سورة
اية:

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} الآية. [200].
قال مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا فعل آبائهم في الجاهلية، وأيامهم وأنسابهم فتفاخروا، فأنزل الله تعالى: { فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} .
وقال الحسن: كانت الأعراب إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها. وقوله { كذكركم آباءكم} اختلفوا في معناه فقال عطاء: هو كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر اللّه بعد قضاء النسك. وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم : { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر للّه عزّ وجلّ، و أو ههنا لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة} فليست ههنا للشك قطعاً وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه فقال: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} أي من نصيب ولا حظ، وتضمَّنَ هذا الذم التنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل اللّه فيهم: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأُخرى، فقال: { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم أو عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وجسداً صابراً فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار. ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري عن أنَس بن مالك: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وكان أنَس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. وعن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (هل تدعو اللّه بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّلْه لي في الدنيا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبحان اللّه لا تطيقه أو لا تستطيعه، فهلا قلت { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} قال: فدعا اللّه فشفاه ""قال ابن كثير: انفرد بإخراجه مسلم""

تفسير الجلالين

{ فإذا قضيتم } أدَّيتم { مناسككم } عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى { فاذكروا الله } بالتكبير والثناء { كذكركم آباءكم } كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة { أو أشد ذكرا } من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال من ذكر المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له { فمن الناس من يقول ربنا آتنا } نصيبا { في الدنيا } فيؤتاه فيها { وماله في الآخرة من خلاق } نصيب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ حَجّكُمْ فَذَبَحْتُمْ نَسَائِككُمْ , { فَاذْكُرُوا اللَّه } يُقَال مِنْهُ : نَسَكَ الرَّجُل يَنْسَك نُسْكًا وَنُسُكًا وَنَسِيكَة وَمَنْسَكًا إذَا ذَبَحَ نُسُكه , وَالْمَنْسَك : اسْم مِثْل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب . فَأَمَّا النُّسُك فِي الدِّين . فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ مَا كَانَ الرَّجُل نَاسِكًا , وَلَقَدْ نَسَكَ , وَنَسُكَ نُسْكًا نُسُكًا وَنَسَاكَة , وَذَلِكَ إذَا تَقَرَّأَ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْمَنَاسِك فِي هَذَا الْمَوْضِع قَالَ مُجَاهِد . 3057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } قَالَ : إهْرَاقه الدِّمَاء . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَمَّا قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي صِفَة ذِكْر الْقَوْم آبَاءَهُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَجْعَلُوا ذِكْرهمْ إيَّاهُ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ الْقَوْم فِي جَاهِلِيَّتهمْ بَعْد فَرَاغهمْ مِنْ حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَفَاخَرُونَ بِمَآثِر آبَائِهِمْ , فَأَمَرَهُمْ اللَّه فِي الْإِسْلَام أَنْ يَكُون ذِكْرهمْ بِالثَّنَاءِ وَالشُّكْر وَالتَّعْظِيم لِرَبِّهِمْ دُون غَيْره , وَأَنْ يَلْزَمُوا أَنْفُسهمْ مِنْ الْإِكْثَار مِنْ ذِكْره نَظِير مَا كَانُوا أَلْزَمُوا أَنْفُسهمْ فِي جَاهِلِيَّتهمْ مِنْ ذِكْر آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3058 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن يُوسُف , عَنْ الْقَاسِم بْن عُثْمَان , عَنْ أَنَس فِي هَذِهِ الْآيَة , قَالَ : كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ فِي الْحَجّ , فَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي يُطْعِم الطَّعَام , وَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي يَضْرِب بِالسَّيْفِ , وَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي جَزّ نَوَاصِي بَنِي فُلَان . 3059 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان . عَنْ عَبْد الْعَزِيز , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : كَانَ آبَاؤُنَا يَنْحَرُونَ الْجُزُر , وَيَفْعَلُونَ كَذَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } 3060 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَذْكُرُونَ فِعَال آبَائِهِمْ . 3061 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إذَا فَرَغُوا مِنْ الْحَجّ قَامُوا عِنْد الْبَيْت فَيَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ وَأَيَّامهمْ : كَانَ أَبِي يُطْعِم الطَّعَام , وَكَانَ أَبِي يَفْعَل , فَذَلِكَ قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قُلْت لِيَحْيَى بْن آدَم : عَمَّنْ هُوَ ؟ قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل . * وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاج عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ وَقَفُوا عِنْد الْجَمْرَة فَذَكَرُوا آبَاءَهُمْ , وَذَكَرُوا أَيَّامهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَال آبَائِهِمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ قَيْس , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ وَقَفُوا عِنْد الْجَمْرَة , وَذَكَرُوا أَيَّامهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَال آبَائِهِمْ . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : تَفَاخَرَتْ الْعَرَب بَيْنهَا بِفِعْلِ آبَائِهَا يَوْم النَّحْر حِين فَرَغُوا فَأَمَرُوا بِذِكْرِ اللَّه مَكَان ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 3062 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ بِمِنَى قَعَدُوا حُلَّقًا , فَذَكَرُوا صَنِيع آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَالهمْ بِهِ , يَخْطُب خَطِيبهمْ وَيُحَدِّث مُحَدِّثهمْ , فَأَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة آبَاءَهُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ اجْتَمَعُوا فَافْتَخَرُوا وَذَكَرُوا آبَاءَهُمْ وَأَيَّامهَا , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا مَكَان ذَلِكَ ذِكْر اللَّه , يَذْكُرُونَهُ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ , أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . 3063 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خَصِيف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة قَالَا : كَانُوا يَذْكُرُونَ فِعْل آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا وَقَفُوا بِعَرَفَة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول ذَلِكَ يَوْم النَّحْر حِين يَنْحَرُونَ قَالَ : قَالَ { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب يَوْم النَّحْر حِين يَفْرُغُونَ يَتَفَاخَرُونَ بِفِعَالِ آبَائِهَا , فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلّ مَكَان ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِ الْأَبْنَاء وَالصِّبْيَان الْآبَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3064 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَطَاء أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : هُوَ قَوْل الصَّبِيّ : يَا أَبَاهُ . 3065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } يَعْنِي بِالذِّكْرِ , ذِكْر الْأَبْنَاء الْآبَاء . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ لِي عَطَاء : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } : أَبِهِ أُمّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا صَالِح بْن عُمَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء , قَالَ : كَالصَّبِيِّ , يَلْهَج بِأَبِيهِ وَأُمّه . 3066 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَقُول : كَذِكْرِ الْأَبْنَاء الْآبَاء أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . 3067 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَقُول : كَمَا يَذْكُر الْأَبْنَاء الْآبَاء . 3068 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } يَعْنِي ذِكْر الْأَبْنَاء الْآبَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ لَهُمْ : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ فَدَعَوْا رَبّهمْ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْر آبَائِهِمْ فَأُمِرُوا مِنْ ذِكْر اللَّه بِنَظِيرِ ذِكْر آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3069 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب إذَا قَضَتْ مَنَاسِكهَا وَأَقَامُوا بِمِنًى يَقُوم الرَّجُل فَيَسْأَل اللَّه وَيَقُول : اللَّهُمَّ إنَّ أَبِي كَانَ عَظِيم الْجَفْنَة عَظِيم الْقُبَّة كَثِير الْمَال , فَأَعْطِنِي مِثْل مَا أَعْطَيْت أَبِي . لَيْسَ بِذِكْرِ اللَّه , إنَّمَا يَذْكُر آبَاءَهُ , وَيَسْأَلهُ أَنْ يُعْطَى فِي الدُّنْيَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدِي فِي تَأْوِيل ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي الْخُضُوع لِأَمْرِهِ وَالْعِبَادَة لَهُ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ . وَذَلِكَ الذِّكْر جَائِز أَنْ يَكُون هُوَ التَّكْبِير الَّذِي أَمَرَ بِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاذْكُرُوا اللَّه فِي أَيَّام مَعْدُودَات } الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ قَضَى نُسُكه بَعْد قَضَائِهِ نُسُكه , فَأَلْزَمهُ حِينَئِذٍ مِنْ ذِكْره مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ لَازِمًا قَبْل ذَلِكَ , وَحَثّ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَيْهِ مُحَافَظَة الْأَبْنَاء عَلَى ذِكْر الْآبَاء فِي الْآثَار مِنْهُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَهُ وَالتَّضَرُّع إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ مِنْهُمْ إلَيْهِ فِي حَوَائِجهمْ كَتَضَرُّعِ الْوَلَد لِوَالِدِهِ وَالصَّبِيّ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ , أَوْ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ ; إذْ كَانَ مَا كَانَ بِهِمْ وَبِآبَائِهِمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْهُ وَهُوَ وَلِيّه . وَإِنَّمَا قُلْنَا : الذِّكْر الَّذِي أَمَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِهِ الْحَاجّ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكه بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } جَائِز أَنْ يَكُون هُوَ التَّكْبِير الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَا ذِكْر لِلَّهِ أَمَرَ الْعِبَاد بِهِ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرْضه قَبْل قَضَائِهِمْ مَنَاسِكهمْ , سِوَى التَّكْبِير الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ أَيَّام مِنَى . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى خَلْقه بَعْد قَضَائِهِمْ مَنَاسِكهمْ مِنْ ذِكْره مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْل ذَلِكَ , وَكَانَ لَا شَيْء مِنْ ذِكْره خَصَّ بِهِ ذَلِكَ الْوَقْت سِوَى التَّكْبِير الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , كَانَتْ بَيِّنَة صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ حَجّكُمْ فَذَبَحْتُمْ نَسَائِككُمْ , { فَاذْكُرُوا اللَّه } يُقَال مِنْهُ : نَسَكَ الرَّجُل يَنْسَك نُسْكًا وَنُسُكًا وَنَسِيكَة وَمَنْسَكًا إذَا ذَبَحَ نُسُكه , وَالْمَنْسَك : اسْم مِثْل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب . فَأَمَّا النُّسُك فِي الدِّين . فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ مَا كَانَ الرَّجُل نَاسِكًا , وَلَقَدْ نَسَكَ , وَنَسُكَ نُسْكًا نُسُكًا وَنَسَاكَة , وَذَلِكَ إذَا تَقَرَّأَ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْمَنَاسِك فِي هَذَا الْمَوْضِع قَالَ مُجَاهِد . 3057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } قَالَ : إهْرَاقه الدِّمَاء . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَمَّا قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي صِفَة ذِكْر الْقَوْم آبَاءَهُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَجْعَلُوا ذِكْرهمْ إيَّاهُ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ الْقَوْم فِي جَاهِلِيَّتهمْ بَعْد فَرَاغهمْ مِنْ حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَفَاخَرُونَ بِمَآثِر آبَائِهِمْ , فَأَمَرَهُمْ اللَّه فِي الْإِسْلَام أَنْ يَكُون ذِكْرهمْ بِالثَّنَاءِ وَالشُّكْر وَالتَّعْظِيم لِرَبِّهِمْ دُون غَيْره , وَأَنْ يَلْزَمُوا أَنْفُسهمْ مِنْ الْإِكْثَار مِنْ ذِكْره نَظِير مَا كَانُوا أَلْزَمُوا أَنْفُسهمْ فِي جَاهِلِيَّتهمْ مِنْ ذِكْر آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3058 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : ثنا إسْحَاق بْن يُوسُف , عَنْ الْقَاسِم بْن عُثْمَان , عَنْ أَنَس فِي هَذِهِ الْآيَة , قَالَ : كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ فِي الْحَجّ , فَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي يُطْعِم الطَّعَام , وَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي يَضْرِب بِالسَّيْفِ , وَيَقُول بَعْضهمْ : كَانَ أَبِي جَزّ نَوَاصِي بَنِي فُلَان . 3059 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان . عَنْ عَبْد الْعَزِيز , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : كَانَ آبَاؤُنَا يَنْحَرُونَ الْجُزُر , وَيَفْعَلُونَ كَذَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } 3060 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَذْكُرُونَ فِعَال آبَائِهِمْ . 3061 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إذَا فَرَغُوا مِنْ الْحَجّ قَامُوا عِنْد الْبَيْت فَيَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ وَأَيَّامهمْ : كَانَ أَبِي يُطْعِم الطَّعَام , وَكَانَ أَبِي يَفْعَل , فَذَلِكَ قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قُلْت لِيَحْيَى بْن آدَم : عَمَّنْ هُوَ ؟ قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل . * وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاج عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ وَقَفُوا عِنْد الْجَمْرَة فَذَكَرُوا آبَاءَهُمْ , وَذَكَرُوا أَيَّامهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَال آبَائِهِمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ قَيْس , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ وَقَفُوا عِنْد الْجَمْرَة , وَذَكَرُوا أَيَّامهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَال آبَائِهِمْ . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : تَفَاخَرَتْ الْعَرَب بَيْنهَا بِفِعْلِ آبَائِهَا يَوْم النَّحْر حِين فَرَغُوا فَأَمَرُوا بِذِكْرِ اللَّه مَكَان ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 3062 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ بِمِنَى قَعَدُوا حُلَّقًا , فَذَكَرُوا صَنِيع آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِعَالهمْ بِهِ , يَخْطُب خَطِيبهمْ وَيُحَدِّث مُحَدِّثهمْ , فَأَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة آبَاءَهُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ اجْتَمَعُوا فَافْتَخَرُوا وَذَكَرُوا آبَاءَهُمْ وَأَيَّامهَا , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا مَكَان ذَلِكَ ذِكْر اللَّه , يَذْكُرُونَهُ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ , أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . 3063 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خَصِيف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة قَالَا : كَانُوا يَذْكُرُونَ فِعْل آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا وَقَفُوا بِعَرَفَة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول ذَلِكَ يَوْم النَّحْر حِين يَنْحَرُونَ قَالَ : قَالَ { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب يَوْم النَّحْر حِين يَفْرُغُونَ يَتَفَاخَرُونَ بِفِعَالِ آبَائِهَا , فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلّ مَكَان ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِ الْأَبْنَاء وَالصِّبْيَان الْآبَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3064 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَطَاء أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } قَالَ : هُوَ قَوْل الصَّبِيّ : يَا أَبَاهُ . 3065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } يَعْنِي بِالذِّكْرِ , ذِكْر الْأَبْنَاء الْآبَاء . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ لِي عَطَاء : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } : أَبِهِ أُمّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا صَالِح بْن عُمَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء , قَالَ : كَالصَّبِيِّ , يَلْهَج بِأَبِيهِ وَأُمّه . 3066 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَقُول : كَذِكْرِ الْأَبْنَاء الْآبَاء أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا . 3067 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } يَقُول : كَمَا يَذْكُر الْأَبْنَاء الْآبَاء . 3068 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } يَعْنِي ذِكْر الْأَبْنَاء الْآبَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ لَهُمْ : { اُذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ } لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا قَضَوْا مَنَاسِكهمْ فَدَعَوْا رَبّهمْ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْر آبَائِهِمْ فَأُمِرُوا مِنْ ذِكْر اللَّه بِنَظِيرِ ذِكْر آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 3069 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب إذَا قَضَتْ مَنَاسِكهَا وَأَقَامُوا بِمِنًى يَقُوم الرَّجُل فَيَسْأَل اللَّه وَيَقُول : اللَّهُمَّ إنَّ أَبِي كَانَ عَظِيم الْجَفْنَة عَظِيم الْقُبَّة كَثِير الْمَال , فَأَعْطِنِي مِثْل مَا أَعْطَيْت أَبِي . لَيْسَ بِذِكْرِ اللَّه , إنَّمَا يَذْكُر آبَاءَهُ , وَيَسْأَلهُ أَنْ يُعْطَى فِي الدُّنْيَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدِي فِي تَأْوِيل ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي الْخُضُوع لِأَمْرِهِ وَالْعِبَادَة لَهُ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ . وَذَلِكَ الذِّكْر جَائِز أَنْ يَكُون هُوَ التَّكْبِير الَّذِي أَمَرَ بِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاذْكُرُوا اللَّه فِي أَيَّام مَعْدُودَات } الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ قَضَى نُسُكه بَعْد قَضَائِهِ نُسُكه , فَأَلْزَمهُ حِينَئِذٍ مِنْ ذِكْره مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ لَازِمًا قَبْل ذَلِكَ , وَحَثّ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَيْهِ مُحَافَظَة الْأَبْنَاء عَلَى ذِكْر الْآبَاء فِي الْآثَار مِنْهُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَهُ وَالتَّضَرُّع إلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ مِنْهُمْ إلَيْهِ فِي حَوَائِجهمْ كَتَضَرُّعِ الْوَلَد لِوَالِدِهِ وَالصَّبِيّ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ , أَوْ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ ; إذْ كَانَ مَا كَانَ بِهِمْ وَبِآبَائِهِمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْهُ وَهُوَ وَلِيّه . وَإِنَّمَا قُلْنَا : الذِّكْر الَّذِي أَمَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِهِ الْحَاجّ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكه بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } جَائِز أَنْ يَكُون هُوَ التَّكْبِير الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَا ذِكْر لِلَّهِ أَمَرَ الْعِبَاد بِهِ بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرْضه قَبْل قَضَائِهِمْ مَنَاسِكهمْ , سِوَى التَّكْبِير الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ أَيَّام مِنَى . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى خَلْقه بَعْد قَضَائِهِمْ مَنَاسِكهمْ مِنْ ذِكْره مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْل ذَلِكَ , وَكَانَ لَا شَيْء مِنْ ذِكْره خَصَّ بِهِ ذَلِكَ الْوَقْت سِوَى التَّكْبِير الَّذِي ذَكَرْنَاهُ , كَانَتْ بَيِّنَة صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } وَارْغَبُوا إلَيْهِ فِيمَا لَدَيْهِ مِنْ خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِابْتِهَالٍ وَتَمَسْكُنٍ , وَاجْعَلُوا أَعْمَالكُمْ لِوَجْهِهِ خَالِصًا وَلِطَلَبِ مَرْضَاته , وَقُولُوا رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ; وَلَا تَكُونُوا كَمَنْ اشْتَرَى الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ , فَكَانَتْ أَعْمَالهمْ لِلدُّنْيَا وَزِينَتهَا , فَلَا يَسْأَلُونَ رَبّهمْ إلَّا مَتَاعهَا , وَلَا حَظّ لَهُمْ فِي ثَوَاب اللَّه , وَلَا نَصِيب لَهُمْ فِي جَنَّاته وَكَرِيم مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ , كَمَا قَالَ فِي ذَلِكَ أَهْل التَّأْوِيل . 3070 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } هَبْ لَنَا غَنَمًا , هَبْ لَنَا إبِلًا { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل , قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ : هَبْ لَنَا إبِلًا , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 3071 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر بْن عَيَّاش فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانُوا يَعْنِي أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقِفُونَ - يَعْنِي بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ - فَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ أَسْقِنَا الْمَطَر , وَأَعْطِنَا اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا غَنَمًا . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قُلْت يَحْيَى بْن آدَم : عَمَّنْ هُوَ ؟ قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل . 3072 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْحَاق , عَنْ الْقَاسِم بْن عُثْمَان , عَنْ أَنَس : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة فَيَدْعُونَ فَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْمَطَر , وَأَعْطِنَا عَلَى عَدُوّنَا الظَّفْر , وَرُدَّنَّا صَالِحِينَ إلَى صَالِحِينَ . 3072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } نَصْرًا وَرِزْقًا , وَلَا يَسْأَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ شَيْئًا . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 3074 - وَحَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَهَذَا عَبْد نَوَى الدُّنْيَا لَهَا عَمَل وَلَهَا نَصَب . 3075 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب إذَا قَضَيْت مَنَاسِكهَا وَأَقَامَتْ بِمِنًى لَا يَذْكُر اللَّهَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَذْكُر أَبَاهُ , وَيَسْأَل أَنْ يُعْطِي فِي الدُّنْيَا . 3076 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله . { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ كَانُوا أَصْنَافًا ثَلَاثَة فِي تِلْكَ الْمَوَاطِن يَوْمئِذٍ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَهْل الْكُفْر , وَأَهْل النِّفَاق . فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مَنْ خَلَاق } إنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَة لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَة وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا , ومِنْهُمْ مَنْ يَقُول . { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } الْآيَة . قَالَ . وَالصِّنْف الثَّالِث { وَمِنْ النَّاس مَنْ يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } . .. الْآيَة . وَأَمَّا مَعْنَى الْخَلَاق فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَذَكَرْنَا اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيله وَالصَّحِيح لَدَيْنَا مِنْ مَعْنَاهُ بِالشَّوَاهِدِ مِنْ الْأَدِلَّة وَأَنَّهُ النَّصِيب , بِمَا فِيهِ كِفَايَة عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ } أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ { فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } وَارْغَبُوا إلَيْهِ فِيمَا لَدَيْهِ مِنْ خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِابْتِهَالٍ وَتَمَسْكُنٍ , وَاجْعَلُوا أَعْمَالكُمْ لِوَجْهِهِ خَالِصًا وَلِطَلَبِ مَرْضَاته , وَقُولُوا رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار ; وَلَا تَكُونُوا كَمَنْ اشْتَرَى الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ , فَكَانَتْ أَعْمَالهمْ لِلدُّنْيَا وَزِينَتهَا , فَلَا يَسْأَلُونَ رَبّهمْ إلَّا مَتَاعهَا , وَلَا حَظّ لَهُمْ فِي ثَوَاب اللَّه , وَلَا نَصِيب لَهُمْ فِي جَنَّاته وَكَرِيم مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ , كَمَا قَالَ فِي ذَلِكَ أَهْل التَّأْوِيل . 3070 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } هَبْ لَنَا غَنَمًا , هَبْ لَنَا إبِلًا { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل , قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ : هَبْ لَنَا إبِلًا , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 3071 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر بْن عَيَّاش فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانُوا يَعْنِي أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقِفُونَ - يَعْنِي بَعْد قَضَاء مَنَاسِكهمْ - فَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ أَسْقِنَا الْمَطَر , وَأَعْطِنَا اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا غَنَمًا . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ أَبُو كُرَيْب : قُلْت يَحْيَى بْن آدَم : عَمَّنْ هُوَ ؟ قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي وَائِل . 3072 - حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْحَاق , عَنْ الْقَاسِم بْن عُثْمَان , عَنْ أَنَس : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة فَيَدْعُونَ فَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْمَطَر , وَأَعْطِنَا عَلَى عَدُوّنَا الظَّفْر , وَرُدَّنَّا صَالِحِينَ إلَى صَالِحِينَ . 3072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } نَصْرًا وَرِزْقًا , وَلَا يَسْأَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ شَيْئًا . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 3074 - وَحَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَهَذَا عَبْد نَوَى الدُّنْيَا لَهَا عَمَل وَلَهَا نَصَب . 3075 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب إذَا قَضَيْت مَنَاسِكهَا وَأَقَامَتْ بِمِنًى لَا يَذْكُر اللَّهَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَذْكُر أَبَاهُ , وَيَسْأَل أَنْ يُعْطِي فِي الدُّنْيَا . 3076 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله . { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِككُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْرًا } قَالَ كَانُوا أَصْنَافًا ثَلَاثَة فِي تِلْكَ الْمَوَاطِن يَوْمئِذٍ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَهْل الْكُفْر , وَأَهْل النِّفَاق . فَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مَنْ خَلَاق } إنَّمَا حَجُّوا لِلدُّنْيَا وَالْمَسْأَلَة لَا يُرِيدُونَ الْآخِرَة وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا , ومِنْهُمْ مَنْ يَقُول . { رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } الْآيَة . قَالَ . وَالصِّنْف الثَّالِث { وَمِنْ النَّاس مَنْ يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } . .. الْآيَة . وَأَمَّا مَعْنَى الْخَلَاق فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَذَكَرْنَا اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيله وَالصَّحِيح لَدَيْنَا مِنْ مَعْنَاهُ بِالشَّوَاهِدِ مِنْ الْأَدِلَّة وَأَنَّهُ النَّصِيب , بِمَا فِيهِ كِفَايَة عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { فإذا قضيتم مناسككم} قال مجاهد : المناسك الذبائح وهراقة الدماء وقيل : هي شعائر الحج، لقوله عليه السلام : (خذوا عني مناسككم). المعنى : فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم. وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف وكذلك { ما سلككم} لأنهما مثلان و { قضيتم} هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى { فإذا قضيت الصلاة} [الجمعة:10] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها. الثانية: قوله تعالى { فاذكروا الله كذكركم آباءكم} كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين. وقال ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع : معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم : أَبَه أُمّه، أي فاستغيثوا به والجؤوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت طائفة : معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم. وقال أبو الجوزاء لابن عباس : إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال : ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما والكاف من قول { كذكركم} في موضع نصب، أي ذكرا كذكركم. { أو أشد} قال الزجاج { أو أشد} في موضع خفض عطفا على ذكركم، المعنى : أو كأشد ذكرا، ولم ينصرف لأنه { أفعل} صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشد. و { ذكرا } نصب على البيان. قوله تعالى { فمن الناس من يقول ربنا} { من} في موضع رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة يقول { ربنا آتنا في الدنيا} صلة { من} والمراد المشركون. قال أبو وائل والسدي وابن زيد : كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا، وعلى هذا فـ { ما له في الآخرة من خلاق} أي كخلاق الذي يسأل الآخرة والخلاق النصيب. و { من} زائدة وقد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 197 - 200


سورة البقرة الايات 200 - 205

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعرف أن " قضى " تأتي بمعان متعددة، والعمدة في هذه المعاني فصل الأمر بالحكمة، قد يُفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء { فَإِذَا قَضَيْتُمْ } أي إذا فرغتم من مناسككم، هذه واحدة. وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل قوله الحق:
{  وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ }
[الإسراء: 23]

وقد يكون " قضى " بمعنى حكم حكما لازماً كما تقول: قضى القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ }. أي إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و " مزدلفة " مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و " منى " منسك للمبيت أيضا، إذن كل مكان فيه عبادة يُسمى " منسكا ".

وقوله سبحانه: { فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } أي فلا يزال ذكر الله دائما وارداً في الآيات، كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان فقديماً كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ويفعلون غير ذلك من العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: { فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ } والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ساعة تأتي به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر.

وكانوا قديماً يطعمون الطعام، والذي يطعم الطعام يؤدي مهمة في مثل هذه البلاد البُدائية ـ أي البدوية ـ وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي مثلاً كانت له جفنة يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستظل بها ساعة الهجير. والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف تكون؟!

ويحملون الحمالات، بمعنى أنه إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلقاً كثيراً يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة فيحمل كل هذه الآثار في ماله. والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلاً، ولا يقدر على أن يعطي ديته، وكانت كل تلك الأعمال هي المفاخر.

أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم؛ لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير.وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم؛ أو أشد ذكرا؛ لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير، ولن تجد كل الخير إلا لله، إذن لابد أن نذكر الله.

وأيضاً فإن الإسلام أراد أن ينهي التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتيا في نفس المؤمن، أي فخراً من عمل جليل نابع وحاصل من الشخص نفسه؛ ولذلك يقولون في أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم إنهم: " عظاميون " أي منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظاما تضمها القبور، والله يريدنا أن نكون ذاتيين في مفاخرنا، أي أن نفخر بما نفعل نحن، لا بما فعل آباؤنا، فالآباء أفضوا إلى ما قدموا، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه ولذلك يقول الشاعر:
ولا تـكـونـوا عظـامـيـين مـفـخـرة   مـاضـيـهـم عـامـر فـي حـاضر خـرب
لا يـنـفع الحسـب المـوروث مـن قـدم   إلا ذوي هـمـة غـاروا عـلـى الحـسـب
والعـود مـن مـثمـر إن لـم يلـد ثمـراً   عَـدّوه مـهـمـا سَـمَـا أصـلاً مـن الحطب
فالنبات الذي ليس له ثمرة، يعتبره الناس مجرد حطب،ويريد الحق أن ينبه في المؤمن ذاتية تفعل، وليس ذاتية تفتخر بأنه كان وكان، بل على كل إنسان أن يقدم ما يفتخر به:
لـيـس الفـتـى مـن يـقـول كان أبي   إن الفـتـى مـن يـقـول هـأنـذا
وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخي أنت تفتخر عليّ بماذا؟

فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائي وأجدادي.

فيرد الأول: اذكر جيدا أن مجد آبائك انتهى بك، ومجد آبائي بدأ بي، ولماذا لا أجعل لآبائي الفخر بأنهم أنجبوني؟

وفي ذلك يقول أحدهم:
قـالـوا أبـو الصقر من شيبان قلت لهم   كـلا لعـمـري ولـكـن مـنه شـيـبانُ
وكـم أبٍ قـد عـلا بـابـن ذُرَا شَرَفٍ   كـمـا عَـلـتْ بـرسـول الله عـدنـانُ
وما دام القوم يفتخرون بحي منهم، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا شيئا باقياً ومؤثراً في الوجود، وليس بذلك الشيء المحدود المتمثل في أنه يطعم الطعام، ويحمل الحمالات ويؤدي الديات، وإنما يكون بحمل رسالة الإنسانية العالمية.

{ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً }. لأن ذكركم الله سيصلكم بالمدد منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة في الأرض، فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون مجالا للفخر.

وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتي إلى أن الإنسان إذا ما قضى المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى الله، ويسأل الله بما يحب أن يسأله، والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا يسألون الله إلا قائلين: يا رب أعطني إبلاً، يا رب أعطني غنماً، يا رب أعطني بقراً، ويا رب أعطني حائطاً ـ أي بستاناً ـ، يا رب كما أعطيت أبي أعطني.ولم يكن في بالهم إلا الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون بالمسألة لله، وأن يُصَعِّدُوها إلى شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتي المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعا من متاع الدنيا فما الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟

ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل في ختام هذه الآية: { فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ }. فالعبد حين يؤدي مناسكه لله يجد نفسه أهلا لأن يسأل الله، وما دمت قد وجدت نفسك أهلا لأن تسأل الله فاسأل الله بخير باق؛ لأن الإنسان إنما يُصَعدُ حاجته إلى المسئول على مقدار مكانة المسئول ومنزلته؛ فقد تذهب لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر أغنى من الأول فتقول له: أعطني جنيها، ولثالث: تطلب منه عشر جنيهات، إنك تطلب على قدر همة كل منهم في الإجابة على سؤالك.

إذن ما دام العباد بعد أداء المناسك في موقف سؤال لله فليُصَعِّدُوا مسألتهم لله وليطلبوا منه النافع أبداً، ولا ينحطوا بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة. { فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } إن العبد قد لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة، ومثل هذا الإنسان يكون ساقط الهمة؛ لأنه طلب شيئاً في الدنيا الفانية، ويريد الله أن نُصَعِّد همتنا الإيمانية. ولذلك يتبعها بقوله الحق: { وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ }


www.alro7.net