سورة
اية:

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

تفسير بن كثير

قال البخاري عن حذيفة‏:‏ ‏ { ‏وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ نزلت في النفقة‏.‏ وعن أسلم أبي عمران قال‏:‏ كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى أهل الشام رجل يزيد بن فضالة ابن عبيد فخرج من المدينة صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا‏:‏ سبحان اللّه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب‏:‏ يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز اللّه دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا‏:‏ لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل اللّه هذه الآية ‏"‏أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، واللفظ لأبي داود‏"‏ وعن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ قال‏:‏ ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ ‏ { ‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏، قال‏:‏ هو البخل، وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير في قوله‏:‏ ‏ { ‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏} ‏ أن يذنب الرجل الذنب فيقول لا يُغفر لي فأنزل اللّه‏:‏ ‏ { ‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن اللّه يحب المحسنين‏} ‏ وقيل‏:‏ إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك‏.‏ وقيل‏:‏ إن رجالاً كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغير نفقة، فأما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالاً، فأمرهم اللّه أن يستنفقوا مما رزقهم اللّه ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلُكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي، وقال لمن بيده فضل ‏ { ‏وأحسنوا إن الله يحب المحسنين‏} ‏ ومضمون الآية الأمرُ بالإنفاق في سبيل اللّه في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة فقال‏:‏ ‏ { ‏وأحسنوا إن الله يحب المحسنين‏} ‏‏

تفسير الجلالين

{ وأنفقوا في سبيل الله } طاعته بالجهاد وغيره { ولا تلقوا بأيديكم } أي أنفسكم والباء زائدة { إلى التهلكة } الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم { وأحسنوا } بالنفقة وغيرها { إن الله يحب المحسنين } أي يثيبهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , وَمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } وَسَبِيل اللَّه : طَرِيقه الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَسْلُك فِيهِ إلَى عَدُوِّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِجِهَادِهِمْ وَحَرْبهمْ , { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنَّ اللَّه يُعَوِّضكُمْ مِنْهَا أَجْرًا وَيَرْزُقكُمْ عَاجِلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2575 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب سِلْم بْن جُنَادَةَ , وَالْحَسَن بْن عَرَفَة قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سُفْيَان عَنْ حُذَيْفَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : يَعْنِي فِي تَرْك النَّفَقَة . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا شُعْبَة , وحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ حُذَيْفَة وحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الْأَعْمَش وحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم جَمِيعًا , عَنْ شَقِيق , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : هُوَ تَرْك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2576 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : تُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا مِشْقَص أَوْ سَهْم - شُعْبَة الَّذِي يَشُكّ فِي ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح الَّذِي كَانَ يُحَدِّث عَنْهُ الْكَلْبِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا سَهْم أَوْ مِشْقَص أَنْفَقْته . * حَدَّثَنِي ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : فِي النَّفَقَة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَيْسَ التَّهْلُكَة أَنْ يُقْتَل الرَّجُل فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ الْإِمْسَاك عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2577 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَات فِي سَبِيل اللَّه , يَعْنِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } 2578 - حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : كَانَ الْقَوْم فِي سَبِيل اللَّه , فَيَتَزَوَّد الرَّجُل , فَكَانَ أَفْضَل زَادًا مِنْ الْآخَر أَنْفَقَ الْبَائِس مِنْ زَاده حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ زَاده شَيْء أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِي صَاحِبه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا شَيْبَان , عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي صَالِح مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ إنِّي لَا أَجِد شَيْئًا إنْ لَمْ يَجِد إلَّا مِشْقَصًا فَلْيَتَجَهَّزْ بِهِ فِي سَبِيل اللَّه . 2579 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد يَعْنِي ابْن أَبِي هِنْد , عَنْ عَامِر : أَنَّ الْأَنْصَار كَانَ احْتَبَسَ عَلَيْهِمْ بَعْض الرِّزْق , وَكَانُوا قَدْ أَنْفَقُوا نَفَقَات , قَالَ : فَسَاءَ ظَنّهمْ وَأَمْسَكُوا . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : وَكَانَتْ التَّهْلُكَة سُوء ظَنّهمْ وَإِمْسَاكهمْ . 2580 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : تَمْنَعكُمْ نَفَقَة فِي حَقّ خِيفَة الْعِيلَة . 2581 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : وَكَانَ قَتَادَة يُحَدِّث أَنَّ الْحَسَن حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَغْزُونَ وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالهمْ , أَوْ قَالَ : لَا يُنْفِقُونَ فِي ذَلِكَ , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يُنْفِقُوا فِي مَغَازِيهمْ فِي سَبِيل اللَّه . 2582 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : لَا تُمْسِكُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2583 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } يَقُول : أَنْفِقْ فِي سَبِيل اللَّه وَلَوْ عِقَالًا , { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } تَقُول : لَيْسَ عِنْدِي شَيْء . 2584 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو غَسَّان , قَالَ : ثنا زُهَيْر , قَالَ : ثنا خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَمَّا أَمَرَ اللَّه بِالنَّفَقَةِ فَكَانُوا أَوْ بَعْضهمْ يَقُولُونَ : نُنْفِق فَيَذْهَب مَالنَا وَلَا يَبْقَى لَنَا شَيْء , قَالَ : فَقَالَ أَنْفِقُوا وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة , قَالَ : أَنْفِقُوا وَأَنَا أَرْزُقكُمْ . 2585 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة . 2586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق . قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن هَمَّام الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُس , عَنْ الْحَسَن فِي التَّهْلُكَة . قَالَ : أَمَرَهُمْ اللَّه بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّه . وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَرْك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه التَّهْلُكَة . 2587 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : يَقُول : أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه مَا قَلَّ وَكَثُرَ قَالَ وَقَالَ لِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور . عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَا يَقُولَن الرَّجُل : لَا أَجِد شَيْئًا قَدْ هَلَكْت . فَلْيَتَجَهَّزْ وَلَوْ بِمِشْقَصٍ . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله . { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : أَنْفِقُوا مَا كَانَ مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير . وَلَا تَسْتَسْلِمُوا , وَلَا تُنْفِقُوا شَيْئًا فَتَهْلَكُوا 2588 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا إسْحَاق . قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : التَّهْلُكَة : أَنْ يُمْسِك الرَّجُل نَفْسه وَمَاله عَنْ النَّفَقَة فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه * حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن . فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } فَتَدَعُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ وَجَّهُوا تَأْوِيل ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مَعْنِيَّة بِهِ النَّفَقَة : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة . فَتَخْرُجُوا فِي سَبِيل اللَّه بِغَيْرِ نَفَقَة وَلَا قُوَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2589 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ . أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدك مَا تُنْفِق فَلَا تَخْرُج بِنَفْسِك بِغَيْرِ نَفَقَة وَلَا قُوَّة فَتُلْقِي بِيَدَيْك إلَى التَّهْلُكَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ فِيمَا أَصَبْتُمْ مِنْ الْآثَام إلَى التَّهْلُكَة , فَتَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَلَكِنْ اُرْجُوا رَحْمَته وَاعْمَلُوا الْخَيْرَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُصِيب الذُّنُوب فَيُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة , يَقُول : لَا تَوْبَة لِي . 2591 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : سَأَلَهُ رَجُل أَحْمِل عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحْدِي فَيَقْتُلُونِي أَكُنْت أَلْقَيْت بِيَدَيْ إلَى التَّهْلُكَة ؟ فَقَالَ : لَا إنَّمَا التَّهْلُكَة فِي النَّفَقَة بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ , فَقَالَ : { فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه لَا تُكَلَّف إلَّا نَفْسَك } 4 84 * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا وَكِيع بْن الْجَرَّاح , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي إسْحَاق السَّبِيعِيّ , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَقُول : لَا يَغْفِر اللَّه لَهُ . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : يَا أَبَا عِمَارَة أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } أَهُوَ الرَّجُل يَتَقَدَّم فَيُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَعْمَل بِالْمَعَاصِي , ثُمَّ يُلْقِي بِيَدِهِ وَلَا يَتُوب . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : الرَّجُل يَحْمِل عَلَى كَتِيبَة وَحْده فَيُقَاتِل , أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنَّ التَّهْلُكَة : أَنْ يُذْنِب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدِهِ , فَيَقُول : لَا تُقْبَل لِي تَوْبَة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ الْجَرَّاح , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : قُلْت لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب : يَا أَبَا عِمَارَة الرَّجُل يَلْقَى أَلْفًا مِنْ الْعَدُوّ فَيَحْمِل عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ وَحْده , أَيَكُونُ مِمَّنْ قَالَ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } ؟ فَقَالَ : لَا , لِيُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل , قَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّه لَا تُكَلَّف إلَّا نَفْسَك } 4 84 2592 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام . وحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ هِشَام , عَنْ مُحَمَّد قَالَ : وَسَأَلْت عُبَيْدَة عَنْ قَوْل اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } الْآيَة . فَقَالَ عُبَيْدَة : كَانَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب - قَالَ : حَسِبْته قَالَ الْعَظِيم - فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيُسْتَهْلَك زَادَ يَعْقُوب فِي حَدِيثه : فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقِيلَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام , عَنْ ابْن سِيرِينَ , قَالَ : سَأَلْت عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَسْتَسْلِم وَيُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة , وَيَقُول : لَا تَوْبَة لَهُ . يَعْنِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ عُبَيْدَة فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدِهِ . 2593 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ ابْن عَوْن , عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : الْقُنُوط . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , وَهِشَام عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ , قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَسْتَسْلِم , يَقُول : لَا تَوْبَة لِي , فَيُلْقِي بِيَدِهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوب عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة أَنَّهُ قَالَ : هِيَ فِي الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب الْعَظِيم , فَيُلْقِي بِيَدِهِ وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تَتْرُكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2594 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَان , قَالَ : غَزَوْنَا مِنْ الْمَدِينَة نُرِيد القسطنطينية وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر , وَعَلَى الْجَمَاعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن الْوَلِيد . قَالَ : فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ لَمْ أَرَ صَفَّيْنِ قَطُّ أَعْرَض وَلَا أَطْوَل مِنْهُمَا , وَالرُّوم مُلْصِقُونَ ظُهُورهمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَة , قَالَ : فَحَمَلَ رَجُل مِنَّا عَلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ النَّاس : مَهْ ! لَا إلَه إلَّا اللَّه , يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ! قَالَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ : إنَّمَا تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة هَكَذَا أَنْ حَمَلَ رَجُل يُقَاتِل يَلْتَمِس الشَّهَادَة أَوْ يُبْلِي مِنْ نَفْسه ! إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعْشَر الْأَنْصَار . إنَّا لَمَّا نَصَرَ اللَّه نَبِيّه , وَأَظْهَر الْإِسْلَام , قُلْنَا بَيْننَا مَعْشَر الْأَنْصَار خَفْيًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا قَدْ كُنَّا تَرَكْنَا أَهْلنَا وَأَمْوَالنَا أَنْ نُقِيم فِيهَا وَنُصْلِحهَا حَتَّى نَصَرَ اللَّه نَبِيّه , هَلُمَّ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه الْخَبَر مِنْ السَّمَاء : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } الْآيَة , فَالْإِلْقَاء بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَة : أَنْ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا , وَنَدَع الْجِهَاد . قَالَ أَبُو عِمْرَان : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوب يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بالقسطنطينية . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِمَارَة الْأَسَدِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد قَالَا : ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَة وَابْن لَهِيعَة , قَالَا : ثنا يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , قَالَ : حَدَّثَنِي أَسْلَم أَبُو عِمْرَان مَوْلَى تُجِيب , قَالَ : كُنَّا بالقسطنطينية , وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى أَهْل الشَّام فَضَالَة بْن عُبَيْد صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة صَفّ عَظِيم مِنْ الرُّوم , قَالَ : وَصَفَفْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا مُقْبِلًا , فَصَاحَ النَّاس وَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه , أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس إنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار : إنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّه دِينه وَكَثُرَ نَاصِرِيهِ , قُلْنَا فِيمَا بَيْننَا بَعْضنَا لِبَعْضٍ سِرًّا مِنْ رَسُول اللَّه إنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه يَرُدّ عَلَيْنَا مَا هَمَمْنَا بِهِ , فَقَالَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } بِالْإِقَامَةِ الَّتِي أَرَدْنَا أَنْ نُقِيم فِي الْأَمْوَال وَنُصْلِحهَا , فَأَمَرَنَا بِالْغَزْوِ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب غَازِيًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيله بِقَوْلِهِ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } وَسَبِيله : طَرِيقه الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي إعْزَاز دِينِي الَّذِي شَرَعْته لَكُمْ بِجِهَادِ عَدُوّكُمْ النَّاصِبِينَ لَكُمْ الْحَرْب عَلَى الْكُفْر بِي وَنَهَاهُمْ أَنْ يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إلَى التَّهْلُكَة , فَقَالَ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَذَلِكَ مَثَل , وَالْعَرَب تَقُول لِلْمُسْتَسْلِمِ لِلْأَمْرِ : أَعْطَى فُلَان بِيَدَيْهِ , وَكَذَلِكَ يُقَال لِلْمُمَكِّنِ مِنْ نَفْسه مِمَّا أُرِيدَ بِهِ أَعْطَى بِيَدَيْهِ . فَمَعْنَى قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لِلْهَلَكَةِ فَتُعْطُوهَا أَزِمَّتكُمْ فَتَهْلَكُوا وَالتَّارِك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه عِنْد وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ مُسْتَسْلِم لِلْهَلَكَةِ بِتَرْكِهِ أَدَاء فَرْض اللَّه عَلَيْهِ فِي مَاله . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ أَحَد سِهَام الصَّدَقَات الْمَفْرُوضَات الثَّمَانِيَة فِي سَبِيله , فَقَالَ : { إنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } إلَى قَوْله : { وَفِي سَبِيل اللَّه وَابْن السَّبِيل } 9 60 فَمَنْ تَرَكَ إنْفَاق مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَبِيل اللَّه عَلَى مَا لَزِمَهُ كَانَ لِلْهَلَكَةِ مُسْتَسْلِمًا وَبِيَدَيْهِ لِلتَّهْلُكَةِ مُلْقِيًا . وَكَذَلِكَ الْآيِس مِنْ رَحْمَة اللَّه لِذَنْبٍ سَلَفَ مِنْهُ , مُلْقٍ بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَة , لِأَنَّ اللَّه قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْح اللَّه إنَّهُ لَا يَيْأَس مِنْ رَوْح اللَّه إلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ } 12 87 وَكَذَلِكَ التَّارِك غَزْو الْمُشْرِكِينَ وَجِهَادهمْ فِي حَال وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي حَال حَاجَة الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ , مُضَيِّع فَرْضًا , مُلْقٍ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا يَحْتَمِلهَا قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَلَمْ يَكُنْ اللَّه عَزَّ وَجَلّ خَصَّ مِنْهَا شَيْئًا دُون شَيْء , فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه نَهَى عَنْ الْإِلْقَاء بِأَيْدِينَا لِمَا فِيهِ هَلَاكنَا , وَالِاسْتِسْلَام لِلْهَلَكَةِ , وَهِيَ الْعَذَاب , بِتَرْكِ مَا لَزِمَنَا مِنْ فَرَائِضه , فَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ مِنَّا الدُّخُول فِي شَيْء يَكْرَه اللَّه مِنَّا مِمَّا نَسْتَوْجِب بِدُخُولِنَا فِيهِ عَذَابه . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَغْلَب مِنْ تَأْوِيل الْآيَة : وَأَنْفِقُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِيهَا فَتَهْلَكُوا بِاسْتِحْقَاقِكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ عَذَابِي . كَمَا : 2595 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : التَّهْلُكَة : عَذَاب اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَيَكُون ذَلِكَ إعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ بَعْد أَمْره إيَّاهُمْ بِالنَّفَقَةِ مَا لِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَة الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِ فِي سَبِيله مِنْ الْعُقُوبَة فِي الْمُعَاد . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه إدْخَال الْبَاء فِي قَوْله . { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب أَلْقَيْت إلَى فُلَان دِرْهَمًا , دُون أَلْقَيْت إلَى فُلَان بِدِرْهَمٍ ؟ قِيلَ : قَدْ قِيلَ إنَّهَا زِيدَتْ نَحْو زِيَادَة الْقَائِل فِي الْبَاء فِي قَوْله : جَذَبْت بِالثَّوْبِ , وَجَذَبْت الثَّوْب , وَتَعَلَّقْت بِهِ , وَتَعَلَّقْته , و { تَنْبُت بِالدُّهْنِ } 23 20 وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبُت الدُّهْن . وَقَالَ آخَرُونَ : الْبَاء فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِكُمْ } أَصْل لِلْكَلِمَةِ , لِأَنَّ كُلّ فِعْل وَاقِع كُنِّيَ عَنْهُ فَهُوَ مُضْطَرّ إلَيْهَا , نَحْو قَوْلك فِي رَجُل : " كَلَّمْته " , فَأَرَدْت الْكِنَايَة عَنْ فِعْله , فَإِذَا أَرَدْت ذَلِكَ قُلْت : " فَعَلْت بِهِ " قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ الْبَاء هِيَ الْأَصْل جَازَ إدْخَال الْبَاء وَإِخْرَاجهَا فِي كُلّ فِعْل سَبِيله سَبِيل كَلَّمْته . وَأَمَّا التَّهْلُكَة , فَإِنَّهَا التَّفْعُلَةُ مِنْ الْهَلَاك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , وَمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } وَسَبِيل اللَّه : طَرِيقه الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَسْلُك فِيهِ إلَى عَدُوِّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِجِهَادِهِمْ وَحَرْبهمْ , { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه , فَإِنَّ اللَّه يُعَوِّضكُمْ مِنْهَا أَجْرًا وَيَرْزُقكُمْ عَاجِلًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2575 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب سِلْم بْن جُنَادَةَ , وَالْحَسَن بْن عَرَفَة قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ سُفْيَان عَنْ حُذَيْفَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : يَعْنِي فِي تَرْك النَّفَقَة . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا شُعْبَة , وحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ حُذَيْفَة وحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الْأَعْمَش وحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم جَمِيعًا , عَنْ شَقِيق , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : هُوَ تَرْك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2576 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : تُنْفِق فِي سَبِيل اللَّه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا مِشْقَص أَوْ سَهْم - شُعْبَة الَّذِي يَشُكّ فِي ذَلِكَ . * حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح الَّذِي كَانَ يُحَدِّث عَنْهُ الْكَلْبِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَك إلَّا سَهْم أَوْ مِشْقَص أَنْفَقْته . * حَدَّثَنِي ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : فِي النَّفَقَة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَيْسَ التَّهْلُكَة أَنْ يُقْتَل الرَّجُل فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ الْإِمْسَاك عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2577 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَات فِي سَبِيل اللَّه , يَعْنِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } 2578 - حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : كَانَ الْقَوْم فِي سَبِيل اللَّه , فَيَتَزَوَّد الرَّجُل , فَكَانَ أَفْضَل زَادًا مِنْ الْآخَر أَنْفَقَ الْبَائِس مِنْ زَاده حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ زَاده شَيْء أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِي صَاحِبه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا شَيْبَان , عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي صَالِح مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ إنِّي لَا أَجِد شَيْئًا إنْ لَمْ يَجِد إلَّا مِشْقَصًا فَلْيَتَجَهَّزْ بِهِ فِي سَبِيل اللَّه . 2579 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد يَعْنِي ابْن أَبِي هِنْد , عَنْ عَامِر : أَنَّ الْأَنْصَار كَانَ احْتَبَسَ عَلَيْهِمْ بَعْض الرِّزْق , وَكَانُوا قَدْ أَنْفَقُوا نَفَقَات , قَالَ : فَسَاءَ ظَنّهمْ وَأَمْسَكُوا . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : وَكَانَتْ التَّهْلُكَة سُوء ظَنّهمْ وَإِمْسَاكهمْ . 2580 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : تَمْنَعكُمْ نَفَقَة فِي حَقّ خِيفَة الْعِيلَة . 2581 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : وَكَانَ قَتَادَة يُحَدِّث أَنَّ الْحَسَن حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَغْزُونَ وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالهمْ , أَوْ قَالَ : لَا يُنْفِقُونَ فِي ذَلِكَ , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يُنْفِقُوا فِي مَغَازِيهمْ فِي سَبِيل اللَّه . 2582 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : لَا تُمْسِكُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . 2583 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } يَقُول : أَنْفِقْ فِي سَبِيل اللَّه وَلَوْ عِقَالًا , { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } تَقُول : لَيْسَ عِنْدِي شَيْء . 2584 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو غَسَّان , قَالَ : ثنا زُهَيْر , قَالَ : ثنا خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : لَمَّا أَمَرَ اللَّه بِالنَّفَقَةِ فَكَانُوا أَوْ بَعْضهمْ يَقُولُونَ : نُنْفِق فَيَذْهَب مَالنَا وَلَا يَبْقَى لَنَا شَيْء , قَالَ : فَقَالَ أَنْفِقُوا وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة , قَالَ : أَنْفِقُوا وَأَنَا أَرْزُقكُمْ . 2585 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة . 2586 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق . قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن هَمَّام الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُس , عَنْ الْحَسَن فِي التَّهْلُكَة . قَالَ : أَمَرَهُمْ اللَّه بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّه . وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَرْك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه التَّهْلُكَة . 2587 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : يَقُول : أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه مَا قَلَّ وَكَثُرَ قَالَ وَقَالَ لِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور . عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَا يَقُولَن الرَّجُل : لَا أَجِد شَيْئًا قَدْ هَلَكْت . فَلْيَتَجَهَّزْ وَلَوْ بِمِشْقَصٍ . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله . { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } يَقُول : أَنْفِقُوا مَا كَانَ مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير . وَلَا تَسْتَسْلِمُوا , وَلَا تُنْفِقُوا شَيْئًا فَتَهْلَكُوا 2588 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا إسْحَاق . قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : التَّهْلُكَة : أَنْ يُمْسِك الرَّجُل نَفْسه وَمَاله عَنْ النَّفَقَة فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه * حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن . فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } فَتَدَعُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ وَجَّهُوا تَأْوِيل ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مَعْنِيَّة بِهِ النَّفَقَة : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة . فَتَخْرُجُوا فِي سَبِيل اللَّه بِغَيْرِ نَفَقَة وَلَا قُوَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2589 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ . أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدك مَا تُنْفِق فَلَا تَخْرُج بِنَفْسِك بِغَيْرِ نَفَقَة وَلَا قُوَّة فَتُلْقِي بِيَدَيْك إلَى التَّهْلُكَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ فِيمَا أَصَبْتُمْ مِنْ الْآثَام إلَى التَّهْلُكَة , فَتَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَلَكِنْ اُرْجُوا رَحْمَته وَاعْمَلُوا الْخَيْرَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُصِيب الذُّنُوب فَيُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة , يَقُول : لَا تَوْبَة لِي . 2591 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : ثنا أَبُو إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : سَأَلَهُ رَجُل أَحْمِل عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحْدِي فَيَقْتُلُونِي أَكُنْت أَلْقَيْت بِيَدَيْ إلَى التَّهْلُكَة ؟ فَقَالَ : لَا إنَّمَا التَّهْلُكَة فِي النَّفَقَة بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ , فَقَالَ : { فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه لَا تُكَلَّف إلَّا نَفْسَك } 4 84 * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا وَكِيع بْن الْجَرَّاح , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي إسْحَاق السَّبِيعِيّ , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَقُول : لَا يَغْفِر اللَّه لَهُ . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : يَا أَبَا عِمَارَة أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } أَهُوَ الرَّجُل يَتَقَدَّم فَيُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَعْمَل بِالْمَعَاصِي , ثُمَّ يُلْقِي بِيَدِهِ وَلَا يَتُوب . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : الرَّجُل يَحْمِل عَلَى كَتِيبَة وَحْده فَيُقَاتِل , أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنَّ التَّهْلُكَة : أَنْ يُذْنِب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدِهِ , فَيَقُول : لَا تُقْبَل لِي تَوْبَة . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ الْجَرَّاح , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : قُلْت لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب : يَا أَبَا عِمَارَة الرَّجُل يَلْقَى أَلْفًا مِنْ الْعَدُوّ فَيَحْمِل عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ وَحْده , أَيَكُونُ مِمَّنْ قَالَ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } ؟ فَقَالَ : لَا , لِيُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل , قَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيل اللَّه لَا تُكَلَّف إلَّا نَفْسَك } 4 84 2592 - حَدَّثَنَا مُجَاهِد بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام . وحَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ هِشَام , عَنْ مُحَمَّد قَالَ : وَسَأَلْت عُبَيْدَة عَنْ قَوْل اللَّه : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } الْآيَة . فَقَالَ عُبَيْدَة : كَانَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب - قَالَ : حَسِبْته قَالَ الْعَظِيم - فَيُلْقِي بِيَدِهِ فَيُسْتَهْلَك زَادَ يَعْقُوب فِي حَدِيثه : فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقِيلَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام , عَنْ ابْن سِيرِينَ , قَالَ : سَأَلْت عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَسْتَسْلِم وَيُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة , وَيَقُول : لَا تَوْبَة لَهُ . يَعْنِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } * حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ عُبَيْدَة فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدِهِ . 2593 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ ابْن عَوْن , عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : الْقُنُوط . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ يُونُس , وَهِشَام عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ , قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَسْتَسْلِم , يَقُول : لَا تَوْبَة لِي , فَيُلْقِي بِيَدِهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : حَدَّثَنِي أَيُّوب عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ عُبَيْدَة أَنَّهُ قَالَ : هِيَ فِي الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب الْعَظِيم , فَيُلْقِي بِيَدِهِ وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تَتْرُكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2594 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَان , قَالَ : غَزَوْنَا مِنْ الْمَدِينَة نُرِيد القسطنطينية وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر , وَعَلَى الْجَمَاعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن الْوَلِيد . قَالَ : فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ لَمْ أَرَ صَفَّيْنِ قَطُّ أَعْرَض وَلَا أَطْوَل مِنْهُمَا , وَالرُّوم مُلْصِقُونَ ظُهُورهمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَة , قَالَ : فَحَمَلَ رَجُل مِنَّا عَلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ النَّاس : مَهْ ! لَا إلَه إلَّا اللَّه , يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ! قَالَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ : إنَّمَا تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة هَكَذَا أَنْ حَمَلَ رَجُل يُقَاتِل يَلْتَمِس الشَّهَادَة أَوْ يُبْلِي مِنْ نَفْسه ! إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعْشَر الْأَنْصَار . إنَّا لَمَّا نَصَرَ اللَّه نَبِيّه , وَأَظْهَر الْإِسْلَام , قُلْنَا بَيْننَا مَعْشَر الْأَنْصَار خَفْيًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا قَدْ كُنَّا تَرَكْنَا أَهْلنَا وَأَمْوَالنَا أَنْ نُقِيم فِيهَا وَنُصْلِحهَا حَتَّى نَصَرَ اللَّه نَبِيّه , هَلُمَّ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه الْخَبَر مِنْ السَّمَاء : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } الْآيَة , فَالْإِلْقَاء بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَة : أَنْ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا , وَنَدَع الْجِهَاد . قَالَ أَبُو عِمْرَان : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوب يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بالقسطنطينية . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِمَارَة الْأَسَدِيّ , وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد قَالَا : ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَة وَابْن لَهِيعَة , قَالَا : ثنا يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , قَالَ : حَدَّثَنِي أَسْلَم أَبُو عِمْرَان مَوْلَى تُجِيب , قَالَ : كُنَّا بالقسطنطينية , وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى أَهْل الشَّام فَضَالَة بْن عُبَيْد صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة صَفّ عَظِيم مِنْ الرُّوم , قَالَ : وَصَفَفْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا مُقْبِلًا , فَصَاحَ النَّاس وَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه , أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيّهَا النَّاس إنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار : إنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّه دِينه وَكَثُرَ نَاصِرِيهِ , قُلْنَا فِيمَا بَيْننَا بَعْضنَا لِبَعْضٍ سِرًّا مِنْ رَسُول اللَّه إنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه يَرُدّ عَلَيْنَا مَا هَمَمْنَا بِهِ , فَقَالَ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } بِالْإِقَامَةِ الَّتِي أَرَدْنَا أَنْ نُقِيم فِي الْأَمْوَال وَنُصْلِحهَا , فَأَمَرَنَا بِالْغَزْوِ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب غَازِيًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيله بِقَوْلِهِ : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه } وَسَبِيله : طَرِيقه الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْفِقُوا فِي إعْزَاز دِينِي الَّذِي شَرَعْته لَكُمْ بِجِهَادِ عَدُوّكُمْ النَّاصِبِينَ لَكُمْ الْحَرْب عَلَى الْكُفْر بِي وَنَهَاهُمْ أَنْ يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إلَى التَّهْلُكَة , فَقَالَ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَذَلِكَ مَثَل , وَالْعَرَب تَقُول لِلْمُسْتَسْلِمِ لِلْأَمْرِ : أَعْطَى فُلَان بِيَدَيْهِ , وَكَذَلِكَ يُقَال لِلْمُمَكِّنِ مِنْ نَفْسه مِمَّا أُرِيدَ بِهِ أَعْطَى بِيَدَيْهِ . فَمَعْنَى قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لِلْهَلَكَةِ فَتُعْطُوهَا أَزِمَّتكُمْ فَتَهْلَكُوا وَالتَّارِك النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه عِنْد وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ مُسْتَسْلِم لِلْهَلَكَةِ بِتَرْكِهِ أَدَاء فَرْض اللَّه عَلَيْهِ فِي مَاله . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ أَحَد سِهَام الصَّدَقَات الْمَفْرُوضَات الثَّمَانِيَة فِي سَبِيله , فَقَالَ : { إنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين } إلَى قَوْله : { وَفِي سَبِيل اللَّه وَابْن السَّبِيل } 9 60 فَمَنْ تَرَكَ إنْفَاق مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَبِيل اللَّه عَلَى مَا لَزِمَهُ كَانَ لِلْهَلَكَةِ مُسْتَسْلِمًا وَبِيَدَيْهِ لِلتَّهْلُكَةِ مُلْقِيًا . وَكَذَلِكَ الْآيِس مِنْ رَحْمَة اللَّه لِذَنْبٍ سَلَفَ مِنْهُ , مُلْقٍ بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَة , لِأَنَّ اللَّه قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْح اللَّه إنَّهُ لَا يَيْأَس مِنْ رَوْح اللَّه إلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ } 12 87 وَكَذَلِكَ التَّارِك غَزْو الْمُشْرِكِينَ وَجِهَادهمْ فِي حَال وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي حَال حَاجَة الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ , مُضَيِّع فَرْضًا , مُلْقٍ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَة . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا يَحْتَمِلهَا قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } وَلَمْ يَكُنْ اللَّه عَزَّ وَجَلّ خَصَّ مِنْهَا شَيْئًا دُون شَيْء , فَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه نَهَى عَنْ الْإِلْقَاء بِأَيْدِينَا لِمَا فِيهِ هَلَاكنَا , وَالِاسْتِسْلَام لِلْهَلَكَةِ , وَهِيَ الْعَذَاب , بِتَرْكِ مَا لَزِمَنَا مِنْ فَرَائِضه , فَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ مِنَّا الدُّخُول فِي شَيْء يَكْرَه اللَّه مِنَّا مِمَّا نَسْتَوْجِب بِدُخُولِنَا فِيهِ عَذَابه . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَغْلَب مِنْ تَأْوِيل الْآيَة : وَأَنْفِقُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِيهَا فَتَهْلَكُوا بِاسْتِحْقَاقِكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ عَذَابِي . كَمَا : 2595 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَة } قَالَ : التَّهْلُكَة : عَذَاب اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَيَكُون ذَلِكَ إعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ بَعْد أَمْره إيَّاهُمْ بِالنَّفَقَةِ مَا لِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَة الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِ فِي سَبِيله مِنْ الْعُقُوبَة فِي الْمُعَاد . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه إدْخَال الْبَاء فِي قَوْله . { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام الْعَرَب أَلْقَيْت إلَى فُلَان دِرْهَمًا , دُون أَلْقَيْت إلَى فُلَان بِدِرْهَمٍ ؟ قِيلَ : قَدْ قِيلَ إنَّهَا زِيدَتْ نَحْو زِيَادَة الْقَائِل فِي الْبَاء فِي قَوْله : جَذَبْت بِالثَّوْبِ , وَجَذَبْت الثَّوْب , وَتَعَلَّقْت بِهِ , وَتَعَلَّقْته , و { تَنْبُت بِالدُّهْنِ } 23 20 وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبُت الدُّهْن . وَقَالَ آخَرُونَ : الْبَاء فِي قَوْله : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِكُمْ } أَصْل لِلْكَلِمَةِ , لِأَنَّ كُلّ فِعْل وَاقِع كُنِّيَ عَنْهُ فَهُوَ مُضْطَرّ إلَيْهَا , نَحْو قَوْلك فِي رَجُل : " كَلَّمْته " , فَأَرَدْت الْكِنَايَة عَنْ فِعْله , فَإِذَا أَرَدْت ذَلِكَ قُلْت : " فَعَلْت بِهِ " قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ الْبَاء هِيَ الْأَصْل جَازَ إدْخَال الْبَاء وَإِخْرَاجهَا فِي كُلّ فِعْل سَبِيله سَبِيل كَلَّمْته . وَأَمَّا التَّهْلُكَة , فَإِنَّهَا التَّفْعُلَةُ مِنْ الْهَلَاك .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } . يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَحْسِنُوا } أَحْسِنُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَدَاء مَا أَلْزَمْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَتَجَنُّب مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنْ مَعَاصِيَّ , وَمِنْ الْإِنْفَاق فِي سَبِيلِي . وَعَوْد الْقَوِيّ مِنْكُمْ عَلَى الضَّعِيف ذِي الْخُلَّة , فَإِنِّي أُحِبّ الْمُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ . كَمَا : 2596 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَابِ , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة فِي قَوْله : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَالَ : أَدَاء الْفَرَائِض . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2597 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَالَ : أَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ يَبَرّكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَحْسِنُوا بِالْعَوْدِ عَلَى الْمُحْتَاج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2598 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } عُودُوا عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي يَده شَيْء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } . يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَأَحْسِنُوا } أَحْسِنُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَدَاء مَا أَلْزَمْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَتَجَنُّب مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنْ مَعَاصِيَّ , وَمِنْ الْإِنْفَاق فِي سَبِيلِي . وَعَوْد الْقَوِيّ مِنْكُمْ عَلَى الضَّعِيف ذِي الْخُلَّة , فَإِنِّي أُحِبّ الْمُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ . كَمَا : 2596 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَابِ , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إسْحَاق عَنْ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة فِي قَوْله : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَالَ : أَدَاء الْفَرَائِض . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2597 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَالَ : أَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ يَبَرّكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَحْسِنُوا بِالْعَوْدِ عَلَى الْمُحْتَاج . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2598 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } عُودُوا عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي يَده شَيْء . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل الأولى: روى البخاري عن حذيفة { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال : نزلت في النفقة. وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية، وعلى الجماعة عبدالرحمن بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس : مه مه! لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب : سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه، قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل { وأنفقوا في سبيل الله} الآية. والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فقبره هناك. فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك. وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. قلت : و روى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} . فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل : ليس عندي، ما أنفقه. وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره، والله أعلم. قال ابن عباس : أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا. ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء. وقول ثالث. قاله ابن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز! فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد، فنزل قوله تعالى { وأنفقوا في سبيل الله} يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله، يعني في طاعة الله. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا، وهكذا قال مقاتل. ومعنى ابن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا. وقول رابع - قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة؟ فقال لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة، فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك : اليأس من الله، وقاله عبيدة السلماني. وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس. فهذه خمسة أقوال. { سبيل الله} هنا : الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. والباء في { بأيديكم} زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. ونظيره { ألم يعلم بأن الله يرى} [العلق:14]. وقال المبرد { بأيديكم} أي بأنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل، كقوله { فبما كسبت أيديكم} [الشورى:30]، { بما قدمت يداك} [الحج:10]. وقيل : هذا ضرب مثل، تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبدالمطلب : [والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز] وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول : لا تفسد حالك برأيك. التهلكة بضم اللام مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة، أي لا تأخذوا فيما يهلككم، قاله الزجاج وغيره. أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم. وقيل : إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة. ويقال { لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا. ونحوه عن عكرمة قال { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة : 267] وقال الطبري : قوله { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله. الثانية: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم ابن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فان لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207]. وقال ابن خويز منداد : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك. فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين : ضعوني في الحَجَفَة وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال : (فلك الجنة). فانغمس في العدو حتى قتل. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال : (من يردهم عنا وله الجنة) أو (هو رفيقي في الجنة) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. ثم رهقوه أيضا فقال : (من يردهم عنا وله الجنة) أو (هو رفيقي في الجنة). فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما أنصفنا أصحابنا). هكذا الرواية (أنصفنا) بسكون الفاء (أصحابنا) بفتح الباء، أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا. وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فَرّ عنه من أصحابه، والله أعلم. وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} [التوبة:111] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رَجَا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17]. وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله). وسيأتي القول في هذا في [آل عمران] إن شاء تعالى. الثالثة: قوله تعالى { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. وقيل { أحسنوا} في أعمالكم بامتثال الطاعات، روي ذلك عن بعض الصحابة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 190 - 195


سورة البقرة الايات 195 - 197

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه الآية جاءت بعد آيات القتال، ومعناها: أعدوا أنفسكم للقتال في سبيل الله.

وقوله الحق: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تقتضي منا أن نعرف أن كلمة " تهلكة " على وزن تَفْعُله ولا نظير لها في اللغة العربية إلا هذا اللفظ، لا يوجد على وزن تَفْعُله في اللغة العربية سوى كلمة " تهْلُكة " ، والتهلكة هي الهلاك، والهلاك هو خروج الشيء عن حال إصلاحه بحيث لا يُدرى أين يذهب، ومثال ذلك هلاك الإنسان يكون بخروج روحه. والحق يقول:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ }
[الأنفال: 42]

فالهلاك ضد الحياة، وعلى الإنسان أن يعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة التي نراها، إنما حياة كل شيء بحساب معين فحياة الحيوان لها قانونها، وحياة النبات لها قانونها، وحياة الجماد لها قانونها، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جعل " يهلك " أمام " يحيى " وهو سبحانه القائل:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
[القصص: 88]

فلسنا نحن فقط الذين يهلكون، ولا الحيوانات، ولا النباتات وإنما كل شيء بما فيه الجماد، كأن الجماد يهلك مثلنا، وما دام يهلك فله حياة ولكن ليست مثل حياتنا، وإنما حياة بقانونه هو، فكل شيء مخلوق لمهمة يؤديها، فهذه هي حياته.

وقوله الحق: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } يكشف لنا بعضاً من روائع الأداء البياني في القرآن؛ ففي الجملة الواحدة تعطيك الشيء ومقابل الشيء، وهذا أمر لا نجده في أساليب البشر؛ فالحق في هذه الآية يقول لنا: { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي أنفقوا في الجهاد، كما يقول بعدها: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } لماذا؟ لأن الإنفاق هو إخراج المال إلى الغير الذي يؤدي لك مهمة تفيد في الإعداد لسبيل الله، كصناعة الأسلحة أو الإمدادات التموينية، أو تجهيز مبانٍ وحصون، هذه أوجه أنفاق المال. والحق يقول: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }. وكلمة " ألقى " تفيد أن هناك شيئا عالياً وشيئاً أسفل منه، فكأن الله يقول: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وهل سيلقي الواحد منا نفسه إلى التهلكة، أو أن يلقي نفسه في التهلكة بين عدوه؟ لا، إن اليد المغلولة عن الإنفاق في سبيل الله هي التي تُلقي بصاحبها إلى التهلكة؛ لأنه إن امتنع عن ذلك اجترأ العدو عليه، وما دام العدو قد اجترأ على المؤمنين فسوف يفتنهم في دينهم، وإذا فتنهم في دينهم فقد هلكوا. إذن فالاستعداد للحرب أنفى للحرب، وعندما يراك العدو قوياً فهو يهابك ويتراجع عن قتالك.

والحق سبحانه ـ كما يريد منا في تشريع القتال أن نقاتل ـ يأمرنا أن نزن أمر القتال وزناً دقيقاً بحسم، فلا تأخذنا الأريحية الاكذبة ولا الحمية الرعناء، فيكون المعنى: ولا تقبلوا على القتال إلا إن كان غالب الظن أنكم ستنتصرون، فحزم الإقدام قد يطلب منك أن تقيس الأمور بدقة، فالشجاعة قد تقتضي منك أن تحجم وتمتنع عن القتال في بعض الأحيان، لتنتصر من بعد ذلك ساعة يكمل الإعداد له.والمعنى الأول يجعلك تنفق في سبيل الله ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال. والمعنى الثاني أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بأن تقبلوا على القتال بلا داع أو بلا إعداد كافٍ. إن الحق يريد من المؤمنين أن يزنوا المسائل وزناً يجعلهم لا يتركون الجهاد فيهلكوا؛ لأن خصمهم سيجترئ عليهم، ولا يحببهم في أن يلقوا بأيديهم إلى القتال لمجرد الرغبة في القتال دون الاستعداد له. وهذا هو الحزم الإيماني، إنها جملة واحدة أعطتنا عدة معان.

ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } الحق يقول: { وَأَحْسِنُوۤاْ }. والإحسان كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن تعبد الله ـ أي تطيع أوامره ـ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".



مشكلة الناس هذه الأيام أنهم يتشبهون بـ " فإنه يراك " ، فعملوا الدوائر التليفزيونية المغلقة في المحلات الكبرى حتى تتم مراقبة سير العمل في أرجاء المحل، هذه فعل البشر. لكن انظر إلى تسامي الإيمان، إنه يأمرك أنت أن ترى الله، فلا تؤد العمل أداء شكلياً يرفع عنك العتب، بل عليك أن تؤدي العمل بقصد الإحسان في العمل.

والإحسان في كل شيء هو إتقانه إتقاناً بحيث يصنع الإنسان لغيره ما يحب أن يصنعه غيره له، ولو تعامل الناس على هذا الأساس لامتازت كل الصناعات، لكن إذا ساد الغش فأنت تغش غيرك، وغيرك يغشك، وبعد ذلك كلنا نجأر بالشكوى، وعلينا إذن أن نحسن في كل شيء: مثلا نحسن في الإنفاق، ولن نحسن في الإنفاق إلا إذا أحسنا في الكدح الذي يأتي بثمرة ما ننفق؛ لأن الكدح ثمرته مال، ولا إنفاق إلا بمال، فتخرج من عائد كدحك لتصرفه في المناسب من الأمور.

ودائرة الإحسان لا تقتصر على القتال فقط، فالأمر هنا عام، ولا تعتقد أنه أمر في زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم جزئية من جزئيات الحياة، إنما كل زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم كل جزئيات الحياة، فالإحسان إذا كان بالمال فهذا يقتضي أن يحسن الإنسان الحركة في الأرض، ويعمل عملاً يكفيه ويكفي من يعول، ثم يفيض لديه ما يحسن به.

إذا لم يتوافر المال، فعليك أن تُحسن بجاهك وتشفع لغيرك، والجاه قد قومه الإسلام أي جعل له قيمة، فعلى صاحب الجاه أن يشفع بجاهه ليساعد أصحاب الحقوق في الحصول على حقوقهم، وعلى الوجيه أيضا أن يأخذ الضعيف في جواره ويحميه من عسف وظلم القوي، وعليه بجاهه أن يقيم العدل في البيئة التي يعيش فيها.والوجاهة تعني أن يكون للإنسان احترام أو وزن أو تقدير، وهذه الأشياء لها مسبقات في إحسان الشخص، لا يأخذها بلا سبب، إنما سبقها عمل جعل له وجاهة عند الناس. فالناس في العادة لا يحترمون إلا من يكون له لون من الفضل عليهم، فكأنه احترام مدفوع الثمن، وليس احتراماً مجانيّاً. وقد يكون الإحسان بالعلم. أو بفضل القوة، بإعانة الضعيف. أو بإكساب الخبرة للآخرين. أو بتفريج كربة عن مسلم.

إذن وجوه الإحسان في الأشياء كثيرة، وكلها تخدم قضية الإيمان. وعندما يرى الكافر المؤمنين وكل واحد منهم يحسن عمله فإن ذلك يغريه بالإيمان. وإذا سألنا: ما الذي زهد دنيانا المعاصرة في ديننا؟ فسوف نجد أن العالم ينظر إلى دين الله من خلال حركة المسلمين، وهي حركة غير إسلامية في غالبيتها. صحيح أن بعضاً من عقلاء الغرب وفلاسفته لا يأخذون الدين من حركة المسلمين، وهذا منتهى العدالة منهم لأنه ربما كان بعض المسلمين غير ملتزمين بدينه، فلا يأخذ أحد الإسلام منه لمجرد أنه مسلم.

وأتباع الديانات الأخرى يعرفون أن هناك أفعالاً جرمها دينهم. وما دام هناك أفعال جرمها الدين وسن لها عقوبة فذلك دليل على أنها قد تقع، فأنت عندما ترى شخصاً ينتسب إلى الإسلام ويسرق، هل تقول: إن المسلمين لصوص. لا، إن عليك أن تنظر إلى تشريعات الإسلام هل جرمت السارق أو لم تجرمه؟ فلا يقولن أحد: انظر إلى حال المسلمين، ولكن لننظر إلى قوانين الإسلام، لأن الله قدر على البشر أن يقوموا بالأفعال حسنها وسيئها، ولذلك أثاب على العمل الصالح وعاقب على العمل السييء.

والعقلاء والمفكرون يأخذون الدين من مبادئ الدين نفسه، ولا يأخذونه من سلوك الناس، فقد يجوز أن تقع عين المراقب على مُخالف في مسألة يحرمها الدين. فلا تأخذ الفعل الخاطئ على أنه الإسلام، وإنما خذه على أنه خارج على الإسلام.

وساعة يرانا العالم محسنين في كل شيء فنحن نعطيهم الأسوة التي كان عليها أجدادنا، وجعلت الإسلام يمتد ذلك المد الخرافي الأسطوري حتى وصل في نصف قرن إلى آخر الدنيا في الشرق، وإلى آخرها في الغرب، وبعد ذلك ينحسر سياسياً عن الأرض، ولكن يظل كدين، وبقى من الإسلام هذا النظام الذي يجذب له الناس. إن الإسلام له مناعة في خميرته الذاتية إنه يحمل مقومات بقائه وصلاحيته، وهو الذي يجذب غير المسلمين له فيؤمنون به، وليس المسلمون هم الذين يجذبون الناس للإسلام.

ولذلك أقول: لو أن التمثيل السياسي للأمم الإسلامية في البلاد غير الإسلامية المتحضرة قد أخذ بمبادئ الإسلام لكان أسوة حسنة. وانظر إلى عاصمة واحدة من عواصم الدول الغربية تجد فيها أكثر من ثلاث وستين سفارة إسلامية، وكل سفارة يعمل فيها جهاز يزيد على العشرين، هب أن هؤلاء كانوا أسوة إسلامية في السلوك والمعاملات في عاصمة غير إسلامية، حينئذ يجد أهل ذلك البلد جالية إسلامية ملتزمة ولم تفتنها زخارف المدنية: لا يشربون الخمر، ولا يرقصون، ولا يترددون على الأماكن السيئة السمعة، ولا تتبرج نساؤهم، بالله ألا يلفت النظر سلوكُ هؤلاء؟

لكن ما يحدث ـ للأسف ـ هو أن أهل الغرب ـ على باطلهم ـ غلبوا بني الإسلام ـ على حقهم ـ وأخذوهم إلى تحللهم، وهذا الاتباع الأعمى يجعل الغربيين يقولون: لو كان في الإسلام مناعة لحفظ أبناءه من الوقوع فيما وقعنا فيه.إذن الإحسان من المسلمين أكبر دعاية ودعوة إلى دين الإسلام. إن الحق يقول: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } والحب كما نعرفه هو ميل قلب المحب إلى المحبوب، وذلك الأمر يكون بالنسبة للبشر، لكن بالنسبة للحق هو تودد الخالق بالرحمة والكرامة على المخلوق، والحق سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يكونوا على خُلقه، فكما أن الله أحسن كل شيء خلقه { ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } يريد من عباده وقد تفضل عليهم بالعقل المفكر فيخطط، وبالطاقات فتبرز التفكير إلى عمل يريد الحق منا أن يكون رائدنا في كل عمل أن نحسنه، حتى نكون متخلقين بأخلاق الله، فتشيع كلمة " الله " هذا اللفظ الكريم الذي يستقبل به الإنسان كل جميل في أي صنعة فيقول: " الله ".

إذن تشيع كلمة " الله " نغمة في الوجود تعليقاً على كل شيء حسن، حتى الذي لا يؤمن بذلك الإله يقول أيضاً: " الله " ، كأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها تنطق بأن كل حسن يجب أن يُنسب إلى الله سواء كان الله هو الذي فعل مباشرة كالأسباب والكونيات والنواميس، أو خلق الذي فعل الحسن، فكل الأمور تؤول إلى الله.

ولو علم الذين لا يحسنون أعمالهم بماذا يحرمون الوجود لتحسروا على أنفسهم، وليتهم يحرمون الوجود من كلمة " الله " ، ولكنهم يجعلون مكان " الله " كلمة خبيثة فيشيعون القبح في الوجود، وحين يشيع القبح في الوجود يكون الإنسان في عمومه هو الخاسر.

فقول الله: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تشجيع لكل من يلي عملاً أن يحسنه ليكون على أخلاق الله. وبعد ذلك يقول الحق: { وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} الآية. [195].
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد، حدَّثنا عبد الله بن أيوب، حدَّثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي قال:
نزلت في الأنصار أمسكوا عن النفقه في سبيل الله تعالى فنزلت هذه الآية.
وبهذا الإِسناد عن هشيم، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عِكْرمة قال: نزلت في النفقات في سبيل الله.
أخبرنا أبو بكر المهْرَجَاني، أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، أخبرنا أبو القاسم البَغوِيّ، حدَّثنا هُدْبة بن خالد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال:
كانت الأنصار يتصدقون ويطعمون ما يشاء الله، فأصابتهم سنة فأمسكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
أخبرنا أبو منصور البغدادي، أخبرنا أبو الحسن السرّاج، حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدَّثنا هُدبة، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قول الله عزّ وجلّ: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية.
أخبرنا أبو القاسم بن عبدان حدَّثنا محمد بن حمدوية، حدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ قال حدَّثنا أحمد بن محمد بن أنس القرشي، حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، أخبرني أسلم أبو عمران، قال:
كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عُقْبَةُ بن عامر الجُهَنيِّ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، وصففنا لهم صفَّاً عظيماً من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلاً، فصاح الناس فقالوا: سبحان الله ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمّا أعزّ الله تعالى دينه وكثَّر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به فقال: { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} في الإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال فنصلحها فأمرنا بالغزو. فما زال أبو أيوب الأنصاري غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله عزّ وجلّ.


www.alro7.net