سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

تفسير بن كثير

روى البخاري عن ابن عباس: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي وروي عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوباً كان أحق بها، فنزلت: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} وقال زيد بن أسلم في الآية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك. وقال أبو بكر بن مردويه عن محمد ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فأنزل اللّه: { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} وقال ابن جريج: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس توفي عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه فجاءت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت يا رسول اللّه: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل اللّه هذه الآية. فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وكل ما كان فيه نوع من ذلك واللّه أعلم. وقوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك، أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والإضرار، وقال ابن عباس في قوله: { ولا تعضلوهن} ، يقول: ولا تقهروهن { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير، وقال ابن المبارك عن ابن السلاماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام يعني قوله تعالى: { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} في الجاهلية، { ولا تعضلوهن} في الإسلام، وقوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن مسعود، وابن عباس: يعني بذلك الزنا، يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها كما قال تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافاً أن لا يقيما حدود اللّه} الآية، وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، والنشوز وبذاء اللسان، وغير ذلك، يعني أن كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد واللّه أعلم. وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام: وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة: ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا جاء الخاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها، قال فهذا قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} الآية. وقال مجاهد في قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آيتمون} هو كالعضل في سورة البقرة، وقوله تعالى: { وعاشروهن بالمعروف} أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (خيركم خيركم لأهله؛وأنا خيركم لأهلي)وكان من أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم انه جميل العشرة، دائم البشر؛ يداعب أهله؛ ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: (هذه بتلك ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزر، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى اللّه عليه وسلم، وقد قال اللّه تعالى: { لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة} وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، وللّه الحمد. وقوله تعالى: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً} ، أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهن مع الكراهة، فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر) وقوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئاً ولو كان قنطاراً من المال، وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اللّه كان أولاكم بها النبي صلى اللّه عليه وسلم، ما أصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. طريق أخرى عن عمر: قال الحافظ أبو يعلى عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء!! وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس عن يزيدوا في مهر النساء على اربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول: { وآتيتم إحداهن قنطاراً} الآية. قال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي. وفي رواية: امرأة أصابت ورجل أخطا، ولهذا قال منكراً: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد افضيت إليها وافضت إليك قال ابن عباس: يعني بذلك الجماع. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: (اللّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب) قالها ثلاثاً فقال الرجل: يا رسول اللّه مالي - يعني ما أصدقها - قال: (لا مال لك، إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها) وقوله تعالى: { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} المراد بذلك العقد، وقال سفيان الثوري في قوله: { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الربيع بن أنس في الآية: هو قوله: (أخذتموهن بأمانة اللّه، وأستحللتم فروجهن بكلمة اللّه)، وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال فيها: (واستوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه) وقوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء} الآية، يحرم اللّه تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظاماً واحتراماً أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الإبن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: لما توفي أبو قيس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدُّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت: إن أبا قيس توفي فقال: (خيراً)، ثم قالت: إن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعدُّه ولداً فما ترى؟ فقال لها: (ارجعي إلى بيتك) قال فنزلت: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولاً به في الجاهلية، ولهذا قال: { إلا ما قد سلف} كما قال: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال صلى اللّه عليه وسلم ( ولدت من نكاح لا من سفاح) قال: فدل على أنه كان سائغاً لهم ذلك، فأراد أنهم كانوا يعدونه نكاحاً؛ وعن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم اللّه إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل اللّه تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ، { وأن تجمعوا بين الأختين} ، وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر واللّه أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: { إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً} ، وقال: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ، وقال: { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} فزاد ههنا: { ومقتاً} أي بغضاً أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الأبن اباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات اللّه وسلامه عليه. وقال عطاء في قوله تعالى: { ومقتاً} أي يمقت اللّه عليه، { وساء سبيلاً} أي وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة: أنه بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله، وقال الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: مر بي عمي الحارث بن عميرومعه لواء قد عقده له النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه.

تفسير الجلالين

{ يا أيُّها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساء } أي ذاتهن { كرها } بالفتح والضم لغتان أي مكرهيهن على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوَّجوهن وأخذوا صداقهن أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثنه أو يمتن فيرثوهن فنُهوا عن ذلك { ولا } أن { تعضلوهن } أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } من المهر { إلا أن يأتين بفاحشة مبيَّنة } بفتح الياء وكسرها أي بينت أو هي بينة أي زنا أو نشوز فلكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن { وعاشروهن بالمعروف } أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت { فإن كرهتموهن } فاصبروا { فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَقُول : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِكَاح نِسَاء أَقَارِبكُمْ وَآبَائِكُمْ كَرْهًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ كَانُوا يَرِثُونَهُنَّ , وَمَا وَجْه تَحْرِيم وِرَاثَتهنَّ , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّسَاء مُوَرَّثَات كَمَا الرِّجَال مُوَرَّثُونَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى وِرَاثَتهنَّ إِذَا هُنَّ مُتْنَ فَتَرَكْنَ مَالًا , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنَّهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ إِذَا مَاتَ زَوْجهَا كَانَ اِبْنه أَوْ قَرِيبه أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْره وَمِنْهَا بِنَفْسِهَا , إِنْ شَاءَ نَكَحَهَا وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا فَمَنَعَهَا مِنْ غَيْره وَلَمْ يُزَوِّجهَا حَتَّى تَمُوت , فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى عِبَاده , وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ نِكَاح حَلَائِل آبَائِهِمْ , وَنَهَاهُمْ عَنْ عَضْلهنَّ عَنْ النِّكَاح . وَبِنَحْوِ الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7052 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق , يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَالَ : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا , وَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ذَلِكَ . 7053 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت أَرَادَ اِبْنه أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَته , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7054 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَا فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَرِث اِمْرَأَة ذِي قَرَابَته , فَيَعْضُلهَا حَتَّى تَمُوت أَوْ تَرُدّ إِلَيْهِ صَدَاقهَا , فَأَحْكَمَ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , يَعْنِي أَنَّ اللَّه نَهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ. 7055 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِي مِجْلَز فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْأَنْصَار تَفْعَل ذَلِكَ كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ حَمِيمه وَرِثَ حَمِيمه اِمْرَأَته , فَيَكُون أَوْلَى بِهَا مِنْ وَلِيّ نَفْسهَا . 7056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ أَبُوهُ أَوْ حَمِيمه , فَهُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا أَوْ يَحْبِسهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِصَدَاقِهَا أَوْ تَمُوت فَيَذْهَب بِمَالِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : فَأَخْبَرَنِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذَا هَلَكَ الرَّجُل , فَتَرَكَ اِمْرَأَة , حَبَسَهَا أَهْله عَلَى الصَّبِيّ يَكُون فِيهِمْ , فَنَزَلَتْ : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة. قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَ الرَّجُل إِذَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , يَنْكِحهَا إِنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا إِنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ. قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ عِكْرِمَة : نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَة بِنْت مَعْن بْن عَاصِم مِنْ الْأَوْس , تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت , فَجَنَحَ عَلَيْهَا اِبْنه , فَجَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه , لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي وَلَا أَنَا تُرِكْت فَأَنْكِح ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . 7057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُل كَانَ اِبْنه الْأَكْبَر هُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ يَنْكِحهَا إِذَا شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ . 7058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مِثْل قَوْل مُجَاهِد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن دِينَار يَقُول مِثْل ذَلِكَ . 7059 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } , فَإِنَّ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يَمُوت أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ اِبْنه , فَإِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَته , فَإِنْ سَبَقَ وَارِث الْمَيِّت فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه فَهُوَ أَحَقّ بِهَا أَنْ يَنْكِحهَا بِمَهْرِ صَاحِبه أَوْ يُنْكِحهَا فَيَأْخُذ مَهْرهَا , وَإِنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلهَا فَهُمْ أَحَقّ بِنَفْسِهَا . 7060 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } كَانُوا بِالْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حَمِيم الرَّجُل وَتَرَكَ اِمْرَأَة , أَلْقَى الرَّجُل عَلَيْهَا ثَوْبه , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , وَكَانَ أَحَقّ بِهَا , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدهمْ نِكَاحًا , فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , وَكَانَ هَذَا فِي الشِّرْك . 7061 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْوِرَاثَة فِي أَهْل يَثْرِب بِالْمَدِينَةِ هَهُنَا , فَكَانَ الرَّجُل يَمُوت فَيَرِث اِبْنه اِمْرَأَة أَبِيهِ , كَمَا يَرِث أُمّه لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَمْنَع , فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّخِذهَا اِتَّخَذَهَا كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَتَّخِذهَا , وَإِنْ كَرِهَ فَارَقَهَا , وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا حُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْبَر , فَإِنْ شَاءَ أَصَابَهَا وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَا يُحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة كَانَ إِذَا مَاتَ حَمِيم أَحَدهمْ , أَلْقَى ثَوْبه عَلَى اِمْرَأَته , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , فَلَمْ يَنْكِحهَا أَحَد غَيْره , وَحَبَسَهَا عِنْده حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7062 - حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم , قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا مَاتَ زَوْجهَا , فَجَاءَ رَجُل فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه كَانَ أَحَقّ النَّاس بِهَا , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا آبَاءَكُمْ وَأَقَارِبكُمْ نِكَاح نِسَائِهِمْ كَرْهًا , فَتَرَكَ ذِكْر الْآبَاء وَالْأَقَارِب وَالنِّكَاح , وَوَجَّهَ الْكَلَام إِلَى النَّهْي عَنْ وِرَاثَة النِّسَاء , اِكْتِفَاء بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى الْكَلَام , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ عِنْدهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء تَرِكَاتهنَّ كَرْهًا , قَالَ : وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وَهُنَّ كَارِهَات لِلْعَضْلِ حَتَّى يَمُتْنَ فَيَرْثُوهُنَّ أَمْوَالهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7063 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَة , أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمه ثَوْبه , فَمَنَعَهَا مِنْ النَّاس , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ كَانَتْ قَبِيحَة حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوت , فَيَرِثهَا . 7064 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : نَزَلَ فِي نَاس مِنْ الْأَنْصَار كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل مِنْهُمْ فَأَمْلَكُ النَّاس بِامْرَأَتِهِ وَلِيّه , فَيُمْسِكهَا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثهَا , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِسَاء أَقَارِبكُمْ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ بَيَّنَ مَوَارِيث أَهْل الْمَوَارِيث , فَذَلِكَ لِأَهْلِهِ نَحْو وِرَاثَتهمْ إِيَّاهُ الْمَوْرُوث ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ الرِّجَال أَوْ النِّسَاء . فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْظُر عَلَى عِبَاده أَنْ يَرِثُوا النِّسَاء مَا جَعَلَهُ لَهُمْ مِيرَاثًا عَنْهُنَّ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا حَظَرَ أَنْ يُكْرَهْنَ مَوْرُوثَات بِمَعْنَى حَظَرَ وِرَاثَة نِكَاحهنَّ إِذَا كَانَ مَيِّتهمْ الَّذِي وَرِثُوهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا عَلَيْهِنَّ أَمْرهنَّ فِي النِّكَاح مِلْك الرَّجُل مَنْفَعَة مَا اِسْتَأْجَرَ مِنْ الدُّور وَالْأَرَضِينَ وَسَائِر مَا لَهُ مَنَافِع , فَأَبَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ أَنَّ الَّذِي يَمْلِكهُ الرَّجُل مِنْهُمْ مِنْ بُضْع زَوْجَته , مَعْنَاهُ غَيْر مَعْنَى مَا يَمْلِك أَحَدهمْ مِنْ مَنَافِع سَائِر الْمَمْلُوكَات الَّتِي تَجُوز إِجَارَتهَا , فَإِنَّ الْمَالِك بُضْع زَوْجَته إِذَا هُوَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ لَهُ مِلْكًا مِنْ زَوْجَته بِالنِّكَاحِ لِوَرَثَتِهِ بَعْده , كَمَا لَهُمْ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي كَانَ يَمْلِكهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَة أَوْ إِجَارَة بَعْد مَوْته بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَقُول : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِكَاح نِسَاء أَقَارِبكُمْ وَآبَائِكُمْ كَرْهًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ كَانُوا يَرِثُونَهُنَّ , وَمَا وَجْه تَحْرِيم وِرَاثَتهنَّ , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّسَاء مُوَرَّثَات كَمَا الرِّجَال مُوَرَّثُونَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى وِرَاثَتهنَّ إِذَا هُنَّ مُتْنَ فَتَرَكْنَ مَالًا , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنَّهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ إِذَا مَاتَ زَوْجهَا كَانَ اِبْنه أَوْ قَرِيبه أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْره وَمِنْهَا بِنَفْسِهَا , إِنْ شَاءَ نَكَحَهَا وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا فَمَنَعَهَا مِنْ غَيْره وَلَمْ يُزَوِّجهَا حَتَّى تَمُوت , فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى عِبَاده , وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ نِكَاح حَلَائِل آبَائِهِمْ , وَنَهَاهُمْ عَنْ عَضْلهنَّ عَنْ النِّكَاح . وَبِنَحْوِ الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7052 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق , يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَالَ : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا , وَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ذَلِكَ . 7053 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت أَرَادَ اِبْنه أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَته , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7054 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَا فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَرِث اِمْرَأَة ذِي قَرَابَته , فَيَعْضُلهَا حَتَّى تَمُوت أَوْ تَرُدّ إِلَيْهِ صَدَاقهَا , فَأَحْكَمَ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , يَعْنِي أَنَّ اللَّه نَهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ. 7055 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِي مِجْلَز فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْأَنْصَار تَفْعَل ذَلِكَ كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ حَمِيمه وَرِثَ حَمِيمه اِمْرَأَته , فَيَكُون أَوْلَى بِهَا مِنْ وَلِيّ نَفْسهَا . 7056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ أَبُوهُ أَوْ حَمِيمه , فَهُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا أَوْ يَحْبِسهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِصَدَاقِهَا أَوْ تَمُوت فَيَذْهَب بِمَالِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : فَأَخْبَرَنِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذَا هَلَكَ الرَّجُل , فَتَرَكَ اِمْرَأَة , حَبَسَهَا أَهْله عَلَى الصَّبِيّ يَكُون فِيهِمْ , فَنَزَلَتْ : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة. قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَ الرَّجُل إِذَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , يَنْكِحهَا إِنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا إِنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ. قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ عِكْرِمَة : نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَة بِنْت مَعْن بْن عَاصِم مِنْ الْأَوْس , تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت , فَجَنَحَ عَلَيْهَا اِبْنه , فَجَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه , لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي وَلَا أَنَا تُرِكْت فَأَنْكِح ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . 7057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُل كَانَ اِبْنه الْأَكْبَر هُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ يَنْكِحهَا إِذَا شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ . 7058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مِثْل قَوْل مُجَاهِد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن دِينَار يَقُول مِثْل ذَلِكَ . 7059 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } , فَإِنَّ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يَمُوت أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ اِبْنه , فَإِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَته , فَإِنْ سَبَقَ وَارِث الْمَيِّت فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه فَهُوَ أَحَقّ بِهَا أَنْ يَنْكِحهَا بِمَهْرِ صَاحِبه أَوْ يُنْكِحهَا فَيَأْخُذ مَهْرهَا , وَإِنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلهَا فَهُمْ أَحَقّ بِنَفْسِهَا . 7060 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } كَانُوا بِالْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حَمِيم الرَّجُل وَتَرَكَ اِمْرَأَة , أَلْقَى الرَّجُل عَلَيْهَا ثَوْبه , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , وَكَانَ أَحَقّ بِهَا , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدهمْ نِكَاحًا , فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , وَكَانَ هَذَا فِي الشِّرْك . 7061 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْوِرَاثَة فِي أَهْل يَثْرِب بِالْمَدِينَةِ هَهُنَا , فَكَانَ الرَّجُل يَمُوت فَيَرِث اِبْنه اِمْرَأَة أَبِيهِ , كَمَا يَرِث أُمّه لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَمْنَع , فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّخِذهَا اِتَّخَذَهَا كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَتَّخِذهَا , وَإِنْ كَرِهَ فَارَقَهَا , وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا حُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْبَر , فَإِنْ شَاءَ أَصَابَهَا وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَا يُحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة كَانَ إِذَا مَاتَ حَمِيم أَحَدهمْ , أَلْقَى ثَوْبه عَلَى اِمْرَأَته , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , فَلَمْ يَنْكِحهَا أَحَد غَيْره , وَحَبَسَهَا عِنْده حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7062 - حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم , قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا مَاتَ زَوْجهَا , فَجَاءَ رَجُل فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه كَانَ أَحَقّ النَّاس بِهَا , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا آبَاءَكُمْ وَأَقَارِبكُمْ نِكَاح نِسَائِهِمْ كَرْهًا , فَتَرَكَ ذِكْر الْآبَاء وَالْأَقَارِب وَالنِّكَاح , وَوَجَّهَ الْكَلَام إِلَى النَّهْي عَنْ وِرَاثَة النِّسَاء , اِكْتِفَاء بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى الْكَلَام , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ عِنْدهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء تَرِكَاتهنَّ كَرْهًا , قَالَ : وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وَهُنَّ كَارِهَات لِلْعَضْلِ حَتَّى يَمُتْنَ فَيَرْثُوهُنَّ أَمْوَالهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7063 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَة , أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمه ثَوْبه , فَمَنَعَهَا مِنْ النَّاس , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ كَانَتْ قَبِيحَة حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوت , فَيَرِثهَا . 7064 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : نَزَلَ فِي نَاس مِنْ الْأَنْصَار كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل مِنْهُمْ فَأَمْلَكُ النَّاس بِامْرَأَتِهِ وَلِيّه , فَيُمْسِكهَا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثهَا , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِسَاء أَقَارِبكُمْ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ بَيَّنَ مَوَارِيث أَهْل الْمَوَارِيث , فَذَلِكَ لِأَهْلِهِ نَحْو وِرَاثَتهمْ إِيَّاهُ الْمَوْرُوث ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ الرِّجَال أَوْ النِّسَاء . فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْظُر عَلَى عِبَاده أَنْ يَرِثُوا النِّسَاء مَا جَعَلَهُ لَهُمْ مِيرَاثًا عَنْهُنَّ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا حَظَرَ أَنْ يُكْرَهْنَ مَوْرُوثَات بِمَعْنَى حَظَرَ وِرَاثَة نِكَاحهنَّ إِذَا كَانَ مَيِّتهمْ الَّذِي وَرِثُوهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا عَلَيْهِنَّ أَمْرهنَّ فِي النِّكَاح مِلْك الرَّجُل مَنْفَعَة مَا اِسْتَأْجَرَ مِنْ الدُّور وَالْأَرَضِينَ وَسَائِر مَا لَهُ مَنَافِع , فَأَبَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ أَنَّ الَّذِي يَمْلِكهُ الرَّجُل مِنْهُمْ مِنْ بُضْع زَوْجَته , مَعْنَاهُ غَيْر مَعْنَى مَا يَمْلِك أَحَدهمْ مِنْ مَنَافِع سَائِر الْمَمْلُوكَات الَّتِي تَجُوز إِجَارَتهَا , فَإِنَّ الْمَالِك بُضْع زَوْجَته إِذَا هُوَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ لَهُ مِلْكًا مِنْ زَوْجَته بِالنِّكَاحِ لِوَرَثَتِهِ بَعْده , كَمَا لَهُمْ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي كَانَ يَمْلِكهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَة أَوْ إِجَارَة بَعْد مَوْته بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ عَنْهُ .' وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } : أَيْ وَلَا تَحْبِسُوا يَا مَعْشَر وَرَثَة مَنْ مَاتَ مِنْ الرِّجَال أَزْوَاجهمْ عَنْ نِكَاح مَنْ أَرَدْنَ نِكَاحه مِنْ الرِّجَال كَيْمَا يَمُتْنَ فَتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ; أَيْ فَتَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالهمْ إِذَا مُتْنَ مَا كَانَ مَوْتَاكُمْ الَّذِينَ وَرِثْتُمُوهُنَّ سَاقُوا إِلَيْهِنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَة قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهمْ , مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس , وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَعِكْرِمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَعْضُلُوا أَيّهَا النَّاس نِسَاءَكُمْ فَتَحْبِسُوهُنَّ ضِرَارًا , وَلَا حَاجَة لَكُمْ إِلَيْهِنَّ فَتَضُرُّوا بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ بِمَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا تَقْهَرُوهُنَّ , { لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } يَعْنِي الرَّجُل تَكُون لَهُ الْمَرْأَة وَهُوَ كَارِه لِصُحْبَتِهَا , وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْر , فَيَضُرّ بِهَا لِتَفْتَدِي . 7066 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا يَحِلّ لَك أَنْ تَحْبِس اِمْرَأَتك ضِرَارًا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْك . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي سِمَاك بْن الْفَضْل عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي أَمْر الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي أَمْر الْإِسْلَام . 7067 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنَا سِمَاك بْن الْفَضْل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي الْإِسْلَام , قَالَ عَبْد اللَّه لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فِي الْإِسْلَام. 7068 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : لَا تَحْبِسُوهُنَّ . 7069 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } أَمَّا تَعْضُلُوهُنَّ , فَيَقُول : تُضَارُّوهُنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. 7070 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : الْعَضْل : أَنْ يُكْرِه الرَّجُل اِمْرَأَته , فَيَضُرّ بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمَعْنِيّ بِالنَّهْيِ عَنْ عَضْل النِّسَاء فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاؤُهُنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7071 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ " كَالْعَضْلِ فِي سُورَة الْبَقَرَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَنْهِيّ عَنْ ذَلِكَ زَوْج الْمَرْأَة بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا , وَقَالُوا : ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة , فَنُهُوا عَنْهُ فِي الْإِسْلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7072 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ الْعَضْل فِي قُرَيْش بِمَكَّة , يَنْكِح الرَّجُل الْمَرْأَة الشَّرِيفَة فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقهُ , فَيُفَارِقهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّج إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُب ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيَشْهَد , فَإِذَا خَطَبَهَا خَاطِب , فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ لَهَا , وَإِلَّا عَضَلَهَا . قَالَ : فَهَذَا قَوْل اللَّه : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } . .. الْآيَة. قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْعَضْل وَمَا أَصْله بِشَوَاهِد ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَوْل مَنْ قَالَ : نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ زَوْج الْمَرْأَة عَنْ التَّضْيِيق عَلَيْهَا وَالْإِضْرَار بِهَا , وَهُوَ لِصُحْبَتِهَا كَارِه , وَلِفِرَاقِهَا مُحِبّ , لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا مِنْ الصَّدَاق . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لِأَحَدٍ إِلَى عَضْل اِمْرَأَة , إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : إِمَّا لِزَوْجِهَا بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا وَحَبْسهَا عَلَى نَفْسه , وَهُوَ لَهَا كَارِه , مُضَارَّة مِنْهُ لَهَا بِذَلِكَ , لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا آتَاهَا بِافْتِدَائِهَا مِنْهُ نَفْسهَا بِذَلِكَ , أَوْ لِوَلِيِّهَا الَّذِي إِلَيْهَا إِنْكَاحهَا , وَإِذَا كَانَ لَا سَبِيل إِلَى عَضْلهَا لِأَحَدٍ غَيْرهمَا , وَكَانَ الْوَلِيّ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أَتَاهَا شَيْئًا , فَيُقَال : إِنْ عَضَلَهَا عَنْ النِّكَاح عَضَلَهَا لِيَذْهَب بِبَعْضِ مَا آتَاهَا , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِنَهْيِهِ عَنْ عَضْلهَا , هُوَ زَوْجهَا الَّذِي لَهُ السَّبِيل إِلَى عَضْلهَا ضِرَارًا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ . وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَجْعَل لِأَحَدٍ السَّبِيل عَلَى زَوْجَته بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا وَبَيْنُونَتهَا مِنْهُ , فَيَكُون لَهُ إِلَى عَضْلهَا سَبِيل لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ مِنْ عَضَله إِيَّاهَا , أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ أَمْ لَمْ تَأْتِ بِهَا , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَبَاحَ لِلْأَزْوَاجِ عَضْلهنَّ إِذَا آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , حَتَّى يَفْتَدِينَ مِنْهُ , كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ خَطَأ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ اِبْن زَيْد , وَتَأْوِيل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالنَّهْيِ عَنْ الْعَضْل فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاء الْأَيَامَى , وَصِحَّة مَا قُلْنَا فِيهِ . { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى قَوْله : { أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَمَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ , وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا ذُكِرَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود , وَلَوْ قِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع جَزْم عَلَى وَجْه النَّهْي لَمْ يَكُنْ خَطَأ .وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } : أَيْ وَلَا تَحْبِسُوا يَا مَعْشَر وَرَثَة مَنْ مَاتَ مِنْ الرِّجَال أَزْوَاجهمْ عَنْ نِكَاح مَنْ أَرَدْنَ نِكَاحه مِنْ الرِّجَال كَيْمَا يَمُتْنَ فَتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ; أَيْ فَتَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالهمْ إِذَا مُتْنَ مَا كَانَ مَوْتَاكُمْ الَّذِينَ وَرِثْتُمُوهُنَّ سَاقُوا إِلَيْهِنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَة قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهمْ , مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس , وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَعِكْرِمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَعْضُلُوا أَيّهَا النَّاس نِسَاءَكُمْ فَتَحْبِسُوهُنَّ ضِرَارًا , وَلَا حَاجَة لَكُمْ إِلَيْهِنَّ فَتَضُرُّوا بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ بِمَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا تَقْهَرُوهُنَّ , { لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } يَعْنِي الرَّجُل تَكُون لَهُ الْمَرْأَة وَهُوَ كَارِه لِصُحْبَتِهَا , وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْر , فَيَضُرّ بِهَا لِتَفْتَدِي . 7066 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا يَحِلّ لَك أَنْ تَحْبِس اِمْرَأَتك ضِرَارًا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْك . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي سِمَاك بْن الْفَضْل عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي أَمْر الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي أَمْر الْإِسْلَام . 7067 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنَا سِمَاك بْن الْفَضْل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي الْإِسْلَام , قَالَ عَبْد اللَّه لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فِي الْإِسْلَام. 7068 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : لَا تَحْبِسُوهُنَّ . 7069 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } أَمَّا تَعْضُلُوهُنَّ , فَيَقُول : تُضَارُّوهُنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. 7070 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : الْعَضْل : أَنْ يُكْرِه الرَّجُل اِمْرَأَته , فَيَضُرّ بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمَعْنِيّ بِالنَّهْيِ عَنْ عَضْل النِّسَاء فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاؤُهُنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7071 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ " كَالْعَضْلِ فِي سُورَة الْبَقَرَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَنْهِيّ عَنْ ذَلِكَ زَوْج الْمَرْأَة بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا , وَقَالُوا : ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة , فَنُهُوا عَنْهُ فِي الْإِسْلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7072 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ الْعَضْل فِي قُرَيْش بِمَكَّة , يَنْكِح الرَّجُل الْمَرْأَة الشَّرِيفَة فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقهُ , فَيُفَارِقهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّج إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُب ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيَشْهَد , فَإِذَا خَطَبَهَا خَاطِب , فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ لَهَا , وَإِلَّا عَضَلَهَا . قَالَ : فَهَذَا قَوْل اللَّه : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } . .. الْآيَة. قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْعَضْل وَمَا أَصْله بِشَوَاهِد ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَوْل مَنْ قَالَ : نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ زَوْج الْمَرْأَة عَنْ التَّضْيِيق عَلَيْهَا وَالْإِضْرَار بِهَا , وَهُوَ لِصُحْبَتِهَا كَارِه , وَلِفِرَاقِهَا مُحِبّ , لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا مِنْ الصَّدَاق . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لِأَحَدٍ إِلَى عَضْل اِمْرَأَة , إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : إِمَّا لِزَوْجِهَا بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا وَحَبْسهَا عَلَى نَفْسه , وَهُوَ لَهَا كَارِه , مُضَارَّة مِنْهُ لَهَا بِذَلِكَ , لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا آتَاهَا بِافْتِدَائِهَا مِنْهُ نَفْسهَا بِذَلِكَ , أَوْ لِوَلِيِّهَا الَّذِي إِلَيْهَا إِنْكَاحهَا , وَإِذَا كَانَ لَا سَبِيل إِلَى عَضْلهَا لِأَحَدٍ غَيْرهمَا , وَكَانَ الْوَلِيّ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أَتَاهَا شَيْئًا , فَيُقَال : إِنْ عَضَلَهَا عَنْ النِّكَاح عَضَلَهَا لِيَذْهَب بِبَعْضِ مَا آتَاهَا , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِنَهْيِهِ عَنْ عَضْلهَا , هُوَ زَوْجهَا الَّذِي لَهُ السَّبِيل إِلَى عَضْلهَا ضِرَارًا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ . وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَجْعَل لِأَحَدٍ السَّبِيل عَلَى زَوْجَته بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا وَبَيْنُونَتهَا مِنْهُ , فَيَكُون لَهُ إِلَى عَضْلهَا سَبِيل لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ مِنْ عَضَله إِيَّاهَا , أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ أَمْ لَمْ تَأْتِ بِهَا , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَبَاحَ لِلْأَزْوَاجِ عَضْلهنَّ إِذَا آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , حَتَّى يَفْتَدِينَ مِنْهُ , كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ خَطَأ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ اِبْن زَيْد , وَتَأْوِيل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالنَّهْيِ عَنْ الْعَضْل فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاء الْأَيَامَى , وَصِحَّة مَا قُلْنَا فِيهِ . { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى قَوْله : { أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَمَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ , وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا ذُكِرَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود , وَلَوْ قِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع جَزْم عَلَى وَجْه النَّهْي لَمْ يَكُنْ خَطَأ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ ضِرَارًا مِنْكُمْ لَهُنَّ , وَأَنْتُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ كَارِهُونَ , وَهُنَّ لَكُمْ طَائِعَات , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ , إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ الضِّرَار بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْفَاحِشَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الزِّنَا , وَقَالَ إِذَا زَنَتْ اِمْرَأَة الرَّجُل حَلَّ لَهُ عَضْلهَا وَالضِّرَار بِهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا آتَاهَا مِنْ صَدَاقهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7073 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : فِي الْبِكْر تَفْجُر , قَالَ : تُضْرَب مِائَة , وَتُنْفَى سَنَة , وَتَرُدّ إِلَى زَوْجهَا مَا أَخَذَتْ مِنْهُ . وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . 7074 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : فِي الرَّجُل إِذَا أَصَابَتْ اِمْرَأَته فَاحِشَة : أَخَذَ مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا ; فَنَسَخَ ذَلِكَ الْحُدُودُ . 7075 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة قَالَ : إِذَا رَأَى الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته فَاحِشَة , فَلَا بَأْس أَنْ يُضَارّهَا , وَيَشُقّ عَلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِع مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة : فِي الرَّجُل يَطَّلِع مِنْ اِمْرَأَته عَلَى فَاحِشَة , فَذَكَرَ نَحْوه . 7076 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الزِّنَا , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَخُذُوا مُهُورهنَّ. 7077 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } قَالَ : الزِّنَا. قَالَ : وَسَمِعْت الْحَسَن وَأَبَا الشَّعْثَاء يَقُولَانِ : فَإِنْ فَعَلَتْ حَلَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَكُون هُوَ يَسْأَلهَا الْخُلْع لِتَفْتَدِيَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفَاحِشَة الْمُبَيِّنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع : النُّشُوز . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7078 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الْبُغْض وَالنُّشُوز , فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ , فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . 7079 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُفْحِشْنَ " فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . قَالَ : إِذَا عَضَلْت وَآذَتْك فَقَدْ حَلَّ لَك أَخْذ مَا أَخَذَتْ مِنْك. 7080 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُطَرِّف بْن طَرِيف , عَنْ خَالِد , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : الْفَاحِشَة هَهُنَا النُّشُوز , فَإِذَا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ خُلْعهَا مِنْهَا . 7081 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : هُوَ النُّشُوز. 7082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } فَإِنْ فَعَلْنَ إِنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمُوهُنَّ , وَإِنْ شِئْتُمْ أَرْسَلْتُمُوهُنَّ . 7083 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : عَدَلَ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقَضَاء فَرَجَعَ إِلَى النِّسَاء , فَقَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَالْفَاحِشَة : الْعِصْيَان وَالنُّشُوز ; فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلهَا , فَإِنَّ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبهَا , وَأَمَرَهُ بِالْهَجْرِ , فَإِنْ لَمْ تَدَع الْعِصْيَان وَالنُّشُوز فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا الْفِدْيَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ كُلّ فَاحِشَة مِنْ بَذَاءَة بِاللِّسَانِ عَلَى زَوْجهَا , وَأَذًى لَهُ وَزِنًا بِفَرْجِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } كُلّ فَاحِشَة مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَكُلّ زَوْج اِمْرَأَة أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مِنْ الْفَوَاحِش الَّتِي هِيَ زِنًا أَوْ نُشُوز , فَلَهُ عَضْلهَا عَلَى مَا بَيَّنَ اللَّه فِي كِتَابه , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ بِأَيِّ مَعَانِي فَوَاحِش أَتَتْ بَعْد أَنْ تَكُون ظَاهِرَة مُبَيِّنَة بِظَاهِرِ كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَصِحَّة الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه. كَاَلَّذِي : 7084 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِتَّقُوا اللَّه فِي النِّسَاء . فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ , فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّح وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . 7085 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُبَيْدَة الرَّبَذِيّ قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن يَسَار , عَنْ اِبْن عُمَر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَيّهَا النَّاس إِنَّ النِّسَاء عِنْدكُمْ عَوَان , أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقّ , وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقّ , وَمِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوف , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنْ حَقّ الزَّوْج عَلَى الْمَرْأَة أَنْ لَا تُوطِئ فِرَاشه أَحَدًا , وَأَنْ لَا تَعْصِيه فِي مَعْرُوف وَأَنَّ الَّذِي يَجِب لَهَا مِنْ الرِّزْق وَالْكِسْوَة عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِب عَلَيْهِ , إِذَا أَدَّتْ هِيَ إِلَيْهِ مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ الْحَقّ بِتَرْكِهَا إِيطَاء فِرَاشه غَيْره , وَتَرْكهَا مَعْصِيَته فِي مَعْرُوف. وَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا " إِنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُمَكِّنَّ أَنْفُسهنَّ مِنْ أَحَد سِوَاكُمْ . وَإِذَا كَانَ مَا رُوِّينَا فِي ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبُيِّنَ أَنَّ لِزَوْج الْمَرْأَة إِذَا أَوْطَأَتْ اِمْرَأَته نَفْسهَا غَيْره , وَأَمْكَنَتْ مِنْ جِمَاعهَا سِوَاهُ , أَنْ لَهُ مَنْعهَا مِنْ الْكِسْوَة وَالرِّزْق بِالْمَعْرُوفِ , مِثْل الَّذِي لَهُ مِنْ مَنْعهَا ذَلِكَ إِذَا هِيَ عَصَتْهُ فِي الْمَعْرُوف . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فَمَعْلُوم أَنَّهُ غَيْر مَانِع لَهَا بِمَنْعِهِ إِيَّاهَا مَاله مَنْعهَا حَقًّا لَهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبُيِّنَ أَنَّهَا إِذَا اِفْتَدَتْ نَفْسهَا عِنْد ذَلِكَ مِنْ زَوْجهَا فَأَخَذَ مِنْهَا زَوْجهَا مَا أَعْطَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ ذَلِكَ عَنْ عَضْل مَنْهِيّ عَنْهُ , بَلْ هُوَ أَخَذَ مَا أَخَذَ مِنْهَا عَنْ عَضْل لَهُ مُبَاح . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنَّهُ دَاخِل فِي اِسْتِثْنَاء اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ مِنْ الْعَاضِلِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . وَإِذْ صَحَّ ذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } مَنْسُوخ بِالْحُدُودِ , لِأَنَّ الْحَدّ حَقّ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ أَتَى بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي هِيَ زِنًا . وَأَمَّا الْعَضْل لِتَفْتَدِي الْمَرْأَة مِنْ الزَّوْج بِمَا آتَاهَا أَوْ بِبَعْضِهِ فَحَقّ لِزَوْجِهَا كَمَا عَضْله إِيَّاهَا وَتَضْيِيقه عَلَيْهَا إِذَا هِيَ نَشَزَتْ عَلَيْهِ لِتَفْتَدِي مِنْهُ حَقّ لَهُ , وَلَيْسَ حُكْم أَحَدهمَا يُبْطِل حُكْم الْآخَر. فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ , فَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ , وَتَمْنَعُوهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتكُمْ , { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } مِنْ زِنًا أَوْ بَذَاء عَلَيْكُمْ , وَخِلَاف لَكُمْ فِيمَا يَجِب عَلَيْهِنَّ لَكُمْ مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ عَضْلهنَّ , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهِنَّ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدَاق , إِنْ هُنَّ اِفْتَدَيْنَ مِنْكُمْ بِهِ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : " مُبَيِّنَة " فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : " مُبَيَّنَة " بِفَتْحِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا قَدْ بُيِّنَتْ لَكُمْ وَأُعْلِنَتْ وَأُظْهِرَتْ . وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ . " مُبَيِّنَة " بِكَسْرِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا ظَاهِرَة بَيِّنَة لِلنَّاسِ أَنَّهَا فَاحِشَة . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة أَمْصَار الْإِسْلَام , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب فِي قِرَاءَته الصَّوَاب , لِأَنَّ الْفَاحِشَة إِذَا أَظْهَرَهَا صَاحِبهَا فَهِيَ ظَاهِرَة بَيِّنَة , وَإِذَا ظَهَرَتْ فَبِإِظْهَارِ صَاحِبهَا إِيَّاهَا ظَهَرَتْ. فَلَا تَكُون ظَاهِرَة بَيِّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيَّنَة وَلَا مُبَيَّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيِّنَة. فَلِذَلِكَ رَأَيْت الْقِرَاءَة بِأَيِّهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ صَوَابًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ ضِرَارًا مِنْكُمْ لَهُنَّ , وَأَنْتُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ كَارِهُونَ , وَهُنَّ لَكُمْ طَائِعَات , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ , إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ الضِّرَار بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْفَاحِشَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الزِّنَا , وَقَالَ إِذَا زَنَتْ اِمْرَأَة الرَّجُل حَلَّ لَهُ عَضْلهَا وَالضِّرَار بِهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا آتَاهَا مِنْ صَدَاقهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7073 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : فِي الْبِكْر تَفْجُر , قَالَ : تُضْرَب مِائَة , وَتُنْفَى سَنَة , وَتَرُدّ إِلَى زَوْجهَا مَا أَخَذَتْ مِنْهُ . وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . 7074 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : فِي الرَّجُل إِذَا أَصَابَتْ اِمْرَأَته فَاحِشَة : أَخَذَ مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا ; فَنَسَخَ ذَلِكَ الْحُدُودُ . 7075 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة قَالَ : إِذَا رَأَى الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته فَاحِشَة , فَلَا بَأْس أَنْ يُضَارّهَا , وَيَشُقّ عَلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِع مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة : فِي الرَّجُل يَطَّلِع مِنْ اِمْرَأَته عَلَى فَاحِشَة , فَذَكَرَ نَحْوه . 7076 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الزِّنَا , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَخُذُوا مُهُورهنَّ. 7077 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } قَالَ : الزِّنَا. قَالَ : وَسَمِعْت الْحَسَن وَأَبَا الشَّعْثَاء يَقُولَانِ : فَإِنْ فَعَلَتْ حَلَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَكُون هُوَ يَسْأَلهَا الْخُلْع لِتَفْتَدِيَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفَاحِشَة الْمُبَيِّنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع : النُّشُوز . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7078 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الْبُغْض وَالنُّشُوز , فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ , فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . 7079 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُفْحِشْنَ " فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . قَالَ : إِذَا عَضَلْت وَآذَتْك فَقَدْ حَلَّ لَك أَخْذ مَا أَخَذَتْ مِنْك. 7080 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُطَرِّف بْن طَرِيف , عَنْ خَالِد , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : الْفَاحِشَة هَهُنَا النُّشُوز , فَإِذَا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ خُلْعهَا مِنْهَا . 7081 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : هُوَ النُّشُوز. 7082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } فَإِنْ فَعَلْنَ إِنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمُوهُنَّ , وَإِنْ شِئْتُمْ أَرْسَلْتُمُوهُنَّ . 7083 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : عَدَلَ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقَضَاء فَرَجَعَ إِلَى النِّسَاء , فَقَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَالْفَاحِشَة : الْعِصْيَان وَالنُّشُوز ; فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلهَا , فَإِنَّ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبهَا , وَأَمَرَهُ بِالْهَجْرِ , فَإِنْ لَمْ تَدَع الْعِصْيَان وَالنُّشُوز فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا الْفِدْيَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ كُلّ فَاحِشَة مِنْ بَذَاءَة بِاللِّسَانِ عَلَى زَوْجهَا , وَأَذًى لَهُ وَزِنًا بِفَرْجِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } كُلّ فَاحِشَة مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَكُلّ زَوْج اِمْرَأَة أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مِنْ الْفَوَاحِش الَّتِي هِيَ زِنًا أَوْ نُشُوز , فَلَهُ عَضْلهَا عَلَى مَا بَيَّنَ اللَّه فِي كِتَابه , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ بِأَيِّ مَعَانِي فَوَاحِش أَتَتْ بَعْد أَنْ تَكُون ظَاهِرَة مُبَيِّنَة بِظَاهِرِ كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَصِحَّة الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه. كَاَلَّذِي : 7084 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِتَّقُوا اللَّه فِي النِّسَاء . فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ , فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّح وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . 7085 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُبَيْدَة الرَّبَذِيّ قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن يَسَار , عَنْ اِبْن عُمَر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَيّهَا النَّاس إِنَّ النِّسَاء عِنْدكُمْ عَوَان , أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقّ , وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقّ , وَمِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوف , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنْ حَقّ الزَّوْج عَلَى الْمَرْأَة أَنْ لَا تُوطِئ فِرَاشه أَحَدًا , وَأَنْ لَا تَعْصِيه فِي مَعْرُوف وَأَنَّ الَّذِي يَجِب لَهَا مِنْ الرِّزْق وَالْكِسْوَة عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِب عَلَيْهِ , إِذَا أَدَّتْ هِيَ إِلَيْهِ مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ الْحَقّ بِتَرْكِهَا إِيطَاء فِرَاشه غَيْره , وَتَرْكهَا مَعْصِيَته فِي مَعْرُوف. وَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا " إِنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُمَكِّنَّ أَنْفُسهنَّ مِنْ أَحَد سِوَاكُمْ . وَإِذَا كَانَ مَا رُوِّينَا فِي ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبُيِّنَ أَنَّ لِزَوْج الْمَرْأَة إِذَا أَوْطَأَتْ اِمْرَأَته نَفْسهَا غَيْره , وَأَمْكَنَتْ مِنْ جِمَاعهَا سِوَاهُ , أَنْ لَهُ مَنْعهَا مِنْ الْكِسْوَة وَالرِّزْق بِالْمَعْرُوفِ , مِثْل الَّذِي لَهُ مِنْ مَنْعهَا ذَلِكَ إِذَا هِيَ عَصَتْهُ فِي الْمَعْرُوف . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فَمَعْلُوم أَنَّهُ غَيْر مَانِع لَهَا بِمَنْعِهِ إِيَّاهَا مَاله مَنْعهَا حَقًّا لَهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبُيِّنَ أَنَّهَا إِذَا اِفْتَدَتْ نَفْسهَا عِنْد ذَلِكَ مِنْ زَوْجهَا فَأَخَذَ مِنْهَا زَوْجهَا مَا أَعْطَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ ذَلِكَ عَنْ عَضْل مَنْهِيّ عَنْهُ , بَلْ هُوَ أَخَذَ مَا أَخَذَ مِنْهَا عَنْ عَضْل لَهُ مُبَاح . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنَّهُ دَاخِل فِي اِسْتِثْنَاء اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ مِنْ الْعَاضِلِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . وَإِذْ صَحَّ ذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } مَنْسُوخ بِالْحُدُودِ , لِأَنَّ الْحَدّ حَقّ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ أَتَى بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي هِيَ زِنًا . وَأَمَّا الْعَضْل لِتَفْتَدِي الْمَرْأَة مِنْ الزَّوْج بِمَا آتَاهَا أَوْ بِبَعْضِهِ فَحَقّ لِزَوْجِهَا كَمَا عَضْله إِيَّاهَا وَتَضْيِيقه عَلَيْهَا إِذَا هِيَ نَشَزَتْ عَلَيْهِ لِتَفْتَدِي مِنْهُ حَقّ لَهُ , وَلَيْسَ حُكْم أَحَدهمَا يُبْطِل حُكْم الْآخَر. فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ , فَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ , وَتَمْنَعُوهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتكُمْ , { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } مِنْ زِنًا أَوْ بَذَاء عَلَيْكُمْ , وَخِلَاف لَكُمْ فِيمَا يَجِب عَلَيْهِنَّ لَكُمْ مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ عَضْلهنَّ , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهِنَّ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدَاق , إِنْ هُنَّ اِفْتَدَيْنَ مِنْكُمْ بِهِ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : " مُبَيِّنَة " فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : " مُبَيَّنَة " بِفَتْحِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا قَدْ بُيِّنَتْ لَكُمْ وَأُعْلِنَتْ وَأُظْهِرَتْ . وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ . " مُبَيِّنَة " بِكَسْرِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا ظَاهِرَة بَيِّنَة لِلنَّاسِ أَنَّهَا فَاحِشَة . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة أَمْصَار الْإِسْلَام , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب فِي قِرَاءَته الصَّوَاب , لِأَنَّ الْفَاحِشَة إِذَا أَظْهَرَهَا صَاحِبهَا فَهِيَ ظَاهِرَة بَيِّنَة , وَإِذَا ظَهَرَتْ فَبِإِظْهَارِ صَاحِبهَا إِيَّاهَا ظَهَرَتْ. فَلَا تَكُون ظَاهِرَة بَيِّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيَّنَة وَلَا مُبَيَّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيِّنَة. فَلِذَلِكَ رَأَيْت الْقِرَاءَة بِأَيِّهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ صَوَابًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ , { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . وَخَالِقُوا أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ , وَصَاحِبُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . يَعْنِي بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ الْمُصَاحَبَة , وَذَلِكَ إِمْسَاكهنَّ بِأَدَاءِ حُقُوقهنَّ الَّتِي فَرَضَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إِلَيْهِنَّ. أَوْ تَسْرِيح مِنْكُمْ لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ . كَمَا : 7086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ , ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } يَقُول : وَخَالِطُوهُنَّ. كَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , وَإِنَّمَا هُوَ خَالِقُوهُنَّ مِنْ الْعِشْرَة وَهِيَ الْمُصَاحَبَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ , { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . وَخَالِقُوا أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ , وَصَاحِبُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . يَعْنِي بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ الْمُصَاحَبَة , وَذَلِكَ إِمْسَاكهنَّ بِأَدَاءِ حُقُوقهنَّ الَّتِي فَرَضَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إِلَيْهِنَّ. أَوْ تَسْرِيح مِنْكُمْ لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ . كَمَا : 7086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ , ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } يَقُول : وَخَالِطُوهُنَّ. كَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , وَإِنَّمَا هُوَ خَالِقُوهُنَّ مِنْ الْعِشْرَة وَهِيَ الْمُصَاحَبَة .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : لَا تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ غَيْر رِيبَة , وَلَا نُشُوز , كَانَ مِنْهُنَّ , وَلَكِنْ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تُكْرِهُوهُنَّ , فَتُمْسِكُوهُنَّ , فَيَجْعَل اللَّه لَكُمْ فِي إِمْسَاككُمْ إِيَّاهُنَّ عَلَى كُرْه مِنْكُمْ لَهُنَّ خَيْرًا كَثِيرًا مِنْ وَلَد يَرْزُقكُمْ مِنْهُنَّ , أَوْ عَطْفكُمْ عَلَيْهِنَّ بَعْد كَرَاهَتكُمْ إِيَّاهُنَّ . كَمَا : 7087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } يُقَال : فَعَسَى اللَّه أَنْ يَجْعَل فِي الْكَرَاهَة خَيْرًا كَثِيرًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } قَالَ : الْوَلَد . 7089 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ , ثني أَبِي , قَالَ , ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } وَالْخَيْر الْكَثِير : أَنْ يَعْطِف عَلَيْهَا , فَيُرْزَق الرَّجُل وَلَدهَا , وَيَجْعَل اللَّه فِي وَلَدهَا خَيْرًا كَثِيرًا . وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } عَلَى قَوْل مُجَاهِد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كِنَايَة عَنْ مَصْدَر تَكْرَهُوا , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا . وَلَوْ كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِي ذَلِكَ الشَّيْء الَّذِي تَكْرَهُونَهُ خَيْرًا كَثِيرًا , كَانَ جَائِزًا صَحِيحًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : لَا تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ غَيْر رِيبَة , وَلَا نُشُوز , كَانَ مِنْهُنَّ , وَلَكِنْ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تُكْرِهُوهُنَّ , فَتُمْسِكُوهُنَّ , فَيَجْعَل اللَّه لَكُمْ فِي إِمْسَاككُمْ إِيَّاهُنَّ عَلَى كُرْه مِنْكُمْ لَهُنَّ خَيْرًا كَثِيرًا مِنْ وَلَد يَرْزُقكُمْ مِنْهُنَّ , أَوْ عَطْفكُمْ عَلَيْهِنَّ بَعْد كَرَاهَتكُمْ إِيَّاهُنَّ . كَمَا : 7087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } يُقَال : فَعَسَى اللَّه أَنْ يَجْعَل فِي الْكَرَاهَة خَيْرًا كَثِيرًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } قَالَ : الْوَلَد . 7089 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ , ثني أَبِي , قَالَ , ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } وَالْخَيْر الْكَثِير : أَنْ يَعْطِف عَلَيْهَا , فَيُرْزَق الرَّجُل وَلَدهَا , وَيَجْعَل اللَّه فِي وَلَدهَا خَيْرًا كَثِيرًا . وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } عَلَى قَوْل مُجَاهِد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كِنَايَة عَنْ مَصْدَر تَكْرَهُوا , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا . وَلَوْ كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِي ذَلِكَ الشَّيْء الَّذِي تَكْرَهُونَهُ خَيْرًا كَثِيرًا , كَانَ جَائِزًا صَحِيحًا .'

تفسير القرطبي

فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات. والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن؛ والخطاب للأولياء. و { أن} في موضع رفع بـ { يحل} ؛ أي لا يحل لكم وراثة النساء. و { كرها} مصدر في موضع الحال. واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها؛ فروى البخاري عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود بمعناه. وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها؛ فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وان شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا؛ وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} . فيكون المعنى : لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن. وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها؛ قال السدي. وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها. فنزلت هذه الآية. وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها؛ فذلك قوله تعالى { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} . والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال. "وكرها" بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما لغتان. وقال القتبي : الكره (بالفتح) بمعنى الإكراه، والكره (بالضم) المشقة. يقال : لتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. وقيل : لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها، أو يفتدين ببعض مهورهن، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال : ودليل ذلك قوله تعالى { إلا أن يأتين بفاحشة} وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا. الثانية: قوله تعالى { ولا تعضلوهن} قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في { البقرة} . { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} اختلف الناس في معنى الفاحشة؛ فقال الحسن : هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة؛ إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال ابن سيرين وأبو قلابة : لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا، قال الله تعالى { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} . وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة : الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز، قالوا : فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها؛ وهذا هو مذهب مالك. قال ابن عطية : إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية. وقال قوم : الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا؛ وهذا في معنى النشوز. ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع؛ إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} . وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطية : والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال. قال أبو عمر : قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء؛ لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى؛ ومنه قيل للبذيء : فاحش ومتفحش، وعلى أنه لو أطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها؛ وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال : له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله أعلم. وقال الله عز وجل { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} [البقرة : 229] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها { فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة : 229] وقال الله عز وجل { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء : 4] فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقول رابع { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت، فيكون هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ضعيف. الثالثة: وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها. إلا الأب في بناته؛ فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض، قولا واحدا، وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك : أنه كسائر الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه. والقول الآخر - لا يعرض له. الرابعة: يجوز أن يكون { تعضلوهن} جزما على النهى، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على { أن ترثوا} فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل. وقرأ ابن مسعود "ولا أن تعضلوهن" فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يجوز بالنص. الخامسة: قوله تعالى { مبينة} بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو، والباقون بفتح الياء. وقرأ ابن عباس "مبينة" بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، يقال : أبان الأمر بنفسه، وأبنته وبين وبينته، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة. السادسة: قوله تعالى { وعاشروهن بالمعروف} أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو وليا؛ ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى { فإمساك بمعروف} [البقرة : 229]. وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة : المخالطة والممازجة. ومنه قول طرفة : فلئن شطت نواها مرة ** لعلى عهد حبيب معتشر جعل الحبيب. جمعا كالخليط والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء. وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. وقال يحيى بن عبدالرحمن الحنظلي : أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية، فقلت : ما هذا؟ قال : إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن. وقال ابن عباس رضي الله عنه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي. وهذا داخل فيما ذكرناه. قال ابن عطية : وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فاستمتع بها وفيها عوج) أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها؛ فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق، وهو سبب الخلع. السابعة: واستدل علماؤنا بقوله تعالى { وعاشروهن بالمعروف} على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزمه إلا خادم واحد - وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها؛ وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد؛ لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد. قال علماؤنا : وهذا غلط؛ لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد؛ لأنها تحتاج من غسل ثيابها لإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد، وهذا بين. والله أعلم. الثامنة: قوله تعالى { فإن كرهتموهن} أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و { أن} رفع بـ { عسى} وأن والفعل مصدر. قلت : ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) أو قال (غيره). المعنى : أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال مكحول : سمعت ابن عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبدالرحمن حيث قال : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، فكان يقول : أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. قال علماؤنا : في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المِعى إذا امتلأ).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 17 - 21

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقلنا: ساعة ينادي الحق عباده الذين آمنوا به يقول سبحانه: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } ، فمعناها: يا من آمنتم بي بمحض اختياركم، وآمنتم بي إلهاً له كل صفات العلم والقدرة والحكمة والقيومية، ما دمتم قد آمنتم بهذا الإله اسمعوا من الإله الأحكامَ التي يطلبها منكم. إذن فهو لم يناد غير مؤمن وإنما نادى من آمن باختياره وبترجيح عقله فالحق يقول:
{  لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ }
[البقرة: 256].

يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعالج قضية تتعلق بالنساء وباستضعافهم. لقد جاء الإسلام والنساء في الجاهلية في غَبْن وظلم وحيف عليهن. - وسبحانه - قال: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً } وكلمة " ورث " تدل على أن واحداً قد توفي وله وارث، وهناك شيء قد تركه الميت ولا يصح أن يرثه أحدٌ بعده؛ لأنه عندما يقول: { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ } ، فقد مات موّرث؛ ويخاطب وارثاً. إذن فالكلام في الموروث، لكن الموروث مرة يكون حِلاً، ولذلك شرع الله تقسيمه، وتناولناه من قبل، لكن الكلام هنا في متروك لا يصح أن يكون موروثاً، ما هو؟

قال سبحانه: { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً } ، وهل المقصود ألا يرث الوارث من مورثه إماء تركهن؟ لا. إن الوارث يرث من مورثه الإماء اللاتي تركهن، ولكن عندما تنصرف كلمة " النساء " تكون لأشرف مواقعها أي للحرائر، لأن الأخريات تعتبر الواحدة منهن ملك يمين، { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً } ، وهل فيه ميراث للنساء برضى؟ وكيف تورث المرأة؟

ننتبه هنا إلى قوله سبحانه " كرها " ، وكان الواقع في الجاهلية أن الرجل إذا مات وعنده امرأة جاء وليه، ويلقي ثوبه على امرأته فتصير ملكا له، وإن لم تقبل فإنه يرثها كرها، أو إن لم يكن له هوى فيها فهو يحبسها عنده حتى تموت ويرثها، أو يأتي واحد ويزوجها له ويأخذ مهرها لنفسه؛ كأنه يتصرف فيها تصرف المالك؛ لذلك جاء القول الفصل:

{ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } ، و " العضل " في الأصل هو المنع، ويقال: " عضلت المرأة بولدها " ، ذلك أصل الاشتقاق بالضبط. فالمرأة ساعة تلد فمن فضل الله عليها أن لها عضلات تنقبض وتنبسط، تنبسط فيتسع مكان خروج الولد، وقد تعضل المرأة أثناء الولادة، فبدلا من أن تنبسط العضلات لتفسح للولد أن يخرج تنقبض، فتأتي هنا العمليات التي يقومون بها مثل القيصرية.

إذن فالعضل معناه مأخوذ من عضلت المرأة بولدها أي انقبضت عضلاتها ولم تنبسط حتى لا يخرج الوليد، وعضلت الدجاجة ببيضها أي أن البيضة عندما تكون في طريقها لتنزل فتنقبض العضلة فلا تنزل البيضة لأن اختلالا وظيفيا قد حدث نتيجة للحركة الناقصة، ولماذا تأتي الحركة ناقصة للبسط؟ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل الأسباب في الكون تعمل آليا وميكانيكيا بحيث إذا وجدت الأسباب يوجد المسبب، لا.ففوق الأسباب مسبب إن شاء قال للأسباب: قفي فتقف.

إذن فكل المخالفات التي نراها تتم على خلاف ما تؤديه الأسباب إنما هي دليل طلاقة القدرة، فلو كانت الأشياء تسير هكذا ميكانيكيا، فسوف يقول الناس: إن الميكانيكا دقيقة لا تتخلف. لكن الحق يلفتنا إلى أنه يزاول سلطانه في ملكه، فهو لم يزاول السلطان مرة واحدة، ثم خلق الميكانيكا في الكون والأسباب ثم تركها تتصرف، لا، هو يوضح لنا: أنا قيوم لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم، أقول للأسباب اعملي أو لا تعملي، وبذلك نلتفت إلى أنه المسيطر.

وتجد هذه المخالفات في الشواذ في الكون، حتى لا تَفْتِنَّاً رتابة الأسباب، ولنذكر الله باستمرار، ويكون الإنسان على ذكر من واهب الأسباب ومن خالقها، فلا تتولد عندنا بلادة من أن الأسباب مستمرة دائماً، ويلفتنا الحق إلى وجوده، فتختلف الأسباب لتلفتك إلى أنها ليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة لأن الله خلقها وتركها تفعل، ولو شاء لعطلها.

قلنا هذا في معجزة إبراهيم عليه السلام، حيث ألقاه أهله في النار ولم يُحرق، كان من الممكن أن ينجي الله إبراهيم بأي طريقة أخرى، ولكن هل المسألة نجاة إبراهيم؟ إن كانت المسألة كذلك فما كان ليمكنهم منه، لكنه سبحانه مكنهم منه وأمسكوه ولم يفلت منهم، وكان من الممكن أن يأمر السماء فتمطر عندما ألقوه في النار، وكان المطر كفيلا بإطفاء النار، لكن لم تمطر السماء بل وتتأجج النار. وبعد ذلك يقول لها الحق:
{  قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ }
[الأنبياء: 69].

بالله أهذا غيظ لهم أم لا؟ هذا غيظ لهم؛ فقد قدرتم عليه وألقيتموه في النار، وبعد ذلك لم يَنْزِل مطر ليطفئ النار، والنار موجودة وإبراهيم في النار، لكن النار لا تحرقه. هذه هي عظمة القدرة.

إذن فما معنى " تعضلوهن "؟ العضل: أخذنا منه كلمة " المنع "؛ فعضلت المرأة أي قبضت عضلاتها فلم ينزل الوليد، وأنت ستعضلها كيف؟ بأن تمنعها من حقها الطبيعي حين مات زوجها، وأن من حقها بعد أن تقضي العدة أَنْ تتزوج من تريد أو من يتقدم لها، وينهى الحق: " ولا تعضلوهن " أي لا تحبسوهن عندكم وتمنعوهن، لماذا تفعلون ذلك؟ { لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ } كأن هذا حكم آخر، لا ترثوا النساء كرها هذا حكم، وأيضا لا تعضلوهن حكم ثانٍ.

والمثال عندما يكون الرجل كارها لامرأته فيقول لها: والله لن أطلقك، أنا سأجعلك موقوفة ومعلقة لا أكون أنا لك زوجا ولا أمكنك أيضا من أن تتزوجي وذلك حتى تفتدي نفسها فتُبرئ الرجل من النفقة ومؤخر الصداق؛ فيحمي الإسلام المرأة ويحرم مثل تلك الأفعال.ولكن متى تعضلوهن؟ هنا يقول الحق: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } لأنهم سيحبسونهن، وهذا قبل التشريع بالحد. وقال بعض الفقهاء: للزوج أن يأخذ من زوجته ما تفتدي به نفسها منه وذلك يكون بمال أو غيره إذا أتت بفاحشة من زنا أو سوء عشرة، وهذا ما يسمى بالخلع وهو الطلاق بمقابل يطلبه الزوج.

ويتابع الحق: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وكلمة " المعروف " أوسع دائرة من كلمة المودة؛ فالمودة هي أنك تحسن لمن عندك ودادة له وترتاح نفسك لمواددته، أنك فرح به وبوجوده، لكن المعروف قد تبذله ولو لم تكره، وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، عندما أراد المستشرقون أن يبحثوا في القرآن ليجدوا شيئا يدعون به أن في القرآن تعارضا فيقولون: قرآنكم يقول:
{  لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }
[المجادلة: 22].

كيف لا يواد المؤمن ابنه أو أباه أو أحداً من عشيرته لمجرد كفره. والقرآن في موقع آخر منه يقول؟
{  وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }
[لقمان: 15].

ونقول: إن هؤلاء لم يفهموا الفرق بين المودة والمعروف. فـ " الود " شيء و " المعروف " شيء آخر. الود يكون عن حُب، لكن المعروف ليس ضروريا أن يكون عن حُب، ساعة يكون جوعان سأعطيه ليأكل وألبي احتياجاته المادية. هذا هو المعروف، إنما الوُد هو أن أعمل لإرضاء نفسي. وساعة يعطف الرجل المؤمن على أبيه الكافر لا يعطف عليه نتيجة للوُد، إنما هو يعطف عليه نتيجة للمعروف؛ لأنه حتى لو كان كافراً سيعطيه بالمعروف.

ألم يعاتب الحق - سبحانه - إبراهيم في ضيف جاء له فلم يكرمه لأنه سأله وعرف منه: أنه غير مؤمن لذلك لم يضيّفه؟ فقال له ربنا: أمن أجل ليلة تستقبله فيها تريد أن تغير دينه، بينما أنا أرزقه أربعين سنة وهو كافر؟ فماذا فعل سيدنا إبراهيم؟ جرى فلحق بالرجل. وناداه فقال له الرجل: ما الذي جعلك تتغير هذا التغيير المفاجئ فقال له إبراهيم: " والله إن ربي عاتبني لأني صنعت معك هذا. فقال له الرجل: أربك عاتبك وأنت رسول فيّ وأنا كفر به، فنعم الرب ربٌ يعاتب أحبابه في أعدائه، فأسلم.

هذا هو المعروف، الحق يأمرنا أننا يجب أن ننتبه إلى هذه المسائل في أثناء الحياة الزوجية، وهذه قضية يجب أن يتنبه لها المسلمون جميعا كي لا يُخربوا البيوت.إنهم يريدون أن يبنوا البيوت على المودة والحب فلو لم تكن المودة والحب في البيت لخُربَ البيت، نقول لهم: لا. بل { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } حتى لو لم تحبوهن، وقد يكون السبب الوحيد أنك تكره المرأة لأن شكلها لا يثير غرائزك، يا هذا أنت لم تفهم عن الله؛ ليس المفروض في المرأة أن تثير غريزتك، ولكن المفروض في المرأة أن تكون مصرفا، إن هاجت غريزتك كيماويا بطبيعتها وجدت لها مصرفا. فأنت لا تحتاج لواحدة تغريك لتحرك فيك الغريزة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إذا رأى أحدكم امرأة حسناء فأعجبته فليأت أهله فإن البضع واحد ومعها مثل الذي معها ".

أي أن قطعة اللحم واحدة إن هاجت غريزتك بطبيعتها فأي مصرف يكفيك، ولذلك عندما جاء رجل لسيدنا عمر - رضي الله عنه - وقال: يا أمير المؤمنين أنا كاره لامرأتي وأريد أن أطلقها، قال له: أَوَ لَمْ تُبن البيوت إلا على الحب، فأين القيم؟ لقد ظن الرجل أن امرأته ستظل طول عمرها خاطفة لقلبه، ويدخل كل يوم ليقبلها، فيلفته سيدنا عمر إلى أن هذه مسألة وجدت أولا وبعد ذلك تنبت في الأسرة أشياء تربط الرجل بالمرأة وتربط المرأة بالرجل.

لذلك يقول الحق: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ، أنت كرهتها في زاوية وقد تكون الزاوية التي كرهتها فيها هي التي ستجعلها تحسن في عدة زوايا؛ لكي تعوض بإحسانها في الزوايا الأخرى هذه الزاوية الناقصة، فلا تبن المسألة على أنك تريد امرأة عارضة أزياء لتثير غرائزك عندما تكون هادئا، لا. فالمرأة مصرف طبيعي إن هاجت غرائزك بطبيعتها وجدت لها مصرفا، أما أن ترى في المرأة أنها ملهبة للغرائز فمعنى ذلك أنك تريد من المرأة أن تكون غانية فقط. وأن تعيش معك من أجل العلاقة الجنسية فقط، لكن هناك مسائل أخرى كثيرة، فلا تأخذ من المرأة زاوية واحدة هي زاوية الانفعال الجنسي، وخذ زوايا متعددة.

واعلم أن الله وزع أسباب فضله على خلقه، هذه أعطاها جمالاً، وهذه أعطاها عقلاً، وهذه أعطاها حكمة، وهذه أعطاها أمانة، وهذه أعطاها وفاء، وهذه أعطاها فلاحاً، هناك أسباب كثيرة جدا، فإن كنت تريد أن تكون منصفاً حكيماً فخُذ كل الزوايا، أما أن تنظر للمرأة من زاوية واحدة فقط هي زاوية إهاجة الغريزة، هنا نقول لك: ليست هذه هي الزاوية التي تصلح لتقدير المرأة فقط. { فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }.

وانظر إلى الدقة في العبارة { فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ } فأنت تكره؛ وقد تكون محقا في الكراهية أو غير محق، إنما إن كرهت شيئا يقول لك الله عنه: { وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } فاطمئن إنك إن كرهت في المرأة شيئا لا يتعلق بدينها، فاعلم أنك إن صبرت عليه يجعل الله لك في بقية الزوايا خيراً كثيراً.وما دام ربنا هو من يجعل هذا الخير الكثير فاطمئن إلى أنك لو تنبهت لزاوية أنت تكرهها ومع ذلك تصبر عليها، فأنت تضمن أن ربنا سيجعل لك خيراً في نواحٍ متعددة، إن أي زاوية تغلبت على كرهك سيجعل الله فيها خيرا كثيرا.

إن الحق يطلق القضية هنا في بناء الأسرة ثم يُعمم، وكان بإمكانه أن يقول: فعسى أن تكرهوهن ويجعل الله فيهن خيرا، لا. فقد شاء أن يجعلها سبحانه قضية عامة في كل شيء قد تكرهه، وتأتي الأحداث لتبين صدق الله في ذلك، فكم من أشياء كرهها الإنسان ثم تبين له وجه الخير فيها. وكم من أشياء أحبها الإنسان ثم تبين له وجه الشر فيها، ليدلك على أن حكم الإنسان على الأشياء دائما غير دقيق، فقد يحكم بكره شيء وهو لا يستحق الكره، وقد يحكم بحب شيء وهو لا يستحق الحب.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يأتي بالأشياء مخالفة لأحكامك { فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } فقدر دائما في المقارنة أن الكره منك وجَعْل الخير في المرأة من الله، فلا تجعل جانب الكره منك يتغلب على جانب جعل الخير من الله ويقول الحق من بعد ذلك: { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ... }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً...} الآية. [19].
أخبرنا أبو بكر الأصفهاني، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد الأصفهاني، قال: حدَّثنا أبو يحيى قال: حدَّثنا سهل بن عثمان قال: حدَّثنا أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال أبو إسحاق الشيباني- وذكره عطاء بن الحسين السُّوَائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس في هذه الآية { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} قال:
كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك. رواه البخاري في التفسير عن محمد بن مقاتل، ورواه في كتاب الإكراه عن حسين بن منصور؛ كلاهما عن أسباط.
قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة، جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عَصَبَتِهِ، فألقى ثوبه على تلك المرأة فصار أحقّ بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوَّجَها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئاً، وإن شاء عَضَلَهَا وضَارَّهَا لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها؛ فتوفي أو قيس بن الأَسْلَت الأنصاري، وترك امرأته كُبَيْشَة بنت معن الأنصارية فقام ابن له من غيرها يقال له: حصن، وقال مقاتل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فَوَرِث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس توفي وورث ابنه نكاحي، وقد أضرّ بي وطوّل عليّ، فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي، ولا هو يخلي سبيلي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله. قال: فانصرفت، وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن: ما نحن إلا كهيئة كبيشة غير أنه لم ينكحنا الأبناء، ونكحنا بنو العم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.


www.alro7.net