إلَيْهَا . 3833 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ عَطَاء , قَالَ : النَّاشِز لَا يَأْخُذ مِنْهَا إلَّا مَا سَاقَ إلَيْهَا . * حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذ فِي الْخُلْع أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3834 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ الرَّجُل مِنْ الْمُخْتَلِعَة فَوْق مَا أَعْطَاهَا , وَكَانَ يَرَى أَنْ يَأْخُذ دُون ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , يَعْنِي الْمُخْتَلِعَة . 3835 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , قَالَ : كَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : لَا يَأْخُذ مِنْ الْمُخْتَلِعَة فَوْق مَا أَعْطَاهَا . 3836 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ الْحَكَم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : أَحَبّ إلَيَّ أَنْ لَا يَزْدَاد . 3837 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَكْرَه أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ مَطَر أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَن , أَوْ أَنَّ الْحَسَن سُئِلَ عَنْ رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَة عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَم , فَأَرَادَ أَنْ يَخْلَعهَا , هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذ أَرْبَعمِائَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّه , ذَاكَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يَقُول : لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . قَالَ مَعْمَر : وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3838 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ ابْن الْمُسَيِّب , قَالَ : مَا أُحِبّ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا كُلّ مَا أَعْطَاهَا حَتَّى يَدَع لَهَا مِنْهُ مَا يُعَيِّشهَا . 3839 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُول فِي الْمُفْتَدِيَة : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3840 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : لَا يَحِلّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذ مِنْ امْرَأَته أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ قَلِيل مَا تَمْلِكهُ وَكَثِيره . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَة , وَأَنَّهُ غَيْر جَائِز إحَالَة ظَاهِر عَامّ إلَى بَاطِن خَاصّ إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا قَالُوا : وَلَا حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا بِأَنَّ الْآيَة مُرَاد بِهَا بَعْض الْفِدْيَة . دُون بَعْض مِنْ أَصْلِ أَوْ قِيَاس , فَهِيَ عَلَى ظَاهِرهَا وَعُمُومهَا . ذِكْر مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 3841 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب عَنْ كَثِير مَوْلَى سَمُرَة : أَنَّ عُمَر أُتِيَ بِامْرَأَةٍ نَاشِز , فَأَمَرَ بِهَا إلَى بَيْت كَثِير الزَّبْل ثَلَاثًا , ثُمَّ دَعَا بِهَا فَقَالَ : كَيْفَ وَجَدْت ؟ قَالَتْ : مَا وَجَدْت رَاحَة مُنْذُ كُنْت عِنْده إلَّا هَذِهِ اللَّيَالِي الَّتِي حَبَسَتْنِي . فَقَالَ لِزَوْجِهَا : اخْلَعْهَا وَلَوْ مِنْ قُرْطهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ كَثِير مَوْلَى سَمُرَة , قَالَ : أَخَذَ عُمَر بْن الْخَطَّاب امْرَأَة نَاشِزَة فَوَعَظَهَا , فَلَمْ تَقْبَل بِخَيْرٍ , فَحَبَسَهَا فِي بَيْت كَثِير الزَّبْل ثَلَاثَة أَيَّام وَذَكَرَ نَحْو حَدِيث ابْن عُلَيَّة . 3842 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى , قَالَا : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن : أَنَّ امْرَأَة أَتَتْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَشَكَتْ زَوْجهَا , فَقَالَ : إنَّهَا نَاشِز . فَأَبَاتهَا فِي بَيْت الزَّبْل , فَلِمَا أَصْبَحَ قَالَ لَهَا : كَيْفَ وَجَدْت مَكَانك ؟ قَالَتْ : مَا كُنْت عِنْده لَيْلَة أَقَرّ لِعَيْنِي مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَة . فَقَالَ : خُذْ وَلَوْ عِقَاصهَا . 3843 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ نَافِع : أَنَّ مَوْلَاة لِصَفِيَّة اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ شَيْء تَمْلِكهُ إلَّا مِنْ ثِيَابهَا , فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ ابْن عُمَر . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت عُبَيْد اللَّه يُحَدِّث , عَنْ نَافِع , قَالَ : ذُكِرَ لِابْنِ عُمَر مَوْلَاة لَهُ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ مَال لَهَا , فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرهُ . 3844 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ حُمَيْد , عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } 3845 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ فِي الْخُلْع : خُذْ مَا دُون عِقَاص شَعْرهَا , وَإِنَّ كَانَتْ الْمَرْأَة لَتَفْتَدِي بِبَعْضِ مَالهَا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : الْخُلْع بِمَا دُون عِقَاص الرَّأْس . * حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ إبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَة : خُذْ مِنْهَا وَلَوْ عِقَاصهَا . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : الْخُلْع بِمَا دُون عِقَاص الرَّأْس , وَقَدْ تَفْتَدِي الْمَرْأَة بِبَعْضِ مَالهَا . 3846 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل أَنَّ الرُّبَيِّع ابْنَة مُعَوِّذ بْن عَفْرَاء حَدَّثَتْهُ قَالَتْ : كَانَ لِي زَوْج يُقِلّ عَلَيَّ الْخَيْر إذَا حَضَرَنِي , وَيَحْرِمنِي إذَا غَابَ . قَالَتْ : فَكَانَتْ مِنِّي زِلَّة يَوْمًا , فَقُلْت : أَخْتَلِعُ مِنْك بِكُلِّ شَيْء أَمْلِكهُ ! قَالَ : نَعَمْ ! قَالَ : فَفَعَلْت قَالَتْ : فَخَاصَمَ عَمِّي مُعَاذ بْن عَفْرَاء إلَى عُثْمَان بْن عَفَّانَ , فَأَجَازَ الْخُلْع وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ عِقَاص رَأْسِي فَمَا دُونه . أَوْ قَالَتْ : مَا دُون عِقَاص الرَّأْس . 3847 - حَدَّثَنِي ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَا بَأْس بِمَا خَلَعَهَا بِهِ مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير , وَلَوْ عَقَصَهَا . 3848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول : قَالَ ابْن عَبَّاس : لِيَأْخُذ مِنْهَا حَتَّى قُرْطهَا . يَعْنِي فِي الْخُلْع . 3850 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِك بْن أَنَس , عَنْ نَافِع , عَنْ مَوْلَاة لِصَفِيَّة ابْنَة أَبِي عُبَيْد : أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجهَا بِكُلِّ شَيْء لَهَا , فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُوَيْب أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا . 3851 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَزِيد وَسَهْل بْن يُوسُف وَابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ حُمَيْد , قَالَ : قُلْت لِرَجَاءِ بْن حَيْوَة : إنَّ الْحَسَن يَقُول فِي الْمُخْتَلِعَة : لَا يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , وَيَتَأَوَّل : { وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } قَالَ رَجَاء : فَإِنَّ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب كَانَ يُرَخِّص أَنْ يَأْخُذ أَكْثَر مِمَّا أَعْطَاهَا , وَيَتَأَوَّل : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3852 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي الصَّهْبَاء قَالَ : سَأَلَتْ بَكْرًا عَنْ الْمُخْتَلِعَة أَيَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا ؟ قَالَ لَا وَقَرَأَ : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } 4 21 3853 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي الصَّهْبَاء , قَالَ : سَأَلَتْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه عَنْ رَجُل تُرِيد امْرَأَته مِنْهُ الْخُلْع , قَالَ : لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئًا . قُلْت : يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي كِتَابه : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } قَالَ : هَذِهِ نُسِخَتْ . قُلْت : فَإِنِّي حَفِظْت ؟ قَالَ : حَفِظْت فِي سُورَة النِّسَاء قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } 4 20 وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : إذَا خِيفَ مِنْ الرَّجُل وَالْمَرْأَة أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه عَلَى سَبِيل مَا قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ , فَلَا حَرَج عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَة نَفْسهَا مِنْ زَوْجهَا مِنْ قَلِيل مَا تَمْلِكهُ وَكَثِيره مِمَّا يَجُوز لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْلِكُوهُ , وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيع مِلْكهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَخُصّ مَا أَبَاحَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدّ لَا يُجَاوِز , بَلْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا افْتَدَتْ بِهِ غَيْر أَنِّي أَخْتَار لِلرَّجُلِ اسْتِحْبَابًا لَا تَحْتِيمًا إذَا تَبَيَّنَ مِنْ امْرَأَته أَنَّ افْتِدَاءَهَا مِنْهُ لِغَيْرِ مَعْصِيَة لِلَّهِ , بَلْ خَوْفًا مِنْهَا عَلَى دِينهَا أَنْ يُفَارِقهَا بِغَيْرِ فَدِيَة وَلَا جُعْل ; فَإِنْ شَحَّتْ نَفْسه بِذَلِكَ , فَلَا يَبْلُغ بِمَا يَأْخُذ مِنْهَا جَمِيع مَا آتَاهَا . فَأَمَّا مَا قَالَهُ بَكْر بْن عَبْد اللَّه مِنْ أَنَّ هَذَا الْحُكْم فِي جَمِيع الْآيَة مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَال زَوْج مَكَان زَوْج وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 فَقَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , فَنَتَشَاغَل بِالْإِنَابَةِ عَنْ خَطَئِهِ لِمَعْنَيَيْنِ . أَحَدهمَا : إجْمَاع الْجَمِيع مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْ بَعْدهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , عَلَى تَخْطِئَته وَإِجَازَة أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ الْمُفْتَدِيَة نَفْسهَا لِزَوْجِهَا , وَفِي ذَلِكَ الْكِفَايَة عَنْ الِاسْتِشْهَاد عَلَى خَطَئِهِ بِغَيْرِهِ . وَالْآخَر : أَنَّ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء إنَّمَا حَرَّمَ اللَّه فِيهَا عَلَى زَوْج الْمَرْأَة أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا , بِأَنْ أَرَادَ الرَّجُل اسْتِبْدَال زَوْج بِزَوْجٍ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُنَالِكَ خَوْف مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِمَقَامِ أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبه أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه , وَلَا نُشُوز مِنْ الْمَرْأَة عَلَى الرَّجُل . وإذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَخْذ الزَّوْج مِنْ امْرَأَته مَالًا عَلَى وَجْه الْإِكْرَاه لَهَا وَالْإِضْرَار بِهَا حَتَّى تُعْطِيه شَيْئًا مِنْ مَالهَا عَلَى فِرَاقهَا حَرَام , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَبَّة فِضَّة فَصَاعِدًا . وَأَمَّا الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة , فَإِنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى إبَاحَة اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُ أَخْذ الْفِدْيَة مِنْهَا فِي حَال الْخَوْف عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُود اللَّه بِنُشُوزِ الْمَرْأَة , وَطَلَبهَا فِرَاق الرَّجُل , وَرَغْبَته فِيهَا . فَالْأَمْر الَّذِي أَذِنَ بِهِ لِلزَّوْجِ فِي أَخْذ الْفِدْيَة مِنْ الْمَرْأَة فِي سُورَة الْبَقَرَة ضَدَّ الْأَمْر الَّذِي نَهَى مِنْ أَجْله عَنْ أَخْذ الْفِدْيَة فِي سُورَة النِّسَاء , كَمَا الْحَظْر فِي سُورَة النِّسَاء غَيْر الطَّلَاق وَالْإِبَاحَة فِي سُورَة الْبَقَرَة . فَإِنَّمَا يَجُوز فِي الْحُكْمَيْنِ أَنْ يُقَال أَحَدهمَا نَاسِخ إذَا اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْمَحْكُوم فِيهِ , ثُمَّ خُولِفَ بَيْن الْأَحْكَام فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات وَالْأَزْمِنَة . وَأَمَّا اخْتِلَاف الْأَحْكَام بِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْمَحْكُوم فِيهِ فِي حَال وَاحِدَة وَوَقْت وَاحِد , فَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة , وَالْمَفْهُوم فِي الْعَقْل وَالْفِطْرَة , وَهُوَ مِنْ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ بِمَعْزِلٍ . وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْآيَة : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ , يَعْنِي بِذَلِكَ : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ , فَنَظِير قَوْل بَكْر فِي دَعْوَاهُ نَسْخ قَوْله : { فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } بِقَوْلِهِ : { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } 4 20 لِادِّعَائِهِ فِي كِتَاب اللَّه مَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ رَسْمه . وَيُقَال لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : قَدْ قَالَ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّة الدِّين : إنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ مِلْكهَا , فَهَلْ مِنْ حُجَّة تُبَيِّن تَهَافُتهمْ غَيْر الدَّعْوَى , فَقَدْ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , وَادَّعَيْت فِيهِ خُصُوصًا . ثُمَّ يَعْكِس عَلَيْهِ الْقَوْل فِي ذَلِكَ , فَلَنْ يَقُول فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إلَّا أَلْزَمَ فِي الْآخَر مِثْله . وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَدِلَّة بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّة قَوْل مَنْ قَالَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا كُلّ مَا أَعْطَتْهُ الْمُفْتَدِيَة الَّتِي أَبَاحَ اللَّه لَهَا الِافْتِدَاء فِي كِتَابنَا كِتَاب " اللَّطِيف " فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : تِلْكَ مَعَالِم فُصُوله , بَيْن مَا أَحَلَّ لَكُمْ , وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس , فَلَا تَعْتَدُوا مَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنْ الْأُمُور الَّتِي بَيَّنَهَا وَفَصَّلَهَا لَكُمْ مِنْ الْحَلَال , إلَى مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ , فَتَجَاوَزُوا طَاعَته إلَى مَعْصِيَته . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي بَيَّنْت لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات الَّتِي مَضَتْ مِنْ نِكَاح الْمُشْرِكَات الْوَثَنِيَّات , وَإِنْكَاح الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمَات , وَإِتْيَان النِّسَاء فِي الْمَحِيض , وَمَا قَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَات الْمَاضِيَة قَبْل قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه } مِمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ , وَمَا أَمَرَ وَنَهَى . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي بَيَّنْت لَكُمْ حَلَالهَا مِنْ حَرَامهَا حُدُودِي , يَعْنِي بِهِ : مَعَالِم فُصُول مَا بَيْن طَاعَتِي وَمَعْصِيَتِي فَلَا تَعْتَدُوهَا ; يَقُول : فَلَا تَتَجَاوَزُوا مَا أَحَلَلْته لَكُمْ إلَى مَا حَرَّمْته عَلَيْكُمْ , وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ إلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَلَا طَاعَتِي إلَى مَعْصِيَتِي , فَإِنَّ مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ - يَعْنِي مَنْ تَخَطَّاهُ وَتَجَاوَزَهُ - إلَى مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ أَوْ نَهَيْته , فَإِنَّهُ هُوَ الظَّالِم , وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فَعَلَهُ , وَوَضَعَ الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الظُّلْم وَأَصْله بِشَوَاهِدِهِ الدَّالَّة عَلَى مَعْنَاهُ , فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل وَإِنْ خَالَفَتْ أَلْفَاظ تَأْوِيلهمْ أَلْفَاظ تَأْوِيلنَا , غَيْر أَنَّ مَعْنَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ [ يَرْجِع ] إلَى مَعْنَى مَا قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3854 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَعْنِي بِالْحُدُودِ : الطَّاعَة . 3855 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَقُول : مَنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ الْعِدَّة فَقَدْ اعْتَدَى وَظَلَمَ نَفْسه , وَمِنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه , فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ الضَّحَّاك لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلطَّلَاقِ فِي الْعِدَّة ذِكْر , فَيُقَال : تِلْكَ حُدُود اللَّه , وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْر الْعَدَد الَّذِي يَكُون لِلْمُطَلِّقِ فِيهِ الرَّجْعَة , وَاَلَّذِي لَا يَكُون لَهُ فِيهِ الرَّجْعَة دُون ذِكْر الْبَيَان عَنْ الطَّلَاق لِلْعِدَّةِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : تِلْكَ مَعَالِم فُصُوله , بَيْن مَا أَحَلَّ لَكُمْ , وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس , فَلَا تَعْتَدُوا مَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنْ الْأُمُور الَّتِي بَيَّنَهَا وَفَصَّلَهَا لَكُمْ مِنْ الْحَلَال , إلَى مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ , فَتَجَاوَزُوا طَاعَته إلَى مَعْصِيَته . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي بَيَّنْت لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات الَّتِي مَضَتْ مِنْ نِكَاح الْمُشْرِكَات الْوَثَنِيَّات , وَإِنْكَاح الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمَات , وَإِتْيَان النِّسَاء فِي الْمَحِيض , وَمَا قَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَات الْمَاضِيَة قَبْل قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه } مِمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ , وَمَا أَمَرَ وَنَهَى . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي بَيَّنْت لَكُمْ حَلَالهَا مِنْ حَرَامهَا حُدُودِي , يَعْنِي بِهِ : مَعَالِم فُصُول مَا بَيْن طَاعَتِي وَمَعْصِيَتِي فَلَا تَعْتَدُوهَا ; يَقُول : فَلَا تَتَجَاوَزُوا مَا أَحَلَلْته لَكُمْ إلَى مَا حَرَّمْته عَلَيْكُمْ , وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ إلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَلَا طَاعَتِي إلَى مَعْصِيَتِي , فَإِنَّ مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ - يَعْنِي مَنْ تَخَطَّاهُ وَتَجَاوَزَهُ - إلَى مَا حَرَّمْت عَلَيْهِ أَوْ نَهَيْته , فَإِنَّهُ هُوَ الظَّالِم , وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فَعَلَهُ , وَوَضَعَ الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الظُّلْم وَأَصْله بِشَوَاهِدِهِ الدَّالَّة عَلَى مَعْنَاهُ , فَكَرِهْنَا إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل وَإِنْ خَالَفَتْ أَلْفَاظ تَأْوِيلهمْ أَلْفَاظ تَأْوِيلنَا , غَيْر أَنَّ مَعْنَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ [ يَرْجِع ] إلَى مَعْنَى مَا قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3854 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَعْنِي بِالْحُدُودِ : الطَّاعَة . 3855 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { تِلْكَ حُدُود اللَّه فَلَا تَعْتَدُوهَا } يَقُول : مَنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ الْعِدَّة فَقَدْ اعْتَدَى وَظَلَمَ نَفْسه , وَمِنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه , فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ الضَّحَّاك لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلطَّلَاقِ فِي الْعِدَّة ذِكْر , فَيُقَال : تِلْكَ حُدُود اللَّه , وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْر الْعَدَد الَّذِي يَكُون لِلْمُطَلِّقِ فِيهِ الرَّجْعَة , وَاَلَّذِي لَا يَكُون لَهُ فِيهِ الرَّجْعَة دُون ذِكْر الْبَيَان عَنْ الطَّلَاق لِلْعِدَّةِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { الطلاق مرتان} ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة، وكان هذا في أول الإسلام برهة، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت : وكيف؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك. فشكت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، ونسخ ما كانوا عليه. قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم : (المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، وإما أمسكها محسنا عشرتها، والآية تتضمن هذين المعنيين). الثانية: الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه السلام في حديث ابن عمر : (فإن شاء أمسك وإن شاء طلق) وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها، خرجه ابن ماجة. وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلق للسنة، وللعدة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب. فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ابن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت. الثالثة: روى الدارقطني حدثني أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه). حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمي معروفا! قلت : هو جدي! قال يزيد : سررتني، الآن صار حديثا!. قال ابن المنذر : وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي، وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة. قال : وبالقول الأول أقول. الرابعة: قوله تعالى { فإمساك بمعروف} ابتداء، والخبر أمثل أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف، أي فعليكم إمساك بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن { فإمساكا} على المصدر. ومعنى { بإحسان} أي لا يظلمها شيئا من حقها، ولا يتعدى في قول. والإمساك : خلاف الإطلاق. والتسريح : إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر، ليخلص البعض من البعض. وسرح الماشية : أرسلها. والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما : تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية: وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدي والضحاك. والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها، هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصح لوجوه ثلاثة : أحدها : ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله، قال الله تعالى { الطلاق مرتان} فلم صار ثلاثا؟ قال : (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - في رواية - هي الثالثة). ذكره ابن المنذر. الثاني : إن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرئ "إن عزموا السراح". الثالثة : أن فعل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، قال أبو عمر : وأجمع العلماء على أن قوله تعالى { أو تسريح بإحسان} هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة : 230]. وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله. وقد روي من أخبار العدول مثل ذلك أيضا : حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فأين الثالثة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). ورواه الثوري وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مثله. قلت : وذكر الكيا الطبري هذا الخبر وقال : إنه غير ثابت من جهة النقل، ورجح قول الضحاك والسدي، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة : 230]. فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج، فوجب حمل قوله { أو تسريح بإحسان} على فائدة مجددة، وهو وقوع البينونة بالاثنتين عند انقضاء العدة، وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله { أو تسريح بإحسان} هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم بقوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} . فوجب ألا يكون معنى قوله { أو تسريح بإحسان} الثالثة، ولو كان قوله { أو تسريح بإحسان} بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك { فإن طلقها} الرابعة، لأن الفاء للتعقيب، وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره، فثبت بذلك أن قوله تعالى { أو تسريح بإحسان} هو تركها حتى تنقضي عدتها. الخامسة: ترجم البخاري على هذه الآية "باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} " وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم، فمن ضيق على نفسه لزمه. قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطأة. وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء، وهو قول مقاتل. ويحكى عن داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن الحجاج بن أرطأة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا. ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات، فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة : 228]. وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه، وقد تقدم. وقال { الطلاق مرتان} والثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} . ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم، إذ هو غير مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ثلاثة : أحدها : حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة. وثانيها : حديث ابن عمر على رواية من روى (أنه طلق امرأته ثلاثا، وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة). وثالثها : (أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها، والرجعة تقتضي وقوع واحدة). والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش رووا عن ابن عباس (فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج)، وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. قال ابن عبد البر : ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب، وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. قال القاضي أبو الوليد الباجي: وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة، فقد روى عنه الأئمة : معمر وابن جريج وغيرهما، وابن طاوس إمام. والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم). ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك في أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه (أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة)، فإن كان هذا معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه، أصل ذلك إذا أوقعه مفردا. قلت : ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث، أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم، معناه ألزمهم حكمها. وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فقال لي : أتعرف ابن عمر؟ قلت : نعم، قال : طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فقال الدارقطني : كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبيد الله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع : أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبي والحسن. وأما حديث ركانة فقيل : إنه حديث مضطرب منقطع، لا يستند من وجه يحتج به، رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيهم من يحتج به، عن عكرمة عن ابن عباس. وقال فيه : إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أرجعها). وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها؟ فحلف ما أراد إلا واحدة، فردها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل، ولا يحتج بشيء من مثل هذا. قلت : قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه، قال في بعضها: حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داود السجستاني حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وآخرون قالوا : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي حدثني عمي محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال : والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والله ما أردت إلا واحدة)؟ فقال ركانة : والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود : هذا حديث صحيح. فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا، وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله، والله أعلم. وقال أبو عمر : رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول، فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة، كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. فصل : ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي هذه المسألة في وثائقه فقال : الطلاق، ينقسم على ضربين : طلاق سنة، وطلاق بدعة. فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة نقيضه، وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمه واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق، فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود : (يلزمه طلقة واحدة)، وقاله ابن عباس، وقال : (قوله ثلاثا لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبرا عما مضى فيقول : طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال : قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح، ولو قرأها مره واحدة فقال : قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا. وكذلك لو حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف فقال : أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله). وقال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف. وروينا ذلك كله عن ابن وضاح، وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسني فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم. وكان من حجة ابن عباس أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز اسمه { الطلاق مرتان} يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة. ومعنى قوله { أو تسريح بإحسان} يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفي ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما، قال الله تعالى { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق : 1] يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة، وموقع الثلاث غير حسن، لأن فيه ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها، فذكر الله سبحانه الطلاق مفرقا يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، وقد يخرج بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك، من ذلك قول الإنسان : مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك. وفي الإشراف لابن المنذر : وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون : من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة. قلت : وربما اعتلوا فقالوا : غير المدخول بها لا عدة عليها، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله : أنت طالق، فيرد { ثلاثا} عليها وهى بائن فلا يؤثر شيئا، ولأن قوله : أنت طالق مستقل بنفسه، فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد بعده، أصله إذا قال : أنت طالق. السادسة: استدل الشافعي بقوله تعالى { أو تسريح بإحسان} وقوله { وسرحوهن} [الأحزاب : 49] على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه، مثل أن يقول : أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق له لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن : صريح ألفاظ الطلاق كثيرة، وبعضها أبين من بعض : الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية. وقال الشافعي : الصريح ثلاثة ألفاظ، وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق، قال الله تعالى { أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق : 2] وقال { أو تسريح بإحسان} وقال { فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق : 1]. قلت : وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين : صريح وكناية، فالصريح ما ذكرنا، والكناية ما عداه، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية، بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجة لمن قال : إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في الطلاق حتى عرفت به، فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق، كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله. ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال: (لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، فمن قال : البتة، فقد رمى الغاية القصوى) أخرجه مالك. وقد روى الدارقطني عن علي قال : (الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن البتة ثلاث)، من طريق فيه لين، خرجه الدارقطني. وسيأتي عند قوله تعالى { ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة : 231] إن شاء الله تعالى. السابعة: لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته : قد طلقتك، إنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها، فمن قال لامرأته : أنت طالق فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر من ذلك. فإن نوى اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه، فإن لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة. ولو قال : أنت طالق، وقال : أردت من وثاق لم يقبل قوله ولزمه، إلا أن يكون هناك ما يدل على صدقه. ومن، قال : أنت طالق واحدة، لا رجعة لي عليك فقوله { لا رجعة لي عليك} باطل، وله الرجعة لقوله واحدة، لأن الواحدة لا تكون ثلاثا، فإن نوى بقوله { لا رجعة لي عليك} ثلاثا فهي ثلاث عند مالك. واختلفوا فيمن قال لامرأته : قد فارقتك، أو سرحتك، أو أنت خلية، أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو أنت علي حرام، أو الحقي بأهلك، أو قد وهبتك لأهلك، أو قد خليت سبيلك، أو لا سبيل لي عليك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : هو طلاق بائن، وروى عن ابن مسعود وقال : (إذا قال الرجل لامرأته استقلي بأمرك، أو أمرك لك، أو الحقي بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة). وروي عن مالك فيمن قال لامرأته : قد فارقتك، أو سرحتك، أنه من صريح الطلاق، كقوله : أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها، ويسأل ما أراد من العدد، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها. قال ابن المواز : وأصح قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة، إلا أن ينوي أكثر، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم. وقال أبو يوسف : هي ثلاث، ومثله خلعتك، أو لا ملك لي عليك. وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوى فيها قائلها، وينوى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب، لأنه لا يخلي المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات. والتي لم يدخل بها يخليها ويبريها ويبينها الواحدة. وقد روى مالك وطائفة من أصحابه، وهو قول جماعة من أهل المدينة، أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. وقد روي عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : له نيته في ذلك كله، فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحده بائنة وهي أحق بنفسها. وإن نوى اثنتين فهي واحدة. وقال زفر : إن نوى اثنتين فهي اثنتان. وقال الشافعي : هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول : أردت بمخرج الكلام مني طلاقا فيكون ما نوى. فإن نوى دون الثلاث كان رجعيا، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية. وقال إسحاق : كل كلام يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته. وروي عن ابن مسعود (أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا في خلع أو إيلاء) وهو المحفوظ عنه، قال أبو عبيد. وقد ترجم البخاري "باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته". وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله : "أو ما عنى به من الطلاق" والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم : إنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين. قال أبو عمر : واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته : اعتدِّي، أو قد خليتك، أو حبلك على غاربك، فقال مرة : لا ينوي فيها وهي ثلاث. وقال مرة : ينوي فيها كلها، في المدخول بها وغير المدخول بها، وبه أقول. قلت : ما ذهب إليه الجمهور، وما روى عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح، لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود وابن ماجة والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال : (الله ما أردت إلا واحدة)؟ فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن ماجة : سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول : ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل يقول لامرأته : أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير : أراها البتة وإن لم تكن له نية، فلا تحل إلا بعد زوج. وفي قول الشافعي : إن أراد طلاقا فهو طلاق، وما أراد من عدد الطلاق، وإن لم يرد طلاقا فليس بشيء بعد أن يحلف. وقال أبو عمر : أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - للتي تزوجها حين قالت : أعوذ بالله منك - : (قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك). فكان ذلك طلاقا. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها : الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا، فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية، وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق، فأكثر العلماء لا يوقعون بشيء منها طلاقا وإن قصده القائل. وقال مالك : كل من أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق حتى بقوله كلي واشربي وقومي واقعدي، ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه. قوله تعالى { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن يقيما حدود الله } قوله تعالى { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} { أن} في موضع رفع بـ { يحل} والآية خطاب للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم، لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا، فلذلك خص بالذكر. وقد قيل : إن قوله { ولا يحل} فصل معترض بين قوله تعالى { الطلاق مرتان} وبين قوله { فإن طلقها} . الثانية: والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز. وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها. وحكى ابن المنذر عن النعمان أنه قال : إذا جاء الظلم والنشوز من قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم، لا يحل له ما صنع، ولا يجبر على رد ما أخذه. قال ابن المنذر : وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لأحد : اجهد نفسك في طلب الخطأ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف نصا، فيقول : بل يجوز ذلك : ولا يجبر على رد ما أخذ. قال أبو الحسن بن بطال : وروى ابن القاسم عن مالك مثله. وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله تعالى، وخلاف حديث امرأة ثابت، وسيأتي. الثالثة: قوله تعالى { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} حرم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد. والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. والخطاب للزوجين. والضمير في { أن يخافا} لهما، و { ألا يقيما} مفعول به. و { خفت} يتعدى إلى مفعول واحد. ثم قيل : هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله، وهو من الخوف الحقيقي، وهو الإشفاق من وقوع المكروه، وهو قريب من معنى الظن. ثم قيل { إلا أن يخافا} استثناء منقطع، أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية. وقرأ حمزة "إلا أن يخافا" بضم الياء على ما لم يسم فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام، واختاره أبو عبيد. قال : لقوله عز وجل { فإن خفتم} قال : فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال : فإن خافا، وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان. قلت : وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين. وقال شعبة : قلت لقتادة : عمن أخذ الحسنُ: الخلع إلى السلطان؟ قال : عن زياد، وكان واليا لعمر وعلي. قال النحاس : وهذا معروف عن زياد، ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يجبره السلطان على ذلك، ولا معنى لقول من قال : هذا إلى السلطان. وقد أنكر اختياره أبي عبيد ورد، وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى. أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ { إلا أن يخافا} تخافوا، فهذا في العربية إذا رد إلى ما لم يسم فاعله قيل : إلا أن يخاف. وأما اللفظ فإن كان على لفظ { يخافا} وجب أن يقال : فإن خيف. وإن كان على لفظ { فإن خفتم} وجب أن يقال: إلا أن تخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال : لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا، إلا أن يخاف غيركم ولم يقل جل وعز : فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية، فيكون الخلع إلى السلطان. قال الطحاوي : وقد صح عن عمر وعثمان وابن عمر جوازه دون السلطان، وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع، وهو قول الجمهور من العلماء. الرابعة: قوله تعالى { فإن خفتم ألا يقيما} أي على أن لا يقيما. { حدود الله} أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة. والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما. وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء طاعتها إياه، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه : إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، حل الخلع. وقال الشعبي { ألا يقيما حدود الله} ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة. وقال عطاء بن أبي رباح : يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها : إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} . روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أتردين عليه حديقته)؟ قالت : نعم. وأخرجه ابن ماجة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : (أتردين عليه حديقته)؟ قالت : نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد. فيقال : إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام. روى عكرمة عن ابن عباس قال : أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها! فقال : (أتردين عليه حديقته)؟ قالت : نعم، وإن شاء زدته، ففرق بينهما. وهذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء. قال مالك : لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق علها ويضرها رد عليها ما أخذ منها. وقال عقبة بن أبي الصهباء : سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل تريد امرأته أن تخالعه فقال : لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت : فأين قول الله عز وجل في كتابه { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ؟ قال : نسخت. قلت : فأين جعلت؟ قال : في سورة النساء { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء : 20]. قال النحاس : هذا قول شاذ خارج عن الإجماع لشذوذه، وليست إحدى الآيتين دافعة للأخرى فيقع النسخ.، لأن قوله { فإن خفتم} الآية، ليست بمزالة بتلك الآية، لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج. في { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} لأن هذا للرجال خاصة. وقال الطبري : الآية محكمة، ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم. الخامسة: تمسك بهذه الآية من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر، وأنه شرط في الخلع، وعضد هذا بما رواه أبو داود عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نغضها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال : (خذ بعض مالها وفارقها). قال : ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال : (نعم). قال : فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (خذهما وفارقها) فأخذهما وفارقها. والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، كما دل عليه حديث البخاري وغيره. وأما الآية فلا حجة فيها، لأن الله عز وجل لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء : 4]. السادسة: لما قال الله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} دل على جواز الخلع بأكثرها مما أعطاها. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور : يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه. وروي هذا عن عثمان بن عفان وابن عمر وقبيصة والنخعي. واحتج قبيصة بقوله { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} . وقال مالك : ليس من مكارم الأخلاق، ولم أر أحدا من أهل العلم يكره ذلك. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أنه قال : كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (تردين عليه حديقته ويطلقك)؟ قالت : نعم، وأزيده. قال : (ردي عليه حديقته وزيديه). وفي حديث ابن عباس : (وإن شاء زدته ولم ينكر). وقالت طائفة : لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها، كذلك قال طاوس وعطاء والأوزاعي، قال الأوزاعي : كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق إليها، وبه قال أحمد وإسحاق. واحتجوا بما رواه ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أما الزيادة فلا ولكن حديقته)، فقالت : نعم. فأخذها له وخلى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال : قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعه أبو الزبير من غير واحد، أخرجه الدارقطني. وروي عن عطاء مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها). السابعة: الخلع عند مالك رضي الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها وعلى جمل شارد أو عبد آبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز، بخلاف البيوع والنكاح. وله المطالبة بذلك كله، فإن سلم كان له، وإن لم يسلم فلا شيء له، والطلاق نافذ على حكمه. وقال الشافعي : الخلع جائز وله مهر مثلها، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك قال : لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل. وقال أبو ثور : الخلع باطل. وقال أصحاب الرأي : الخلع جائز، وله ما في بطن الأمة، وإن لم يكن فيه ولد فلا شيء له. وقال في "المبسوط" عن ابن القاسم : يجوز بما يثمره نخله العام، وما تلد غنمه العام خلافا لأبي حنيفة والشافعي، والحجة لما ذهب إليه مالك وابن القاسم عموم قوله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} . ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية، فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم، وأيضا فإن الخلع طلاق، والطلاق يصح بغير عوض أصلا، فإذا صح على غير شيء فلأن يصح بفاسد العوض أولى، لأن أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه. ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولي. الثامنة: ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز. وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان : أحدهما : يجوز، وهو قول المخزومي، واختاره سحنون. والثاني : لا يجوز، رواه ابن القاسم عن مالك، وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة. قال أبو عمر : من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا. وقال غيره من القرويين : لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب، فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم، لأنها محل لها. وقد احتج مالك في "المبسوط" على هذا بقوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة : 233]. التاسعة: فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة، فروى ابن المواز عن مالك : لا يتبعها بشيء، وروى عنه أبو الفرج : يتبعها، لأنه حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي، كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها، ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله، وإنما اشترط كفاية مؤونة ولده، فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء، كما لو تطوع رجل بالإنفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشيء، لأنه إنما قصد بتطوعه تحمل مؤونته، والله أعلم. قال مالك : لم أر أحدا يتبع بمثل هذا، ولو اتبعه لكان له في ذلك قول. واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها، لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها. العاشرة: ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهي لا شيء لها فعليه النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه، وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه منها. قال مالك : ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. الحادية عشرة: واختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ، فروي عن عثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من التابعين : هو طلاق، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة : وأصحابه والشافعي في أحد قوليه. فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند مالك. وقال أصحاب الرأي : إن نوى الزوج ثلاثا كان ثلاثا، وإن نوى اثنتين فهو واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة. وقال الشافعي في أحد قوليه : إن نوى بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق، وإن لم ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة، قاله في القديم. وقوله الأول أحب إلي. المزني : وهو الأصح عندهم. وقال أبو ثور : إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق، وإن سمى تطليقة فهي تطليقة، والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة. وممن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد. واحتجوا بالحديث عن ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس (أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ قال : نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق)، ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء ثم قال { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة : 229]. ثم قرأ { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة : 230]. قالوا : ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثا، وكان قوله { فإن طلقها} بعد ذلك دالا على الطلاق الرابع، فكان يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات. واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن ابن عباس :‏ أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة‏)‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن غريب‏.‏ وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة‏)‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة‏.‏ قالوا‏:‏ فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق، وذلك أن الله تعالى قال‏ { ‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏} [‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد‏.‏ قلت‏:‏ فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك - كما قال ابن عباس - وإن لم تنكح زوجا غيره، لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغو‏.‏ ومن جعل الخلع طلاقا قال‏:‏ لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره، لأنه بالخلع كملت الثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى‏.‏ قال القاضي إسماعيل بن إسحاق‏:‏ كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته‏:‏ طلقني على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقا‏!‏‏.‏ قال وأما قوله تعالى‏ { ‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره‏} ‏ فهو معطوف‏.‏ على قوله تعالى‏ { ‏الطلاق مرتان‏} ‏، لأن قوله‏ { ‏أو تسريح بإحسان‏} ‏ إنما يعني به أو تطليق‏.‏ فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد‏.‏ وقال غيره‏:‏ ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله‏ { ‏الطلاق مرتان‏} ‏ أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله‏ { ‏فإمساك بمعروف‏} ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما، إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض، والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج‏.‏ قلت‏:‏ هذا الجواب عن الآية، وأما الحديث فقال أبو داود - لما ذكر حديث ابن عباس في الحيضة - ‏:‏ هذا الحديث رواه عبدالرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا‏.‏ وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ عدة المختلعة عدة المطلقة‏.‏ قال أبو داود‏:‏ والعمل عندنا على هذا‏.‏ قلت‏:‏ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأهل الكوفة‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم‏.‏ قلت‏:‏ وحديث ابن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذي، وإرساله كما ذكر أبو داود فقد قيل فيه‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ونصفا، أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها ‏(‏فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ونصفا‏)‏‏.‏ والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة، وهو هشام بن يوسف أبو عبدالرحمن الصنعاني اليماني‏:‏ خرج له البخاري وحده فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن، فسقط الاحتجاج به في أن الخلع فسخ، وفي أن عدة المطلقة حيضة، وبقي قوله تعالى ‏ { ‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏} ‏ نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما خص منها كما تقدم‏.‏ قال الترمذي‏: "‏وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ عدة المختلعة حيضة، قال إسحاق‏:‏ وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي‏"‏ قال ابن المنذر‏:‏ قال عثمان بن عفان وابن عمر‏:‏ ‏(‏عدتها حيضة‏)‏، وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق‏.‏ وقال علي بن أبي طالب‏:‏ ‏(‏عدتها عدة المطلقة‏)‏، وبقول عثمان وابن عمر أقول، ولا يثبت حديث علي‏.‏ قلت‏:‏ قد ذكرنا عن ابن عمر أنه قال‏:‏ ‏(‏عدة المختلعة عدة المطلقة‏)‏، وهو صحيح‏.‏ واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض، فقال عبدالوهاب‏:‏ هو خلع عند مالك، وكان الطلاق بائنا‏.‏ وقيل عنه‏:‏ لا يكون بائنا إلا بوجود العوض، قاله أشهب والشافعي، لأنه طلاق عري عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق قال ابن عبدالبر‏:‏ وهذا أصح قوليه عندي وعند أهل العلم في النظر‏.‏ ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه عن مقتضاه، أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير‏.‏ المختلعة هي التي تختلع من كل الذي لها‏.‏ والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه‏.‏ والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول‏:‏ قد أبرأتك فبارئني، هذا هو قول مالك‏.‏ وروى عيسى بن دينار عن مالك‏:‏ المبارئة هي التي لا تأخذ شيئا ولا تعطي، والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه، وهذا كله يكون قبل الدخول وبعده، فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه، والمصالحة مثل المبارئة‏.‏ قال القاضي أبو محمد وغيره‏:‏ هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع، وهي طلقة بائنة سماها أو لم يسمها، لا رجعة له في العدة، وله نكاحها في العدة‏.‏ وبعدها برضاها بولي وصداق وقبل زوج وبعده، خلافا لأبي ثور، لأنها إنما أعطته العوض لتملك نفسها، ولو كان طلاق الخلع رجعيا لن تملك نفسها، فكان يجتمع للزوج العوض والمعوض عنه‏.‏ وهذا مع إطلاق العقد نافذ، فلو بذلت له العوض وشرط الرجعة، ففيها روايتان رواهما ابن وهب عن مالك‏:‏ إحداهما ثبوتها، وبها قال سحنون‏.‏ والأخرى نفيها‏.‏ قال سحنون‏:‏ وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق، وهذا جائز‏.‏ ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك، كما لو شرط في عقد النكاح‏:‏ أني لا أطأها‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏تلك حدود الله فلا تعتدوها‏} ‏ لما بين تعالى أحكام النكاح والفراق قال‏ { ‏تلك حدود الله‏} ‏ التي أمرت بامتثالها، كما بين تحريمات الصوم في آية أخرى فقال‏ { ‏تلك حدود الله فلا تقربوها‏} [‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ فقسم الحدود قسمين، منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود النهي بالاجتناب، ثم أخبر تعالى فقال‏ { ‏ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون‏} .‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 226 - 229


سورة البقرة الايات 229 - 234

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق بعد أن تحدث عن المطلقة في عدتها وكيفية ردها ومراجعتها، وإنه سبحانه يتحدث عن الطلاق في حد ذاته. والطلاق مأخوذ من الانطلاق والتحرر، فكأنه حل عقدة كانت موجودة وهي عقدة النكاح. وعقدة النكاح هي العقدة التي جعلها الله عقداً مغلظاً وهي الميثاق الغليظ، فقال تعالى:
{  وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }
[النساء: 21]

إنه ميثاق غليظ لأنه أباح للزوجين عورات الآخر، في حين أنه لم يقل عن الإيمان إنه ميثاق غليظ، قال عنه: " ميثاق " فقط، فكأن ميثاق الزواج أغلظ من ميثاق الإيمان. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في الناس حل المشكلات بأيسر الطرق. لذلك شرع لنا أن نحل عقدة النكاح، ونهاية العقدة ليست كبدايتها، ليست جذرية، فبداية النكاح كانت أمراً جذريا، أخذناه بإيجاب وقبول وشهود وأنت حين تدخل في الأمر تدخله وأنت دارس لتبعاته وظروفه، لكن الأمر في عملية الطلاق يختلف؛ فالرجل لا يملك أغمار نفسه، فربما يكون السبب فيها هيناً أو لشيء كان يمكن أن يمر بغير الطلاق؛ فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل للناس أناة وروية في حل العقدة فقال: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } يعني مرة ومرة، ولقائل أن يقول: كيف يكون مرتين، ونحن نقول ثلاثة؟ وقد سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله قال الله تعالى: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } فلم صار ثلاثاً؟

فقال صلى الله عليه وسلم مبتسماً: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ }. فكأن معنى { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } ، أي أن لك في مجال اختيارك طلقتين للمرأة، إنما الثالثة ليست لك، لماذا؟ لأنها من بعد ذلك ستكون هناك بينونة كبرى ولن تصبح مسألة عودتها إليك من حقك، وإنما هذه المرأة قد أصبحت من حق رجل آخر..
{  حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ }
[البقرة: 230]

أما قول الرجل لزوجته أنت " طالق ثلاثاً " يُعتبر ثلاث طلقات أم لا؟ نقول: إن الزمن شرط أساسي في وقوع الطلاق، يطلق الرجل زوجته مرة، ثم تمضي فترة من الزمن، ويطلقها مرة أخرى فتصبح طلقة ثانية، وتمضي أيضا فترة من الزمن وبعد ذلك نصل لقوله: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } ولذلك فالآية نصها واضح وصريح في أن الطلاق بالثلاث في لفظ واحد لا يوقع ثلاث طلقات، وإنما هي طلقة واحدة، صحيح أن سيدنا عمر رضي الله عنه جعلها ثلاث طلقات؛ لأن الناس استسهلوا المسألة، فرأى أن يشدد عليهم ليكفوا، لكنهم لم يكفوا، وبذلك نعود لأصل التشريع كما جاء في القرآن وهو { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ }.

وحكمة توزيع الطلاق على المرات الثلاث لا في العبارة الواحدة، أن الحق سبحانه يعطي فرصة للتراجع. وإعطاء الفرصة لا يأتي في نفس واحد وفي جلسة واحدة.إن الرجل الذي يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثاً لم يأخذ الفرصة ليراجع نفسه ولو اعتبرنا قولته هذه ثلاث طلقات لتهدمت الحياة الزوجية بكلمة. ولكن عظمة التشريع في أن الحق سبحانه وزع الطلاق على مرات حتى يراجع الإنسان نفسه، فربما أخطأ في المرة الأولى، فيمسك في المرة الثانية ويندم. وساعة تجد التشريع يوزع أمراً يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث، فلا بد من وجود فاصل زمني بين كل مرة. وبعض المتشدقين يريدون أن يبرروا للناس تهجمهم على منهج الله فيقولون: إن الله حكم بأن تعدد الزوجات لا يمكن أن يتم فقال:
{  وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ }
[النساء: 129]

ويقولون: إنّ الله اشترط في التعدد العدل، ثم حكم بأننا لن نستطيع أن نعدل بين الزوجات مهما حرصنا، فكأنه رجع في التشريع، هذا منطقهم. ونقول لهم: أكملوا قراءة الآية تفهموا المعنى، إن الحق يقول: { وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } ثم فرع على النفي فقال:
{  فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ }
[النساء: 129]

وما دام النفي قد فُرِّع عليه فقد انتفى، فالأمر كما يقولون: نفي النفي إثبات. أن الاستطاعة ثابتة وباقية وكان قوله تعالى: { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } إشارة إليها. وكذلك الأمر هنا { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ }. فما دام قد قال: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وقال: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } أي أن لكل فعل زمناً، فذلك يتناسب مع حلقات التأديب والتهذيب، وإلا فالطلاق الثلاث بكلمة واحدة في زمن واحد، يكون عملية قسرية واحدة، وليس فيها تأديب أو إصلاح أو تهذيب، وفي هذه المسألة يقول الحق: { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } لأن المفروض في الزوج أن يدفع المهر نظير استمتاعه بالبضع، فإذا ما حدث الطلاق لا يحل للمطلق أن يأخذ من مهره شيئاً، لكن الحق استثنى في المسألة فقال: { إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ }.

فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يجعل للمرأة مخرجاً إن أريد بها الضرر وهي لا تقبل هذا الضرر. فيأتي الحق ويشرع: وما دام قد خافا ألا يقيما حدود الله، فقد أذن لها أن افتدي نفسك أيتها المرأة بشيء من مال، ويكره أن يزيد على المهر إلا إذا كان ذلك ناشئا عن نشوز منها ومخالفة للزوج فلا كراهة إذن في الزيادة على المهر.

وقد جاء الواقع مطابقاً لما شرع الله عندما وقعت حادثة " جميلة " أخت " عبد الله ابن أبي " حينما كانت زوجة لعبد الله بن قيس، فقد ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: " أنا لا أتهمه في دينه ولا خلقه ولكن لا أحب الكفر في الإسلام " وهي تقصد أنها عاشت معه وهي تبغضه، لذلك لن تؤدي حقه وذلك هو كفر العشير أي إنكار حق الزوج وترك طاعته.وهي قد قالت: إنها لا تتهمه لا في دينه ولا في خلقه لتعبر بذلك عن معانٍ عاطفية أخرى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم منها ذلك، فقالت: لقد رفعت الخباء فوجدته في عدة رجال فرأيته أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فقال لها صلى الله عليه وسلم: " " أتردين حديقته "؟ فقالت: وإن شاء زدته، فقال صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا بالزيادة، ولكن ردي عليه حديقته ".

ويُسمى هذا الأمر بالخلع، أي أن تخلع المرأة نفسها من زوجها الذي تخاف ألا تؤدي له حقاً من حقوق الزوجية، إنها تخلع نفسها منه بمال حتى لا يصيبه ضرر، فقد يريد أن يتزوج بأخرى وهو محتاج إلى ما قدم من مهر لمن تريد أن تخلع نفسها منه. ويتابع الحق سبحانه: { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } وهذا الشيء هو الذي قال عنه الله في مكان آخر:
{  وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }
[النساء: 20]

ويتابع الحق الآية بقوله: { إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } والمقصود هنا هما الزوجان، ومن بعد ذلك تأتي مسئولية أولياء أمر الزوجين والمجتمع الذي يهمه أمرهما في قوله: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }.

وحدود الله هي ما شرعه الله لعباده حداً مانعاً بين الحل والحرمة. وحدود الله إما أن ترد بعد المناهي، وإما أن ترد بعد الأوامر، فإن وردت بعد الأوامر فإنه يقول: { تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } أي آخر غايتكم هنا، ولا تتعدوا الحد، ولكن إن جاءت بعد النواهي يقول: { تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } ، لأن الحق يريد أن يمنع النفس من تأثير المحرمات على النفس، فتلح عليها أن تفعل، فإن كنت بعيداً عنها فالأفضل أن تظل بعيداً.

وانظر جيداً فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ".

وما دامت الحدود تشمل مناهي الله وتشمل أوامر الله فكل شيء مأمور به وكل شيء منهي عنه يجب أن يظل في مجاله من الفعل في " افعل " ومن النهي في " لا تفعل ". وإذا انتقل نظام (افعل) إلى دائرة (لا تفعل) وانتقل ما يدخل في دائرة " لا تفعل " إلى دائرة " افعل " ، هنا يختل نظام الكون، وما دام نظام الكون أصابه الخلل فقد حدث الظلم؛ فالظلم هو أن تنقل حق إنسان وتعطيه لإنسان آخر، وتشريع الطلاق حد من حدود الله، فإن حاولت أن تأتي بأمر لا يناسب ما أمر الله به في تنظيم اجتماعي فقد نقلت المأمور به إلى حيز المنهي عنه، وبذلك تُحْدِثُ ظلماً.والحق سبحانه وتعالى حينما يعالج قضايا المجتمع يعالجها علاجاً يمنع وقوع المجتمع في الأمراض والآفات، والبشر إن أحسنا الظن بهم في أنهم يشرعون للخير وللمصلحة، فهم يشرعون على قدر علمهم بالأشياء، لكننا لا نأمن أن يجهلوا شيئاً يحدث ولا يعرفوه، فهم شرّعوا لِمَا عرفوا، وإذا شرعوا لما عرفوا وفوجئوا بأشياء لم يعرفوها ماذا يكون الموقف؟ إن كانوا مخلصين بحق داسوا على كبرياء غرورهم التشريعي وقالوا: نُعَدِّل ما شرعنا، وإن ظلوا في غلوائهم فمن الذي يشقى؟ إن المجتمع هو الذي يشقى بعنادهم.

والحق سبحانه وتعالى لا يتهم الناس جميعاً في أن منهم من لا يريد الخير، ولكن هناك فرق بين أن تريد خيراً وألا تقدر على الخير. أنت شرعت على قدر قدرتك وعلمك. ونعرف جميعاً أن شقاء التجارب في القوانين الاجتماعية النظرية تقع على المجتمع.

ونعرف جيداً أن هناك فرقاً بين العلم التجريبي المعملي والكلام النظري الأهوائي؛ فالعلم التجريبي يشقى به صاحب التجربة، إن العَالِم يكد ويتعب في معمله وهو الذي يشقى ويضحي بوقته وبماله وبصحته ويعيش في ذهول عن كل شيء إلا تجربته التي هو بصددها، فإذا ما انتهى إلى قضية اكتشافية فالذي يسعد باكتشافه هو المجتمع. لكن الأمر يختلف في الأشياء النظرية؛ لأن الذي يشقى بأخطاء المقننين من البشر هو المجتمع، إلى أن يجيء مقنن يعطف على المجتمع ويعدل خطأ من سبقه.

أما الحق سبحانه وتعالى فقد جاءنا بتشريع يحمي البشر من الشقاء، فالله ـ سبحانه ـ يتركنا في العالم المادي التجريبي أحراراً. ادخلوا المعمل وستنتهون إلى أشياء قد تتفقون عليها، لكن إياكم واختلافات الأهواء؛ لذلك تولى الله عز وجل تشريع ما تختلف فيه الأهواء، حتى يضمن أن المجتمع لا يشقى بالخطأ من المشرعين، لفترة من الزمن إلى أن يجيء مشرع آخر ويعدل للناس ما أخطأ فيه غيره.

لذلك نجد في عالمنا المعاصر الكثير من القضايا النابعة من الهوى، ويتمسك الناس فيها بأهوائهم، ثم تضغط عليهم الأحداث ضغطا لا يستطيعون بعدها أن يضعوا رءوسهم في الرمال، بل لابد أن يواجهوها، فإذا ما واجهوها فإنهم لا يجدون حلاً لها إلا بما شرعه الإسلام، ونجد أنهم التقوا مع تشريعات الإسلام.

إن بعضاً من الكارهين للإسلام يقولون: أنتم تقولون عن دينكم: إنه جاء ليظهر على كل الأديان، مرة يقول القرآن:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }
[الفتح: 28]

ومرة يقول القرآن:
{  يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }
[الصف: 8-9]

ويستمر هؤلاء الكارهون للإسلام في قولهم ويضيفون: إن إسلامكم ليظهر على الدين كله حتى الآن بدليل أن هناك الملايين لم يدخلوا الإسلام؟ ونقول لهم: أو يظهر على الدين كله بأن يؤمن الناس بالإسلام جميعاً، لا، لو فطنوا على قول الله: { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } لعلموا أن إظهار الإسلام على الدين لابد أن يلازمه وجود كافرين كارهين، وما دام الإسلام موجوداً مع كافرين كارهين، فهو لن يظهر كدين، ولكنه يظهر عليهم ـ أي يغلبهم ـ كنظام يضطرون إليه ليحلوا مشكلات مجتمعاتهم الكافرة، فسيأخذون من أنظمة وقوانين الإسلام وهم كارهون، ولذلك نجدهم يستقون قوانينهم وإصلاحاتهم الاجتماعية من تعاليم الإسلام.

ولو كانوا سيأخذونه كدين لما قال الحق: { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } أو { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } لأنهم عندما يعتنقونه كدين فلن يبقى كاره أو مشرك. لكن حين يقول سبحانه: { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } و { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } فذلك يعني: أن اطمئنوا يا من آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخذتم الإسلام ديناً، إن تجارب الحياة ستأتي لتثبت لدى الجاحدين صدق دينكم، وصدق الله في تقنينه لكم، وسيضطر الكافرون والمشركون إلى كثير من قضايا إسلامكم ليأخذوها كنظام يحلون بها مشاكلهم رغم عنادهم وإصرارهم على أن يكونوا ضد الإسلام.

وضربنا على ذلك مثلاً بما حدث في إيطاليا التي بها الفاتيكان قبلة الكاثوليك الروحية؛ فقد اضطروا لأن يشرعوا قوانين تبيح الطلاق، وحدث مثل ذلك في أسبانيا وغيرها من الدول. انظر كيف تراجعوا في مبادئ كانوا يعيبونها على الإسلام! لقد اضطرتهم ظروف الحياة لأن يقننوا إباحة الطلاق تقنيناً بشرياً لا بتقنين إلهي. ومثل هذه الأحداث تبين لنا مدى ثقتنا في ديننا، وأن مشكلات البشرية في بلاد الكفر والشرك لن يحلها إلا الإسلام، فإن لم يأخذوه كدين فسيضطرون إلى أخذه كنظام.

ومن شرف الإسلام ألا يأخذوه كدين؛ لأنهم لو آمنوا به لكانت أفعالهم وقوانينهم تطبيقا للإسلام من قوم مسلمين، ولكن أن يظلوا كارهين للإسلام ثم يأخذوا من مبادئ الدين الذي يكرهونه ما يصلح مجتمعاتهم الفاسدة فذلك الفخر الأكبر للإسلام. إن هذا هو مفهوم قول الحق: { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ } و { وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } وإذا ما جاء لك أحد في هذه المسألة فقل: من شرف الإسلام أن يظل في الدنيا مشرك، وأن يظل في الدنيا هؤلاء الكفار ثم يرغموا ليحلوا مسائل مجتمعاتهم بقضايا الإسلام، والإسلام يفخر بأنه سبقهم منذ أربعة عشر قرناً إلى ما يلهثون وراءه الآن بعد مضي كل هذا الزمن. ويقول الحق بعد ذلك: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} الآية. [229].
أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، حدَّثنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه:
كان الرجل إذا طلّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارَفَتْ انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إليّ ولا تحلين أبداً. فأنزل الله عز وجل: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} .
أخبرنا أبو بكر التَّمِيمِي، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان [الأَبْهَري] حدَّثنا محمد بن إبراهيم الحَزَوَّرِي، حدَّثنا محمد بن سليمان، حدَّثنا يَعْلَى المكيِّ مولى آل الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق. قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت فنزلت: { ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} .


www.alro7.net