سورة
اية:

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ

تفسير بن كثير

قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم وهو الصحيح، وروى ابن جرير قال: حدثني محمد بن أبي معشر، وأخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسو للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال اللّه تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب اللّه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب اللّه؟ قال، قوله اللّه: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية. فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد ""أخرجه ابن جرير عن سعيد المقبري موقوفاً""وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح. وأما قوله تعالى: { ويشهد الله على ما في قلبه} فمعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز اللّه بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الآية. وقيل معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد اللّه لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه وهذا المعنى صحيح واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وهو ألد الخصام} الألد في اللغة: الأعوج، { وتنذر به قوماً لدا} أي عوجاً، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر). وفي الحديث: (إن أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم) ""رواه البخاري عن عائشة مرفوعاً"" وقوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي هو أعوج المقال سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله. كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ههنا هو القصد كما قال إخبارا عن فرعون: { ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى} وقال تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله} أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار). فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار، والنسل: وهو نتاج الحيوانات الذي لا قوام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض إفساداً منع الله القطر فهلك الحرث والنسل { والله لا يحب الفساد} أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق اللّه وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق، امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا تعرف في وجوه الذي كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا. قل أفأنبئكم بشر من ذلكم. النار وعدها اللّه الذين كفروا وبئس المصير} ولهذا قال في هذه الآية: { فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي هي كفايته عقوبة في ذلك. وقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال ابن عباس وجماعة: نزلت في صهيب الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل اللّه فيه هذه الآية فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر اللّه تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن اللّه أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له: (ربح البيع صهيب) وروي عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟ واللّه لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلُّون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ربح صهيب، ربح صهيب) "" رواه ابن مردويه عن صهيب الرومي"" مرتين وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل اللّه كما قال اللّه تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون} ، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد} .

تفسير الجلالين

{ وإذا تولى } انصرف عنك { سعى } مشى { في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } من جملة الفساد { والله لا يحب الفساد } أي لا يرضى به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذَا تَوَلَّى } , وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِق مِنْ عِنْدك يَا مُحَمَّد مُنْصَرَفًا عَنْك . كَمَا : 3157 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذَا تَوَلَّى } قَالَ : يَعْنِي : وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدك سَعَى . وَقَالَ بَعْضهمْ : وَإِذَا غَضِبَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3158 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَإِذَا تَوَلَّى } قَالَ : إذَا غَضِبَ . فَمَعْنَى الْآيَة : وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِق مِنْ عِنْدك يَا مُحَمَّد غَضْبَان عَمِلَ فِي الْأَرْض بِمَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ , وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَة اللَّه , وَقَطْع الطَّرِيق , وَإِفْسَاد السَّبِيل عَلَى عِبَاد اللَّه , كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ فِعْل الْأَخْنَس بْن شَرِيق الثَّقَفِيّ الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة مِنْ إحْرَاقه زَرْع الْمُسْلِمِينَ وَقَتْله حُمُرهمْ . وَالسَّعْي فِي كَلَام الْعَرَب الْعَمَل , يُقَال مِنْهُ : فُلَان يَسْعَى عَلَى أَهْله , يَعْنِي بِهِ يَعْمَل فِيمَا يَعُود عَلَيْهِمْ نَفْعه ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : وَسَعَى لِكِنْدَة سَعْي غَيْر مُوَاكِل قَيْس فَضَرَّ عَدُوّهَا وَبَنَى لَهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِم . وَكَاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول . 3159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى } قَالَ : عَمِلَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِفْسَاد الَّذِي أَضَافَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ إلَى هَذَا الْمُنَافِق , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعه الطَّرِيق وَإِخَافَته السَّبِيل , كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْل مِنْ فِعْل الْأَخْنَس بْن شَرِيق . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْع الرَّحِم وَسَفْك دِمَاء الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3160 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا } قَطَعَ الرَّحِم , وَسَفَكَ الدِّمَاء , دِمَاء الْمُسْلِمِينَ , فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَل كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ أَتَقَرَّب بِهِ إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِق بِأَنَّهُ إذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْض اللَّه بِالْفَسَادِ . وَقَدْ يَدْخُل فِي الْإِفْسَاد جَمِيع الْمَعَاصِي , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَل بِالْمَعَاصِي إفْسَاد فِي الْأَرْض , فَلَمْ يَخْصُصْ اللَّه وَصْفه بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِفْسَاد دُون بَعْض . وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْإِفْسَاد مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْع الطَّرِيق , وَجَائِز أَنْ يَكُون غَيْر ذَلِكَ , وَأَيّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إفْسَادًا فِي الْأَرْض , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلّ مَعْصِيَة . غَيْر أَنَّ الْأَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل أَنْ يَكُون كَانَ يَقْطَع الطَّرِيق , وَيُخِيف السَّبِيل , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَصَفَهُ فِي سِيَاق الْآيَة بِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَذَلِكَ بِفِعْلِ مُخِيف السَّبِيل أَشْبَه مِنْهُ بِفِعْلِ قُطَّاع الرَّحِم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذَا تَوَلَّى } , وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِق مِنْ عِنْدك يَا مُحَمَّد مُنْصَرَفًا عَنْك . كَمَا : 3157 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِذَا تَوَلَّى } قَالَ : يَعْنِي : وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدك سَعَى . وَقَالَ بَعْضهمْ : وَإِذَا غَضِبَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3158 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَإِذَا تَوَلَّى } قَالَ : إذَا غَضِبَ . فَمَعْنَى الْآيَة : وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِق مِنْ عِنْدك يَا مُحَمَّد غَضْبَان عَمِلَ فِي الْأَرْض بِمَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ , وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَة اللَّه , وَقَطْع الطَّرِيق , وَإِفْسَاد السَّبِيل عَلَى عِبَاد اللَّه , كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ فِعْل الْأَخْنَس بْن شَرِيق الثَّقَفِيّ الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة مِنْ إحْرَاقه زَرْع الْمُسْلِمِينَ وَقَتْله حُمُرهمْ . وَالسَّعْي فِي كَلَام الْعَرَب الْعَمَل , يُقَال مِنْهُ : فُلَان يَسْعَى عَلَى أَهْله , يَعْنِي بِهِ يَعْمَل فِيمَا يَعُود عَلَيْهِمْ نَفْعه ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : وَسَعَى لِكِنْدَة سَعْي غَيْر مُوَاكِل قَيْس فَضَرَّ عَدُوّهَا وَبَنَى لَهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِم . وَكَاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول . 3159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى } قَالَ : عَمِلَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِفْسَاد الَّذِي أَضَافَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلّ إلَى هَذَا الْمُنَافِق , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعه الطَّرِيق وَإِخَافَته السَّبِيل , كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْل مِنْ فِعْل الْأَخْنَس بْن شَرِيق . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْع الرَّحِم وَسَفْك دِمَاء الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3160 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا } قَطَعَ الرَّحِم , وَسَفَكَ الدِّمَاء , دِمَاء الْمُسْلِمِينَ , فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَل كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ أَتَقَرَّب بِهِ إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِق بِأَنَّهُ إذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْض اللَّه بِالْفَسَادِ . وَقَدْ يَدْخُل فِي الْإِفْسَاد جَمِيع الْمَعَاصِي , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَل بِالْمَعَاصِي إفْسَاد فِي الْأَرْض , فَلَمْ يَخْصُصْ اللَّه وَصْفه بِبَعْضِ مَعَانِي الْإِفْسَاد دُون بَعْض . وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْإِفْسَاد مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْع الطَّرِيق , وَجَائِز أَنْ يَكُون غَيْر ذَلِكَ , وَأَيّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إفْسَادًا فِي الْأَرْض , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلّ مَعْصِيَة . غَيْر أَنَّ الْأَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل أَنْ يَكُون كَانَ يَقْطَع الطَّرِيق , وَيُخِيف السَّبِيل , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَصَفَهُ فِي سِيَاق الْآيَة بِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَذَلِكَ بِفِعْلِ مُخِيف السَّبِيل أَشْبَه مِنْهُ بِفِعْلِ قُطَّاع الرَّحِم .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي وَجْه إهْلَاك هَذَا الْمُنَافِق , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّه بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَة إهْلَاك الْحَرْث وَالنَّسْل ; فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ . 3161 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثني عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا . 3162 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَثَّام , قَالَ : ثنا النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } الْآيَة , قَالَ : إذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْم , فَيَحْبِس اللَّه بِذَلِكَ الْقَطْر , فَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِد : { ظَهَرَ الْفَسَاد فِي الْبَرّ وَالْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس لِيُذِيقَهُمْ بَعْض الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } 30 41 قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا هُوَ بَحْركُمْ هَذَا , وَلَكِنْ كُلّ قَرْيَة عَلَى مَاء حَارّ فَهُوَ بَحْر . وَاَلَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنْ التَّأْوِيل تَحْتَمِلهُ الْآيَة , فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل مِنْ التَّأْوِيل مَا ذَكَرْنَا عَنْ السُّدِّيّ , فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ . وَأَمَّا الْحَرْث , فَإِنَّهُ الزَّرْع , وَالنَّسْل : الْعَقِب وَالْوَلَد , وَإِهْلَاكه الزَّرْع : إحْرَاقه . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِد بِاحْتِبَاسِ الْقَطْر مِنْ أَجْل مَعْصِيَته رَبّه وَسَعْيه بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْض , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَانَ بِقَتْلِهِ الْقُوَّام بِهِ والمتعاهدين لَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَلَكَ . وَكَذَلِكَ جَائِز فِي مَعْنَى إهْلَاكه النَّسْل أَنْ يَكُون كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاته أَوْ آبَائِهِ الَّتِي مِنْهَا يَكُون النَّسْل , فَيَكُون فِي قَتْله الْآبَاء وَالْأُمَّهَات انْقِطَاع نَسْلهمَا . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ مُجَاهِد , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلهُ الْآيَة فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيّ غَيْر أَنَّ السُّدِّيّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة إنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْله حُمُر الْقَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقه زَرْعًا لَهُمْ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُون كَذَلِكَ , فَغَيْر فَاسِد أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِ , وَالْمُرَاد بِهَا كُلّ مَنْ سَلَكَ سَبِيله فِي قَتْل كُلّ مَا قَتَلَ مِنْ الْحَيَوَان الَّذِي لَا يَحِلّ قَتْله بِحَالٍ وَاَلَّذِي يَحِلّ قَتْله فِي بَعْض الْأَحْوَال إذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقّ , بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي ; لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُون شَيْء بَلْ عَمَّهُ . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي عُمُوم ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3163 - حَدَّثَنَا ابْن يَسَار , قَالَ . ثنا يَحْيَى وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ أَنَّهُ سَأَلَ ابْن عَبَّاس : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ , أَنَّهُ سَأَلَ ابْن عَبَّاس : قَالَ : قُلْت أَرَأَيْت قَوْله { الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث حَرْثكُمْ , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ , قَالَ : سَأَلْت ابْن عَبَّاس عَنْ الْحَرْث وَالنَّسْل , فَقَالَ : الْحَرْث : مِمَّا تَحْرُثُونَ , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ . ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ رَجُل مِنْ تَمِيم , عَنْ ابْن عَبَّاس , مِثْله . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس . { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } فَنَسْل كُلّ دَابَّة , وَالنَّاس أَيْضًا . 3164 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَى عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : نَبَات الْأَرْض { وَالنَّسْل } مِنْ كُلّ دَابَّة تَمْشِي مِنْ الْحَيَوَان مِنْ النَّاس وَالدَّوَابّ . 3165 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : نَبَات الْأَرْض , { وَالنَّسْل } : نَسْل كُلّ شَيْء . 3166 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَة : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : الْحَرْث . النَّبَات , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . 3167 - حَدَّثَنِي عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : الْحَرْث الَّذِي يَحْرُثهُ النَّاس : نَبَات الْأَرْض , { وَالنَّسْل } : نَسْل كُلّ دَابَّة . 3168 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث : الزَّرْع , وَالنَّسْل مِنْ النَّاس وَالْأَنْعَام , قَالَ : يَقْتُل نَسْل النَّاس وَالْأَنْعَام . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : يَبْتَغِي فِي الْأَرْض هَلَاك الْحَرْث : نَبَات الْأَرْض , وَالنَّسْل : مِنْ كُلّ شَيْء مِنْ الْحَيَوَان . 3169 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث : الْأَصْل , وَالنَّسْل : كُلّ دَابَّة وَالنَّاس مِنْهُمْ . 3170 - حَدَّثَنِي ابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سُئِلَ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ فَسَاد الْحَرْث وَالنَّسْل وَمَا هُمَا أَيّ حَرْث وَأَيّ نَسْل ؟ قَالَ سَعِيد : قَالَ مَكْحُول : الْحَرْث : مَا تَحْرُثُونَ , وَأَمَّا النَّسْل : فَنَسْل كُلّ شَيْء . وَقَدْ قَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء : " وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل " بِرَفْعِ " وَيُهْلِك " عَلَى مَعْنَى : وَمِنْ النَّاس مَنْ يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيُشْهِد اللَّه عَلَى مَا فِي قَلْبه وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَام , وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا , وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد . فَيَرُدّ و " يُهْلِك " عَلَى " وَيُشْهِد اللَّه " عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ قِرَاءَة عِنْدِي غَيْر جَائِزَة وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَج فِي الْعَرَبِيَّة لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّة مُجْمَعَة مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ قِرَاءَة : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب وَمُصْحَفه فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : وَلِيُفْسِد فِيهَا وَلِيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل " , وَذَلِكَ مِنْ أَدَلّ الدَّلِيل عَلَى تَصْحِيح قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ { وَيُهْلِك } بِالنَّصْبِ عَطْفًا بِهِ عَلَى : { لِيُفْسِد فِيهَا } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي وَجْه إهْلَاك هَذَا الْمُنَافِق , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّه بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَة إهْلَاك الْحَرْث وَالنَّسْل ; فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ . 3161 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثني عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا . 3162 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَثَّام , قَالَ : ثنا النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } الْآيَة , قَالَ : إذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْم , فَيَحْبِس اللَّه بِذَلِكَ الْقَطْر , فَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِد : { ظَهَرَ الْفَسَاد فِي الْبَرّ وَالْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس لِيُذِيقَهُمْ بَعْض الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } 30 41 قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا هُوَ بَحْركُمْ هَذَا , وَلَكِنْ كُلّ قَرْيَة عَلَى مَاء حَارّ فَهُوَ بَحْر . وَاَلَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنْ التَّأْوِيل تَحْتَمِلهُ الْآيَة , فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل مِنْ التَّأْوِيل مَا ذَكَرْنَا عَنْ السُّدِّيّ , فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ . وَأَمَّا الْحَرْث , فَإِنَّهُ الزَّرْع , وَالنَّسْل : الْعَقِب وَالْوَلَد , وَإِهْلَاكه الزَّرْع : إحْرَاقه . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِد بِاحْتِبَاسِ الْقَطْر مِنْ أَجْل مَعْصِيَته رَبّه وَسَعْيه بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْض , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَانَ بِقَتْلِهِ الْقُوَّام بِهِ والمتعاهدين لَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَلَكَ . وَكَذَلِكَ جَائِز فِي مَعْنَى إهْلَاكه النَّسْل أَنْ يَكُون كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاته أَوْ آبَائِهِ الَّتِي مِنْهَا يَكُون النَّسْل , فَيَكُون فِي قَتْله الْآبَاء وَالْأُمَّهَات انْقِطَاع نَسْلهمَا . وَجَائِز أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ مُجَاهِد , غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلهُ الْآيَة فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيّ غَيْر أَنَّ السُّدِّيّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة إنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْله حُمُر الْقَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقه زَرْعًا لَهُمْ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُون كَذَلِكَ , فَغَيْر فَاسِد أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِ , وَالْمُرَاد بِهَا كُلّ مَنْ سَلَكَ سَبِيله فِي قَتْل كُلّ مَا قَتَلَ مِنْ الْحَيَوَان الَّذِي لَا يَحِلّ قَتْله بِحَالٍ وَاَلَّذِي يَحِلّ قَتْله فِي بَعْض الْأَحْوَال إذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقّ , بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي ; لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُون شَيْء بَلْ عَمَّهُ . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي عُمُوم ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3163 - حَدَّثَنَا ابْن يَسَار , قَالَ . ثنا يَحْيَى وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ أَنَّهُ سَأَلَ ابْن عَبَّاس : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ , أَنَّهُ سَأَلَ ابْن عَبَّاس : قَالَ : قُلْت أَرَأَيْت قَوْله { الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث حَرْثكُمْ , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ التَّمِيمِيّ , قَالَ : سَأَلْت ابْن عَبَّاس عَنْ الْحَرْث وَالنَّسْل , فَقَالَ : الْحَرْث : مِمَّا تَحْرُثُونَ , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ . ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ رَجُل مِنْ تَمِيم , عَنْ ابْن عَبَّاس , مِثْله . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس . { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } فَنَسْل كُلّ دَابَّة , وَالنَّاس أَيْضًا . 3164 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَى عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : نَبَات الْأَرْض { وَالنَّسْل } مِنْ كُلّ دَابَّة تَمْشِي مِنْ الْحَيَوَان مِنْ النَّاس وَالدَّوَابّ . 3165 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : نَبَات الْأَرْض , { وَالنَّسْل } : نَسْل كُلّ شَيْء . 3166 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَة : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : الْحَرْث . النَّبَات , وَالنَّسْل : نَسْل كُلّ دَابَّة . 3167 - حَدَّثَنِي عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَيُهْلِك الْحَرْث } قَالَ : الْحَرْث الَّذِي يَحْرُثهُ النَّاس : نَبَات الْأَرْض , { وَالنَّسْل } : نَسْل كُلّ دَابَّة . 3168 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث : الزَّرْع , وَالنَّسْل مِنْ النَّاس وَالْأَنْعَام , قَالَ : يَقْتُل نَسْل النَّاس وَالْأَنْعَام . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : يَبْتَغِي فِي الْأَرْض هَلَاك الْحَرْث : نَبَات الْأَرْض , وَالنَّسْل : مِنْ كُلّ شَيْء مِنْ الْحَيَوَان . 3169 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } قَالَ : الْحَرْث : الْأَصْل , وَالنَّسْل : كُلّ دَابَّة وَالنَّاس مِنْهُمْ . 3170 - حَدَّثَنِي ابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سُئِلَ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ فَسَاد الْحَرْث وَالنَّسْل وَمَا هُمَا أَيّ حَرْث وَأَيّ نَسْل ؟ قَالَ سَعِيد : قَالَ مَكْحُول : الْحَرْث : مَا تَحْرُثُونَ , وَأَمَّا النَّسْل : فَنَسْل كُلّ شَيْء . وَقَدْ قَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء : " وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل " بِرَفْعِ " وَيُهْلِك " عَلَى مَعْنَى : وَمِنْ النَّاس مَنْ يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيُشْهِد اللَّه عَلَى مَا فِي قَلْبه وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَام , وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل , وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْض لِيُفْسِد فِيهَا , وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد . فَيَرُدّ و " يُهْلِك " عَلَى " وَيُشْهِد اللَّه " عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ . وَذَلِكَ قِرَاءَة عِنْدِي غَيْر جَائِزَة وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَج فِي الْعَرَبِيَّة لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّة مُجْمَعَة مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ قِرَاءَة : { وَيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل } وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب وَمُصْحَفه فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : وَلِيُفْسِد فِيهَا وَلِيُهْلِك الْحَرْث وَالنَّسْل " , وَذَلِكَ مِنْ أَدَلّ الدَّلِيل عَلَى تَصْحِيح قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ { وَيُهْلِك } بِالنَّصْبِ عَطْفًا بِهِ عَلَى : { لِيُفْسِد فِيهَا } .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمَعَاصِي , وَقَطْع السَّبِيل , وَإِخَافَة الطَّرِيق . وَالْفَسَاد : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : فَسَدَ الشَّيْء يَفْسُد , نَظِير قَوْلهمْ : ذَهَبَ يَذْهَب ذَهَابًا , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَجْعَل مَصْدَر فَسَدَ فُسُودًا , وَمَصْدَر ذَهَبَ يَذْهَب ذُهُوبًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْفَسَاد } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمَعَاصِي , وَقَطْع السَّبِيل , وَإِخَافَة الطَّرِيق . وَالْفَسَاد : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : فَسَدَ الشَّيْء يَفْسُد , نَظِير قَوْلهمْ : ذَهَبَ يَذْهَب ذَهَابًا , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَجْعَل مَصْدَر فَسَدَ فُسُودًا , وَمَصْدَر ذَهَبَ يَذْهَب ذُهُوبًا .'

تفسير القرطبي

وقوله تعالى { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} قيل { تولى وسعى} من فعل القلب، فيجيء { تولى} بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه. و { سعى} أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام وأهله، عن ابن جريج وغيره. وقيل : هما فعل الشخص، فيجيء { تولى} بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد. و { سعى} أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، عن ابن عباس وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال : سعى الرجل يسعى سعيا، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم. قوله تعالى { ويُهلك} عطف على ليفسد. وفي قراءة أبي { وليهلك} . وقرأ الحسن، وقتادة { ويهلك} بالرفع، وفي رفعه أقوال : يكون معطوفا على { يعجبك} . وقال أبو حاتم : هو معطوف على { سعى} لأن معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق : وهو يهلك. وروي عن ابن كثير { ويهلك} بفتح الياء وضم الكاف، { الحرث والنسل} مرفوعان بيهلك، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبي حيوة وابن محيصن، ورواه عبد الوارث عن أبي عمرو. وقرأ قوم { ويهلك} بفتح الياء واللام، ورفع الحرث، لغة هَلَكَ يَهلك، مثل ركن يركن، وأبى يأبى، وسلى يسلى، وقلى يقلى، وشبهه. والمعنِيُّ في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبري. قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل عمله استوجب تلك اللعنة والعقوبة. قال بعض العلماء : إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا استوجب الملامة، ولحقه الشَّين إلى يوم القيامة. وقال مجاهد : المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل. وقيل : الحرث النساء، والنسل الأولاد، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، قال معناه الزجاج. والسعي في الأرض المشي بسرعة، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس، والله أعلم. وفي الحديث : (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { الحرث والنسل} الحرث في اللغة : الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض. والحرث : كسب المال وجمعه، وفي الحديث : (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا). والحرث الزرع. والحرَّاث الزرَّاع. وقد حرث واحترث، مثل زرع وازدرع ويقال : احرث القرآن، أي ادرسه. وحرثت الناقة وأحرثتها، أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها. والمحراث : ما يحرك به نار التنور، عن الجوهري. والنسل : ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر، وريش الطائر، والمستقبل ينسل، ومنه { إلى ربهم ينسلون} [يس : 51]، { من كل حدب ينسلون} [الأنبياء : 96] وقال امرؤ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ** قلت : ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { والله لا يحب الفساد} قال العباس بن الفضل : الفساد هو الخراب. وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض. وقال عطاء : إن رجلا يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها. قال قتادة : قلت لعطاء : إنا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد. قلت : والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قيل : معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح، أو لا يحبه دينا. ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به، والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 200 - 205


سورة البقرة الايات 204 - 208

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس في الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن مصلحة الإنسان أن ينتمي هو والناس جميعاً إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلهاً حكيماً يعرف كل شيء عنا جميعاً.

فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، وأنا عندي شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعاً، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ولذلك قيل: " إن عَمّيْتَ على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء ".

إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو الذي سيحمي كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها؛ لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا يسرك.. وقد لا تنساه أبداً ويظل رأيك فيَّ سيئاً، لكن الظنون والآراء تمر عندي وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، والقول المأثور يذكر ذلك: " لو تكاشفتم ما تدافنتم ".

إذن فمن رحمة الله ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال فيهم: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال:
عـلى الـذم بـتنـا مجـمـعـين وحـالنـا   مـن الخـوف حـال المجـمـعين على الحمد
أي لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذماً، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا كل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. و " يعجبك قوله " فهل الممنوع أن يعجبك القول؟ لا، يعجبني القول ولكن في غير الحياة الدنيا، فالقول الذي يعجب هو ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل الخير.

وكفى بالذي يسمع من مادح له مدحاً، والمادح نفسه يضمر في قلبه كرهاً له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: " إن الممدوح غبي؛ لأني أمدحه وهو مصدق مدحي له ". إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظا وفطناً، ومن يقول لنا كلاماً يعجبنا في الحياة نتهمه بأن كلامه ليس حسنا؛ لأن خير الكلام هو ما يكون في الأمر الباقي.

ولذلك عندما أرسل خليفةُ المسلمين للإمام جعفر الصادق يقول له: ـ لماذا لا تغشانا ـ أي لا تزورنا ـ كما يغشانا الناس؟ فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندي من الدنيا ما أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له.وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا؛ أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأي سيء فيك هم من يمدحونك.

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } وهذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي واسمه أبيّ ولقب بالأخنس لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعي أنه يحبه، ولكنه بعد أن خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بزرع وحُمُر لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر. والآية وإن نزلت في الأخنس فهي تشمل كل مُنافق.

{ وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } لا تقولوا: " الله يشهد " ، وإنما هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم؛ لأن معنى " الله يشهد " هو إخبار منك بأن الله يشهد لك. وأنت كاذب في هذه، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك بإقحام الله في المسألة.

وساعة تسمع واحداً يقول لك: أُشْهِدُ الله على أني كذَا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب في هذا الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله في هذه الشهادة. { وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } وألد الخصام هو الفاسق في معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أي فسق في خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن أبغض الرجال إلى الله هو الألد الخصم ".

يعني المجادل بالباطل الذي عنده قسوة في المعصية، فهو عاصٍ وفي الوقت نفسه قاس في معصيته. ولماذا هو ألد الخصام؟ لأن الذي يجابهك بالأمر يجعلك تحتاط له، أما الذي يقابلك بنفاق فهو الذي يريد أن يخدعك، وهذا عنف في الخصومة فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما في باطنه، لكن إذا جابهت الذي يبطن خصومته ويظهر محبته يكون قاسياً عليك في خصومته؛ لأنه يريد أن يخدعك ويُبَيّتُ لك.

{ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا } و { تَوَلَّىٰ }: انصرف أي يقول لك ما يعجبك، فإذا تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة بإظهار ما كان يخفيه، ويحتمل المعنى أنه إذا تولى شيئاً آخر، من الولاية، ففيه { تَوَلَّىٰ } من التولي وهو الانصراف والإعراض، وفيه { تَوَلَّىٰ } من الولاية.

{ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } كانت الأرض بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر.ونعرف أن الفساد لم يطرأ على أي أمر إلا وللإنسان فيه دخل.

لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، وبمقدار تدخل الإنسان يكون الفساد. لقد تدخلنا قليلاً في المياه فجاء في ذلك فساد، فلم نحسن نقلها في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص. وبقدر ما يكون التدخل يكون الإفساد، أما في الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى مصدر الماء المباشر في الآبار ويأخذ الماء الطبيعي الذي خلقه الله بلا تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره.

إذن على مقدار وجود الإنسان في حركة الحياة غير المُرشّدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد له من منهج سماوي للإنسان. والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهي مخلوقة بالغريزة وتؤدي مهمتها فقط؛ فالدابة لم تمتنع يوماً عن ركوبك عليها، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك، أو تستعين بها في الحرث، أو الري، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك، لماذا؟ لأنها مخلوقة بالغريزة التي تؤدي بها الحركة النافعة بدون اختيار منها. وإذا امتنعت في وقت فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلا.

لكن الذي له اختيار لابد أن يكون له منهج يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن استقام مع المنهج في " افعل " و " لا تفعل " سارت حياته بشكل متوازن، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا } ، كأن الإفساد هو الذي يحتاج إلى عمل، اترك الطبيعة والمخلوقات كما هي تجدها تعمل في انضباط وكمال على ما يرام.

إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذي يحيا بلا منهج لأنه { وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا } فكأن الأصل في الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح، فإن لم تزد الصالح صلاحاً فلا تحاول أن تفسده. قال تعالى:
{  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }
[البقرة: 11-12]

ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم لإصلاحها، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة؛ لأنهم لا يتحركون بمنهج الله.

إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا { تَوَلَّىٰ } بمعنى رجع أو تولى ولاية سعى في الأرض ليفسد فيها؛ فكأن الفساد في الأرض أمر طارئ وينتج من سعي الإنسان على غير منهج من الله. وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه فهو مفسد لا محالة.

وانظر إلى غباء الذي يفسد في الأرض، هل يظن أنه هو وحده الذي سيستفيد في الأرض، فأباح لنفسه أن يفسد في الأرض لغيره؟ إنه ينسى الحقيقة، فكما يفسد لغيره، فغيره يُفسد له، فمن الخاسر؟ كلنا سنخسر إذن.{ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ... } [البقرة: 205]

والحرث له معنيان: فمرة يُطلق على الزرع، ومرة يُطلق على النساء، المعنى الأول ورد في قوله تعالى:
{  وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ }
[الأنبياء: 78]

فالحرث في الآية معناه: الزرع، والزرع ناتج عن إثارة الأرض وإهاجتها. وعملك يا أيها الإنسان أن تهيج الأرض وتثيرها، وتأتي بالبذر الذي خلقه الله في الأرض التي خلقها الله، وتسقيها بالماء الذي خلقه الله، وتكبر في الهواء الذي خلقه الله، ولذلك يلفتنا وينبهنا الحق ـ سبحانه ـ فيقول:
{  أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ }
[الواقعة: 63-64]

والمعنى الثاني: يُطلق الحرث على المرأة في قوله تعالى:
{  نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ }
[البقرة: 223]

وإذا كان حرث الزرع هدفه إيجاد النبات فكذلك المرأة حتى تلد الأولاد. ويقول سبحانه وتعالى:
{  فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ }
[البقرة: 223]

وأراد المتحللون الإباحيون أن يُطلقوا إتيان المرأة في جميع جسدها، نقول لهم: لاحظوا قوله: " حرثكم " والحرث محل الإنبات، فالإتيان يكون في محل الإنبات فقط، لا تفهمها تعميماً وإنما هي تخصيص. ويتابع الحق وصف الذي يقول القول الحسن، ولكنه يسعى في الأرض بالفساد فيقول: { وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ }. والنسل هو الأنجال والذرية.

ويذيل الحق الآية: { وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ } أي أن الحق يريد منكم إن لم تدخلوا بطاقة الله التي خلقها لكم فكراً وعطاء، فعلى الأقل اتركوا المسألة كما خلقها الله؛ لأن الله لا يحب أن تفسدوا فيما خلقه صالحاً في ذاته.

وما سبق في هذه الآية هو مجرد صورة من صور استقبال الدعوة الإسلامية في أول عهدها، من الذين كانوا ينافقون واقعها القوي، فيأتون بأقوال تُعجب، وبأفعال تُعجب من ينافق. ونعرف أن النفاق كان دليلا على قوة المسلمين، ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة. فقد قال الحق:
{  وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ }
[التوبة: 101]

وربما يتساءل إنسان: وكيف تظهر هذه الظاهرة في البيئة الإيمانية القوية في المدينة؟ ونقول: لأن الإسلام في مكة كان ضعيفاً، والضعيف لا ينافقه أحد، والإسلام في المدينة أصبح قوياً، والقوي هو الذي ينافقه الناس.

إذن فوجود النفاق في المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن الإيمان أصبح قويا بحيث يدعيه مَنْ ليس عنده إسلام. وهؤلاء كانوا يقولون قولاً حسناً جميلاً، وقد يفعلون أمام من ينافقونه فعلاً يُعجب مَنْ يراهم أو يسمعهم، ولكنهم لا يثبتون على الحق، فإذا ما تولوا، أي اختفوا عن أنظار مَنْ ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفري، أو إذا ائتمنوا على شيء فهم يسعون في الأرض فساداً.

والآية هنا تتعرض لشيء يدل على فطنة المؤمنين، إن الآية فضحت مَنْ نافق وكان الأخنس عمدة في النفاق، وفضيحة المنافق بهذه الصورة، تدل على أن وراء محمد صلى الله عليه وسلم ووراء المؤمنين بمحمد، ربَّاً يخبرهم بمَنْ يدلس عليهم، وأيضاً ينبههم لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق: { وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ... }


www.alro7.net