سورة
اية:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، { وإن يمسسك اللّه بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} كقوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} الآية. وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ولهذا قال تعالى { وهو القاهر فوق عباده} أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له والوجه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه، { وهو الحكيم} : أي في جميع أفعاله، { الخبير} بمواضع الأشياء ومحالها فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع إلا من يستحق. ثم قال: { قل أي شيء أكبر شهادة} أي من أعظم الأشياء شهادة، { قل الله شهيد بيني وبينكم} أي هو العالم بما جئتكم به وما أنتم قائلون لي { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: { ومن بلغ} ومن بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وروى ابن جرير عن محمد بن كعب قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى { لأنذركم به ومن بلغ} إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عن اللّه فمن بلغته آية من كتاب اللّه فقد بلغه أمر الله)، وقال الربيع بن أنس: حقُّ على من اتبع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر. وقوله: { أئنكم لتشهدون} أيها المشركون { أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} كقوله: { فإن شهدوا فلا تشهد معهم} ، { قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} ، ثم قال تعالى مخبراً عن أهل الكتاب أنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته وبلده ومهاجره وصفته أمته، ولهذا قال بعده: { الذين خسروا أنفسهم} أي خسروا كل الخسارة، { فهم لا يؤمنون} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ونوهت به في قديم الزمان وحديثه، ثم قال: { ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً أوكذب بآياته} أي لا أظلم ممن تقوّل على اللّه فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات اللّه وحججه وبراهينه ودلالاته { إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.

تفسير الجلالين

{ ومن } أي لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } بنسبه الشريك إليه { أو كذَّب بآياته } القرآن { إنه } أي الشأن { لا يفلح الظالمون } بذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ أَشَدُّ اِعْتِدَاء وَأَخْطَأُ فِعْلًا وَأَخْطَل قَوْلًا { مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } , يَعْنِي : مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه قِيلَ بَاطِلٍ , وَاخْتَرَقَ مِنْ نَفْسه عَلَيْهِ كَذِبًا , فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا مِنْ خَلْقه وَإِلَهًا يُعْبَد مِنْ دُونه كَمَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , أَوْ اِدَّعَى لَهُ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَة كَمَا قَالَتْهُ النَّصَارَى . { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } يَقُول : أَوْ كَذَّبَ بِحُجَجِهِ وَأَعْلَامه وَأَدِلَّته الَّتِي أَعْطَاهَا رُسُله عَلَى حَقِيقَة نُبُوَّتهمْ كَذَّبَتْ بِهَا الْيَهُود . { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } يَقُول : إِنَّهُ لَا يُفْلِح الْقَائِلُونَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل , وَلَا يُدْرِكُونَ الْبَقَاء فِي الْجِنَان , وَالْمُفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِب وَالْجَاحِدُونَ بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ أَشَدُّ اِعْتِدَاء وَأَخْطَأُ فِعْلًا وَأَخْطَل قَوْلًا { مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } , يَعْنِي : مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه قِيلَ بَاطِلٍ , وَاخْتَرَقَ مِنْ نَفْسه عَلَيْهِ كَذِبًا , فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا مِنْ خَلْقه وَإِلَهًا يُعْبَد مِنْ دُونه كَمَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , أَوْ اِدَّعَى لَهُ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَة كَمَا قَالَتْهُ النَّصَارَى . { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } يَقُول : أَوْ كَذَّبَ بِحُجَجِهِ وَأَعْلَامه وَأَدِلَّته الَّتِي أَعْطَاهَا رُسُله عَلَى حَقِيقَة نُبُوَّتهمْ كَذَّبَتْ بِهَا الْيَهُود . { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } يَقُول : إِنَّهُ لَا يُفْلِح الْقَائِلُونَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل , وَلَا يُدْرِكُونَ الْبَقَاء فِي الْجِنَان , وَالْمُفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِب وَالْجَاحِدُونَ بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن أظلم} ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم { ممن افترى} أي اختلق { على الله كذبا أو كذب بآياته} يريد القرآن والمعجزات. { إنه لا يفلح الظالمون} قيل : معناه في الدنيا؛ ثم استأنف فقال { ويوم نحشرهم جميعا} على معنى واذكر { يوم نحشرهم} وقيل : معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم؛ فلا يوقف على هذا التقدير على قوله : { الظالمون} لأنه متصل. وقيل : هو متعلق بما بعده وهو { انظر} أي انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم؛ أي كيف يكذبون يوم نحشرهم؟. { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاءكم} سؤال إفضاح لا إفصاح. { الذين كنتم تزعمون} أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم، وأنها تقربكم منه زلفى؛ وهذا توبيخ لهم. قال ابن عباس : كل زعم في القرآن فهو كذب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 20 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنهم افتروا على الله الكذب عندما فعلوا ذلك: نسوا حظاً مما ذكروا به، وكتموا بعضاً من الكتب المنزلة إليهم، وحرفوا الآيات المنزلة إليهم، وجاءوا بأقوال من عندهم ونسبوها إلى الله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عنهم:
{  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }
[البقرة: 79].

إن الحق يتوعدهم بالعذاب لأنهم باعوا الدين لقاء ثمن قليل في الدنيا، وادعوا على الله الكذب فنسبوا إليه ما لم ينزله، ولذلك فالويل كل الويل لهم؛ لإنهم انحطوا إلى أخس دركات الظلم وكذبوا الكذب المتعمد في كلية ملزمة وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة والرسل.

والافتراء هو الكذب المتعمد بغرض نسبة شيء إلى الله لم يقله، وهم قد فعلوا ذلك، ولهذا لا يفلح الظالمون سواء ظلموا الناس بأخذ أموالهم أو الإساءة إليهم، أو ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وهو أعظم الظلم { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ... }


www.alro7.net