سورة
اية:

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ

تفسير بن كثير

هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقاتل من قاتله وكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة كذا قال ابن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وفي هذا نظر، لأن قوله: { الذين يقاتلونكم} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال: { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} ولهذا قال في هذه الآية: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم كما همتهم منبعثة على قتالكم وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصاً. وقوله تعالى: { ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين} أي قاتلوا في سبيل اللّه ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (اغزوا في سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع). وعن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا باسم اللّه قاتلوا في سبيل اللّه من كفر باللّه، لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) ""رواه أحمد وأبو داود"" وفي الصحيحين عن ابن عمر قافل: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى اللّه عليه وسلم مقتولة فأنكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل النساء والصبان. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبّه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به الصد عن سبيله أبلغُ وأشدُّ وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: { والفتنة أشد من القتل} قال أبو العالية ومجاهد وعكرمة: الشرك أشد من القتل، وقوله: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} كما جاء في الصحيحين: (إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار - وإنها ساعتي هذه - فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقولوا: إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم) ""أخرجه الشيخان""يعني بذلك صلوات اللّه وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة، فإنه فتحها عَنْوَة وقتلت رجال منهم عند الخندمة وقيل صلحاً لقوله: (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وقوله: { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعاً للصائل، كما بايع النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ ثم كف اللّه القتال بينهم فقال: { وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} . وقوله تعالى: { فإن انتهوا فإن اللّه غفور رحيم} أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة فإن اللّه يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم اللّه فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه، ثم أمر اللّه بقتال الكفار { حتى لا تكون فتنة} أي شرك قاله ابن عباس والسدي { ويكون الدين لله} أي يكون دين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللّه؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه). وقوله تعالى: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} ، يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره { فإن انتهوا} فقد تخلصوا من الظلم والشرك فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان ههنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وقوله: { وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا اللّه، وقال البخاري قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن اللّه حرم دم أخي. قالا: ألم يقل اللّه: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين للّه، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى يكون الدين لغير اللّه. وعن نافع أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتقيم عاماً وتترك الجهاد في سبيل اللّه عزّ وجلّ وقد علمت ما رغب اللّه فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان باللّه ورسوله، والصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قالوا: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه} ، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال: فعلنا على عهد رسوله صلى اللّه عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أمّا ""عثمان""فكان اللّه عفا عنه وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأمّا ""علي"" فابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون ""الحديث من رواية البخاري"".

تفسير الجلالين

{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي من مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح { والفتنة } الشرك منهم { أشد } أعظم { من القتل } لهم في الحرم أو الإحرام والذي استعظمتموه { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } أي في الحرم { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة { كذلك } القتل والإخراج { جزاء الكافرين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَاقْتُلُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ أَصَبْتُمْ مُقَاتِلهمْ وَأَمْكَنَكُمْ قَتْلهمْ , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وَمَعْنَى الثَّقِفَة بِالْأَمْرِ : الْحِذْق بِهِ وَالْبَصَر , يُقَال : إنَّهُ لَثَقِف لَقِف إذَا كَانَ جَيِّد الْحَذَر فِي الْقِتَال بَصِيرًا بِمَوَاقِع الْقَتْل . وَأَمَّا التَّثْقِيف فَمَعْنَى غَيْر هَذَا وَهُوَ التَّقْوِيم ; فَمَعْنَى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } اُقْتُلُوهُمْ فِي أَيّ مَكَان تَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلهمْ وَأَبْصَرْتُمْ مُقَاتِلهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَاقْتُلُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ أَصَبْتُمْ مُقَاتِلهمْ وَأَمْكَنَكُمْ قَتْلهمْ , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْله : { حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وَمَعْنَى الثَّقِفَة بِالْأَمْرِ : الْحِذْق بِهِ وَالْبَصَر , يُقَال : إنَّهُ لَثَقِف لَقِف إذَا كَانَ جَيِّد الْحَذَر فِي الْقِتَال بَصِيرًا بِمَوَاقِع الْقَتْل . وَأَمَّا التَّثْقِيف فَمَعْنَى غَيْر هَذَا وَهُوَ التَّقْوِيم ; فَمَعْنَى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } اُقْتُلُوهُمْ فِي أَيّ مَكَان تَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلهمْ وَأَبْصَرْتُمْ مُقَاتِلهمْ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ وَمَنَازِلهمْ بِمَكَّة , فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : أَخْرِجُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَقَدْ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ مِنْ مَسَاكِنكُمْ وَدِيَارهمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا .وَأَمَّا قَوْله : { وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ وَمَنَازِلهمْ بِمَكَّة , فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : أَخْرِجُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَقَدْ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ مِنْ مَسَاكِنكُمْ وَدِيَارهمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } وَالشِّرْك بِاَللَّهِ أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى أَنَّ أَصْل الْفِتْنَة الِابْتِلَاء وَالِاخْتِبَار فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَابْتِلَاء الْمُؤْمِن فِي دِينه حَتَّى يَرْجِع عَنْهُ فَيَصِير مُشْرِكًا بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إسْلَامه أَشَدّ عَلَيْهِ وَأَضَرّ مِنْ أَنْ يُقْتَل مُقِيمًا عَلَى دِينه مُتَمَسِّكًا عَلَيْهِ مُحِقًّا فِيهِ . كَمَا : 2536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : ارْتِدَاد الْمُؤْمِن إلَى الْوَثَن أَشَدّ عَلَيْهِ مِنْ الْقَتْل . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 2537 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَقُول : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 2538 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَقُول : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . 2539 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الشِّرْك . 2540 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الْفِتْنَة : الشِّرْك . * حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . 2541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله جَلّ ذِكْره : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : فِتْنَة الْكُفْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } وَالشِّرْك بِاَللَّهِ أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى أَنَّ أَصْل الْفِتْنَة الِابْتِلَاء وَالِاخْتِبَار فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَابْتِلَاء الْمُؤْمِن فِي دِينه حَتَّى يَرْجِع عَنْهُ فَيَصِير مُشْرِكًا بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إسْلَامه أَشَدّ عَلَيْهِ وَأَضَرّ مِنْ أَنْ يُقْتَل مُقِيمًا عَلَى دِينه مُتَمَسِّكًا عَلَيْهِ مُحِقًّا فِيهِ . كَمَا : 2536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : ارْتِدَاد الْمُؤْمِن إلَى الْوَثَن أَشَدّ عَلَيْهِ مِنْ الْقَتْل . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 2537 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَقُول : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 2538 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } يَقُول : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . 2539 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الشِّرْك . 2540 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الْفِتْنَة : الشِّرْك . * حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : الشِّرْك أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . 2541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله جَلّ ذِكْره : { وَالْفِتْنَة أَشَدّ مِنْ الْقَتْل } قَالَ : فِتْنَة الْكُفْر . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } وَالْقُرَّاء مُخْتَلِفَة فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } بِمَعْنَى : وَلَا تَبْتَدِئُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالْقِتَالِ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ بِهِ , فَإِنْ بَدَءُوكُمْ بِهِ هُنَالِكَ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام فِي الْحَرَم فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ ثَوَاب الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرهمْ وَأَعْمَالهمْ السَّيِّئَة الْقَتْل فِي الدُّنْيَا وَالْخِزْي الطَّوِيل فِي الْآخِرَة . كَمَا : 2542 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } كَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ فِيهِ حَتَّى يُبْدَءُوا بِالْقِتَالِ . ثُمَّ نُسِخَ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } حَتَّى لَا يَكُون شِرْك { وَيَكُون الدِّين لِلَّهِ } أَنْ يُقَال : لَا إلَه إلَّا اللَّه , عَلَيْهَا قَاتَلَ نَبِيّ اللَّه وَإِلَيْهَا دَعَا . 2543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُقَاتِلهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام إلَّا أَنْ يُبْدَءُوا فِيهِ بِقِتَالٍ , ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه إذَا انْقَضَى الْأَجَل أَنْ يُقَاتِلهُمْ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم وَعِنْد الْبَيْت , حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه . 2544 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبَى جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } فَكَانُوا لَا يُقَاتِلُونَهُمْ فِيهِ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد , فَقَالَ : { قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } وَقَالَ بَعْضهمْ : هَذِهِ آيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2545 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ } فِي الْحَرَم , { فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } لَا تُقَاتِل أَحَدًا فِيهِ أَبَدًا , فَمَنْ عَدَا عَلَيْك فَقَاتَلَك فَقَاتِلْهُ كَمَا يُقَاتِلك . وَقَرَأَ ذَلِكَ عُظْم قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ " بِمَعْنَى : وَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِقَتْلٍ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2546 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , عَنْ أَبِي حَمَّاد , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات قَالَ : قُلْت لِلْأَعْمَشِ : أَرَأَيْت قِرَاءَتك : { وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } إذَا قَتَلُوهُمْ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُمْ ؟ قَالَ : إنَّ الْعَرَب إذَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُل قَالُوا : قُتِلْنَا , وَإِذَا ضُرِبَ مِنْهُمْ رَجُل قَالُوا ضُرِبْنَا . وَأَوْلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَأْمُر نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي حَال إذَا قَاتَلَهُمْ الْمُشْرِكُونَ بِالِاسْتِسْلَامِ لَهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا بَعْد مَا أَذِنَ لَهُ وَلَهُمْ بِقِتَالِهِمْ , فَتَكُون الْقِرَاءَة بِالْإِذْنِ بِقَتْلِهِمْ بَعْد أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْقِرَاءَة بِمَا اخْتَرْنَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَعَالَى ذِكْره أَذِنَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ إذَا كَانَ ابْتِدَاء الْقِتَال مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَبْل أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا , وَبَعْد أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا . وَقَدْ نَسَخَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } وَقَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْآيَات . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض قَوْل مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة , وَسَنَذْكُرُ قَوْل مَنْ حَضَرْنَا ذِكْره مِمَّنْ لَمْ يُذْكَر . 2547 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } قَالَ : نَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 2548 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } قَالَ : حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ كَانَ هَذَا قَدْ حُرِّمَ , فَأَحَلَّ اللَّه ذَلِكَ لَهُ , فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى أَمَرَهُ اللَّه بِقِتَالِهِمْ بَعْد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } وَالْقُرَّاء مُخْتَلِفَة فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } بِمَعْنَى : وَلَا تَبْتَدِئُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالْقِتَالِ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ بِهِ , فَإِنْ بَدَءُوكُمْ بِهِ هُنَالِكَ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام فِي الْحَرَم فَاقْتُلُوهُمْ , فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ ثَوَاب الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرهمْ وَأَعْمَالهمْ السَّيِّئَة الْقَتْل فِي الدُّنْيَا وَالْخِزْي الطَّوِيل فِي الْآخِرَة . كَمَا : 2542 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } كَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ فِيهِ حَتَّى يُبْدَءُوا بِالْقِتَالِ . ثُمَّ نُسِخَ بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } حَتَّى لَا يَكُون شِرْك { وَيَكُون الدِّين لِلَّهِ } أَنْ يُقَال : لَا إلَه إلَّا اللَّه , عَلَيْهَا قَاتَلَ نَبِيّ اللَّه وَإِلَيْهَا دَعَا . 2543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُقَاتِلهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام إلَّا أَنْ يُبْدَءُوا فِيهِ بِقِتَالٍ , ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه إذَا انْقَضَى الْأَجَل أَنْ يُقَاتِلهُمْ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم وَعِنْد الْبَيْت , حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه . 2544 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبَى جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } فَكَانُوا لَا يُقَاتِلُونَهُمْ فِيهِ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد , فَقَالَ : { قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } وَقَالَ بَعْضهمْ : هَذِهِ آيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2545 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ } فِي الْحَرَم , { فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } لَا تُقَاتِل أَحَدًا فِيهِ أَبَدًا , فَمَنْ عَدَا عَلَيْك فَقَاتَلَك فَقَاتِلْهُ كَمَا يُقَاتِلك . وَقَرَأَ ذَلِكَ عُظْم قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ " بِمَعْنَى : وَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِقَتْلٍ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2546 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , عَنْ أَبِي حَمَّاد , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات قَالَ : قُلْت لِلْأَعْمَشِ : أَرَأَيْت قِرَاءَتك : { وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } إذَا قَتَلُوهُمْ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُمْ ؟ قَالَ : إنَّ الْعَرَب إذَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُل قَالُوا : قُتِلْنَا , وَإِذَا ضُرِبَ مِنْهُمْ رَجُل قَالُوا ضُرِبْنَا . وَأَوْلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَأْمُر نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي حَال إذَا قَاتَلَهُمْ الْمُشْرِكُونَ بِالِاسْتِسْلَامِ لَهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا بَعْد مَا أَذِنَ لَهُ وَلَهُمْ بِقِتَالِهِمْ , فَتَكُون الْقِرَاءَة بِالْإِذْنِ بِقَتْلِهِمْ بَعْد أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْقِرَاءَة بِمَا اخْتَرْنَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَعَالَى ذِكْره أَذِنَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ إذَا كَانَ ابْتِدَاء الْقِتَال مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَبْل أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا , وَبَعْد أَنْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا . وَقَدْ نَسَخَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة بِقَوْلِهِ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة } وَقَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْآيَات . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْض قَوْل مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة , وَسَنَذْكُرُ قَوْل مَنْ حَضَرْنَا ذِكْره مِمَّنْ لَمْ يُذْكَر . 2547 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } قَالَ : نَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 2548 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } قَالَ : حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ كَانَ هَذَا قَدْ حُرِّمَ , فَأَحَلَّ اللَّه ذَلِكَ لَهُ , فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى أَمَرَهُ اللَّه بِقِتَالِهِمْ بَعْد . '

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى { ثقفتموهم} يقال : ثقِف يثقِف ثقْفا وثقَفا، ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في [الأنفال] إن شاء الله تعالى. { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي مكة. قال الطبري: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش. الثانية: قوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل} أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة. وقال غيره : أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه، قاله الطبري وغيره. الثالثة: قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} الآية. للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها منسوخة، والثاني : أنها محكمة. قال مجاهد : الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل، وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وفي الصحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة : 5]. وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ثم نسخ هذا قوله: { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} . فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم. ومما احتجوا به أن [براءة] نزلت بعد سورة [البقرة] بسنتين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر، فقيل : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال : (اقتلوه). وقال ابن خويزمنداد { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} منسوخة، لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال، فمكة وغيرها من البلاد سواء. وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال: (احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا) حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش بعد اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها : (ولا يلتقط لقطتها إلا منشد) واللقطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة:193]. قال ابن العربي : حضرت في بيت المقدس - طهره الله - بمدرسة أبي عقبة الحنفي، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء، فقال القاضي الزنجاني : من السيد؟ فقال : رجل سلبه الشطار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا : سلوه - على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل، فقال قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} قرئ "ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم" فإن قرئ "ولا تقتلوهم" فالمسألة نص، وإن قرئ "ولا تقاتلوهم" فهو تنبيه، لأنه إذا نهي عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]. فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن، والتي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص. فبهت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام. قال ابن العربي : فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنص الآية والسنة الثابتة بالنهي عن القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن. قلت : وأما ما احتجوا به من قتل ابن خطل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال. فثبت وصح أن القول الأول أصح، والله أعلم. الرابعة: قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر، فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع. ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في [الحجرات] إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { فإن انتهوا} أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم ،ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم ؛ نظيره قوله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال :38].وسيأتي .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 189 - 191


سورة البقرة الايات 190 - 195

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونحن نسمع كلمة " ثقافة " ، وكلمة " ثقاف " ، والثقافة هي يسر التعلم، أو أن تلم بطرف من الأشياء المتعددة، وبذلك يصبح فلان مثقفاً أي لديه كمٌّ من المعلومات، ويعرف بعض الشيء عن كل شيء، ثم يتخصص في فرع من فروع المعرفة فيعرف كل شيء عن شيء واحد.

كل هذه المعاني مأخوذة من الأمور المحسة، والتثقيف عند العرب هو تقويم الغصن، فقد كان العرب يأخذون أغصان الشجر ليجعلوها رماحاً وعصياً، والغصن قد يكون معوجاً أو به نتوء، فكان العربي يثقفه، أي يزيل زوائده واعوجاجه، ثم يأتي بالثقاف وهو قطعة من الحديد المعقوف ليقوِّم بها المعوج من الأغصان كما يفعل عامل التسليح بحديد البناء.

كأن المُثَقِّف هو الذي يعدل من شيء معوج في الكون؛ فهو يعرف هذه وتلك، وأصبح ذا تقويم سليم. وهكذا نجد أن معاني اللغة وألفاظها مشتقة من المحسات التي أمامنا. وقوله: { ثَقِفْتُمُوهُم } أي " وجدتموهم " ، فثقف الشيء أي وجده.

والحق يقول:
{  فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم }
[الأنفال: 57]

أي شردهم حيث تجدهم. ويقول الحق: { وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم } أي لا تقولوا إنهم أخرجوكم من هنا، وإنما أخرجوهم من حيث أخرجوكم، أي من أي مكان أنتم فيه، وعن ذلك لن تكونوا معتدين. وقوله تعالى: { وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } يذكرنا بمنطق مشابه في آية أخرى منها قوله تعالى:
{  وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }
[النحل: 126]

وقوله تعالى:
{  وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا... }
[الشورى: 40]

وعندما نبحث في ثنايا هذه النصوص { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } " قد يرد هذا الخاطر " أخذت حقي ممن أساء إلي، وانتقمت منه بعمل يماثل العمل الذي فعله معي، هل يقال: إنني فعلت سيئة؟

وحتى نفهم المسألة نقول: الحق سبحانه وتعالى يأتي في بعض الأحايين بلفظ " المشاكلة " وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحته، ومثل ذلك قوله: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } ، إن الله لا يمكر، وإنما اللفظ جاء للمشاكلة، أو أن اللفظ الكريم قد جاء في استيفاء حقك بكلمة { سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } لينبهك إلى أن استيفاء حقك بمثل ما صنع بك يعتبر سيئة إذا ما وازناه بالصفح والعفو عن المسيء، يشير إلى ذلك سبحانه في نهاية هذه الآية بقوله: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ } وبمثل ذلك كان ختام الآية السابقة { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }.

ويقول الحق: { وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } ، والفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، فصائغ الذهب يأخذ قطعة الذهب فيضعها في النار فتنصهر، فإذا ما كان يشوبها معدن غريب عن الذهب فهو يخرج ويبقى الذهب خالصا، فكأن الفتنة ابتلاء واختبار، وقد فعل المشركون ما هو أسوأ من القتل، فقد حاولوا من قبل أن يفتنوا المؤمنين في دينهم بالتعذيب، فخرج المؤمنون فراراً بدينهم.والحق يأمر المسلمين في قتالهم مع أهل الشرك أن يراعوا حرمة البيت الحرام، فلا ينتهكوها بالقتال إلا إذا قاتلهم أهل الشرك.

وهكذا نجد أن أول أمر بالقتال إنما جاء لصد العدوان، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسقط من أيدي خصوم الإسلام ورقة قد يلعبون بها مع المسلمين، فهم يعلمون أن المؤمنين بالإسلام سيحترمون الأشهر الحرم ويحترمون المكان الحرام ويحترمون الإحرام فلا يقاتلون؛ وربما أغرى ذلك خصوم الإسلام ألا يقاتلوا المسلمين إلا في الأشهر الحرم، ويظنون أن المسلمين قد يتهيبون أن يقاتلوهم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشرع لهم ما يناسب مثل هذا الأمر فأذن لهم في القتال، فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، وإن قاتلوكم في المكان الحرام فقاتلوهم في المكان الحرام، وإن قاتلوكم وأنتم حُرم فقاتلوهم؛ لأن الحرمات قصاص.

إذن أسقط الحق الورقة من أيدي الكافرين. إن الحق سبحانه وتعالى يعلل ذلك بأنه وإن كان القتال في الشهر الحرام وفي المكان الحرام وفي حال الإحرام صعباً وشديداً فالفتنة في دين الله أشد من القتل، لأن الفتنة إنما جاءت لِتُفسِد على الناس دينهم، صحيح أنها لا تعوق الناس عن أن يتدينوا، ولكنها تفتن الذين تدينوا، وقد حاولوا إجبار المسلمين الأوائل بالتعذيب حتى يرتدوا عن الدين، وكان ذلك أشد من القتل لأنها فتنة في الدين.

إن الله هو الذي شرع الشهر الحرام فكيف يُفتن المؤمنون عن دين الله ويُحملون على الشرك به ثم تقولون بعد ذلك إننا في الشهر الحرام؟ إن الشهر الحرام لم يكن حراماً إلا لأن الله هو الذي حرمه، فالفتنة في الله شرك وهو أشد من أن نقاتل في الشهر الحرام، ولذلك فلا داعي أن يتحرج أحد من القتال في الشهر الحرام عندما يفتن في دينه. وحينئذ نعلم أن القتال إنما جاء دفاعاً.

وبعد ذلك هل يظل القتال دفاعاً كما يريد خصوم الإسلام أن يجعلوه دفاعاً عَمّن آمن فقط؟ أو كما يريد الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام أنه دين قتال ويقولون: لا، الإسلام إنما جاء بقتال الدفاع فقط. نقول لهؤلاء: قتال الدفاع عَمَّن؟ هل دفاع عَمَّن آمن فقط؟ أم عن مطلق إنسان نريد أن ندفع عنه ما يؤثر في اختيار دينه؟

هو دفاع أيضاً، وسنسميه دفاعاً، ولكنه دفاع عَمَّن آمن، ندفع عنه مَنْ يعتدي عليه، وأيضاً عَمَّن لم يؤمن ندفع عنه من يؤثر عليه في اختيار دينه لنحمي له اختياره، لا لنحمله على الدين، ولكن لنجعله حراً في الاختيار؛ فالقوى التي تفرض على الناس ديناً نزيحها من الطريق، ونعلن دعوة الإسلام، فمَنْ وقف أمام هذه الدعوة نحاربه؛ لأنه يفسد على الناس اختيار دينهم، وفي هذا أيضاً دفاع.{ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } لأنكم أحرى وأجدر أن تحترموا تحريم الله للمسجد الحرام، لكن إذا هم اجترأوا على القتال في المسجد الحرام فقد أباح سبحانه لكم أيها المسلمون أن تقاتلوهم عند المسجد الحرام ما داموا قد قاتلوكم فيه. { فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ * فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وما أسمى هذا الدين.

إننا لا نؤاخذهم بعد أن انتهوا إلى الإيمان بما قدمت أيديهم من الاجتراء على أهل الإيمان ما داموا قد آمنوا، ولذلك نرى عمر بن الخطاب وقد مر على قاتل أخيه زيد بن الخطاب: وأشار رجل وقال: هذا قاتل زيد. فقال عمر: وماذا أصنع به وقد أسلم؟ لقد عصم الإسلام دمه.

لقد انتهت المسألة بإسلامه، فالإيمان بالله أعز على المؤمن من دمه ومن نفسه وحين يؤمن فقد انتهت الخصومة. وهذا وحشي قاتل حمزة، يقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما يصنعه رسول الله هو أن يزوي وجهه عنه، لكنه لا يقتله ولا يثأر منه. وهند زوجة أبي سفيان التي أكلت كبد حمزة، أسلمت وانتهت فعلتها بإسلامها. إذن، فالإسلام ليس دين حقد ولا ثأر ولا تصفية حسابات، فإذا كان الدم يغلي في مواجهة الكفر، فإن إيمان الكافر بالإسلام يعطيه السلامة، هذا هو الدين.


www.alro7.net