سورة
اية:

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن بني إسرائيل كم شاهدوا مع موسى من آية بيّنة، أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم من شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة اللّه كفراً، أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} ، كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} . ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين، الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي اللّه عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه اللّه، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين، ولهذا قال تعالى: { والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً، بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: (ابن آدم أنفقْ أُنفقْ عليك)، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (أنفقْ بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، وقال تعالى: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} . وفي الصحيح: (أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وفي الصحيح: (يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس)، وفي مسند الإمام أحمد: عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له).

تفسير الجلالين

{ سل } يا محمد { بني إسرائيل } تبكيتا { كم آتيناهم } كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعول آتينا ومميزها { من آية بينة } ظاهرة كفلق البحر وإنزال المن والسلوى فبدَّلوها كفرا { ومن يبدِّل نعمه الله } أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية { من بعد ما جاءته } كفرا { فإن الله شديد العقاب } له .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَلْ يَا مُحَمَّد بَنِي إسْرَائِيل - الَّذِينَ لَا يَنْتَظِرُونَ بِالْإِنَابَةِ إلَى طَاعَتِي , وَالتَّوْبَة إلَيَّ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِك وَتَصْدِيقك فِيمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي , إلَّا أَنْ آتِيهِمْ فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام وَمَلَائِكَتِي , فَأَفْصِل الْقَضَاء بَيْنك وَبَيْن مَنْ آمَنَ بِك وَصَدَّقَك بِمَا أَنْزَلْت إلَيْك مِنْ كُتُبِي , وَفَرَضْت عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِع دِينِي وَبَيْنهمْ - كَمْ جِئْتهمْ بِهِ مِنْ قَبْلك مِنْ آيَة وَعَلَامَة , عَلَى مَا فَرَضْت عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِي , فَأَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي , وَتَابَعْت عَلَيْهِمْ مِنْ حُجَجِي عَلَى أَيْدِي أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي مِنْ قَبْلك مَرِيدَة لَهُمْ عَلَى صَدْقهمْ بَيِّنَة أَنَّهَا مِنْ عِنْدِي , وَاضِحَة أَنَّهَا مِنْ أَدِلَّتِي عَلَى صِدْق نَذْرِي وَرُسُلِي فِيمَا افْتَرَضْت عَلَيْهِمْ مِنْ تَصْدِيقهمْ وَتَصْدِيقك , فَكَفَرُوا حُجَجِي , وَكَذَّبُوا رُسُلِي , وَغَيَّرُوا نِعَمِي قَبْلهمْ , وَبَدَّلُوا عَهْدِي وَوَصِيَّتِي إلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْآيَة فَقَدْ بَيَّنْت تَأْوِيلهَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَهِيَ هَا هُنَا . مَا : 3212 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } مَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن وَمَا لَمْ يَذْكُر , وَهُمْ الْيَهُود . 3213 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } يَقُول : آتَاهُمْ اللَّه آيَات بَيِّنَات : عَصَا مُوسَى وَيَده , وَأَقْطَعَهُمْ الْبَحْر , وَأَغْرَقَ عَدُوّهُمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ , وَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَام , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى . وَذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه الَّتِي آتَاهَا بَنِي إسْرَائِيل فِي آيَات كَثِيرَة غَيْرهَا , خَالَفُوا مَعَهَا أَمَرَ اللَّه , فَقَتَلُوا أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله , وَبَدَّلُوا عَهْده وَوَصِيَّته إلَيْهِمْ , قَالَ اللَّه : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } وَإِنَّمَا أَنْبَأَ اللَّه نَبِيّه بِهَذِهِ الْآيَات , فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ , وَاسْتَكْبَرَ عَلَى رَبّه , وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْل مَنْ قَبْله مِنْ أَسْلَاف الْأُمَم قَبْلهمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ , مَعَ مُظَاهَرَته عَلَيْهِمْ الْحُجَج , وَأَنَّ مَنْ هُوَ بَيْن أَظُهْرهمْ مِنْ الْيَهُود إنَّمَا هُمْ مِنْ بَقَايَا مَنْ جَرَتْ عَادَتهمْ مِمَّنْ قَصَّ عَلَيْهِ قَصَصهمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَلْ يَا مُحَمَّد بَنِي إسْرَائِيل - الَّذِينَ لَا يَنْتَظِرُونَ بِالْإِنَابَةِ إلَى طَاعَتِي , وَالتَّوْبَة إلَيَّ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِك وَتَصْدِيقك فِيمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي , إلَّا أَنْ آتِيهِمْ فِي ظُلَل مِنْ الْغَمَام وَمَلَائِكَتِي , فَأَفْصِل الْقَضَاء بَيْنك وَبَيْن مَنْ آمَنَ بِك وَصَدَّقَك بِمَا أَنْزَلْت إلَيْك مِنْ كُتُبِي , وَفَرَضْت عَلَيْك وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِع دِينِي وَبَيْنهمْ - كَمْ جِئْتهمْ بِهِ مِنْ قَبْلك مِنْ آيَة وَعَلَامَة , عَلَى مَا فَرَضْت عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِي , فَأَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي , وَتَابَعْت عَلَيْهِمْ مِنْ حُجَجِي عَلَى أَيْدِي أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي مِنْ قَبْلك مَرِيدَة لَهُمْ عَلَى صَدْقهمْ بَيِّنَة أَنَّهَا مِنْ عِنْدِي , وَاضِحَة أَنَّهَا مِنْ أَدِلَّتِي عَلَى صِدْق نَذْرِي وَرُسُلِي فِيمَا افْتَرَضْت عَلَيْهِمْ مِنْ تَصْدِيقهمْ وَتَصْدِيقك , فَكَفَرُوا حُجَجِي , وَكَذَّبُوا رُسُلِي , وَغَيَّرُوا نِعَمِي قَبْلهمْ , وَبَدَّلُوا عَهْدِي وَوَصِيَّتِي إلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْآيَة فَقَدْ بَيَّنْت تَأْوِيلهَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَهِيَ هَا هُنَا . مَا : 3212 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } مَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن وَمَا لَمْ يَذْكُر , وَهُمْ الْيَهُود . 3213 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { سَلْ بَنِي إسْرَائِيل كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة } يَقُول : آتَاهُمْ اللَّه آيَات بَيِّنَات : عَصَا مُوسَى وَيَده , وَأَقْطَعَهُمْ الْبَحْر , وَأَغْرَقَ عَدُوّهُمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ , وَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَام , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى . وَذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه الَّتِي آتَاهَا بَنِي إسْرَائِيل فِي آيَات كَثِيرَة غَيْرهَا , خَالَفُوا مَعَهَا أَمَرَ اللَّه , فَقَتَلُوا أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله , وَبَدَّلُوا عَهْده وَوَصِيَّته إلَيْهِمْ , قَالَ اللَّه : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } وَإِنَّمَا أَنْبَأَ اللَّه نَبِيّه بِهَذِهِ الْآيَات , فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ , وَاسْتَكْبَرَ عَلَى رَبّه , وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْل مَنْ قَبْله مِنْ أَسْلَاف الْأُمَم قَبْلهمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ , مَعَ مُظَاهَرَته عَلَيْهِمْ الْحُجَج , وَأَنَّ مَنْ هُوَ بَيْن أَظُهْرهمْ مِنْ الْيَهُود إنَّمَا هُمْ مِنْ بَقَايَا مَنْ جَرَتْ عَادَتهمْ مِمَّنْ قَصَّ عَلَيْهِ قَصَصهمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } يَعْنِي بِالنِّعَمِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِسْلَام وَمَا فَرَضَ مِنْ شَرَائِع دِينه . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه } وَمِنْ يُغَيِّر مَا عَاهَدَ اللَّه فِي نِعْمَته الَّتِي هِيَ الْإِسْلَام مِنْ الْعَمَل وَالدُّخُول فِيهِ فَيَكْفُر بِهِ , فَإِنَّهُ مُعَاقَبَة بِمَا أَوْعَدَ عَلَى الْكُفْر بِهِ مِنْ الْعُقُوبَة , وَاَللَّه شَدِيد عِقَابه , أَلِيم عَذَابه . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ فَصَدَّقُوا بِهَا , اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام جَمِيعًا , وَدَعُوا الْكُفْر , وَمَا دَعَاكُمْ إلَيْهِ الشَّيْطَان مِنْ ضَلَالَته , وَقَدْ جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَات مِنْ عِنْدِي بِمُحَمَّدٍ , وَمَا أَظَهَرْت عَلَى يَدَيْهِ لَكُمْ مِنْ الْحُجَج وَالْعِبَر , فَلَا تُبَدِّلُوا عَهْدِي إلَيْكُمْ فِيهِ وَفِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي فِي كِتَابكُمْ بِأَنَّهُ نَبِيّ وَرَسُولِي , فَإِنَّهُ مَنْ يُبَدِّل ذَلِكَ مِنْكُمْ فَيُغَيِّرهُ فَإِنِّي لَهُ مُعَاقِب بِالْأَلِيمِ مِنْ الْعُقُوبَة . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3214 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } قَالَ : يَكْفُر بِهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 3215 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه } قَالَ : يَقُول : مَنْ يُبَدِّلهَا كُفْرًا . 3216 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } يَقُول : وَمِنْ يَكْفُر نِعْمَته مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } يَعْنِي بِالنِّعَمِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِسْلَام وَمَا فَرَضَ مِنْ شَرَائِع دِينه . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه } وَمِنْ يُغَيِّر مَا عَاهَدَ اللَّه فِي نِعْمَته الَّتِي هِيَ الْإِسْلَام مِنْ الْعَمَل وَالدُّخُول فِيهِ فَيَكْفُر بِهِ , فَإِنَّهُ مُعَاقَبَة بِمَا أَوْعَدَ عَلَى الْكُفْر بِهِ مِنْ الْعُقُوبَة , وَاَللَّه شَدِيد عِقَابه , أَلِيم عَذَابه . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ فَصَدَّقُوا بِهَا , اُدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام جَمِيعًا , وَدَعُوا الْكُفْر , وَمَا دَعَاكُمْ إلَيْهِ الشَّيْطَان مِنْ ضَلَالَته , وَقَدْ جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَات مِنْ عِنْدِي بِمُحَمَّدٍ , وَمَا أَظَهَرْت عَلَى يَدَيْهِ لَكُمْ مِنْ الْحُجَج وَالْعِبَر , فَلَا تُبَدِّلُوا عَهْدِي إلَيْكُمْ فِيهِ وَفِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي فِي كِتَابكُمْ بِأَنَّهُ نَبِيّ وَرَسُولِي , فَإِنَّهُ مَنْ يُبَدِّل ذَلِكَ مِنْكُمْ فَيُغَيِّرهُ فَإِنِّي لَهُ مُعَاقِب بِالْأَلِيمِ مِنْ الْعُقُوبَة . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3214 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } قَالَ : يَكْفُر بِهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 3215 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه } قَالَ : يَقُول : مَنْ يُبَدِّلهَا كُفْرًا . 3216 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع { وَمِنْ يُبَدِّل نِعْمَة اللَّه مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ } يَقُول : وَمِنْ يَكْفُر نِعْمَته مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} { سل} من السؤال : بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل. وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في { سل} وثبوتها في { واسأل} وجهين : أحدهما - حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله { سل بني إسرائيل} ، وقوله { سلهم أيهم بذلك زعيم} [ن : 40]. وثبت في العطف، مثل قوله { واسأل القرية} [يوسف : 82]، { واسألوا الله من فضله} [النساء : 32] قاله علي بن عيسى. وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه { اسأل} على الأصل. وقرأ قوم { اسل} على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال : الاحمر. و { كم} في موضع نصب، لأنها مفعول ثان لآتيناهم. وقيل : بفعل مضمر، تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام. { من آية} في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم، ويصير فيه عائد على كم، تقديره : كم آتيناهموه، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر : كم بجود مقرف نال العلا ** وكريم بخله قد وضعه والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله تعالى { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري : النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا. قوله تعالى { فإن الله شديد العقاب} خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر. فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب، وقد عاقبه بذنبه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 208 - 211


سورة البقرة الايات 210 - 212

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به الله من خير سابق؛ فساعة تقول: " اسأل فلاناً عما فعلته معه " ، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جواباً إلا ما يؤيد قولك. والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليهم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم.

والحق سبحانه وتعالى يقول: { سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم } ساعة تسمع { كَمْ } في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف { كَمْ } التي تريد بها الاستفهام. وأنت تقول: " كم فعلت كذا مع فلان " و " كم صنعت معه معروفاً " و " كم تهاونت معه " و " كم أكرمته ". لذلك فعندما تسمع { كَمْ } هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يُكنى بها على أن عدد لا يحصى.

{ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلاً كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك إلى إنسان، فترد أنت لم ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئاً.

ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه الله لهم؛ فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه؛ أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم.. وحين يقول الحق لرسوله: { سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } فالقول منسحب على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آيةٍ أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنّتُّم. { كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } إن { كَمْ } تدل على الكمية الكبيرة، و { مِّنْ آيَةٍ }: معناها الأمر العجيب. و { بَيِّنَةٍ } تعني الأمر الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد.

{ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }. وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقاً فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها. فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بُدِلَت. ولذلك يقول الحق في آية أخرى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً } وما داموا قد بدلوها كفراً، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان.إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر.

{ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } قد نفهم أن معنى { شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } هو أمر يتعلق بالآخرة، ولعل أناساً يستبطئون الآخرة، أو أناساً غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة.. أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فساداً؛ لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم.

فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي لا يؤمن أن هناك يوماً آخر فالدنيا تشقى به. فإذا لم يعجل الله بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون.

وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ويبدلون نعمة الله كفراً لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيماناً وخوفاً من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالماً مثله لقي عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظل؛ وإن لم يكن مؤمناً بالآخرة، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة الله كفراً:
{  أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ }
[إبراهيم: 28-29]

هذه عقوبة الآخرة ولن يتركهم الله في الدنيا دون أن ينالهم العقاب.

وحتى الذين يظلمون ويتعسفون مع أنهم مسلمون لا يتركهم الله بلا عقاب في الدنيا حتى يأتيهم يوم القيامة بل لابد أن يجيء لهم من واقع دنياهم ما يخيف الناس من هذه الخواتيم حتى تستقيم حركة الحياة بين الناس جميعا، وإلا فسيكون الشقاء واقعا على الناس من هؤلاء ومن الذين لا يؤمنون بعقاب الآخرة.

وكان بعض الصالحين يقول: " اللهم إن القوم قد استبطأوا آخرتك وغرهم حلمك فخذهم أخذ عزيز مقتدر "؛ لأنه سبحانه لو ترك عقابهم للآخرة لفسدوا وكانوا فتنة لغيرهم من المؤمنين. ولذلك شاء الله أن يجعل في منهج الإيمان تجريماً وعقوبة تقع في الدنيا، لماذا؟ حتى لا يستشري فساد من يشك في أمر الآخرة. وشدة عقاب الله لا يجعلها في الآخرة فقط، بل جعلها في الدنيا أيضاً؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
{  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ }
[طه: 124]

ثم يقول سبحانه وتعالى: { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }


www.alro7.net