سورة
اية:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} الآية. [207].
قال سعيد بن المسيب: أقبل ضُهَيْب مهاجراً نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أَرْمَاكم رجلاً، وأيم الله لا تَصِلُون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلّي عنك، وعَاهَدُوه إنْ دلهم أن يَدَعُوه، ففعل. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبا يحيى ربح البيع، ربح البيع، وأنزل الله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} .
وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيباً فَعذبوه، فقال لهم صهيب إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُمْ كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتَذَرُوني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقال صهيب: وبيعك فلا يَخسر ما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.
وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية في أن المسلم يلقى الكافر فيقول له: قل لا إله إلاّ الله، فإذا قلتها عصمت مالك ودماك، فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله، فتقدم فقاتل حتى قتل.
وقيل: نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
قال أبو الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

تفسير بن كثير

قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم وهو الصحيح، وروى ابن جرير قال: حدثني محمد بن أبي معشر، وأخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسو للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال اللّه تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب اللّه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب اللّه؟ قال، قوله اللّه: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية. فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد ""أخرجه ابن جرير عن سعيد المقبري موقوفاً""وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح. وأما قوله تعالى: { ويشهد الله على ما في قلبه} فمعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز اللّه بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الآية. وقيل معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد اللّه لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه وهذا المعنى صحيح واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وهو ألد الخصام} الألد في اللغة: الأعوج، { وتنذر به قوماً لدا} أي عوجاً، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر). وفي الحديث: (إن أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم) ""رواه البخاري عن عائشة مرفوعاً"" وقوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي هو أعوج المقال سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله. كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ههنا هو القصد كما قال إخبارا عن فرعون: { ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى} وقال تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله} أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار). فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار، والنسل: وهو نتاج الحيوانات الذي لا قوام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض إفساداً منع الله القطر فهلك الحرث والنسل { والله لا يحب الفساد} أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق اللّه وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق، امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا تعرف في وجوه الذي كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا. قل أفأنبئكم بشر من ذلكم. النار وعدها اللّه الذين كفروا وبئس المصير} ولهذا قال في هذه الآية: { فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي هي كفايته عقوبة في ذلك. وقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال ابن عباس وجماعة: نزلت في صهيب الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل اللّه فيه هذه الآية فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر اللّه تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن اللّه أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له: (ربح البيع صهيب) وروي عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟ واللّه لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلُّون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ربح صهيب، ربح صهيب) "" رواه ابن مردويه عن صهيب الرومي"" مرتين وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل اللّه كما قال اللّه تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون} ، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد} .

تفسير الجلالين

{ ومن الناس من يشري } يبيع { نفسه } أي يبذلها في طاعة الله { ابتغاء } طلب { مرضات الله } رضاه، وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله { والله رءووف بالعباد } حيث أرشدهم لما فيه رضاه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَبِيع نَفْسه بِمَا وَعَدَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيله وَابْتَاعَ بِهِ أَنَفْسهمْ بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة } 9 111 وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَى بَاعَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَأَمَّا قَوْله : { ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِي يَشْرِي إذَا اشْتَرَى طَلَب مَرْضَاة اللَّه . وَنُصِبَ " ابْتِغَاء " بِقَوْلِهِ " يَشْرِي " , فَكَأَنَّهُ قَالَ . وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي مِنْ أَجْل ابْتِغَاء مَرْضَاة اللَّه , ثُمَّ تَرَكَ " مِنْ أَجْل " وَعَمِلَ فِيهِ الْفِعْل . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّهُ نُصِبَ ذَلِكَ عَلَى الْفِعْل عَلَى يَشْرِي كَأَنَّهُ قَالَ : لِابْتِغَاءِ مَرْضَاة اللَّه , فَلَمَّا نَزَعَ اللَّام عَمِلَ الْفِعْل . قَالَ : وَمِثْله : { حَذَر الْمَوْت } 2 19 وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ حَاتِم : وَأَغْفِر عَوْرَاء الْكَرِيم ادِّخَاره وَأَعْرِض عَنْ قَوْل اللَّئِيم تَكَرُّمَا وَقَالَ : لَمَّا أَذْهَبَ اللَّام أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْل . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَيّمَا مَصْدَر وُضِعَ مَوْضِع الشَّرْط وَمَوْضِع " أَنْ " فَتَحْسُن فِيهَا الْبَاء وَاللَّام , فَتَقُول : أَتَيْتُك مِنْ خَوْف الشَّرّ , وَلِخَوْفِ الشَّرّ , وَبِأَنْ خِفْت الشَّرّ ; فَالصِّفَة غَيْر مَعْلُومَة , فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَر مَقَامهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ الصِّفَة حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ حَذْفهَا كَمَا غَيْر جَائِز لِمَنْ قَالَ : فَعَلْت هَذَا لَك وَلِفُلَانٍ , أَنْ يُسْقِط اللَّام . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيهِ وَمَنْ عُنِيَ بِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3173 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار . وَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي رِجَال مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3174 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : نَزَلَتْ فِي صُهَيْب بْن سِنَان وَأَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ جُنْدُب بْن السَّكَن ; أَخَذَ أَهْل أَبِي ذَرّ أَبَا ذَرّ , فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ , فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ , وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ , فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسِّلَام . وَأَمَّا صُهَيْب فَأَخَذَهُ أَهْله , فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ , ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ مُنْقِذ بْن عُمَيْر بْن جُدْعَان , فَخَرَجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَاله , وَخَلَّى سَبِيله . 3175 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } الْآيَة , قَالَ : كَانَ رَجُل مِنْ أَهْل مَكَّة أَسْلَمَ , فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُهَاجِر إلَى الْمَدِينَة , فَمَنَعُوهُ وَحَبَسُوهُ , فَقَالَ لَهُمْ : أُعْطِيكُمْ دَارِي وَمَالِي وَمَا كَانَ لِي مِنْ شَيْء فَخَلُّوا عَنِّي فَأَلْحَق بِهَذَا الرَّجُل ! فَأَبَوْا . ثُمَّ إنَّ بَعْضهمْ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْء وَخَلُّوا عَنْهُ ! فَفَعَلُوا , فَأَعْطَاهُمْ دَاره وَمَاله , ثُمَّ خَرَجَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } الْآيَة ; فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَدِينَة تَلَقَّاهُ عُمَر فِي رِجَال , فَقَالَ لَهُ عُمَر : رَبِحَ الْبَيْع , قَالَ : وَبَيْعك فَلَا يَخْسَر , قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أُنْزِلَ فِيك كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ كُلّ شَارٍ نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه وَجِهَاد فِي سَبِيله أَوْ أَمْر بِمَعْرُوفٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3176 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حُسَيْن بْن الْحَسَن أَبُو عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا أَبُو عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : حَمَلَ هِشَام بْن عَامِر عَلَى الصَّفّ حَتَّى خَرَقَهُ , فَقَالُوا : أَلْقَى بِيَدِهِ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } 3177 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ طَارِق بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم , عَنْ الْمُغِيرَة , قَالَ : بَعَثَ عُمَر جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْل حِصْن , وَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ بَجِيلَة , فَقَاتَلَ , فَقُتِلَ , فَأَكْثَر النَّاس فِيهِ يَقُولُونَ : أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَالَ : كَذَبُوا , أَلَيْسَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } ؟ 3178 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : حَمَلَ هِشَام بْن عَامِر عَلَى الصَّفّ حَتَّى شَقَّهُ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } 3179 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا حِزَام بْن أَبِي حَزْم , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن قَرَأَ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الْمُسْلِم لَقِيَ الْكَافِر فَقَالَ لَهُ : قُلْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , فَإِذَا قُلْتهَا عَصَمْت دَمك وَمَالك إلَّا بِحَقِّهِمَا . فَأَبَى أَنْ يَقُولهَا , فَقَالَ الْمُسْلِم : وَاَللَّه لَأَشْرِيَن نَفْسِي لِلَّهِ . فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . 3180 - حَدَّثَنِي أَحَمْد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , ثنا زِيَاد بْن أَبِي مُسْلِم , عَنْ أَبِي الْخَلِيل , قَالَ : سَمِعَ عُمَر إنْسَانًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : اسْتَرْجَعَ عُمَر فَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ , قَامَ رَجُل يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر فَقُتِلَ . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَة مِنْ التَّأْوِيل , مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , مِنْ أَنْ يَكُون عَنَى بِهَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَر . وَذَلِك أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَة فَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا مُنَافِق يَقُول بِلِسَانِهِ خِلَاف مَا فِي نَفْسه وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه رَكِبَهَا وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِر رَامَهَا وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّة بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ إثْم , وَالْآخَر مِنْهُمَا بَائِع نَفْسه طَالِب مِنْ اللَّه رِضَا اللَّه . فَكَانَ الظَّاهِر مِنْ التَّأْوِيل أَنَّ الْفَرِيق الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسه لِلَّهِ وَطَلَب رِضَاهُ , إنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِر طَلَب رِضَا اللَّه . فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب الْأَظْهُر مِنْ تَأْوِيل الْآيَة . وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُول الْآيَة فِي أَمْر صُهَيْب , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُسْتَنْكَر , إذْ كَانَ غَيْر مَدْفُوع جَوَاز نُزُول آيَة مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَاب , وَالْمَعْنِيّ بِهَا كُلّ مَنْ شَمِلَهُ ظَاهِرهَا . فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ وَصَفَ شَارِبًا نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاته , فَكُلّ مَنْ بَاعَ نَفْسه فِي طَاعَته حَتَّى قُتِلَ فِيهَا أَوْ اُسْتُقْتِلَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَل , فَمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } فِي جِهَاد عَدُوّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ فِي أَمْر بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَبِيع نَفْسه بِمَا وَعَدَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيله وَابْتَاعَ بِهِ أَنَفْسهمْ بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة } 9 111 وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَى بَاعَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَأَمَّا قَوْله : { ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِي يَشْرِي إذَا اشْتَرَى طَلَب مَرْضَاة اللَّه . وَنُصِبَ " ابْتِغَاء " بِقَوْلِهِ " يَشْرِي " , فَكَأَنَّهُ قَالَ . وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي مِنْ أَجْل ابْتِغَاء مَرْضَاة اللَّه , ثُمَّ تَرَكَ " مِنْ أَجْل " وَعَمِلَ فِيهِ الْفِعْل . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّهُ نُصِبَ ذَلِكَ عَلَى الْفِعْل عَلَى يَشْرِي كَأَنَّهُ قَالَ : لِابْتِغَاءِ مَرْضَاة اللَّه , فَلَمَّا نَزَعَ اللَّام عَمِلَ الْفِعْل . قَالَ : وَمِثْله : { حَذَر الْمَوْت } 2 19 وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ حَاتِم : وَأَغْفِر عَوْرَاء الْكَرِيم ادِّخَاره وَأَعْرِض عَنْ قَوْل اللَّئِيم تَكَرُّمَا وَقَالَ : لَمَّا أَذْهَبَ اللَّام أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْل . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَيّمَا مَصْدَر وُضِعَ مَوْضِع الشَّرْط وَمَوْضِع " أَنْ " فَتَحْسُن فِيهَا الْبَاء وَاللَّام , فَتَقُول : أَتَيْتُك مِنْ خَوْف الشَّرّ , وَلِخَوْفِ الشَّرّ , وَبِأَنْ خِفْت الشَّرّ ; فَالصِّفَة غَيْر مَعْلُومَة , فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَر مَقَامهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ الصِّفَة حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ حَذْفهَا كَمَا غَيْر جَائِز لِمَنْ قَالَ : فَعَلْت هَذَا لَك وَلِفُلَانٍ , أَنْ يُسْقِط اللَّام . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيهِ وَمَنْ عُنِيَ بِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3173 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار . وَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي رِجَال مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3174 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِيّ حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : نَزَلَتْ فِي صُهَيْب بْن سِنَان وَأَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ جُنْدُب بْن السَّكَن ; أَخَذَ أَهْل أَبِي ذَرّ أَبَا ذَرّ , فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ , فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ , وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ , فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسِّلَام . وَأَمَّا صُهَيْب فَأَخَذَهُ أَهْله , فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ , ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ مُنْقِذ بْن عُمَيْر بْن جُدْعَان , فَخَرَجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَاله , وَخَلَّى سَبِيله . 3175 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } الْآيَة , قَالَ : كَانَ رَجُل مِنْ أَهْل مَكَّة أَسْلَمَ , فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُهَاجِر إلَى الْمَدِينَة , فَمَنَعُوهُ وَحَبَسُوهُ , فَقَالَ لَهُمْ : أُعْطِيكُمْ دَارِي وَمَالِي وَمَا كَانَ لِي مِنْ شَيْء فَخَلُّوا عَنِّي فَأَلْحَق بِهَذَا الرَّجُل ! فَأَبَوْا . ثُمَّ إنَّ بَعْضهمْ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْء وَخَلُّوا عَنْهُ ! فَفَعَلُوا , فَأَعْطَاهُمْ دَاره وَمَاله , ثُمَّ خَرَجَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } الْآيَة ; فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَدِينَة تَلَقَّاهُ عُمَر فِي رِجَال , فَقَالَ لَهُ عُمَر : رَبِحَ الْبَيْع , قَالَ : وَبَيْعك فَلَا يَخْسَر , قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أُنْزِلَ فِيك كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ كُلّ شَارٍ نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه وَجِهَاد فِي سَبِيله أَوْ أَمْر بِمَعْرُوفٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3176 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حُسَيْن بْن الْحَسَن أَبُو عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا أَبُو عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : حَمَلَ هِشَام بْن عَامِر عَلَى الصَّفّ حَتَّى خَرَقَهُ , فَقَالُوا : أَلْقَى بِيَدِهِ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } 3177 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ طَارِق بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ قَيْس بْن أَبِي حَازِم , عَنْ الْمُغِيرَة , قَالَ : بَعَثَ عُمَر جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْل حِصْن , وَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ بَجِيلَة , فَقَاتَلَ , فَقُتِلَ , فَأَكْثَر النَّاس فِيهِ يَقُولُونَ : أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَالَ : كَذَبُوا , أَلَيْسَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } ؟ 3178 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : حَمَلَ هِشَام بْن عَامِر عَلَى الصَّفّ حَتَّى شَقَّهُ , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } 3179 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا حِزَام بْن أَبِي حَزْم , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن قَرَأَ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الْمُسْلِم لَقِيَ الْكَافِر فَقَالَ لَهُ : قُلْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , فَإِذَا قُلْتهَا عَصَمْت دَمك وَمَالك إلَّا بِحَقِّهِمَا . فَأَبَى أَنْ يَقُولهَا , فَقَالَ الْمُسْلِم : وَاَللَّه لَأَشْرِيَن نَفْسِي لِلَّهِ . فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . 3180 - حَدَّثَنِي أَحَمْد بْن حَازِم , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , ثنا زِيَاد بْن أَبِي مُسْلِم , عَنْ أَبِي الْخَلِيل , قَالَ : سَمِعَ عُمَر إنْسَانًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } قَالَ : اسْتَرْجَعَ عُمَر فَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ , قَامَ رَجُل يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر فَقُتِلَ . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَة مِنْ التَّأْوِيل , مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , مِنْ أَنْ يَكُون عَنَى بِهَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَر . وَذَلِك أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَة فَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا مُنَافِق يَقُول بِلِسَانِهِ خِلَاف مَا فِي نَفْسه وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه رَكِبَهَا وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِر رَامَهَا وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّة بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ إثْم , وَالْآخَر مِنْهُمَا بَائِع نَفْسه طَالِب مِنْ اللَّه رِضَا اللَّه . فَكَانَ الظَّاهِر مِنْ التَّأْوِيل أَنَّ الْفَرِيق الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسه لِلَّهِ وَطَلَب رِضَاهُ , إنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِر طَلَب رِضَا اللَّه . فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب الْأَظْهُر مِنْ تَأْوِيل الْآيَة . وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُول الْآيَة فِي أَمْر صُهَيْب , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُسْتَنْكَر , إذْ كَانَ غَيْر مَدْفُوع جَوَاز نُزُول آيَة مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَاب , وَالْمَعْنِيّ بِهَا كُلّ مَنْ شَمِلَهُ ظَاهِرهَا . فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ وَصَفَ شَارِبًا نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاته , فَكُلّ مَنْ بَاعَ نَفْسه فِي طَاعَته حَتَّى قُتِلَ فِيهَا أَوْ اُسْتُقْتِلَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَل , فَمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّه } فِي جِهَاد عَدُوّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ فِي أَمْر بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَر .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الرَّأْفَة بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَأَنَّهَا رِقَّة الرَّحْمَة ; فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَاَللَّه ذُو رَحْمَة وَاسِعَة بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسه لَهُ فِي جِهَاد مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْره مِنْ أَهْل الشِّرْك وَالْفُسُوق وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلهمْ وَآجِلِ مَعَادهمْ , فَيُنْجِز لَهُمْ الثَّوَاب عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَته فِي الدُّنْيَا , وَيُسْكِنهُمْ جَنَّاته عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه رَءُوف بِالْعِبَادِ } قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الرَّأْفَة بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَأَنَّهَا رِقَّة الرَّحْمَة ; فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَاَللَّه ذُو رَحْمَة وَاسِعَة بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسه لَهُ فِي جِهَاد مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْره مِنْ أَهْل الشِّرْك وَالْفُسُوق وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلهمْ وَآجِلِ مَعَادهمْ , فَيُنْجِز لَهُمْ الثَّوَاب عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَته فِي الدُّنْيَا , وَيُسْكِنهُمْ جَنَّاته عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاته .'

تفسير القرطبي

{ ابتغاء} نصب على المفعول من أجله. ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين. قيل : نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم، وايْم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ربح البيع أبا يحيى)، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما. وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليه راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى. فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر، فما ذاك؟ فقال : أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه الآية. وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك، فأبى أن يقولها، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله، فتقدم فقاتل حتى قتل. وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، قال علي وابن عباس : (اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد : اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا). وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية، فقال عمر : (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل). وقيل : إن عمر سمع ابن عباس يقول : (اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية)، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر، (لله تلادك يا ابن عباس)! وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال. حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ، ومثله عن أبي أيوب. وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع. وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار. وقيل : نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في "براءة" إن شاء الله تعالى. وقيل : الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر. وقد تقدم حكم من حمل على الصف، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في آل عمران إن شاء الله تعالى. و { يشري} معناه يبيع، ومنه { وشروه بثمن بخس} [يوسف : 20] أي باعوه، وأصله الاستبدال، ومنه قوله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة : 111]. ومنه قول الشاعر : وإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى ** شروا هذه الدنيا بجناته الخلد وقال آخر : وشريت بردا ليتني ** من بعد برد كنت هامه البرد هنا اسم غلام. وقال آخر : يعطى بها ثمنا فيمنعها ** ويقول صاحبها ألا فاشر وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. { ابتغاء} مفعول من أجله. ووقف الكسائي على { مرضات} بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر : بل جَوْزتيهاء كظهر الحجفت وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. والمرضاة الرضا، يقال : رضي يرضى رضا ومرضاة. وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. فيستقيم اللفظ على معنى باع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 204 - 208

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة " يشري " يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، فـ " شرى " يعني أيضا " باع ". إذن، كلمة " شرى " لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى:
{  وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }
[يوسف: 20]

أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضا بمعنى اشترى، فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول:
فخاض غمارها وشرى وباعا   .
إذن " شرى " لغة، تُستعمل في معنيين: إما أن تكون بمعنى " باع " ، وإما أن تكون بمعنى " اشترى " ، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منهم فقول عنترة: " شرى وباع " نفهم أن المقصود من " شري " هنا هو " اشترى " ، لأنها مقابل " باع " ، وقوله تعالى:
{  وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }
[يوسف: 20]

يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية، إنها لغة تريد أناساً يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم في فهمهم للمعاني.

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ } ونفهم " يشري " هنا بمعنى يبيع نفسه، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها، وعندما تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهي الشهادة في سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله. ومثل ذلك قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ }
[التوبة: 111]

إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلاً لها، هذا إذا كان معنى " يشري " هو باع.

وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى؟ هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شيء في سبيل أن تسلم نفسه الإيمانية. ومن العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين، معنى " باع " ومعنى " اشترى " فها هو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان في مكة، وقد كبر سنه، وأسلم وأراد أن يهاجر، فقال له الكفار: لقد جئت مكة فقيراً وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير، وتريد أن تهاجر بمالك.

فقال لهم: أإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني؟

فقالوا: نعم.

قال: تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة؟

قالوا: لك هذا.

إنه قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانياً بثروته، فلما ذهب إلى المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له: ربح البيع يا أبا يحيى.

قال: وأربح الله كل تجارتكم.

وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك، ويروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى.إذن معنى الآية وفق هذه القصة: أنه اشترى نفسه بماله، وسياق الآية يتفق مع المعنى نفسه. وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم معنيين متقابلين.

ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى، ففي غزوة بدر، وهي أول غزوة في الإسلام، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء الصناديد، وأسروا منهم كثيرين أيضا، وكان مِمَّنْ قتلوا في هذه الغزوة واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث بن عامر والذي قتله هو صحابي اسمه خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، وهو من قبيل الأوس بالمدينة، وبعد ذلك مكر بعض الكفار فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إننا قد أسلمنا، ونريد أن ترسل إلينا قوما ليعلمونا الإسلام. فأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه ليعلموهم القرآن، فغدر الكافرون بهؤلاء العشرة فقتلوهم إلا خبيب بن عدي، استطاع أن يفر بحياته ومعه صحابي آخر اسمه زيد بن الدَّثِنّة، لكن خبيباً وقع في الأسر وعرف الذين أسروه أنه هو الذي قتل أبا عقبة الحارث في غزوة بدر، فباعوه لابن أبي عقبة ليقتله مقابل أبيه، فلم يشأ أن يقتله وإنما صلبه حياً، فلما تركه مصلوباً على الخشبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة: من ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟

قال الزبير: أنا يا رسول الله.

وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله.

فذهبا إلى مكة فوجدا خبيباً على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه، فانتهزا منهم غفلتهم وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خبيباً وأخذاه، فلما أفاق القوم لم يجدوا خبيباً فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بمن خطفوه، فرآهم الزبير، فألقى خبيباً على الأرض، ثم نظر إليه فإذا بالأرض تبتلعه فسمى بليع الأرض. وبعد ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن العوام، أمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، فإن شئتم فاضلتكم ـ يعني يفاخر كل منا بنفسه ـ وإن شئتم نازلتكم ـ يعني قاتلتكم ـ وإن شئتم فانصرفوا، فقالوا: ننصرف، وانصرفوا، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة التي صار إليها خبيب.

إذن فقد باع خبيب نفسه بالجنة. وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي تكون " شرى " بمعنى اشترى، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب فتكون بمعنى: باع.وهكذا نجد أن اللفظ الواحد في القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع.

وخبيب بن عدي هذا قالت فيه ماويّة ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله مقابل أبيه، قالت: والله لقد رأيت خبيباً يأكل قطفا من العنب كرأس الإنسان! ووالله ما في مكة حائط ـ بستان ـ ولا عنب وإنما هو رزق ساقه الله له.

ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصلِّ ركعتين. فصلى ركعتين ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد في الصلاة لكي نبطئ بقتله لزدت. وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. ثم هتف وقال:
ولسـت أبالـي حـين أقـتل مسـلماً   عـلى أي جـنـب كـان فـي الله مصـرعـي
وكان ذلك آخر ما قاله.

ويقول الحق: { وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ } وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ مادام الله رءوفاً بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمراً كلياً في كل مسلم، وإنما جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناساً يحملون الدعوة.

وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفراً ونفاقاً، ومَنْ يقابلهم ممن يستقبلونها إيماناً خالصاً، نادى جميع المؤمنين فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }


www.alro7.net