سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

تفسير بن كثير

هذا ذم من اللّه تعالى لأهل الكتاب، بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات اللّه قديماً وحديثاً، التي بلَّغتهم إياها الرسل استكباراً عليهم، وعناداً لهم وتعاظماً على الحق واستنكافاً عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلّغوهم عن اللّه شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم إليهم إلا لكونهم دعوهم إلى الحق { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} وهذا هو غاية الكبر. عن أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: (رجل قتل نبياً، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر) ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { إن الذين يكفرون بآيات اللّه، ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشرهم بعذاب أليم} الآية. ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحد، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر اللّه عزّ وجلّ) ""رواه ابن أبي حاتم وابن جرير"" وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار وأقاموا سوق بقلهم من آخره، ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم اللّه على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم} أي موجع مهين { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} .

تفسير الجلالين

{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون } وفي قراءة يقاتلون { النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } بالعدل { من الناس } وهم اليهود رُوى أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فنهاهم مائة وسبعون من عبَّادهم فقتلوهم من يومهم { فبشِّرهم } أعلمهم { بعذاب اليم } مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمها الموصول بالشرط .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } أَيْ يَجْحَدُونَ حُجَج اللَّه وَأَعْلَامه فَيُكَذِّبُونَ بِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . كَمَا : 5328 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثُمَّ جَمَعَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا , وَذَكَر مَا أَحْدَثُوا وَابْتَدَعُوا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , فَقَالَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ } إِلَى قَوْله : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } أَيْ يَجْحَدُونَ حُجَج اللَّه وَأَعْلَامه فَيُكَذِّبُونَ بِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . كَمَا : 5328 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثُمَّ جَمَعَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا , وَذَكَر مَا أَحْدَثُوا وَابْتَدَعُوا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , فَقَالَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ } إِلَى قَوْله : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِك الْمُلْك تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء } . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُل اللَّه الَّذِينَ كَانُوا يُرْسَلُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَمَّا يَأْتُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , وَرُكُوب مَا كَانُوا يَرْكَبُونَهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ اللَّه إِلَيْهِمْ فِي كُتُبهمْ بِالزَّجْرِ عَنْهَا , نَحْو زَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاء اللَّه .وَأَمَّا قَوْله : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُل اللَّه الَّذِينَ كَانُوا يُرْسَلُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَمَّا يَأْتُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّه , وَرُكُوب مَا كَانُوا يَرْكَبُونَهُ مِنْ الْأُمُور الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ اللَّه إِلَيْهِمْ فِي كُتُبهمْ بِالزَّجْرِ عَنْهَا , نَحْو زَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاء اللَّه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ عَامَّة أَهْل الْمَدِينَة وَالْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة وَسَائِر قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ } بِمَعْنَى الْقَتْل . وَقَرَأَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قُرَّاء الْكُوفَة : " وَيُقَاتِلُونَ " , بِمَعْنَى الْقِتَال تَأَوُّلًا مِنْهُ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " وَقَاتَلُوا " , فَقَرَأَ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْره مِنْ الْقُرَّاء بِذَلِكَ التَّأْوِيل " وَيُقَاتِلُونَ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { وَيَقْتُلُونَ } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ بِهِ , مَعَ مَجِيء التَّأْوِيل مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5329 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مَعْقِل بْن أَبِي مِسْكِين فِي قَوْل اللَّه: { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : كَانَ الْوَحْي يَأْتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَيَذْكُرُونَ , وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتَاب , فَيَقْتُلُونَ , فَيَقُوم رِجَال مِمَّنْ اِتَّبَعَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ , فَيُذَكِّرُونَ قَوْمهمْ فَيُقْتَلُونَ , فَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس . 5330 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْكِتَاب , كَانَ أَتْبَاع الْأَنْبِيَاء يَنْهَوْنَهُمْ وَيُذَكِّرُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ . 5331 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِمَّنْ لَمْ يَقْرَأ الْكِتَاب كَانَ الْوَحْي يَأْتِي إِلَيْهِمْ , فَيُذَكِّرُونَ قَوْمهمْ فَيُقْتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ , فَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس . 5332 - حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْد الرُّصَافِيّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو الْحَسَن مَوْلَى بَنِي أَسَد , عَنْ مَكْحُول , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب الْخُزَاعِيّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , أَيّ النَّاس أَشَدّ عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : " رَجُل قَتَلَ نَبِيًّا , أَوْ رَجُل أَمَرَ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَى عَنْ الْمَعْرُوف " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس " إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَى : { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } . ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا عُبَيْدَة قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا مِنْ أَوَّل النَّهَار فِي سَاعَة وَاحِدَة , فَقَامَ مِائَة رَجُل وَاثْنَا عَشَر رَجُلًا مِنْ عُبَّاد بَنِي إِسْرَائِيل , فَأَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنْ الْمُنْكَر فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِر النَّهَار فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَهُمْ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه , وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ , وَيَقْتُلُونَ آمِرِيهِمْ بِالْعَدْلِ فِي أَمْر اللَّه وَنَهْيه , الَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ قَتْل أَنْبِيَاء اللَّه وَرُكُوب مَعَاصِيه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ عَامَّة أَهْل الْمَدِينَة وَالْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة وَسَائِر قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ } بِمَعْنَى الْقَتْل . وَقَرَأَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قُرَّاء الْكُوفَة : " وَيُقَاتِلُونَ " , بِمَعْنَى الْقِتَال تَأَوُّلًا مِنْهُ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَف عَبْد اللَّه : " وَقَاتَلُوا " , فَقَرَأَ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْره مِنْ الْقُرَّاء بِذَلِكَ التَّأْوِيل " وَيُقَاتِلُونَ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { وَيَقْتُلُونَ } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ بِهِ , مَعَ مَجِيء التَّأْوِيل مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5329 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مَعْقِل بْن أَبِي مِسْكِين فِي قَوْل اللَّه: { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : كَانَ الْوَحْي يَأْتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَيَذْكُرُونَ , وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتَاب , فَيَقْتُلُونَ , فَيَقُوم رِجَال مِمَّنْ اِتَّبَعَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ , فَيُذَكِّرُونَ قَوْمهمْ فَيُقْتَلُونَ , فَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس . 5330 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل الْكِتَاب , كَانَ أَتْبَاع الْأَنْبِيَاء يَنْهَوْنَهُمْ وَيُذَكِّرُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ . 5331 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِمَّنْ لَمْ يَقْرَأ الْكِتَاب كَانَ الْوَحْي يَأْتِي إِلَيْهِمْ , فَيُذَكِّرُونَ قَوْمهمْ فَيُقْتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ , فَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس . 5332 - حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْد الرُّصَافِيّ مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو الْحَسَن مَوْلَى بَنِي أَسَد , عَنْ مَكْحُول , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب الْخُزَاعِيّ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , أَيّ النَّاس أَشَدّ عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : " رَجُل قَتَلَ نَبِيًّا , أَوْ رَجُل أَمَرَ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَى عَنْ الْمَعْرُوف " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس " إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَى : { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } . ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا عُبَيْدَة قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا مِنْ أَوَّل النَّهَار فِي سَاعَة وَاحِدَة , فَقَامَ مِائَة رَجُل وَاثْنَا عَشَر رَجُلًا مِنْ عُبَّاد بَنِي إِسْرَائِيل , فَأَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنْ الْمُنْكَر فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِر النَّهَار فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَهُمْ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه , وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ , وَيَقْتُلُونَ آمِرِيهِمْ بِالْعَدْلِ فِي أَمْر اللَّه وَنَهْيه , الَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ قَتْل أَنْبِيَاء اللَّه وَرُكُوب مَعَاصِيه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم } فَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّد , وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ عِنْد اللَّه عَذَابًا مُؤْلِمًا لَهُمْ , وَهُوَ الْمُوجِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم } فَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّد , وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ عِنْد اللَّه عَذَابًا مُؤْلِمًا لَهُمْ , وَهُوَ الْمُوجِع .'

تفسير القرطبي

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين} قال أبو العباس المبرد : كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين : كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون. وقد روي عن ابن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : (بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية) وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية). ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بَقْلِهم من آخر النهار. فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته؛ وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم؛ قال الله عز وجل { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك} [الأنفال : 30]. الثانية: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه). وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : من خير الناس يا رسول الله؟ قال : (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه). وفي التنزيل { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} [التوبة : 67] ثم قال { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة : 71]. فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج : 41]. الثالثة: وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عدل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة : 44] وقوله { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف : 3] ونحوه، قيل لهم : إنما وقع الذم ههنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر} [البقرة : 44]. الرابعة: أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال : والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن : إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال : اتقني اتقني فما لك وله. وقال ابن مسعود : بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه). قالوا : يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال : (يتعرض من البلاء لما لا يقوم له). قلت : وخرجه ابن ماجة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تكلم فيه. وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات (اللهم إن هذا منكر) فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه، وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده. قال : والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي. قلت : هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} [لقمان : 17]. وهذا إشارة إلى الإذاية. الخامسة: روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). قال العلماء : الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوام الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل؛ وهذا تلقي من قول الله تعالى { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات : 9]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به؛ حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا قودا. وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء : إمام عادل لا يظلم، وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى. السادسة: روى أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر؟ قال : (إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم). قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال : (الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم). قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (والعلم في رذالتكم) إذا كان العلم في الفساق. خرجه ابن ماجة. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في "المائدة" وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدم معنى { فبشرهم} و { حبطت} في البقرة فلا معنى للإعادة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 20 - 23

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقلنا إن الحق حين يقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ } هم الذين يكفرون بآيات الله على إطلاقها، وهناك فرق بين الكفر بآيات الله وبين الكفر بالله. لماذا؟ لأن الإيمان بالله يتطلب البينات التي تدل على الله، والبينات الدالة على وجود الله موجودة في الكون.

إذن فالبينات واضحة، إن الذي يكفر بالله يكون قبل ذلك كافرا بالأدلة التي تدل على وجود الخالق. إن الحق لم يقل هنا: إن الذين يكفرون بالله، وذلك حتى يوضح لنا أنّ الحق غيب، ولكن الآيات البينات ظاهرة في الكون، لذلك قال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّين }. ولنا أن نلاحظ هنا، أن كلمة القتل تأتي دائما للنبيين، أي أنها لا تأتي للذين أخذوا صفة تزيد على مهمة النبي، وهو الرسول، فليس من المعقول أن يرسل الله رسولا ليبلغ منهجا لله، فيُقدر الله خلقه على أن يقتلوا الرسول. ولكن الأنبياء يرسلهم الله ليكونوا أسوة سلوكية للمؤمنين، ولا يأتي الواحد منهم بتشريعات جديدة، أما الرسول فإن الله يبعثه حاملا لمنهج من الله. وليس من المعقول أن يصطفي الله عبدا من عباده ويستخلصه ليبلغ منهجه، ويُمَكّن الله بعد ذلك بعضا من خلقه أن يقتلوا هذا الرسول.

إن الخلق لا يقدرون على رسول أرسله الله، لكنهم قد يقدرون على الأنبياء، وكل واحد من الأنبياء هو أسوة سلوكية، ولذلك نجد ان كل نبيّ يتعبد على دين الرسول السابق عليه، فلماذا يقتل الخلق الأسوة السلوكية مادام النبيّ من هؤلاء قد جاء ليكون مجرد أسوة، ولم يأت بدين جديد؟ فلو كان النبي من هؤلاء قد جاء بدين جديد، لقلنا: إن التعصب للدين السابق عليه هو الذي جعلهم يقتلونه، لكن النبيّ أسوة في السلوك، فلماذا القتل؟ إن النبي من هؤلاء يؤدي من العبادة ما يجعل القوم يتنبهون إلى أن السلوك الذي يفعله النبيّ لا يأتي وفق أهوائهم.

إن القوم الذين يقتلون النبيين هم القوم الذين لا يوافقون على أن يسلكوا السلوك الإسلامي الذي يعني إخضاع الجوارح، والحركة لمنطق الدين ولمنطق الإسلام، لماذا؟ لأن النبيّ وهو ملتزم بشرع الرسول السابق عليه، حينما يلتزم بدين الله بين جماعة من غير الملتزمين يكون سلوكه قد طعن غير الملتزمين.

إن وجود النبيّ الذي يتمسك بشرع الله، ويخضع جوارحه، وسلوكه لمنهج الله بين جماعة تدّعي أنها تدين الله، ولكنها لا تتمسك بمنهج الله تحملهم إلى أن يقولوا: لماذا يفعل النبي هذا السلوك القويم، ولماذا يخضع جوارحه لمنطق الإيمان، ونحن غير ملتزمين مثله؟ وهذا السؤال يثير الغيظ والحقد على النبيّ بين هذه الجماعة عير الملتزمة بدين الله، وإن أعْلنت في ظاهر الأمر التزامها بالدين.إنهم يحقدون على النبيّ لأنه يرتفع بسلوكه المسلم، وهم لا يستطيعون أن يرتفعوا ليكونوا مثله.

إن النبيّ بسلوكه الخاضع لمنهج الله يكون أسوة واضحة جلية يظهر بها الفرق بين مجرد إعلان الإيمان بمنهج الله، وبين الالتزام السلوكي بمنهج الله، وتكون أسوة النبيّ مُحقرة لفعلهم. ولذلك حين نجد إنسانا ملتزما بدين الله ومنهجه، فإننا نجد غير الملتزم ينال الملتزم بالسخرية والاستهزاء، لماذا؟ لأن غير الملتزم يمتلئ بالغيظ والحقد على الملتزم القادر على إخضاع نفسه لمنهج الله، ويسأل غير الملتزم نفسه:

لماذا يكون هذا الإنسان قادرا على نفسه مخضعا لها لمنهج الله وأنا غير قادر على ذلك؟ إن غير الملتزم يحاول إزاحة الملتزم وإبعاده من أمامه. لماذا؟ لأن غير الملتزم يتضاءل في نظر نفسه ونظر الآخرين إذا ما قارن نفسه بالملتزم بمنهج الله، وعندما يقارن الآخرون بين سلوك الملتزم بمنهج الله وسلوك غير الملتزم بمنهج الله فهم لا يحترمون غير الملتزم فيشعر بالصغار النفسى أمام الملتزم وأمام الناس فيحاول غير الملتزم أن يزيح الملتزم وينحيه عن طريقه، إن غير الملتزمين بمنهج الله يسخرون ويتغامزون على الملتزمين بمنهج الله، كما يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ }
[المطففين: 29-33].

ألا توضح لنا تلك الآيات البينات ما يقوله غير الملتزمين في بعض مجتمعاتنا للملتزمين بمنهج الله؟ ألا نسمع قول غير الملتزمين للملتزم بمنهج الله: " خذنا على جناحك "؟ إن هؤلاء غير الملتزمين ينطبق عليهم قول الحق:
{  وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ }
[المطففين: 30-32].

إن غير الملتزمين قد يفرح الواحد منهم، لأنه استطاع السخرية من مؤمن ملتزم بالله. وقد يتهم غيرُ الملتزمين إنسانا ملتزما بأن الالتزام ضلال. والحق سبحانه وتعالى يرد على هذا الاتهام بالقول الكريم:
{  وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ }
[المطففين: 33].

الحق يرد على الساخرين من الملتزمين بمنهج الله، فيضحك الذين آمنوا يوم القيامة من الكفار، ويتساءل الحق بجلال قدرته وتمام جبروته:
{  فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[المطففين: 34-36].

هكذا ينال غير الملتزمين عقابهم، فماذا عن الذين يقتلون النبيين بغير حق؟ إن لنا أن نسأل: لماذا وصف الله قتل النبيين بأنه " بغير حق " ، وهل هناك قتل لنبيّ بحق؟ لا يمكن أن يكون هناك قتل لنبي بحق، وإذا كان الله قد قال: { وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ } هذا القول الكريم قد أتى ليوضح واقعا، إنه سبحانه يقول بعد ذلك في سلسلة أعمال هؤلاء الذين يقتلون النبيين بغير حق: { وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } إنهم لم يكتفوا بقتل النبيين، بل يقتلون أيضا من يدافع من المؤمنين عن هذا النبيّ كيف؟ لأنه ساعة يُقتل نبيّ، فالذين التزموا بمنهج النبيّ، وكانوا معه لابد لهم أن يغضبوا ويحزنوا.إن أتباع النبيّ ينفعلون بحدث قتل النبيّ فإن استطاعوا منع ذلك القتل لفعلوا وإن لم يستطع أتباع النبي منع قتل النبيّ فلا أقل من أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لكن القتلة يتجاوز طغيانهم فلا يقتلون النبيين فقط فإذا قال لهم منكر لتصرفهم: ولماذا تقتلون النبيين؟ فإنهم يقتلونه أيضا، وبالنسبة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن نعرف أن أعداءه قد صنعوا معه أشياء أرادوا بها اغتياله، وذلك يدل على غباء الذين فكروا في ذلك الاغتيال.

لماذا؟ لأنهم لم ينظروا إلى وضعه صلى الله عليه وسلم، فلم يكن نبيا فقط، ولكنه رسول أيضا. وما دام رسولا فهو أسوة وحامل لمنهج في آن واحد، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا فقط لكان في استطاعتهم أن يقتلوه كما قتلوا النبيين من قبل، لكنه رسول من عند الله، ولقد رأوه يحمل منهجا جديدا، وهذا المنهج يسفه أحلامهم، ويوضح أكاذيبهم، من تبديلهم للكتب المنزلة عليهم.

إذن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا يحمل رسالة ومنهجا، وحينما أرادوا أن يقتلوه كنبيّ، غفلوا عن كونه رسولا. ولذلك قال الحق مطمئنا لنا ومحدثا رسوله صلى الله عليه وسلم:
{  يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[المائدة: 67].

الرسول الكريم إذن حامل رسالة ومعصوم بالله من أعدائه، والحق سبحانه وتعالى قد حكى عن الذين يقتلون الأنبياء، وأراد أن يطمئن المؤمنين، ويطمئن الرسول على نفسه، وأن يعرف خصوم رسول الله أنه لا سبيل إلى قتله، فيقول الحق:
{  قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }
[البقرة: 91].

ولماذا يأتي الله بـ " من قبل " هذه؟ إنه يوضح لنا وللرسول ولأعداء محمد صلى الله عليه وسلم أن مسألة قتل الأنبياء كان من الممكن حدوثها قبل رسول الله، لكن هذه المسألة صارت منتهية، ولا يجرؤ أحد أن يمارسها مع محمد رسول الله، وبذلك طمأن الحق المؤمنين، وطمأن رسول الله بأن أحدا لن يناله بأذى، ولذلك قال الحق:
{  وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ }
[المائدة: 67].

وأيأس الحق الذين يريدون قتل رسول الله فقد قال لهم:
{  قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ }
[البقرة: 91].

ولو أن المسألة مسألة نبوة، ورسالة رسول الله غير داخلة في مواجيدهم، وكان إنكارهم لرسالته عنادا، لكانوا قد قالوا: " إن مسألة قتل الأنبياء لا تتوقف عند " من قبل " لأننا سنجعلها " من بعد " أيضا، لكانوا قد كتلوا قواهم وقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الله سبحانه أيأسهم وقنطهم من ذلك، وذلك من مناط قدرة الله.وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يحكي عن أمر في قتل الأنبياء، وقتل الذين يأمرون بالقسط، أكان ذلك معاصر لقول الرسول هذا؟ أو كان هذا الكلام لمن؟ إنه موجه لبعض من أهل الكتاب، إنه موجه لمن آمنوا باتباع الذين قتلوا النبيين من قبل، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط، لقد آمنوا كإيمان السابقين لهم من قتلة الأنبياء، وقتلهم للذين يأمرون بالقسط.

وهذا تقريع لهؤلاء الذين اتبعوا في الإيمان قوما قتلوا الأنبياء من قبل، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط، إنه تقريع وتساؤل. كيف تؤمنون كإيمان الذين قتلوا الأنبياء؟ وكيف تتبعون من فعل مثل ذلك؟ وقد قص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن بني إسرائيل قد قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا دفعة واحدة، فقام مائة وسبعون من أتباع الأنبياء لينكروا عليهم ذلك، فقتلوهم، وهذا هو معنى هذه الآية الكريمة:

{ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [آل عمران: 21]

لماذا يبشرهم الحق بعذاب أليم؟ أليس معنى التبشير هو إخبار بما يسر في أمد يمكن أن يؤتى فيه الفعل الذي يسر؟ إن التبشير دائما يكون للفعل الذي يسر، كتبشير الحق للمؤمنين بالجنة، ومعنى التبشير بالجنة أن الله يخبر المؤمن بأمر يُسر له المؤمن، ويعطي الحقّ الفرصة للمؤمن لينفذ منهج الله ليأخذ الجائزة والبشارة.

لماذا يكون الحديث بالبشارة موجها لأبناء الذين فعلوا ذلك؟ لأننا نعرف أن الذين قتلوا النبيين وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس لم يكونوا معاصرين لنزول هذا الآية، إن المعاصرين من أهل الكتاب لنزول هذه الآية هم أبناء الذين قتلوا الأنبياء وقتلوا الذين أمروا بالقسط، ويبشرهم الحق بالعذاب الأليم؛ لأنهم ربما رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا. فإن كانوا قد رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا فلهم أيضا البشارة بالعذاب.

وتتسع دائرة العذاب لهم أيضا, ولكن لماذا يكون العذاب بشارة لهم، رغم أن البشارة غالبا ما تكون إخبارا بالخير، وعملية العذاب الأليم ليست خيرا؟ إن علينا أن نعرف أنه ساعة نسمع كلمة " أبشر " فإن النفس تتفتح لاستقبال خبر يسر, وعندما تستعد النفس بالسرور وانبساط الأسارير إلى أن تسمع شيئا حسنا يأتي قول: أبشر بعذاب أليم، ماذا يحدث؟ الذي يحدث هو انقباض مفاجئ أليم, ابتداء مطمع " فبشرهم " وانتهاء مُيْئِس (بعذاب أليم) وهنا يكون الإحساس بالمصيبة أشد، لأن الحق لو أنذرهم وأوعدهم من أول الأمر بدون أن يقول: " فبشرهم " لكان وقوع الخبر المؤلم هينا.لكن الحق يريد للخبر أن يقع وقوعاً صاعقا، ومثال لذلك قول الحق:
{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً }
[الكهف: 29].

إنهم يستغيثون في الآخرة، ويغاثون بالفعل، ولكن بماذا يغيثهم الله؟ إنه يغيثهم بماء كالمهل يشوي الوجوه. إننا ساعة أن نسمع " يغاثوا " قد نظن أن هناك فرجا قادما، ولكن الذي يأتي هو ماء كالمهل يشوي الوجوه. وهكذا تكون البشارة بالنسبة لمن قتلوا الأنبياء أو لأتباع القتلة الذين آمنوا بمثل ما آمن به هؤلاء القتلة. { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وكلمة " عذاب " تعني إيلام حيّ يحس بالألم. والعذاب هو للحيّ الذي يظل متألما، أما القتل فهو ينهي النفس الواعية وهذا ليس بعذاب، بل العذاب أن يبقى الشخص حيَّا حتى يتألم ويشعر بالعذاب، وقول الحق: { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } يلفتنا إلى قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً }
[النساء: 56].

أي أن الحق يديم عليهم الحياة ليديم عليهم التعذيب. وبعد ذلك يقول الحق: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ... }.


www.alro7.net