سورة
اية:

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية. [215].
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في عَمْرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية.
وقال في رواية عطاء: نزلت [هذه] الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ديناراً، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: إن لي دينارين، فقال: انفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، فقال: أنفقها على خادمك، فقال: إن لي أربعة، فقال: أنفقها على والديك، فقال: إن لي خمسة، فقال: أنفقها على قرابتك، فقال: إن لي ستة، فقال: أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها.

تفسير بن كثير

قال مقاتل: هذه الآية في نفقة التطوع، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد، فبيّن لهم تعالى ذلك، فقال: { قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي اصرفوها في هذه الوجوه، كما جاء في الحديث: (أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك) ثم قال تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن اللّه به عليم} أي مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن اللّه يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.

تفسير الجلالين

{ يسألونك } يا محمد { ماذا ينفقون } أي الذي ينفقونه والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخاً ذا مال فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفق وعلى من ينفق { قل } لهم { ما أنفقتم من خير } بيان لما شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: { فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } أي هم أولى به { وما تفعلوا من خير } إنفاق أو غيره { فإن الله به عليم } فمجاز عليه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَسْأَلك أَصْحَابك يَا مُحَمَّد , أَيّ شَيْء يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالهمْ فَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ , وَعَلَى مَنْ يُنْفِقُونَهُ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ ؟ فَقُلْ لَهُمْ : مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَأَنْفِقُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِهِ وَاجْعَلُوهُ لِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتكُمْ وَأَقْرَبِيكُمْ , وَلِلْيَتَامَى مِنْكُمْ وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل , فَإِنَّكُمْ مَا تَأْتُوا مِنْ خَيْر وَتَصْنَعُوهُ إلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم , وَهُوَ مُحْصِيه لَكُمْ حَتَّى يُوفِيكُمْ أُجُوركُمْ عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة , وَيُثِيبكُمْ عَلَى مَا أَطَعْتُمُوهُ بِإِحْسَانِكُمْ عَلَيْهِ . وَالْخَبَر الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر } هُوَ الْمَال الَّذِي سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه مِنْ النَّفَقَة مِنْهُ , فَأَجَابَهُمْ اللَّه عَنْهُ بِمَا أَجَابَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة . وَفِي قَوْله : { مَاذَا } وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون " مَاذَا " بِمَعْنَى أَيّ شَيْء , فَيَكُون نَصْبًا بِقَوْلِهِ : " يُنْفِقُونَ " , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَك أَيّ شَيْء يُنْفِقُونَ , وَلَا يُنْصَب ب " يَسْأَلُونَك " . وَالْآخَر مِنْهُمَا الرَّفْع . وَلِلرَّفْعِ فِي " ذَلِكَ " وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون " ذَا " الَّذِي مَعَ " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " , فَيُرْفَع " مَا " ب " ذَا " و " ذَا " ب " مَا " , و " يُنْفِقُونَ " مَنْ صِلَة " ذَا " , فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَصِل " ذَا " وَهَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَدَس مَا لِعِبَادِ عَلَيْك إمَارَة أَمِنْت وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيق ف " تَحْمِلِينَ " مِنْ صِلَة " هَذَا " , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَك مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ . وَالْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الرَّفْع أَنْ تَكُون " مَاذَا " بِمَعْنَى أَيّ شَيْء , فَيُرْفَع " مَاذَا " , وَإِنْ كَانَ قَوْله : { يُنْفِقُونَ } وَاقِعًا عَلَيْهِ , إذْ كَانَ الْعَامِل فِيهِ وَهُوَ " يُنْفِقُونَ " لَا يَصْلُح تَقْدِيمه قَبْله , وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَام لَا يَجُوز تَقْدِيم الْفِعْل فِيهِ قَبْل حَرْف الِاسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يُحَاوِل أَنَحْب فَيُقْضَى أَمْ ضَلَال وَبَاطِل وَكَمَا قَالَ الْآخَر : وَقَالُوا تَعْرِفهَا الْمَنَازِل مِنْ مِنًى وَمَا كُلّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِف فَرَفَعَ " كُلّ " وَلَمْ يَنْصِبهُ بِعَارِفٍ . إنْ كَانَ مَعْنَى قَوْله : " وَمَا كَانَ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِف " جُحُود مَعْرِفَة مَنْ يَغْشَى مِنًى , فَصَارَ فِي مَعْنَى مَا أَحَد . وَهَذِهِ الْآيَة [ نَزَلَتْ ] فِيمَا ذُكِرَ قَبْل أَنْ يَفْرِض اللَّه زَكَاة الْأَمْوَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3237 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَمْ تَكُنْ زَكَاة , وَإِنَّمَا هِيَ النَّفَقَة يُنْفِقهَا الرَّجُل عَلَى أَهْله وَالصَّدَقَة يَتَصَدَّق بِهَا فَنَسَخَتْهَا الزَّكَاة . 3238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : سَأَلَ الْمُؤْمِنُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالهمْ ؟ فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل } فَذَلِكَ النَّفَقَة فِي التَّطَوُّع وَالزَّكَاة سِوَى ذَلِكَ كُلّه . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : سَأَلُوا فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا . 3239 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , قَالَ : سَمِعْت ابْن أَبِي نَجِيح فِي قَوْل اللَّه : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ } قَالَ : سَأَلُوهُ فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا . 3240 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : وَسَأَلْته عَنْ قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : هَذَا مِنْ النَّوَافِل , قَالَ : يَقُول : هُمْ أَحَقّ بِفَضْلِك مِنْ غَيْرهمْ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة زَكَاة , وَإِنَّمَا كَانَتْ نَفَقَة يُنْفِقهَا الرَّجُل عَلَى أَهْله , وَصَدَقَة يَتَصَدَّق بِهَا , ثُمَّ نَسَخَتْهَا الزَّكَاة , قَوْل مُمْكِن أَنْ يَكُون , كَمَا قَالَ : وَمُمْكِن غَيْره . وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَ , لِأَنَّهُ مُمْكِن أَنْ يَكُون قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } الْآيَة , حَثًّا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى الْإِنْفَاق عَلَى مَنْ كَانَتْ نَفَقَته غَيْر وَاجِبَة مِنْ الْآبَاء وَالْأُمَّهَات وَالْأَقْرِبَاء , وَمِنْ سُمِّيَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , وَتَعْرِيفًا مِنْ اللَّه عِبَاده مَوَاضِع الْفَضْل الَّتِي تُصْرَف فِيهَا النَّفَقَات , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة } 2 177 وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ فِي قَوْل ابْن جُرَيْجٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُسْكَنَة , وَمَعْنَى ابْن السَّبِيل فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَسْأَلك أَصْحَابك يَا مُحَمَّد , أَيّ شَيْء يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالهمْ فَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ , وَعَلَى مَنْ يُنْفِقُونَهُ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ ؟ فَقُلْ لَهُمْ : مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ أَمْوَالكُمْ وَتَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَأَنْفِقُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِهِ وَاجْعَلُوهُ لِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتكُمْ وَأَقْرَبِيكُمْ , وَلِلْيَتَامَى مِنْكُمْ وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل , فَإِنَّكُمْ مَا تَأْتُوا مِنْ خَيْر وَتَصْنَعُوهُ إلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّه بِهِ عَلِيم , وَهُوَ مُحْصِيه لَكُمْ حَتَّى يُوفِيكُمْ أُجُوركُمْ عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة , وَيُثِيبكُمْ عَلَى مَا أَطَعْتُمُوهُ بِإِحْسَانِكُمْ عَلَيْهِ . وَالْخَبَر الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر } هُوَ الْمَال الَّذِي سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه مِنْ النَّفَقَة مِنْهُ , فَأَجَابَهُمْ اللَّه عَنْهُ بِمَا أَجَابَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة . وَفِي قَوْله : { مَاذَا } وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون " مَاذَا " بِمَعْنَى أَيّ شَيْء , فَيَكُون نَصْبًا بِقَوْلِهِ : " يُنْفِقُونَ " , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَك أَيّ شَيْء يُنْفِقُونَ , وَلَا يُنْصَب ب " يَسْأَلُونَك " . وَالْآخَر مِنْهُمَا الرَّفْع . وَلِلرَّفْعِ فِي " ذَلِكَ " وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون " ذَا " الَّذِي مَعَ " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " , فَيُرْفَع " مَا " ب " ذَا " و " ذَا " ب " مَا " , و " يُنْفِقُونَ " مَنْ صِلَة " ذَا " , فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَصِل " ذَا " وَهَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَدَس مَا لِعِبَادِ عَلَيْك إمَارَة أَمِنْت وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيق ف " تَحْمِلِينَ " مِنْ صِلَة " هَذَا " , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : يَسْأَلُونَك مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ . وَالْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الرَّفْع أَنْ تَكُون " مَاذَا " بِمَعْنَى أَيّ شَيْء , فَيُرْفَع " مَاذَا " , وَإِنْ كَانَ قَوْله : { يُنْفِقُونَ } وَاقِعًا عَلَيْهِ , إذْ كَانَ الْعَامِل فِيهِ وَهُوَ " يُنْفِقُونَ " لَا يَصْلُح تَقْدِيمه قَبْله , وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَام لَا يَجُوز تَقْدِيم الْفِعْل فِيهِ قَبْل حَرْف الِاسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يُحَاوِل أَنَحْب فَيُقْضَى أَمْ ضَلَال وَبَاطِل وَكَمَا قَالَ الْآخَر : وَقَالُوا تَعْرِفهَا الْمَنَازِل مِنْ مِنًى وَمَا كُلّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِف فَرَفَعَ " كُلّ " وَلَمْ يَنْصِبهُ بِعَارِفٍ . إنْ كَانَ مَعْنَى قَوْله : " وَمَا كَانَ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِف " جُحُود مَعْرِفَة مَنْ يَغْشَى مِنًى , فَصَارَ فِي مَعْنَى مَا أَحَد . وَهَذِهِ الْآيَة [ نَزَلَتْ ] فِيمَا ذُكِرَ قَبْل أَنْ يَفْرِض اللَّه زَكَاة الْأَمْوَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3237 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة لَمْ تَكُنْ زَكَاة , وَإِنَّمَا هِيَ النَّفَقَة يُنْفِقهَا الرَّجُل عَلَى أَهْله وَالصَّدَقَة يَتَصَدَّق بِهَا فَنَسَخَتْهَا الزَّكَاة . 3238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : سَأَلَ الْمُؤْمِنُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ يَضَعُونَ أَمْوَالهمْ ؟ فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل } فَذَلِكَ النَّفَقَة فِي التَّطَوُّع وَالزَّكَاة سِوَى ذَلِكَ كُلّه . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : سَأَلُوا فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا . 3239 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , قَالَ : سَمِعْت ابْن أَبِي نَجِيح فِي قَوْل اللَّه : { يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ } قَالَ : سَأَلُوهُ فَأَفْتَاهُمْ فِي ذَلِكَ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا . 3240 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : وَسَأَلْته عَنْ قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : هَذَا مِنْ النَّوَافِل , قَالَ : يَقُول : هُمْ أَحَقّ بِفَضْلِك مِنْ غَيْرهمْ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة زَكَاة , وَإِنَّمَا كَانَتْ نَفَقَة يُنْفِقهَا الرَّجُل عَلَى أَهْله , وَصَدَقَة يَتَصَدَّق بِهَا , ثُمَّ نَسَخَتْهَا الزَّكَاة , قَوْل مُمْكِن أَنْ يَكُون , كَمَا قَالَ : وَمُمْكِن غَيْره . وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَ , لِأَنَّهُ مُمْكِن أَنْ يَكُون قَوْله : { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } الْآيَة , حَثًّا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى الْإِنْفَاق عَلَى مَنْ كَانَتْ نَفَقَته غَيْر وَاجِبَة مِنْ الْآبَاء وَالْأُمَّهَات وَالْأَقْرِبَاء , وَمِنْ سُمِّيَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة , وَتَعْرِيفًا مِنْ اللَّه عِبَاده مَوَاضِع الْفَضْل الَّتِي تُصْرَف فِيهَا النَّفَقَات , كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة } 2 177 وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قُلْنَاهُ فِي قَوْل ابْن جُرَيْجٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُسْكَنَة , وَمَعْنَى ابْن السَّبِيل فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يسألونك} إن خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحها وحذفت الهمزة فقلت : يسلونك. ونزلت الآية في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا فقال : يا رسول الله، إن مالي كثير، فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت { يسألونك ماذا ينفقون} . قوله تعالى { ماذا ينفقون} { ما} في موضع رفع بالابتداء، و { ذا} الخبر، وهو بمعنى الذي، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي ما الذي ينفقونه، وإن شئت كانت { ما} في موضع نصب بـ { ينفقون} و { ذا} مع { ما} بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب، إلا ما جاء في قول الشاعر : وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ** سوى أن يقولوا إنني لك عاشق فإن { عسى} لا تعمل فيه، فـ { ماذا} في موضع رفع وهو مركب، إذ لا صلة لـ { ذا} . قيل : إن السائلين هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقه. قال السدي : نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. قال ابن عطية : ووهم المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان. وقال ابن جريج وغيره : هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك. قال مالك، ليس عليه أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام. قوله تعالى { قل ما أنفقتم} { ما} في موضع نصب بـ { أنفقتم} وكذا { وما تنفقوا} وهو شرط والجواب { فللوالدين} ، وكذا { وما تفعلوا من خير} شرط، وجوابه { فإن الله به عليم} وقد مضى القول في اليتيم والمسكين وابن السبيل. ونظير هذه الآية قوله تعالى { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الروم : 38]. وقرأ علي بن أبي طالب { يفعلوا} بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 214 - 220

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والسؤال ورد من عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً فقال: يا رسول الله، إن مالي كثير فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ ولم يكن يسأل لنفسه فقط، بل كان يترجم عن مشاعر غيره أيضا، ولذلك جاءت الإجابة عامة لا تخص السائل وحده ولكنها تشمل كل المؤمنين.

والسؤال عن { مَاذَا يُنْفِقُونَ }؛ فكأن الشيء المُنْفق هو الذي يسألون عنه، والإنفاق ـ كما نعرف ـ يتطلب فاعلاً هو المُنْفق؛ والشيء المُنفَق ـ هو المال ـ؛ ومنفَقَاً عليه. وهم قد سألوا عن ماذا ينفقون، فكأن أمر الإنفاق أمر مُسَلَّمُ به، لكنهم يريدون أن يعرفوا ماذا ينفقون؟ فيأتي السؤال على هذه الوجه ويجيء الجواب حاملا الإجابة عن ذلك الوجه وعن أمر زائد.

يقول الحق: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } هذا هو السؤال، والجواب { قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ }. إن الظاهر السطحي يظن أن السؤال هو فقط عن ماذا ينفقون؟ وأن الجواب جاء عن المنفق عليه. نقول: لا، لماذا نسيت قوله الحق: إن الإنفاق يجب أن كون من " خير " فالمال المُنفق منه لا بد أن يتصف بأنه جاء من مصدر خير.

وبعد ذلك زاد وبيّن أنه: مادمتم تعتقدون أن الإنفاق واجب فعليكم أن تعلموا ما هو الشيء الذي تنفقونه، ومَنْ الذي يستحق أن يُنْفَقَ عليه. { قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ }. والخير هو الشيء الحسن النافع. والمُنْفَق عليه هو دوائر الذي يُنْفِق؛ لأن الله يريد أن يُحَمّل المؤمن دوائره الخاصة، حتى تلتحم الدوائر مع بعضها فيكون قد حمّل المجتمع على كل المجتمع، لأنه سبحانه حين يُحَمّلني أسرتي ووالدي والأقربين، فهذه صيانة للأهل، وكل واحد منا له والدان وأقربون، ودائرتي أنا تشمل والديّ وأقاربي، ثم تشيع في أمر آخر؛ في اليتامى والمساكين.

وهات كل واحد واحسب دوائره من الوالدين والأقربين وما يكون حوله من اليتامى والمساكين فستجد الدوائر المتماسكة قد شملت كل المحتاجين، ويكون المجتمع قد حمل بعضه بعضاً، ولا يوجد بعد ذلك إلا العاجز عن العمل. وعرفنا أن السائل هو " عمرو بن الجموح " ، وكانت له قصة عجيبة؛ كان أعرج والأعرج معذور من الله في الجهاد، فليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج. " وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج من غزوة فجاءه عمرو بن الجموح وقال: يا رسول الله لا تحرمني من الجهاد فإن أبنائي يحرمونني من الخروج لعرجتي. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد عذرك فيمن عذر. قال: ولكني يا رسول الله أحب أن أطأ بعرجتي الجنة ".

هذا هو مَنْ سأل عن ماذا ينفقون، فجاءت الإجابة من الحق: { قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ } أي ما أخرجتم من مال؛ لأن الإنفاق يعني الإخراج، والخير هنا هو المال، والإنفاق يقتضي إخراج المال عن ملكية الإنسان ببيع أو هبة أو صلة، وأصل كلمة " الإنفاق " مأخوذ من " نفقت السوق " أي راجت؛ لأن السوق تقوم على البضاعة، وحين تأتي إلى السوق ولا تجد سلعاً فذلك يعني أن السوق رائجة، ولكن عندما تجد البضائع مكدسة بالسوق فذلك يعني أن السوق لازالت قائمة.إذن فمعنى " نفقت السوق " أي ذهبت كل البضائع كما تذهب الحياة من الدابة، فعندما نقول: نفقت الدابة، أي ماتت. وأوجه الإنفاق بينها ـ سبحانه ـ في قوله: { فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ }. فهل كل يتيم محتاج؟ ربما يكون اليتيم قد ورث المال لكن علينا أن نفهم أن المسألة ليست هي سد حاجة محتاج فقط، ولكنها الوقوف بجانب ضعيف في أي زاوية من زوايا الضعف؛ لأن الطفل عندما يكون يتيماً ولديه ماله، ثم يراك تعطف عليه فهو يشعر أن أباه لم يمت؛ لأن أبوته باقية في إخوانه المؤمنين، وبعد ذلك لا يشب على الحسد لأولاد آباؤهم موجودين، لكن حين يرى اليتيم كل أب مشغولا بأبنائه عن أيتام مات أبوهم، هنا يظهر فيه الحقد، وتتربى فيه غريزة الاعتراض على القدر، فيقول " لماذا أكون أنا الذي مات والدي؟ " ، ولكن حين يرى الناس جميعا آباءه، ويصلونه بالبسمة والود والترحاب والمعونة فلسوف يشعر أن من له أب واحد يتركه الناس اعتماداً على وجود أبيه، لكن حينما يموت أبوه فإن الناس تلتفت إليه بالمودة والمحبة، ويترتب على ذلك أن تشيع المحبة في المجتمع الإسلامي والألفة والرضا بقدر الله، ولا يعترض أحد على وفاة أبيه، فإن كان القدر قد أخذ أباه فقد ترك له آباء متعددين.

ولو علم الذين يرفضون المودة والعطف على اليتيم لأن والده ترك له ما يكفيه، لو علموا ما يترتب على هذا التعاطف من نفع معنوي لتنافسوا على التعاطف معه؛ فليست المسألة مسألة حاجة مادية، وإنما هي حاجة معنوية.

وأنا أقول دائما: يجب أن نربي في الناشئة أن الله لا يأخذ أحداً من خلقه وفي الأرض حاجة إليه؛ وارقبوا هذا الأمر فيمن حولكم تجدوا واحداً وقد تُوفى وترك أولاداً صغاراً فيحزن أهله ومعارفه؛ لأنه ترك أولاده صغاراً، وينسون الأمر من بعد ذلك، وتمر فترة من الزمن ويفاجأ الناس بأن أولاد ذلك الرجل قد صاروا سادة الحي، وكأن والدهم كان محبسا على رزقهم، فحينما انتهى الأب فتح الله على الأبناء صنابير الرزق، وذلك حتى لا يُفتَن إنسان في سبب.

وبعد الإنفاق على اليتامى نجد الإنفاق على المساكين وابن السبيل، وقد عرفنا أن المسكين هو المحتاج وابن السبيل هو المنقطع عن أهله وماله.ويختم الحق هذه الآية بقوله: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }. إن الله يريد أن يرد الطبع البشري إلى قضية هي: إياك أن تطلب جزاء الخير الذي تفعله مع هؤلاء من أحد من الخلق، ولكن اطلبه من الله، وإياك أن تحاول أن يعلم الناس عنك أنك مُنْفِق على الأقارب واليتامى وابن السبيل؛ لأن الذين تريدهم أن يعلموا لا يقدرون لك على جزاء، وعلمهم لن يزيدك شيئا، وحسبك أَنْ يعلم الله الذي أعطاك، والذي أعطيت مما استخلفك فيه ابتغاء مرضاته. فحين ينفق الناس لمرضاة الناس، يلقون من بعد ذلك النكران والجحود فيكون من أعطى قد خسر ما أنفق، واستبقى الشر ممن أنفقه عليهم.

ولو أن الإنسان المسلم قصد بالإنفاق وعمل الخير مرضاة الخالق الأعلى عز وجل لاستبقى ما أنفق من حسنات وثواب ليوم القيامة، ولسخر الله له قلوب من تصدق عليهم بالمحبة والوفاء بالمعروف، وهذه عدالة من الله تتجلى في أنه يفعل مع المرائين ذلك؛ لأنهم يعطون وفي بالهم أنهم أعطوا له، ولو أعطوا الله لما أنكر الآخذ جميل العطاء. أنت أعطيته لمرضاته هو، فكأن الله يقول لك: سأتركك له ليجازيك ولهذا كان المتصدق في السر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فمنهم: ".. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وهذا هو الأفضل في صدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فالفريضة تكون إعلانها أفضل، والنافلة يكون إسرارها أفضل. لكن لو عملت وفي بالك الله فستجد أثر العطاء وفي وفاء من أخذ. فإياك أن تحاول ولو من طرف خفيّ أن يعلم الناس أنكم تفعلون الخير. وبعد ذلك يرجع الحق إلى قضية سبق أن عالجها في قوله تعالى: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } يرجع الحق إلى القتال فيتكلم عن المبدأ العام في القتال فيقول: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ... }


www.alro7.net