سورة
اية:

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

تفسير بن كثير

شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم وأصدق القائلين { إنه لا إله إلا هو} أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: { لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك} الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} ، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. { قائماً بالقسط} منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك. { لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق، { العزيز الحكيم} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء { الحكيم} في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ، ثم قال: وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب ""رواه أحمد وابن أبي حاتم"" وعن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند اللّه الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد اللّه به وأستودع اللّه هذه الشهادة وهي لي عند اللّه وديعة { إن الدين عند اللّه الإسلام} قالها مراراً. قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني! قال: واللّه لا أحدثك بها إلى سنة؛ فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال، حدثني أبو وائل عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللّه عزّ وجلّ: عبدي عهد إليّ، وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة) ""رواه الطبراني في الكبير"" وقوله تعالى: { إن الدين عند اللّه الإسلام} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم اللّه به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى اللّه عليه وسلم، فمن لقي اللّه بعد بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الآية، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل منه عنده في الإسلام: { إن الدين عند اللّه الإسلام} ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليه الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} أي بغي بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً، ثم قال تعالى: { ومن يكفر بآيات اللّه} أي من جحد ما أنزل اللّه في كتابه { فإن اللّه سريع الحساب} أي فإن اللّه سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: { فإن حاجوك} أي جادلوك في التوحيد، { فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتبعن} أي فقل أخلصت عبادتي للّه وحده لا شريك له، ولا ندَّ له، ولا ولد له ولا صاحبة له. { ومن اتبعن} أي على ديني، يقول كمقالتي كما قال تعالى: { قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اتبعني} الآية، ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه اللّه به إلى الكتابيين من المليين؟؟ والأميين من المشركين، فقال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي واللّه عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. ولهذا قال تعالى: { واللّه بصير بالعباد} أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة وهو الذي { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وما ذلك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات اللّه وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنّة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله تعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً} وقال تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} ، وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى اللّه ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم امتثالاً لأمر اللّه له بذلك، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار) ""رواه مسلم عن أبي هريرة"" وقال صلى اللّه عليه وسلم : (بعثت إلى الأحمر والأسود) وقال: (كان النبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ""أخرجاه في الصحيحين"" وروى الإمام أحمد، عن أنَس رضي اللّه عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى اللّه عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه، فمرض فأتاه النبي صلى اللّه عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (يا فلان قل لا إله إلا اللّه)، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه. فأعاد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه، فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول: (الحمد للّه الذي أخرجه بي من النار) ""أخرجه البخاري وأحمد""

تفسير الجلالين

{ فإن حاجوك } خاصمك الكفار يا محمد في الدين { فقل } لهم { أسلمت وجهي لله } أنقدت له أنا { ومن اتبعن } وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى { وقل للذين أوتوا الكتاب } اليهود والنصارى و { الأميين } مشركي العرب { أأسلمتم } أي أسلموا { فإن أسلموا فقد اهتدوا } من الضلال { وإن تولوا } عن الإسلام { فإنما عليك البلاغ } أي التبليغ للرسالة { والله بصير بالعباد } فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ حَاجُّوك فَقُلْ أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنْ اِتَّبَعَنِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ حَاجَّك يَا مُحَمَّد النَّفَر مِنْ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان فِي أَمْر عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , فَخَاصَمُوك فِيهِ بِالْبَاطِلِ , فَقُلْ : اِنْقَدْت لِلَّهِ وَحْده بِلِسَانِي وَقَلْبِي وَجَمِيع جَوَارِحِي , وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْره بِأَمْرِهِ بِأَنْ يَقُول : أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ , لِأَنَّ الْوَجْه أَكْرَم جَوَارِح اِبْن آدَم عَلَيْهِ , وَفِيهِ بَهَاؤُهُ وَتَعْظِيمه فَإِذَا خَضَعَ وَجْهه لِشَيْءٍ , فَقَدْ خَضَعَ لَهُ الَّذِي هُوَ دُونه فِي الْكَرَامَة عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِح بَدَنه . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ اِتَّبَعَنِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَسْلَمَ مَنْ اِتَّبَعَنِي أَيْضًا وَجْهه لِلَّهِ مَعِي , وَمَنْ مَعْطُوف بِهَا عَلَى التَّاء فِي " أَسْلَمْت " . كَمَا : 5325 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَإِنْ حَاجُّوك } أَيْ بِمَا يَأْتُونَك بِهِ مِنْ الْبَاطِل مِنْ قَوْلهمْ : خَلَقْنَا , وَفَعَلْنَا , وَجَعَلْنَا , وَأَمَرْنَا , فَإِنَّمَا هِيَ شُبَه بَاطِلَة قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ , فَقُلْ : أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنْ اِتَّبَعَنِي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ حَاجُّوك فَقُلْ أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنْ اِتَّبَعَنِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ حَاجَّك يَا مُحَمَّد النَّفَر مِنْ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان فِي أَمْر عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , فَخَاصَمُوك فِيهِ بِالْبَاطِلِ , فَقُلْ : اِنْقَدْت لِلَّهِ وَحْده بِلِسَانِي وَقَلْبِي وَجَمِيع جَوَارِحِي , وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْره بِأَمْرِهِ بِأَنْ يَقُول : أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ , لِأَنَّ الْوَجْه أَكْرَم جَوَارِح اِبْن آدَم عَلَيْهِ , وَفِيهِ بَهَاؤُهُ وَتَعْظِيمه فَإِذَا خَضَعَ وَجْهه لِشَيْءٍ , فَقَدْ خَضَعَ لَهُ الَّذِي هُوَ دُونه فِي الْكَرَامَة عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِح بَدَنه . وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ اِتَّبَعَنِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَسْلَمَ مَنْ اِتَّبَعَنِي أَيْضًا وَجْهه لِلَّهِ مَعِي , وَمَنْ مَعْطُوف بِهَا عَلَى التَّاء فِي " أَسْلَمْت " . كَمَا : 5325 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَإِنْ حَاجُّوك } أَيْ بِمَا يَأْتُونَك بِهِ مِنْ الْبَاطِل مِنْ قَوْلهمْ : خَلَقْنَا , وَفَعَلْنَا , وَجَعَلْنَا , وَأَمَرْنَا , فَإِنَّمَا هِيَ شُبَه بَاطِلَة قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ , فَقُلْ : أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنْ اِتَّبَعَنِي . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اِهْتَدَوْا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَاب لَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب أَأَسْلَمْتُمْ ؟ يَقُول : قُلْ لَهُمْ : هَلْ أَفْرَدْتُمْ التَّوْحِيد , وَأَخْلَصْتُمْ الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لِرَبِّ الْعَالَمِينَ دُون سَائِر الْأَنْدَاد وَالْأَشْرَاك الَّتِي تُشْرِكُونَهَا مَعَهُ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُمْ , وَإِقْرَاركُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبّ غَيْره , وَلَا إِلَه سِوَاهُ , فَإِنْ أَسْلَمُوا يَقُول : فَإِنْ اِنْقَادُوا لِإِفْرَادِ الْوَحْدَانِيَّة لِلَّهِ , وَإِخْلَاص الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لَهُ , فَقَدْ اِهْتَدَوْا , يَعْنِي : فَقَدْ أَصَابُوا سَبِيل الْحَقّ , وَسَلَكُوا مَحَجَّة الرَّشَد . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اِهْتَدَوْا عَقِيب الِاسْتِفْهَام , وَهَلْ يَجُوز عَلَى هَذَا فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال لِرَجُلٍ : هَلْ تَقُوم ؟ فَإِنْ تَقُمْ أُكْرِمك ؟ . قِيلَ : ذَلِكَ جَائِز إِذَا كَانَ الْكَلَام مُرَادًا بِهِ الْأَمْر , وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَج الِاسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَصُدّكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } 5 91 يَعْنِي اِنْتَهُوا , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعِيسَى : { يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك أَنْ يُنَزِّل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء } 5 112 وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَة , كَمَا يَقُول الرَّجُل : هَلْ أَنْتَ كَافٍ عَنَّا ؟ بِمَعْنَى : اُكْفُفْ عَنَّا , وَكَمَا يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ : أَيْنَ أَيْنَ ؟ بِمَعْنَى ؟ أَقُمْ فَلَا تَبْرَح , وَلِذَلِكَ جُوزِيَ فِي الِاسْتِفْهَام كَمَا جُوزِيَ فِي الْأَمْر فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه :" هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم ؟ آمِنُوا " فَفَسَّرَهَا بِالْأَمْرِ , وَهِيَ فِي قِرَاءَتنَا عَلَى الْخَبَر ; فَالْمُجَازَاة فِي قِرَاءَتنَا عَلَى قَوْله : { هَلْ أَدُلّكُمْ } وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه عَلَى قَوْله : " آمِنُوا" عَلَى الْأَمْر , لِأَنَّهُ هُوَ التَّفْسِير . وَبِنَحْوِ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل . 5326 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ } الَّذِينَ لَا كِتَاب لَهُمْ : { أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ أَهْتَدَوْا } . .. الْآيَة . 5327 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ } قَالَ : الْأُمِّيُّونَ : الَّذِينَ لَا يَكْتُبُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اِهْتَدَوْا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَاب لَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب أَأَسْلَمْتُمْ ؟ يَقُول : قُلْ لَهُمْ : هَلْ أَفْرَدْتُمْ التَّوْحِيد , وَأَخْلَصْتُمْ الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لِرَبِّ الْعَالَمِينَ دُون سَائِر الْأَنْدَاد وَالْأَشْرَاك الَّتِي تُشْرِكُونَهَا مَعَهُ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّاهُمْ , وَإِقْرَاركُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبّ غَيْره , وَلَا إِلَه سِوَاهُ , فَإِنْ أَسْلَمُوا يَقُول : فَإِنْ اِنْقَادُوا لِإِفْرَادِ الْوَحْدَانِيَّة لِلَّهِ , وَإِخْلَاص الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لَهُ , فَقَدْ اِهْتَدَوْا , يَعْنِي : فَقَدْ أَصَابُوا سَبِيل الْحَقّ , وَسَلَكُوا مَحَجَّة الرَّشَد . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اِهْتَدَوْا عَقِيب الِاسْتِفْهَام , وَهَلْ يَجُوز عَلَى هَذَا فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال لِرَجُلٍ : هَلْ تَقُوم ؟ فَإِنْ تَقُمْ أُكْرِمك ؟ . قِيلَ : ذَلِكَ جَائِز إِذَا كَانَ الْكَلَام مُرَادًا بِهِ الْأَمْر , وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَج الِاسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَصُدّكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } 5 91 يَعْنِي اِنْتَهُوا , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعِيسَى : { يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك أَنْ يُنَزِّل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء } 5 112 وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَة , كَمَا يَقُول الرَّجُل : هَلْ أَنْتَ كَافٍ عَنَّا ؟ بِمَعْنَى : اُكْفُفْ عَنَّا , وَكَمَا يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ : أَيْنَ أَيْنَ ؟ بِمَعْنَى ؟ أَقُمْ فَلَا تَبْرَح , وَلِذَلِكَ جُوزِيَ فِي الِاسْتِفْهَام كَمَا جُوزِيَ فِي الْأَمْر فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه :" هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم ؟ آمِنُوا " فَفَسَّرَهَا بِالْأَمْرِ , وَهِيَ فِي قِرَاءَتنَا عَلَى الْخَبَر ; فَالْمُجَازَاة فِي قِرَاءَتنَا عَلَى قَوْله : { هَلْ أَدُلّكُمْ } وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه عَلَى قَوْله : " آمِنُوا" عَلَى الْأَمْر , لِأَنَّهُ هُوَ التَّفْسِير . وَبِنَحْوِ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل . 5326 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ } الَّذِينَ لَا كِتَاب لَهُمْ : { أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ أَهْتَدَوْا } . .. الْآيَة . 5327 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْأُمِّيِّينَ } قَالَ : الْأُمِّيُّونَ : الَّذِينَ لَا يَكْتُبُونَ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تَوَلَّوْا } وَإِنْ أَدْبَرُوا مُعْرِضِينَ عَمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام , وَإِخْلَاص التَّوْحِيد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُول مُبَلِّغ , وَلَيْسَ عَلَيْك غَيْر إِبْلَاغ الرِّسَالَة إِلَى مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِي , وَأَدَاء مَا كَلَّفْتُك مِنْ طَاعَتِي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ تَوَلَّوْا } وَإِنْ أَدْبَرُوا مُعْرِضِينَ عَمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام , وَإِخْلَاص التَّوْحِيد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُول مُبَلِّغ , وَلَيْسَ عَلَيْك غَيْر إِبْلَاغ الرِّسَالَة إِلَى مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِي , وَأَدَاء مَا كَلَّفْتُك مِنْ طَاعَتِي .' { وَاَللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ } يَعْنِي بِذَلِكَ , وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَنْ يَقْبَل مِنْ عِبَاده مَا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِ , فَيُطِيعك بِالْإِسْلَامِ , وَبِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْهُمْ عَنْهُ مُعْرِضًا , فَيَرُدّ عَلَيْك مَا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِ فَيَعْصِيك بِإِبَائِهِ الْإِسْلَام . { وَاَللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ } يَعْنِي بِذَلِكَ , وَاَللَّه ذُو عِلْم بِمَنْ يَقْبَل مِنْ عِبَاده مَا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِ , فَيُطِيعك بِالْإِسْلَامِ , وَبِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْهُمْ عَنْهُ مُعْرِضًا , فَيَرُدّ عَلَيْك مَا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِ فَيَعْصِيك بِإِبَائِهِ الْإِسْلَام .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله { وجهي} بمعنى ذاتي؛ ومنه الحديث (سجد وجهي للذي خلقه وصوره). وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد؛ كما تقول : خرج فلان في وجه كذا. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى؛ والأول أولى. وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال : أسلمت وجهي لمن أسلمت ** له المزن تحمل عذبا زلالا وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى { ويبقى وجه ربك} [الرحمن : 27] : إنها عبارة عن الذات وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه. وقوله { ومن اتبعن} { من} في محل رفع عطفا على التاء في قوله { أسلمت} أي ومن اتبعني أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء { اتبعن} على الأصل، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء. وقال الشاعر : ليس تخفى يسارتي قدر يوم ** ولقد تخف شيمتي إعساري قوله تعالى { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} يعني اليهود والنصارى { والأميين} الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. { أأسلمتم} استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره. وقال الزجاج { أأسلمتم} تهديد. وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله { فقد اهتدوا} بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدي لهم وتحصيله. و"البلاغ" مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تبلغ. وقيل : إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ابن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها؛ وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 18 - 20


سورة ال عمران الايات 20 - 23

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ فَإنْ حَآجُّوكَ } هذا هو القول يدل على أن الحق سبحانه وتعالى يلقى منهجه على الرسول الخاتم، ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه، لقد جابه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة معسكرات. المعسكر الأول: هم مشركو قريش، وكان كفرهم في القمة. والمعسكر الثاني: هو معسكر اليهود والنصارى ويجمعهم معا لأنهم أهل كتاب. والمعسكر الثالث: هو معسكر المنافقين. والمحاجّة قد أتت من المعسكر الثاني، لأن كفار قريش لم يدعوا أن عندهم دينا قد نزل من السماء، أما أهل الكتاب فهم يدعون أن عندهم دينا منزلا من السماء، وعندما يناطح الشرك دينا فهذا أمر معقول، أما أن يناطح أهل دين نزل من السماء رسولا جاء بدين خاتم من السماء فهذا أمر يستحق أن نتوقف عنده.

ومعنى { فَإنْ حَآجُّوكَ } أي أنهم يحاججون الرسول صلى الله عليه وسلم وتم إدغام الحرفين المتشابهين وهما حرفا " الجيم " حتى لا تصبح ثقيلة على اللسان. ومعنى المحاجة: أن يدلي كل واحد من الخصمين بحجته. وهذا يعني النقاش، وما دام هناك نقاش بين حق وبين باطل، فإن الله لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول له: { فَإنْ حَآجُّوكَ } أي إن ناقشوك في أمر الإسلام الذي جئت به كدين خاتم مناقض لوثنية أو شرك قريش ومناقض لما قام أهل الكتاب بتغييره من مراد الله فقل يا محمد: { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } وقد قلنا من قبل: إننا عندما نسمع قول الحق { فَقُلْ } كان من الجائز أن يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقول القول, وضربنا مثلا على ذلك، حين يقول الأب لابنه: اذهب إلى عمك وقل له: كذا وكذا. وساعة أن يذهب الابن إلى العم فيقول له: الأمر كذا، وكذا. إن الابن لا يقول لعمه: قل لعمك كذا وكذا.. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حافظ على النص الذي جاءه من ربه لأن النص واضح. { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } فهل هذا رد بالحجة؟ نعم هذا هو الرد، لأن أهل الكتاب وكفار قريش يأتي فيهم القول:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ }
[الزخرف: 9].

ويأتي فيهم القول الحكيم:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }
[الزخرف: 87].

والكون كما نعرف " مكان " و " مكين " فالمكان: هو السماء والأرض. والمكين وهو الإنسان. والمكان مخلوق لله، والمكين مخلوق لله. وكان من المنطق أن نسلم وجهنا لمن خلق.

إذن فقول الحق: { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } أي انتبهوا أيها الناس، إنني لم أخرج عن دائرة الإيمان بالإله الواحد، والذي تؤمنون به. إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون.وبعد ذلك إذا كان في الإسلام خضوع، فإن الحق يأتي بأشرف شيء في الإنسان ليجعله مظهر الخضوع. لأن الوجه هو السمة العالية المميزة، وهو الذي يظهر عليه انفعالات الأحداث في الكون من سرور أو حزن، ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود، أو سجدت وأنت مقرب لله سبحانه وتعالى فيمتلئ الوجه بالبشر والبشاشة.

وقول الحق: { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ }. تعني أن الوجه المسلم لله وهو أشرف شيء في الإنسان قد خضع للحق، وكأن القول الكريم لم ينسب الخضوع للبدن ولكن لأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه، والوجه يطلق مرة ويراد به الذات كلها، فعندما يقول إنسان: { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ } فهو يعني " أسلمت ذاتي " بكل ما أوتيت الذات من جوارح ومن أعضاء.ولنقرأ قول الحق سبحانه:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[القصص: 88].

أي كل شيء هالك إلا ذاته سبحانه وتعالى، وهذا هو المقصود بـ { إلا وجهه } وإلا إن أخذنا الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل: أليس لله يد مثلا؟ ونقول إن له يدا في نطاق ليس كمثله شيء، ولذلك فلا يد الله تهلك ولا أي شيء فيه يهلك، ووجهه يعْني ذاته في نطاق ليس كمثله شيء. وأطلق الوجه على الذات، لأن الوجه هو المشخص للذات، فلا يستطيع أحد أن يميز أعضاء بدن عن أعضاء بدن، إنما التمييز يأتي بسمة الوجه، لأنها السمة المميزة، وقول الحق في تلقينه لرسول الله: { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ }. تدل على أن الرسول قد أسلم وجهه لله؛ لأن الله خاطبه بوساطة الوحي، والوحي يباشره صلى الله عليه وسلم، ولكن حين يقول: { وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فقد قام الليل لمن اتبعني، وإن لم يكن مخاطبا من الله مباشرة.

إذن فلا مجال لأن يقول قائل للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت أسلمت وجهك لله لأنه خاطبك وحدك، وكأن صاحب هذا القول يريد خطابا لكل مؤمن، قال سبحانه: { وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فمن اتبع الرسول فقد آمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول صدق مبلغ عن الله منهج حق، فلا مجال لطلب البلاغ لكل فرد؛ لأن البلاغ قد وصل إليهم بالإيمان بما أنزله الله على رسوله الكريم ويأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم { وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ }.

وساعة تقرأ أو تسمع أسلوبا فيه " همزة الاستفهام " فلك أن تعرف أن الاستفهام يطلب منه أن تُعرف الحقيقة، كقول إنسان لآخر: أعندك محمد؟ أو أزارك فلان؟ إن هذا استفهام المراد به فهم الحقيقة، ومرة يريد الاستفهام مجرد الأمر بشيء، كأن يأتيك ضيف وتجلس معه ويدخل عليك والدك فيقول لك: أصنعت قهوة لضيفك؟ إن ذلك توجيه لك إن كنت لم تقم بواجب الضيافة فعليك أن تسرع في القيام بهذا الواجب.وعلى ذلك نفهم قول الحق: { أَأَسْلَمْتُمْ } ولذلك نقرأ قول الحق سبحانه بعد الكلام عن الخمر:
{  إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }
[المائدة: 91].

إن قول الحق: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } يتضمن استفهاما، والاستفهام هنا يعني الأمر بالانتهاء. وفي مجال الآية التي نتعرض لها بالخواطر نجد قول الحق: { أَأَسْلَمْتُمْ } تعني الدعوة للإسلام، أي " أسلموا " وجاء بعد ذلك قول الحق الكريم: { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } ومعنى " اهتدوا " أنهم عرفوا الطريق الموصل للغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان. وهنا يجب أن نعلم أن كلمة " الإسلام " هنا جاءت لتدل على الخضوع, و الخضوع لا يلمح إلا من خاضع، وعملية الخضوع تعرف بالحركة والسلوك، ولا تعرف فقط بالاعتقاد، ولذلك فالإمام علي كرم الله وجهه الذي أوتي شيئا من نفح النبوة في الأداء الإيماني بالأسلوب البياني الجميل قال الإمام عليّ لإخوانه: سأنسب الإسلام نسبا لم ينسبه قبلى أحد: الإسلام هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار, والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، والمؤمن يُعرف إيمانه بالعمل. ونحن في حياتنا العادية نسأل: ما نسب فلان؟

أي أننا نسأل " هو ابن مَن "؟ ومعنى كلمة " نسابة " عند العرب هو الرجل الذي يعرف سلسلة النسب، ومَن ابن مَن، ففلان ابن فلان ابن فلان، ابن فلان. والإمام عليّ كرم الله وجهه، حين ينسب الإسلام ينسبه بالفعل إلى نسب لم ينسبه قبله أحد. وحين ينتهي الإمام عليّ كرم الله وجهه إلى أن نسب الإسلام إلى العمل

قال:

المؤمن يعرف إيمانه بالعمل، فالدليل الصحيح على إيمان المؤمن هو عمله. ويضيف الإمام عليّ كرم الله وجهه: والكافر يُعرف كفره بالإنكار، وإن المؤمن قد أخذ دينه من ربه، ولم يأخذه برأيه. والسيئة في الإسلام خير من الحسنة في غيره؛ لأن السيئة في الإسلام تغفر، والحسنة في غيره لا تُقبل؛ لأن الكفر يصاحبها بالله, هل هناك نسب للإسلام أروع من هذا؟ وهكذا نجد القول الكريم: { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ }. والمقابل للإسلام يأتي بعد ذلك: { وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ } إن المقابل هو " تولوا " أي لم يسلموا، إنه الحق ينبه رسوله ألا يحزن, وألا يأسف إن تولوا, كما جاء في قوله الكريم:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6].

لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه البلاغ فقط، وما دام قد جاء في صدر الآية: { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ } فإن البلاغ أيضا يشمل النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، ولذلك تأتي آية أخرى لتشرح هذه القضية الإيمانية، ولتبقى الرسالة في أمته صلى الله عليه وسلم، ولتخبرنا أيضا لماذا لم يعد هناك داع لوجود أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمناء على أن يعدلوا فساد السلوك في الكون، فلم يعد العالم في حاجة إلى أنبياء جدد، ولهذا السبب قال الرسول: صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء ".

إذن { فعليك البلاغ } نأخذ منها الفهم الواضح أن البلاغ لا تنتهي مهمته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما يشمل كل عالم بالبلاغ الذي وصل إلى رسول الله وآمن به، فقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، ويوضح الحق ذلك في آية أخرى:
{  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
[آل عمران: 110].

ويقول الحق في آية أخرى:
{  وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ... }
[الحج: 78] ومعنى ذلك أنكم تشهدون على الناس أنكم أبلغتموهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يقم بإبلاغ الناس برسالة رسول الله فهو لم يأخذ ميراث النبوة، وميراث النبوة كما يكون شرف تبليغ، فهو أيضا تجلّد وتحمل، إن ميراث النبوة يكون مرة هو نيل شرف التبليغ لرسالةً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى يكون ميراث النبوة هو جلادة التحمل، في سبيل أداء الرسالة، وجلادة التحمل هي التي يجب أن يتصف بها أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فكلما ورثناه نحن المسلمين في شرف النبوة فإننا نرثه في جلادة التحمل، وهذا هو معنى القول الحق:
{  لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ }
[الحج: 78].

فما معنى الأسوة إذن؟ إن الأسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي أنه ما دام قد تحمل بجلادة بلاغ الناس في رسالته، فعلينا ايضا أن نقتدي به. لقد ناضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أتباع رسول الله أن يناضلوا في سبيل نشر الدعوة، فإن رأيت أهل الدين في استرخاء وترهل وعدم قدرة على النضال في سبيل البلاغ عن الله فلتعلم أن هؤلاء القوم لن يأخذوا ميراث النبوة. ولذلك إذا رأيت عالما من علماء الإسلام ليس له أعداء فأعلم أنه قد نقص ميراثه من ميراث الأنبياء.

لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أعداء وكان يواجههم، فساعة أن ترى رجل دين وله أعداء فاعرف أنه قد أخذ حظه من ميراث الأنبياء ولننظر الآن إلى قول الحق سبحانه تذييلا للآية يوضح لنا ما الإسلام: { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } لم يقل الله: إنه عليم بالعباد، لأن " عليم " تكون للأمور العقدية، لقد قال الحق في وصف ذاته هنا: " إنه بصير بالعباد " ، والبصر لايأتي إلا ليدرك حركة وسلوكا.فماذا يرى الله من العباد؟ إنه - سبحانه - يرى العباد المتحركين في الكون، وهل حركة العبد منهم تطابق الإسلام أولا؟ ومتابعة الحركة تحتاج إلى البصر، ولا تحتاج إلى البصر، ولا تحتاج إلى العلم، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟

إذن فقول الحق: { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } نفهم منها أن الإسلام سلوك لا اعتقاد فقط، لأن الذي يُرى هو الفعل لا المعتقدات الداخلية. ومادام الله بصيرا بكل سكنات الإنسان وحركاته فإن الإنسان يستحي أن يراه ربه على غير ما يحب، وأضرب هذا المثل للتقريب لا للتشبيه فالحق سبحانه له المثل الأعلى وليس كمثله شيء، ونحن في حياتنا العادية نجد أن الشاب الذي يدخن يستحي أن يظهر أمام كبار عائلته كمدخن، فيمتنع عن التدخين أثناء تواجده مع الكبار، فما بالنا بالعبد وهو يعتقد أن الله يراه؟ وبعد ذلك يقول الحق: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ... }.


www.alro7.net