سورة
اية:

أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

تفسير بن كثير

يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها. وقوله { كذكركم آباءكم} اختلفوا في معناه فقال عطاء: هو كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر اللّه بعد قضاء النسك. وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم : { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر للّه عزّ وجلّ، و أو ههنا لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة} فليست ههنا للشك قطعاً وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه فقال: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} أي من نصيب ولا حظ، وتضمَّنَ هذا الذم التنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل اللّه فيهم: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأُخرى، فقال: { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم أو عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وجسداً صابراً فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار. ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري عن أنَس بن مالك: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وكان أنَس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. وعن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (هل تدعو اللّه بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّلْه لي في الدنيا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبحان اللّه لا تطيقه أو لا تستطيعه، فهلا قلت { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} قال: فدعا اللّه فشفاه ""قال ابن كثير: انفرد بإخراجه مسلم""

تفسير الجلالين

{ أولئك لهم نصيب } ثواب { مـ } من أجل { ما كسبوا } عملوا من الحج والدعاء { والله سريع الحساب } يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ : { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار } رَغْبَة مِنْهُمْ إلَى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عِنْده , وَعِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْخَيْر كُلّه مِنْ عِنْده , وَأَنَّ الْفَضْل بِيَدِهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء . فَأَعْلَمَ جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا وَحَظًّا مِنْ حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ وَثَوَابًا جَزِيلًا عَلَى عَمَلهمْ الَّذِي كَسَبُوهُ , وَبَاشَرُوا مُعَانَاته بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ خَاصًّا ذَلِكَ لَهُمْ دُون الْفَرِيق الْآخَر الَّذِينَ عَانُوا مَا عَانُوا مِنْ نَصْب أَعْمَالهمْ وَتَعَبهَا , وَتَكَلَّفُوا مَا تَكَلَّفُوا مِنْ أَسْفَارهمْ بِغَيْرِ رَغْبَة مِنْهُمْ فِيمَا عِنْد رَبّهمْ مِنْ الْأَجْر وَالثَّوَاب , وَلَكِنْ رَجَاء خَسِيس مِنْ عَرَض الدُّنْيَا وَابْتِغَاء عَاجِل حُطَامهَا . كَمَا : 3084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : فَهَذَا عَبْد نَوَى الدُّنْيَا لَهَا عَمَل وَلَهَا نَصَب , { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا } أَيْ حَظّ مِنْ أَعْمَالهمْ . 3085 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } إنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَة , لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَة وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا , { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار } قَالَ : فَهَؤُلَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } لِهَؤُلَاءِ الْأَجْر بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ مُحِيط بِعَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ مِنْ مَسْأَلَة أَحَدهمَا : رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ; وَمِنْ مَسْأَلَة الْآخِرَة : رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ; فَمُحْصٍ لَهُ بِأَسْرَع الْحِسَاب , ثُمَّ إنَّهُ مُجَازٍ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَله . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلّ ثَنَاؤُهُ نَفْسه بِسُرْعَةِ الْحِسَاب , لِأَنَّهُ جَلّ ذِكْره يُحْصِي مَا يُحْصِي مِنْ أَعْمَال عِبَاده بِغَيْرِ عَقْد أَصَابِع وَلَا فِكْر وَلَا رَوِيَّة فِعْل الْعَجَزَة الضَّعَفَة مِنْ الْخَلْق , وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء , وَلَا يَعْزُب عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّة فِيهِمَا , ثُمَّ هُوَ مُجَازٍ عِبَاده عَلَى كُلّ ذَلِكَ ; فَلِذَلِكَ جَلّ ذِكْره امْتَدَحَ بِسُرْعَةِ الْحِسَاب , وَأَخْبَرَ خَلْقه أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ بِمِثْلٍ فَيَحْتَاج فِي حِسَابه إلَى عَقْد كَفّ أَوْ وَعْي صَدْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ : { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار } رَغْبَة مِنْهُمْ إلَى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عِنْده , وَعِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْخَيْر كُلّه مِنْ عِنْده , وَأَنَّ الْفَضْل بِيَدِهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء . فَأَعْلَمَ جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا وَحَظًّا مِنْ حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ وَثَوَابًا جَزِيلًا عَلَى عَمَلهمْ الَّذِي كَسَبُوهُ , وَبَاشَرُوا مُعَانَاته بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ خَاصًّا ذَلِكَ لَهُمْ دُون الْفَرِيق الْآخَر الَّذِينَ عَانُوا مَا عَانُوا مِنْ نَصْب أَعْمَالهمْ وَتَعَبهَا , وَتَكَلَّفُوا مَا تَكَلَّفُوا مِنْ أَسْفَارهمْ بِغَيْرِ رَغْبَة مِنْهُمْ فِيمَا عِنْد رَبّهمْ مِنْ الْأَجْر وَالثَّوَاب , وَلَكِنْ رَجَاء خَسِيس مِنْ عَرَض الدُّنْيَا وَابْتِغَاء عَاجِل حُطَامهَا . كَمَا : 3084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : فَهَذَا عَبْد نَوَى الدُّنْيَا لَهَا عَمَل وَلَهَا نَصَب , { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا } أَيْ حَظّ مِنْ أَعْمَالهمْ . 3085 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } إنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَة , لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَة وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا , { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار } قَالَ : فَهَؤُلَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيب مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } لِهَؤُلَاءِ الْأَجْر بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه سَرِيع الْحِسَاب } فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ مُحِيط بِعَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ مِنْ مَسْأَلَة أَحَدهمَا : رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ; وَمِنْ مَسْأَلَة الْآخِرَة : رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ; فَمُحْصٍ لَهُ بِأَسْرَع الْحِسَاب , ثُمَّ إنَّهُ مُجَازٍ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَله . وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلّ ثَنَاؤُهُ نَفْسه بِسُرْعَةِ الْحِسَاب , لِأَنَّهُ جَلّ ذِكْره يُحْصِي مَا يُحْصِي مِنْ أَعْمَال عِبَاده بِغَيْرِ عَقْد أَصَابِع وَلَا فِكْر وَلَا رَوِيَّة فِعْل الْعَجَزَة الضَّعَفَة مِنْ الْخَلْق , وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء , وَلَا يَعْزُب عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّة فِيهِمَا , ثُمَّ هُوَ مُجَازٍ عِبَاده عَلَى كُلّ ذَلِكَ ; فَلِذَلِكَ جَلّ ذِكْره امْتَدَحَ بِسُرْعَةِ الْحِسَاب , وَأَخْبَرَ خَلْقه أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ بِمِثْلٍ فَيَحْتَاج فِي حِسَابه إلَى عَقْد كَفّ أَوْ وَعْي صَدْر .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { أولئك لهم نصيب مما كسبوا} هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة. وقيل : يرجع { أولئك} إلى الفريقين، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى { ولكل درجات مما عملوا} [الأنعام:132]. الثانية: قوله تعالى { والله سريع الحساب} من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - سرعا وسرعة، فهو سريع. { الحساب} : مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب حسابا. والحساب العد، يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحُسبانا وحِسبانا وحسبا، أي عد وأنشد ابن الأعرابي : يا جمل أسقاك بلا حسابه ** سقيا مليك حسن الربابه قتلتني بالدل والخلابه والحسب : ما عد من مفاخر المرء. ويقال : حسبه دينه. ويقال : ماله، ومنه الحديث : ( الحسب المال والكرم التقوى) رواه سمرة بن جندب، أخرجه ابن ماجة، وهو في الشهاب أيضا. والرجل حسيب، وقد حسب حسابة بالضم مثل خطب خطابة. والمعنى في الآية : إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق { وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء:47]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب) الحديث. فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته. وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان : 28]. قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر، وفي الخبر (إن الله يحاسب في قدر حلب شاة). وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال : كما يرزقهم في يوم. ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه، بدليل قوله تعالى { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه} [المجادلة : 6]. وقيل : معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة. قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. الثالثة: قال ابن عباس في قوله تعالى { أولئك لهم نصيب مما كسبوا} هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله، مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي). قال نعم. قال : (فدين الله أحق أن يقضى). قال : فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى { أولئك لهم نصيب مما كسبوا} يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. قال أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك، لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، والحجة للحاج، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه، ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج، لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا. ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه، ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 200 - 205

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والنصيب هو الحظ، وأما { مِّمَّا كَسَبُواْ } فنعرف من قبل أن فيه " كسب " وفيه " اكتساب ". والاكتساب فيه افتعال، إنما الكسب هو أمر عادي، ولذلك تجد أن الاكتساب لا يكون إلا في الشر؛ كأن الذي يفعل الشر يتكلف فيه، لكن من يفعل الخير فذلك أمر طبيعي من الإنسان. والمقصود بـ { مِّمَّا كَسَبُواْ } هنا هو الكسب من استيفاء أعمالهم التي فعلوها في الحج إحراماً، وتلبية. وطوافاً، وسعياً، وذهاباً إلى " منى " ، وذهاباً إلى " عرفات " ووقوفاً بها، وإفاضة إلى " مزدلفة " ، ورمياً للجمار. في " منى " ، وطواف إفاضة، وكل هذا كسب للإنسان الذي نال شرف الحج.

وعندما نقرأ: { وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، فبدلا من أن يأخذ الحدث منك ساعة، وقد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له زمن،والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع فيه حتى تنجزه في أقل وقت. وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في الأفعال العلاجية التي تحتاج مُعَالجة، وعملاً من الإنسان، لكن سبحانه يفعل بـ " كُن " ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، إذن فهو سريع الحساب؛ لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث؛ لأن الحادث عندما يؤدي عملاً، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عمليتين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد.

ولذلك سُئل الإمام علي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الخلائق جميعاً في لحظة واحدة؟. فقال: " كما يرزقهم في ساعة واحدة ". فهو سبحانه الذي يرزقهم، وكما يرزقهم يحاسبهم. ويقول الحق من بعد ذلك: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ... }


www.alro7.net