سورة
اية:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ...} الآية، [189].
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة: ذُكر لنا أنهم سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم: لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله تعالى: { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} .
وقال الكلبي: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينتقص ويدق حتى يكون كما كان: لا يكون على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: { وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} ، [189].
أخبرنا محمد بن إبراهيم المُزكي، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أبو خليفة، حدَّثنا أبو الوليد والحوضي قالا: حدَّثنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق، قال سمعت البراء [بن عازب] يقول:
كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قِبَلِ باب، فكأنما عير بذلك، فنزلت هذه الآية.
رواه البخاري عن أبي الوليد.
ورواه مسلم عن بُنْدَار، عن غُنْدَر عن شعبة.
أخبرنا أبو بكر التميمي، حدَّثنا أبو الشيخ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عُبيد، حدَّثنا عبيدة، عن الأعمش، عن أبي سفيان؛ عن جابر قال: كانت قريش تدعى الحُمُس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام؛ فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قُطْبَةُ بن عامر الأنصاري، فقالوا يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال: إني أَحْمِسيّ، قال: فإن ديني دينُك، فأنزل الله { وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} .
وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نَقَب نَقْباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه، ويرون ذلك ديناً إلا أن يكون من الحمس وهم قريش، وكِنَانَة، وخُزَاعةَ وثَقِيف، وخَثْعَم، وبنو عامر بن صَعْصَعَة، وبنو النَّضرْ بن معاوية؛ سموا حمساً لشدتهم في دينهم قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحمسي، قال الرجل: إن كنت أحْمسياً فإني أحمسي، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

سأل الناس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم، ووقت حجهم، وقال الربيع: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول اللّه لم خلقت الأهلة؟ فأنزل اللّه: { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} يقول جعلها اللّه مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دينهم. وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً) ""رواه الحاكم في المستدرك"". وقوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} ، قال البخاري عن البراء: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل اللّه: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال اللّه تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الآية وقوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي اتقوا اللّه فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه { لعلكم تفلحون} غداً إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم على التمام والكمال.

تفسير الجلالين

{ يسألونك } يا محمد { عن الأهلة } جمع هلال لمَ تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس { قل } لهم { هي مواقيت } جمع ميقات { للناس } يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعُدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم { والحج } عطف على الناس أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } في الإحرام كغيره بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه برّا { ولكنَّ البرَّ } أي ذا البِر { من اتقى } الله بترك مخالفته { وأتوا البيوت من أبوابها } في الإحرام { واتقوا الله لعلكم تفلحون } تفوزون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } ذُكِرَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ زِيَادَة الْأَهِلَّة وَنُقْصَانهَا وَاخْتِلَاف أَحْوَالهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة جَوَابًا لَهُمْ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ . ذِكْر الْأَخْبَار بِذَلِكَ : 2510 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } قَالَ قَتَادَة : سَأَلُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ : لِمَ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَهِلَّة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهَا مَا تَسْمَعُونَ : { هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } فَجَعَلَهَا لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَلِإِفْطَارِهِمْ وَلِمَنَاسِكِهِمْ وَحَجّهمْ وَلِعِدَّةِ نِسَائِهِمْ وَمَحِلّ دَيْنهمْ فِي أَشْيَاء , وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا يُصْلِح خَلْقه . 2511 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ خُلِقَتْ الْأَهِلَّة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } جَعَلَهَا اللَّه مَوَاقِيت لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْطَارهمْ وَلِحَجِّهِمْ وَمَنَاسِكهمْ وَعِدَّة نِسَائِهِمْ وَحَلّ دُيُونهمْ . 2512 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } قَالَ : هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ فِي حَجّهمْ وَصَوْمهمْ وَفِطْرهمْ وَنُسُكهمْ . 2513 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ النَّاس : لِمَ خُلِقَتْ الْأَهِلَّة ؟ فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } لِصَوْمِهِمْ وَإِفْطَارهمْ وَحَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ . قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : وَوَقْت حَجّهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ , وَحَلّ دَيْنهمْ . 2514 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } فَهِيَ مَوَاقِيت الطَّلَاق وَالْحَيْض وَالْحَجّ . 2515 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : ثنا الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } يَعْنِي حَلّ دَيْنهمْ , وَوَقْت حَجّهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ . 2516 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَهِلَّة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } يَعْلَمُونَ بِهَا حِلّ دَيْنهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ , وَوَقْت حَجّهمْ . 2517 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد عَنْ شَرِيك , عَنْ جَابِر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى , عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْله : { مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } قَالَ : هِيَ مَوَاقِيت الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - وَقَبَضَ إبْهَامه - فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا , وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا , فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ قَوْله فِي ذَلِكَ : يَسْأَلُونَك يَا مُحَمَّد عَنْ الْأَهِلَّة وَمَحَاقهَا وَسِرَارهَا وَتَمَامهَا وَاسْتِوَائِهَا وَتَغَيُّر أَحْوَالهَا بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَان وَمَحَاق وَاسْتِسْرَار , وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي خَالَفَ بَيْنه وَبَيْن الشَّمْس الَّتِي هِيَ دَائِمَة أَبَدًا عَلَى حَال وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَان , فَقُلْ يَا مُحَمَّد خَالَفَ بَيْن ذَلِكَ رَبّكُمْ لِتَصْيِيرِهِ الْأَهِلَّة الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْ أَمْرهَا وَمُخَالَفَة مَا بَيْنهَا وَبَيْن غَيْرهَا فِيمَا خَالَفَ بَيْنهَا وَبَيْنه مَوَاقِيت لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمْ مِنْ بَنِي آدَم فِي مَعَايِشهمْ , تَرْقُبُونَ بِزِيَادَتِهَا وَنُقْصَانهَا وَمَحَاقهَا وَاسْتِسْرَارهَا وَإِهْلَالكُمْ إيَّاهَا أَوْقَات حِلّ دُيُونكُمْ , وَانْقِضَاء مُدَّة إجَارَة مَنْ اسْتَأْجَرْتُمُوهُ , وَتَصَرُّم عِدَّة نِسَائِكُمْ , وَوَقْت صَوْمكُمْ وَإِفْطَاركُمْ , فَجَعَلَهَا مَوَاقِيت لِلنَّاسِ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْحَجّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلِلْحَجِّ , يَقُول : وَجَعَلَهَا أَيْضًا مِيقَاتًا لِحَجِّكُمْ تَعْرِفُونَ بِهَا وَقْت مَنَاسِككُمْ وَحَجّكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } ذُكِرَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ زِيَادَة الْأَهِلَّة وَنُقْصَانهَا وَاخْتِلَاف أَحْوَالهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره هَذِهِ الْآيَة جَوَابًا لَهُمْ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ . ذِكْر الْأَخْبَار بِذَلِكَ : 2510 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } قَالَ قَتَادَة : سَأَلُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ : لِمَ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَهِلَّة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهَا مَا تَسْمَعُونَ : { هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } فَجَعَلَهَا لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَلِإِفْطَارِهِمْ وَلِمَنَاسِكِهِمْ وَحَجّهمْ وَلِعِدَّةِ نِسَائِهِمْ وَمَحِلّ دَيْنهمْ فِي أَشْيَاء , وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا يُصْلِح خَلْقه . 2511 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ خُلِقَتْ الْأَهِلَّة ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } جَعَلَهَا اللَّه مَوَاقِيت لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْطَارهمْ وَلِحَجِّهِمْ وَمَنَاسِكهمْ وَعِدَّة نِسَائِهِمْ وَحَلّ دُيُونهمْ . 2512 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { مَوَاقِيت لِلنَّاسِ وَالْحَجّ } قَالَ : هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ فِي حَجّهمْ وَصَوْمهمْ وَفِطْرهمْ وَنُسُكهمْ . 2513 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ النَّاس : لِمَ خُلِقَتْ الْأَهِلَّة ؟ فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } لِصَوْمِهِمْ وَإِفْطَارهمْ وَحَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ . قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : وَوَقْت حَجّهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ , وَحَلّ دَيْنهمْ . 2514 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } فَهِيَ مَوَاقِيت الطَّلَاق وَالْحَيْض وَالْحَجّ . 2515 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : ثنا الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } يَعْنِي حَلّ دَيْنهمْ , وَوَقْت حَجّهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ . 2516 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَهِلَّة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } يَعْلَمُونَ بِهَا حِلّ دَيْنهمْ , وَعِدَّة نِسَائِهِمْ , وَوَقْت حَجّهمْ . 2517 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد عَنْ شَرِيك , عَنْ جَابِر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى , عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْله : { مَوَاقِيت لِلنَّاسِ } قَالَ : هِيَ مَوَاقِيت الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - وَقَبَضَ إبْهَامه - فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا , وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا , فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ قَوْله فِي ذَلِكَ : يَسْأَلُونَك يَا مُحَمَّد عَنْ الْأَهِلَّة وَمَحَاقهَا وَسِرَارهَا وَتَمَامهَا وَاسْتِوَائِهَا وَتَغَيُّر أَحْوَالهَا بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَان وَمَحَاق وَاسْتِسْرَار , وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي خَالَفَ بَيْنه وَبَيْن الشَّمْس الَّتِي هِيَ دَائِمَة أَبَدًا عَلَى حَال وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَان , فَقُلْ يَا مُحَمَّد خَالَفَ بَيْن ذَلِكَ رَبّكُمْ لِتَصْيِيرِهِ الْأَهِلَّة الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْ أَمْرهَا وَمُخَالَفَة مَا بَيْنهَا وَبَيْن غَيْرهَا فِيمَا خَالَفَ بَيْنهَا وَبَيْنه مَوَاقِيت لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمْ مِنْ بَنِي آدَم فِي مَعَايِشهمْ , تَرْقُبُونَ بِزِيَادَتِهَا وَنُقْصَانهَا وَمَحَاقهَا وَاسْتِسْرَارهَا وَإِهْلَالكُمْ إيَّاهَا أَوْقَات حِلّ دُيُونكُمْ , وَانْقِضَاء مُدَّة إجَارَة مَنْ اسْتَأْجَرْتُمُوهُ , وَتَصَرُّم عِدَّة نِسَائِكُمْ , وَوَقْت صَوْمكُمْ وَإِفْطَاركُمْ , فَجَعَلَهَا مَوَاقِيت لِلنَّاسِ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْحَجّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلِلْحَجِّ , يَقُول : وَجَعَلَهَا أَيْضًا مِيقَاتًا لِحَجِّكُمْ تَعْرِفُونَ بِهَا وَقْت مَنَاسِككُمْ وَحَجّكُمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ إذَا أَحْزَمُوا بُيُوتهمْ مِنْ قِبَل أَبْوَابهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2518 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء يَقُول : كَانَتْ الْأَنْصَار إذَا حَجُّوا وَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت إلَّا مِنْ ظُهُورهَا . قَالَ : فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَدَخَلَ مِنْ بَابه , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } 2519 - حَدَّثَنِي سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا أَحْرَمُوا أَتَوْا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا , وَلَمْ يَأْتُوا مِنْ أَبْوَابهَا , فَنَزَلَتْ : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } . . الْآيَة . 2520 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد , عَنْ قَيْس بْن حَبْتَر : أَنَّ نَاسًا كَانُوا إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا حَائِطًا مِنْ بَابه وَلَا دَارًا مِنْ بَابهَا أَوْ بَيْتًا , فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه دَارًا . وَكَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن تَابُوت , فَجَاءَ فَتَسَوَّرَ الْحَائِط , ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَاب الدَّار - أَوْ قَالَ مِنْ بَاب الْبَيْت - خَرَجَ مَعَهُ رِفَاعَة , قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَأَيْتُك خَرَجْت مِنْهُ , فَخَرَجْت مِنْهُ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي رَجُل أَحْمَس " , فَقَالَ : إنْ تَكُنْ رَجُلًا أَحْمَس فَإِنَّ دِيننَا وَاحِد . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } 2521 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } يَقُول : لَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ كَوَّات فِي ظُهُور الْبُيُوت وَأَبْوَاب فِي جُنُوبهَا تَجْعَلهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة . فَنُهُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهَا وَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابهَا . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 2522 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل الْحِجَاز إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب بُيُوتهمْ وَدَخَلُوا مِنْ ظُهُورهَا , فَنَزَلَتْ : { وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى } الْآيَة . 2523 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ إذَا أَحْرَمَ الرَّجُل مِنْهُمْ نَقَبَ كَوَّة فِي ظَهْر بَيْته فَجَعَلَ سُلَّمًا فَجَعَلَ يَدْخُل مِنْهَا . قَالَ : فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم وَمَعَهُ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , قَالَ : فَأَتَى الْبَاب لِيَدْخُل , فَدَخَلَ مِنْهُ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الرَّجُل لِيَدْخُل مِنْ الْكَوَّة . قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا شَأْنك ؟ " فَقَالَ : إنِّي أَحْمَس , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنَا أَحْمَس " . 2524 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْأَنْصَار إذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء شَيْء يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ , وَكَانَ الرَّجُل يَخْرُج مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَة بَعْد مَا يَخْرُج مِنْ بَيْته فَيَرْجِع وَلَا يَدْخُل مِنْ بَاب الْحُجْرَة مِنْ أَجْل سَقْف الْبَاب أَنْ يَحُول بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء , فَيَفْتَح الْجِدَار مِنْ وَرَائِهِ , ثُمَّ يَقُوم فِي حُجْرَته فَيَأْمُر بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُج إلَيْهِ مِنْ بَيْته . حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ زَمَن الْحُدَيْبِيَة بِالْعُمْرَةِ , فَدَخَلَ حُجْرَة , فَدَخَلَ رَجُل عَلَى أَثَره مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي سَلَمَة , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي أَحْمَس " . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَكَانَتْ الْحُمْس لَا يُبَالُونَ ذَلِكَ . فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : وَأَنَا أَحْمَس , يَقُول : وَأَنَا عَلَى دِينك . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } 2525 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت } الْآيَة كُلّهَا . قَالَ قَتَادَة : كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا أَهَلَّ أَحَدهمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة لَا يَدْخُل دَارًا مِنْ بَابهَا إلَّا أَنْ يَتَسَوَّر حَائِطًا تَسَوُّرًا , وَأَسْلَمُوا وَهُمْ كَذَلِكَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي ذَلِكَ مَا تَسْمَعُونَ , وَنَهَاهُمْ عَنْ صَنِيعهمْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرّ صَنِيعهمْ ذَلِكَ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . 2526 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } فَإِنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا إذَا حَجُّوا لَمْ يَدْخُلُوا بُيُوتهمْ مِنْ أَبْوَابهَا كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي أَدْبَارهَا , فَلَمَّا حَجّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع أَقْبَلَ يَمْشِي وَمَعَهُ رَجُل مِنْ أُولَئِكَ وَهُوَ مُسْلِم . فَلَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب الْبَيْت احْتَبَسَ الرَّجُل خَلْفه وَأَبَى أَنْ يَدْخُل قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إنِّي أَحْمَس - يَقُول : إنِّي مُحْرِم - وَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يُسَمَّوْنَ الْحُمْس . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنَا أَيْضًا أَحْمَس فَادْخُلْ ! " فَدَخَلَ الرَّجُل , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } 2527 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } وَإِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة كَانُوا إذَا خَافَ أَحَدهمْ مِنْ عَدُوّهُ شَيْئًا أَحْرَمَ فَأَمِنَ , فَإِذَا أَحْرَمَ لَمْ يَلِج مِنْ بَاب بَيْته وَاِتَّخَذَ نَقْبًا مِنْ ظَهْر بَيْته . فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة كَانَ بِهَا رَجُل مُحْرِم كَذَلِكَ , وَأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة كَانُوا يُسَمُّونَ الْبُسْتَان : الْحَشّ . وَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بُسْتَانًا , فَدَخَلَهُ مِنْ بَابه , وَدَخَلَ مَعَهُ ذَلِكَ الْمُحْرِم , فَنَادَاهُ رَجُل مِنْ وَرَائِهِ : يَا فُلَان إنَّك مُحْرِم وَقَدْ دَخَلْت ! فَقَالَ : " أَنَا أَحْمَس " , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إنْ كُنْت مُحْرِمًا فَأَنَا مُحْرِم , وَإِنْ كُنْت أَحْمَس فَأَنَا أَحْمَس . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } إلَى آخِر الْآيَة . فَأَحَلَّ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . 2528 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت إلَّا مِنْ ظُهُورهَا , وَذَلِكَ أَنْ يَتَسَوَّرُوهَا , فَكَانَ إذَا أَحْرَمَ أَحَدهمْ لَا يَدْخُل الْبَيْت إلَّا أَنْ يَتَسَوَّرهُ مِنْ قِبَل ظَهْره . وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ ذَات يَوْم بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَار , فَدَخَلَ رَجُل عَلَى أَثَره مِمَّنْ قَدْ أَحْرَمَ , فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَقَالُوا : هَذَا رَجُل فَاجِر ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِمَ دَخَلْت مِنْ الْبَاب وَقَدْ أَحْرَمْت ؟ " فَقَالَ : رَأَيْتُك يَا رَسُول اللَّه دَخَلْت فَدَخَلْت عَلَى أَثَرك . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي أَحْمَس " وَقُرَيْش يَوْمئِذٍ تَدَّعِي الْحَمَس ; فَلَمَّا أَنْ قَالَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَنْصَارِيّ : إنَّ دِينِي دِينك . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } . .. الْآيَة . 2529 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْتُونَ الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَيَرَوْنَهُ بِرًّا , فَقَالَ " الْبِرّ " , ثُمَّ نَعَتَ الْبِرّ , وَأَمَرَ بِأَنْ يَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : كَانَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَنْصَار يَأْتُونَ الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا يَتَبَرَّرُونَ بِذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : وَلَيْسَ الْبِرّ أَيّهَا النَّاس بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت فِي حَال إحْرَامكُمْ مِنْ ظُهُورهَا , وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى اللَّه فَخَافَهُ , وَتَجَنَّبَ مَحَارِمه , وَأَطَاعَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا , فَأَمَّا إتْيَان الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا فَلَا بِرّ لِلَّهِ فِيهِ , فَأْتُوهَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَبْوَابهَا وَغَيْر أَبْوَابهَا , مَا لَمْ تَعْتَقِدُوا تَحْرِيم إتْيَانهَا مِنْ أَبْوَابهَا فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز لَكُمْ اعْتِقَاده , لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ أُحَرِّمهُ عَلَيْكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ إذَا أَحْزَمُوا بُيُوتهمْ مِنْ قِبَل أَبْوَابهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2518 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي إسْحَاق , قَالَ : سَمِعْت الْبَرَاء يَقُول : كَانَتْ الْأَنْصَار إذَا حَجُّوا وَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت إلَّا مِنْ ظُهُورهَا . قَالَ : فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَدَخَلَ مِنْ بَابه , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } 2519 - حَدَّثَنِي سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ إسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا أَحْرَمُوا أَتَوْا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا , وَلَمْ يَأْتُوا مِنْ أَبْوَابهَا , فَنَزَلَتْ : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } . . الْآيَة . 2520 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد , عَنْ قَيْس بْن حَبْتَر : أَنَّ نَاسًا كَانُوا إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا حَائِطًا مِنْ بَابه وَلَا دَارًا مِنْ بَابهَا أَوْ بَيْتًا , فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه دَارًا . وَكَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن تَابُوت , فَجَاءَ فَتَسَوَّرَ الْحَائِط , ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَاب الدَّار - أَوْ قَالَ مِنْ بَاب الْبَيْت - خَرَجَ مَعَهُ رِفَاعَة , قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه رَأَيْتُك خَرَجْت مِنْهُ , فَخَرَجْت مِنْهُ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي رَجُل أَحْمَس " , فَقَالَ : إنْ تَكُنْ رَجُلًا أَحْمَس فَإِنَّ دِيننَا وَاحِد . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } 2521 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } يَقُول : لَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ كَوَّات فِي ظُهُور الْبُيُوت وَأَبْوَاب فِي جُنُوبهَا تَجْعَلهَا أَهْل الْجَاهِلِيَّة . فَنُهُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهَا وَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابهَا . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 2522 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل الْحِجَاز إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب بُيُوتهمْ وَدَخَلُوا مِنْ ظُهُورهَا , فَنَزَلَتْ : { وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى } الْآيَة . 2523 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ إذَا أَحْرَمَ الرَّجُل مِنْهُمْ نَقَبَ كَوَّة فِي ظَهْر بَيْته فَجَعَلَ سُلَّمًا فَجَعَلَ يَدْخُل مِنْهَا . قَالَ : فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم وَمَعَهُ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , قَالَ : فَأَتَى الْبَاب لِيَدْخُل , فَدَخَلَ مِنْهُ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الرَّجُل لِيَدْخُل مِنْ الْكَوَّة . قَالَ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا شَأْنك ؟ " فَقَالَ : إنِّي أَحْمَس , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنَا أَحْمَس " . 2524 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْأَنْصَار إذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء شَيْء يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ , وَكَانَ الرَّجُل يَخْرُج مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَة بَعْد مَا يَخْرُج مِنْ بَيْته فَيَرْجِع وَلَا يَدْخُل مِنْ بَاب الْحُجْرَة مِنْ أَجْل سَقْف الْبَاب أَنْ يَحُول بَيْنه وَبَيْن السَّمَاء , فَيَفْتَح الْجِدَار مِنْ وَرَائِهِ , ثُمَّ يَقُوم فِي حُجْرَته فَيَأْمُر بِحَاجَتِهِ فَتَخْرُج إلَيْهِ مِنْ بَيْته . حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ زَمَن الْحُدَيْبِيَة بِالْعُمْرَةِ , فَدَخَلَ حُجْرَة , فَدَخَلَ رَجُل عَلَى أَثَره مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي سَلَمَة , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي أَحْمَس " . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَكَانَتْ الْحُمْس لَا يُبَالُونَ ذَلِكَ . فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : وَأَنَا أَحْمَس , يَقُول : وَأَنَا عَلَى دِينك . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } 2525 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت } الْآيَة كُلّهَا . قَالَ قَتَادَة : كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة إذَا أَهَلَّ أَحَدهمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة لَا يَدْخُل دَارًا مِنْ بَابهَا إلَّا أَنْ يَتَسَوَّر حَائِطًا تَسَوُّرًا , وَأَسْلَمُوا وَهُمْ كَذَلِكَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي ذَلِكَ مَا تَسْمَعُونَ , وَنَهَاهُمْ عَنْ صَنِيعهمْ ذَلِكَ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرّ صَنِيعهمْ ذَلِكَ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . 2526 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } فَإِنَّ نَاسًا مِنْ الْعَرَب كَانُوا إذَا حَجُّوا لَمْ يَدْخُلُوا بُيُوتهمْ مِنْ أَبْوَابهَا كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي أَدْبَارهَا , فَلَمَّا حَجّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع أَقْبَلَ يَمْشِي وَمَعَهُ رَجُل مِنْ أُولَئِكَ وَهُوَ مُسْلِم . فَلَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب الْبَيْت احْتَبَسَ الرَّجُل خَلْفه وَأَبَى أَنْ يَدْخُل قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إنِّي أَحْمَس - يَقُول : إنِّي مُحْرِم - وَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يُسَمَّوْنَ الْحُمْس . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنَا أَيْضًا أَحْمَس فَادْخُلْ ! " فَدَخَلَ الرَّجُل , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } 2527 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } وَإِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة كَانُوا إذَا خَافَ أَحَدهمْ مِنْ عَدُوّهُ شَيْئًا أَحْرَمَ فَأَمِنَ , فَإِذَا أَحْرَمَ لَمْ يَلِج مِنْ بَاب بَيْته وَاِتَّخَذَ نَقْبًا مِنْ ظَهْر بَيْته . فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة كَانَ بِهَا رَجُل مُحْرِم كَذَلِكَ , وَأَنَّ أَهْل الْمَدِينَة كَانُوا يُسَمُّونَ الْبُسْتَان : الْحَشّ . وَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بُسْتَانًا , فَدَخَلَهُ مِنْ بَابه , وَدَخَلَ مَعَهُ ذَلِكَ الْمُحْرِم , فَنَادَاهُ رَجُل مِنْ وَرَائِهِ : يَا فُلَان إنَّك مُحْرِم وَقَدْ دَخَلْت ! فَقَالَ : " أَنَا أَحْمَس " , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إنْ كُنْت مُحْرِمًا فَأَنَا مُحْرِم , وَإِنْ كُنْت أَحْمَس فَأَنَا أَحْمَس . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } إلَى آخِر الْآيَة . فَأَحَلَّ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . 2528 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوت إلَّا مِنْ ظُهُورهَا , وَذَلِكَ أَنْ يَتَسَوَّرُوهَا , فَكَانَ إذَا أَحْرَمَ أَحَدهمْ لَا يَدْخُل الْبَيْت إلَّا أَنْ يَتَسَوَّرهُ مِنْ قِبَل ظَهْره . وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ ذَات يَوْم بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَار , فَدَخَلَ رَجُل عَلَى أَثَره مِمَّنْ قَدْ أَحْرَمَ , فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَقَالُوا : هَذَا رَجُل فَاجِر ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِمَ دَخَلْت مِنْ الْبَاب وَقَدْ أَحْرَمْت ؟ " فَقَالَ : رَأَيْتُك يَا رَسُول اللَّه دَخَلْت فَدَخَلْت عَلَى أَثَرك . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنِّي أَحْمَس " وَقُرَيْش يَوْمئِذٍ تَدَّعِي الْحَمَس ; فَلَمَّا أَنْ قَالَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَنْصَارِيّ : إنَّ دِينِي دِينك . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } . .. الْآيَة . 2529 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْتُونَ الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا وَيَرَوْنَهُ بِرًّا , فَقَالَ " الْبِرّ " , ثُمَّ نَعَتَ الْبِرّ , وَأَمَرَ بِأَنْ يَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَابهَا . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : كَانَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَنْصَار يَأْتُونَ الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا يَتَبَرَّرُونَ بِذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا : وَلَيْسَ الْبِرّ أَيّهَا النَّاس بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت فِي حَال إحْرَامكُمْ مِنْ ظُهُورهَا , وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ اتَّقَى اللَّه فَخَافَهُ , وَتَجَنَّبَ مَحَارِمه , وَأَطَاعَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا , فَأَمَّا إتْيَان الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا فَلَا بِرّ لِلَّهِ فِيهِ , فَأْتُوهَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَبْوَابهَا وَغَيْر أَبْوَابهَا , مَا لَمْ تَعْتَقِدُوا تَحْرِيم إتْيَانهَا مِنْ أَبْوَابهَا فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز لَكُمْ اعْتِقَاده , لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ أُحَرِّمهُ عَلَيْكُمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا النَّاس فَاحْذَرُوهُ وَارْهَبُوهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ مِنْ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ لِتُفْلِحُوا فَتَنْجَحُوا فِي طَلَبَاتكُمْ لَدَيْهِ وَتُدْرِكُوا بِهِ الْبَقَاء فِي جَنَّاته وَالْخُلُود فِي نَعِيمه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَلَاح فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا النَّاس فَاحْذَرُوهُ وَارْهَبُوهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ مِنْ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ لِتُفْلِحُوا فَتَنْجَحُوا فِي طَلَبَاتكُمْ لَدَيْهِ وَتُدْرِكُوا بِهِ الْبَقَاء فِي جَنَّاته وَالْخُلُود فِي نَعِيمه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَلَاح فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا يَدُلّ عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى : قوله تعالى { يسألونك عن الأهلة} هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال معاذ : يا رسول اللّه، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل اللّه هذه الآية. وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. الثانية: قوله تعالى { عن الأهلة} الأهلة جمع الهلال، وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر، غير كونه هلالا في آخر، فإنما جمع أحواله من الأهلة. ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه، كما قال : أخوان من نجد على ثقة ** والشهر مثل قلامة الظفر وقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه. ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله. وقيل : لثلاث من أوله. وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع. قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه. واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير : وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ** برقت كبرق العارض المتهلل ويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه. قال الجوهري وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله. ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين، ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا، ولا يقال : أهللناه فهل، كما يقال : أدخلناه فدخل، وهو قياسه : قال أبو نصر عبدالرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : أهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا. الثالثة: قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال، ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث. وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. قوله تعالى { قل هي مواقيت للناس والحج} تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والإيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله الحق { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} [الإسراء:12] على ما يأتي. وقوله { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} [يونس:5]. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام. الرابعة: وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة، واحتجوا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير توقيت. وهذا لا دليل فيه، لأنه عليه السلام قال لليهود : (أقركم فيها ما أقركم اللّه). وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه، وليس كذلك غيره. وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات، فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة، وقال به علماء الأمة. الخامسة: قوله تعالى { مواقيت} المواقيت : جميع الميقات وهو الوقت. وقيل : الميقات منتهى الوقت. و { مواقيت} لا تنصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية جمع، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها. وصرفت { قوارير} في قوله { قواريرا} [الإنسان:16] لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي، فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الاسم. السادسة: قوله تعالى { والحج} بفتح الحاء قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وفي قوله { حج البيت} [آل عمران:97] في [آل عمران]. سيبويه : الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر، والكسر الاسم. السابعة: أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النَّسيء فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور، فأبطل اللّه قولهم وفعلهم، على ما يأتي بيانه في [براءة] إن شاء اللّه تعالى. الثامنة: استدل مالك رحمه اللّه وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية، لأن اللّه تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يُحرِم في جميعها بالحج، وخالف في ذلك الشافعي، لقوله تعالى { الحج أشهر معلومات} [البقرة:197] على ما يأتي. وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو، وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو، ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو. والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله { هي مواقيت للناس والحج } يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج، ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج. وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو. ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما. وما ذكروه من الجارية فصحيح، لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل، وليس كذلك في مسألتنا، فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو، فبطل ما قالوه. التاسعة: لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك، فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة. ذلك غير جائز، لأن اللّه تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر : قول ابن عباس صحيح. العاشرة: إذا رئي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلته. روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال، فقال بعض القوم : هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم : هو ابن ليلتين. قال : فلقينا ابن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال : أي ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا : ليلة كذا وكذا. فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : (إن اللّه مده للرؤية) فهو لليلة رأيتموه. الحادية عشرة: قوله تعالى { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا. وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه من بيته، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته. فكانوا يرون هذا من النسك والبر، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا، فرد عليهم فيها، وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر - يعني من أهل البيوت - نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه. وإن كان من أهل الوبر - يعني أهل الخيام - يدخل من خلف الخيام الخيمة، إلا من كان من الحمس. و روى الزهري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة، فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (لم دخلت وأنت قد أحرمت). فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك. فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (إني أحمس) أي من قوم لا يدينون بذلك. فقال له الرجل : وأنا ديني دينك، فنزلت الآية، وقال ابن عباس وعطاء وقتادة، وقيل : إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري. والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية. وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم. والحماسة الشدة. قال العجاج : وكم قطعنا من قفاف حمس أي شداد. ثم اختلفوا في تأويلها، فقيل ما ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل : إنه النسيء وتأخير الحج به، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. وسيأتي بيان النسيء في سورة [براءة] إن شاء الله تعالى. وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسألوا العلماء، فهذا كما تقول : أتيت هذا الأمر من بابه. وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري، والماوردي عن ابن زيد أن الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر. وسمي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ابن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام. وقال الحسن : كانوا يتطيرون، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة، فقيل لهم : ليس في التطير بر، بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه. قلت : القول الأول أصح هذه الأقوال، لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} وهذا نص في البيوت حقيقة. خرجه البخاري ومسلم. وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمله. وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه. قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرئ بضم الباء وكسرها. وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل، فلا معنى للإعادة. الثانية عشرة: في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. قال ابن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر حديث ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقالوا : هو أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه). فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن.

الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة "البقرة", وهي سورة مدنية, وآياتها مائتان وست وثمانون (286) بعد البسملة, وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق, وتأتي بعد فاتحة الكتاب مباشرة. وقد سميت السورة الكريمة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى معجزة حسية أجراها الله- تعالى- على يدي عبده ونبيه موسى- على نبينا وعليه من الله السلام- حين تعرض شخص من قومه للقتل , ولم يُعرف قاتله , فأوحى الله- سبحانه وتعالى- إلى عبده موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة , وأن يضربوا جثة الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله , ويخبر عن قاتله ثم يموت , وذلك إحقاقاً للحق , وشهادة لله- تعالى- بالقدرة على إحياء الموتى .

    هذا , وقد سبق لنا استعراض سورة "البقرة" , وما جاء فيها من تشريع , ومن ركائز العقيدة , ومن دعوة إلى الالتزام بمكارم الأخلاق , وقصص , وإشارات كونية , ونركز هنا على أوجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد على أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض , والإعجاز التشريعي في فريضة الحج.

أولاً: من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في اختيار الأهلّة مواقيت للناس:

     القمر هو أقرب أجرام السماء إلى الأرض، إذ يدور حولها في فلك شبه دائري يبلغ طوله حوالي (2.4) مليون كم , ويبلغ متوسط نصف قطره (أي بعده عن مركز الأرض) (384.400) كم , ومن هنا فإن حركته بالنسبة لأهل الأرض هي أكثر الحركات الفلكية انضباطاً. ففي أثناء هذه الدورة يقع القمر في وضع وسطي بين كل من الأرض والشمس وعلى استقامة واحدة مع مراكز هذه الأجرام الثلاثة , وبذلك يواجه القمر الأرض بوجه مظلم تماماً, وتسمى هذه المرحلة باسم (مرحلة الاقتران) , أو (المحاق) , وتستغرق هذه المرحلة ليلة واحدة أو ليلتين , ثم يتحرك القمر ليخرج عن الاستقامة الواصلة بين مراكز هذه الأجرام الثلاثة فيولد (الهلال) الذي تحدد رؤيته عقب غروب الشمس ( لمدة لا تقل عن عشر دقائق) بداية الشهر القمري الجديد. وباستمرار تحرك القمر في دورته حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض بالتدريج حتى يصل إلى (التربيع الأول) في ليلة السابع من الشهر القمري, ثم إلى (الأحدب الأول) في ليلة الحادي عشر, ثم إلى (البدر الكامل) في ليلة الرابع عشر, وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة, والقمر من الجهة الأخرى.

وبمزيد من تحرك القمر حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض تتناقص بالتدريج حتى يتحول البدر إلى (الأحدب الثاني) في حدود ليلة الثامن عشر , ثم إلى (التربيع الثاني) في ليلة الثالث والعشرين , ثم إلى (الهلال المتناقص) في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري , ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتى يصل إلى مرحلة (المحاق) في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلى وضع الاقتران .

ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي (12) درجة من درجات دائرة البروج (360 درجة ÷ 29.5 يوماً – 12.2 درجة ), فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج , وهذه المنازل هي ثمانية وعشرون منزلاً, بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر , وتعرف باسم ( منازل القمر).

ولما كان القمر يجري مع الأرض حول الشمس ليتم دورته الشمسية السنوية فإنه يمر عبر البروج السماوية الإثني عشر التي تقع فيها الشمس في كل شهر من شهور السنة الشمسية . وعلى ذلك فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج .

وفي الحضارات القديمة عرف الناس دورة القمر من المحاق إلى المحاق , أو من الهلال الوليد إلى الهلال المتناقص , كما عرفوا منازل القمر الثمانية والعشرين , واستخدموا ذلك في تحديد الزمن , وفي التأريخ للأحداث , ويبدو أن ذلك من بقايا الحقب القديمة .

من هنا يأتي وجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد على أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض بدقة فائقة , أما الزمن المطلق فلا يعلمه إلا الله- تعالى- وعلى ذلك فإن سنة المسلمين هي سنة قمرية / شمسية , يحدد الشهر فيها دورة كاملة للقمر حول الأرض , ويحدد السنة فيها دورة كاملة لكل من الأرض والقمر حول الشمس . والفارق الزمني بين الإثني عشر شهراً قمرياً, والدورة الكاملة للأرض والقمر حول الشمس هي في حدود (11 يوماً), وذلك يحرك عبادة المسلم عبر الفصول المناخية رحمة بالناس , وإشعاراً لهم بحركة الزمن , ولذلك قال- تعالى- موجّهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه وسلم- ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...*).

 و(الأهلة) جمع (هلال), وهو تعبير عن مراحل القمر من الهلال الوليد إلى البدر الكامل ومنه إلى الهلال المتناقص حتى المحاق .

ومن أسباب نزول هذه الآية الكريمة أن كلاًّ من معاذ بن جبل وثعلبة بن عثمة- رضي الله عنهما- قالا : يا رسول الله ! ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط, ثم يزيد حتى يعظم ويستوي , ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان , لا يكون على حال واحد ؟ فنزلت هذه الآية الكريمة توضح لهم أن الأهلة هي أفضل وسيلة لتحديد الزمن لأهل الأرض وتحديد الأوقات المضروبة لعباداتهم من مثل أوقات صومهم وفطرهم, وأداء زكاتهم, وحجّهم, وأوقات معاملاتهم من مثل حساب عدة نسائهم, وأوقات حلول ديونهم, وأزمنة وفاء شروطهم المؤجلة, وغير ذلك من أمور دينهم ودنياهم.

ثانياً: من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الحج:

الحج يعني قصد المسلم مكة المكرمة مُحرماً من الميقات المحدد في أشهر الحج, والوقوف بعرفة, وما يتبع ذلك من مناسك, يؤديها المسلم البالغ العاقل, الحر, المستطيع (ذكراً كان أو أنثى) ولو لمرة واحدة في العمر, وذلك طاعةً لله- تعالى- واستجابة لأوامره , وطلباً لمرضاته. والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة, وهو فرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة , وهو حق لله- تعالى- على المستطيعين من عباده لقوله- جل في علاه-:  (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97).

والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين وذلك لما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سئل " أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله, قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم جهاد في سبيل الله , قيل : ثم ماذا ؟ قال: ثم حجٌّ مبرور " (والحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم) (البخاري ومسلم).

وأصل العبادة الخضوع لأوامر الله- تعالى- بالطاعة, ومن هنا فإن العبادة لا تحتاج إلى تبرير, ولكن إذا عُرفت الحكمة من وراء أداء العبادة فإن مؤديّها يتمكن من إتقان أدائها بطريقة أفضل, ويسلك في أدائها سلوكاً أنبل وأجمل, ويكون أجره على أدائها أوفى وأكمل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 187 - 189


سورة البقرة الايات 189 - 191

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الأهلة جمع هلال، وسمى هلالاً لأن الإنسان ساعة يراه يهل، أي يرفع صوته بالتهليل، ويجيب الحق سبحانه وتعالى الجواب الذي يحمل كل التفاصيل عن القمر، وهو الكوكب الذي خضع لنشاطات العقل حتى يكتشفه، والعرب القدامى لم يكونوا يعلمون شيئاً عن ذلك القمر، ولكنهم كانوا يؤرخون به، وعلمهم به لم يزد على حدود انتفاعهم به. ولم يصلوا إلى الترف العقلي الذي يتأملون به آيات الله في الكون، فكل آيات الكون يُنتفع بها ثم ينشط العقل بعد ذلك، فنعرف السبب، وقد لا ينشط العقل فتظل الفائدة هي الفائدة.

وأراد الحق سبحانه أن يلفتنا لمبدأ هام، وهو أن يعلمنا كيف نستفيد من الآيات الكونية مثل القمر، لا يكفي ظهوره واختفاؤه، وتغير حجمه، لأن هذه لن يتسع لها العقل، بل نستفيد منه كميقات، ونستخدمه لقياس الزمن. فإذا كنا ونحن نعيش في القرن العشرين، لم يعرف العلماء سبباً لظواهر القمر، فكيف كان حال الذين سألوا عنها منذ أربعة عشر قرناً؟

قال العلماء المعاصرون في تفسيراتهم مثلاً: إن الشمس مثل حجم الأرض مليونا وربع مليون مرة، والقمر أصغر من الأرض، وعندما تأتي الأرض بين الشمس والقمر برغم حجم الشمس الهائل فإن الأرض تحجب جزءاً من القمر، هذا الجزء المحجوب بقدر تدوير القوس المحجوب من الأرض ويصبح هذا الجزء من القمر مظلماً.

إن القمر وجوده ثابت لكن الأرض عندما توجد بينه وبين الشمس فهي التي تحجب عنه ضوء الشمس، ويكبر حجم نوره كلما تزحزحت الأرض بعيداً عنه. وعندما تنزاح الأرض بعيداً عنه كلية يظهر في السماء بدراً كاملاً، ثم تعود الأرض بعد ذلك لتحجب عنه جزءاً من الشمس، ويزداد ذلك يوماً بعد يوم، فينقص ضوء الشمس المنعكس عليه تبعاً لذلك، فيقل تدريجياً حتى تأتي الأرض بينه وبين الشمس فلا يظهر منه شيء.

ونقول نحن: إننا عندما لا نرى القمر لا في الليل ولا في النهار برغم أنه موجود في مكانه، نقول: إنه مستور في ظل الأرض، لذلك لا نراه. وهذه الظاهرة لا تحدث للشمس لأن جرم الشمس كبير جداً. وعندما يحدث فإن الأثر يكون قليلا، ويسمى بالكسوف.

وعندما التفت العرب للكون قالوا: ما بال الهلال يصبح هكذا ثم يكبر حتى يصير بدراً، فقال الحق عز وجل: { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ } إنهم هم يسألون عن الأهلة ودورتها، فقطع الله عليهم خيط تفكيرهم وأعطاهم الخلاصة والنتيجة، فقال: { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ }. إن هذا الأمر هو الذي يستطيع العقل في ذلك الزمان أن يعرفه، أما ما وراء ذلك فانتظروا حتى يكشف الزمن عنه، وجهلكم به لا يقلل من نفعكم.

لقد كانت كل إجابة لأي سؤال في ذلك الزمان تحتوي على ما يتسع العقل لإدراكه ساعة التشريع، أما بقية الإجابة فالحق يتركها للزمن.ولا يعطينا إلا ما يفيد التشريع، مثال ذلك: كانوا قديما يقولون: الأرض كرة وأثبت لنا العلم أنها كذلك، ورأيناها بالأقمار الصناعية وانتهت القضية.

وعندما سأل العرب عن الأهلة أخبرنا الحق بأنها مواقيت، والمواقيت جمع ميقات، والميقات من الوقت، والوقت هو الزمن، ونعرف أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى زمن وإلى مكان. إذن فالزمان والمكان مرتبطان بالحدث فلا يوجد زمان ولا مكان إلا إذا وجد حدث.

والذي يقول: كيف كان الزمن قبل أن يخلق الله الخلق؟. نقول له: الزمن وُجد للحادث وهو المخلوقات والله قديم، وما دام الله قديما وليس حادثا فلا زمان ولا مكان، لا تقل متى ولا أين؛ لأن متى وأين مخلوقة. وكيف نعرف الوقت؟ نحن نعرف الوقت بأنه مقدار من الزمن، لمقدار من الحركة ولمقدار من الفعل.

وأين المكان في هذا التعريف؟ إن الزمان يتحكم أحياناً في المكان، فيقول الزمان هو الأصل، والمكان طارئ عليه، ومرة أخرى يكون المكان هو الأصل، والزمان هو الطارئ عليه، ومرة ثالثة يتلازم الاثنان الزمان والمكان.

ونحن في مصر إذا أردنا الحج فإننا نبدأ الإحرام عند رابغ، ونُسمي رابغ ميقات أهل مصر أي هي المكان الذي لا يتجاوزه من مر عليه إلا وهو محرم.

إذن فالميقات قد أطلق على مكان هو رابغ، ومن فور وصول الإنسان المصري إلى رابغ بغية الحج يحرم، سواء كان الوقت صباحاً أو ظهراً أو عصراً أو مغرباً.

ولكن عندما نبدأ في الصوم فإن الزمن يصبح هو الأصل في صومك في أي مكان تذهب إليه، إن الزمان هو الذي يحدد مواعيد الصوم: في طنطا أو لندن أو في طوكيو، وهكذا نعرف كيف يكون الزمن ميقاتاً.

إذن فمرة يكون الزمن هو المتحكم في الميقات والمكان طارئ عليه، ومرة يكون المكان هو الذي يتحكم في الميقات، والزمن طارئ عليه، ومرة يتحكم الزمان والمكان معاً في الفعل مثل يوم عرفة.

وهكذا نعرف معنى { مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } ، فنحن بالهلال نعرف بدء شهر رمضان، ونعرف به عيد الفطر، وكذلك موسم الحج وعدة المرأة، والأشهر الحرم، إن كل هذه الأمور إنما نعرفها بالمواقيت. وشاء الحق أن يجعل الهلال هو أسلوب تعريفنا تلك الأمور وجعل الشمس لتدلنا على اليوم فقط، وإن كان لها عمل آخر في البروج التي يتعلق بها حالة الطقس والجو، والزراعة، ولذلك قال:
{  هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً }
[يونس: 5]

وانظر إلى الدقة في الأداء وكيف يشرح الحق للإنسان ماهية النور، وماهية الضوء. إن الشمس مضيئة بذاتها، أما القمر فهو منير؛ لأن ضوءه من غيره؛ فهو مثل قطعة الحجر اللامعة التي تنعكس عليها أشعة الشمس فتعطينا نوراً.إن القمر منير بضوء غيره، ولذلك يقول الحق في آية أخرى:
{  وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً }
[الفرقان: 61]

والسراج في هذه الآية هو الشمس التي فيها حرارة، وجعلها الحق ذات بروج، أما القمر فله منازل وهو منير بضوء غيره؛ وفي ذلك يقول الحق:
{  هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ }
[يونس: 5]

إذن، فعدد السنين وحسابها يأتي من القمر، وفي زماننا إذا أرادوا أن يضبطوا المعايير الزمنية فهم يقيمونها بحساب القمر؛ فقد وجدوا أن الحساب بالقمر أضبط من الحساب بالشمس؛ فالحساب بالشمس يختل يوماً كل عدد من السنين.

ولنفهم الفرق بين منازل القمر وبروج الشمس. إن البروج هي أسماء من اللغة السريانية، وهو: برج الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والعذراء، والأسد، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وعددها اثنا عشر برجا هذه هي أبراج الشمس، ويتعلق بها مواعيد الزرع والطقس والجو، ويحب أن نفهم أن لله في البروج أسراراً، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جعلها قسماً حين يقول: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }.

ولذلك تجد أن التوقيت في الشمس لا يختلف؛ فالشهور التي تأتي في البرد، والتي تأتي في الحر هي هي، وكذلك التي تأتي في الخريف، والربيع، وبين السنة الشمسية والسنة القمرية أحد عشر يوما، والسنة القمرية هي التي تستخدم في التحديد التاريخي للشهور العربية ونعرف بداية كل شهر بالهلال:
{  إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً }
[التوبة: 36]

ولذلك كانت تكاليف العبادة محسوبة بالقمر حتى تسيح المنازل القمرية في البروج الشمسية، فيأتي التكليف في كل جو وطقس من أجواء السنة، فلا تصوم رمضان في صيف دائم، ولا في شتاء دائم، ولكن يُقَلِّبُ الله مواعيد العبادات على سائر أيام السنة، والذين يعيشون في المناطق الباردة مثلاً لو كان الحج ثابتا في موسم الصيف لما استطاعوا أن يؤدوا الفريضة، ولكن يدور موسم الحج في سائر الشهور فعندما يأتي الحج في الشتاء ييسر لهم مهمة أداء الفريضة في مناخ قريب من مناخ بلادهم.

وهكذا نجد أن حكمة الله اقتضت أن تدور مواقيت العبادات على سائر أيام السنة حتى يستطيع كل الناس حسب ظروفهم المناخية أن يؤدوا العبادات بلا مشقة. إذن فالمنازل شائعة في البروج، وهذا سبب قول بعض العلماء: إن ليلة القدر تمر دائرة في كل ليالي السنة، وذلك حسب سياحة المنازل في البروج.

إذن فهناك بروج للشمس، ومنازل للقمر، ومواقع للنجوم، ومواقع النجوم التي يقسم بها الله سبحانه في قوله:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 75-76]

ولعل وقتا يأتي يكشف الله فيها للبشرية أثر مواقع النجوم على حياة الخلق وذلك عندما تتهيأ النفوس لذلك وتقدر العقول على استيعابه.إذن كل شيء في الكون له نظام: للشمس بروج، وللقمر منازل، وللنجوم مواقع. وكل أسرار الكون ونواميسه ونظامه في هذه المخلوقات، وقد أعطانا الله من أسرار الأهلة أنها مواقيت للناس والحج. وعندما تكلم سبحانه عن الحج أراد أن يعطينا حكماً متعلقاً به؛ فقد كانت هناك قبائل من العرب تعرف بالحمس، هؤلاء الحمس كانوا متشددين في دينهم ومتحمسين له، ومنهم كانت قريش، وكنانة، وخثعم، وجشم، وبنو صعصاع بن عامر. وكان إذا حج الفرد من هؤلاء لا يدخل بيته من الباب لأنه أشعث أغبر من أداء مناسك الحج. ويحاول أن يدخل بيته على غير عادته، لذلك كان يدخل من ظهر البيت، وكان ذلك تشدداً منهم، لم يرد الله أن يُشرَعه. حتى لا يطلع على شيء يكرهه في زوجه أو أهله. وأراد سبحانه عندما ذكر مناسك الحج في القرآن أن ينقي المناسك من هذه العادة المألوفة عند العرب فقال: { وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لا تجعلوا المسائل شكلية، فنحن نريد أصل البر وهو الشيء الحسن النافع.

والملاحظ أن كلمة " البر " في هذه الآية جاءت مرفوعة، لأن موقعها من الإعراب هو " اسم ليس " وهي تختلف عن كلمة " البر " التي جاءت من قبل في قوله تعالى: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِب } التي جاءت منصوبة؛ لأن موقعها من الإعراب هو " خبر مقدم لليس ". حاول المستشرقون أن يأخذوا هذا الاختلاف في الرفع والنصب على القرآن الكريم. ونقول لهم: أنتم قليلو الفطنة والمعرفة باللغة العربية، فماذا نفعل لكم؟. يصح أن نجعل الخبر مبتدأ فنقول: " زيد مجتهد " ، هذا إذا كنا نعلم زيداً ونجهل صفته، فجعلنا زيداً مبتدأ، ومجتهداً خبراً. لكن إذا كنا نعرف إنسانا مجتهداً ولا نعرف من هو؛ فإننا نقول: " المجتهد زيد ".

إذن فمرة يكون الاسم معروفاً لك فتلحق به الوصف، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف. وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة " البر " في كل من الآيتين. ونقول للمستشرقين: إن لكل كلمة في القرآن ترتيباً ومعنى، فلا تتناولوا القرآن بالجهل، ثم تثيروا الإشكالات التي لا تقلل من قيمة الكتاب ولكنها تكشف جهلكم.

ثم ما هو " البر "؟ قلنا: إن البر هو الشيء الحسن النافع. ولو ترك الله لنا تحديد " البر " لاختلفت قدرة كل منا على فهم الحسن والنافع باختلاف عقولنا؛ فأنت ترى هذا " حسناً "؛ وذاك يرى شيئا آخر، وثالث يرى عكس ما تراه، لذلك يخلع الله يدنا من بيان معنى البر، ويحدد لنا سبحانه مواصفات الحسن النافع، فما من واحد ينحرف ويميل إلى شيء إلا وهو يعتقد أنه هو الحسن النافع، ولذلك يقول الحق: { وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }.إن هذا يدلنا على أن كل غاية لها طريق يوصل إليها، فاذهب إلى الغاية من الطريق الذي يوصل إليها. ويتبع الحق قوله عن البر: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. لا تزال كلمة التقوى هي الشائعة في هذه السورة، وكل حكم يعقبه السبب من تشريعه وهو التقوى.

ونعرف أن معنى التقوى هو أن تتقي معضلات الحياة، ومشكلاتها بأن تلتزم منهج الله. وساعة ترى منهج الله وتطبقه فأنت اتقيت المشكلات، أما من يعرض عن تقوى الله فإن الحق يقول عن مصيره:
{  فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }
[طه: 124]

ولا يظن أحد أن التقوى هي اتقاء النار، لا، إنها أعم من ذلك، إنها اتقاء المشكلات والمخاطر التي تنشأ من مخالفة منهج الله. وليعلم الإنسان أن كل مخالفة منهج الله. وليعلم الإنسان أن كل مخالفة ارتكبها لابد أن يمر عليها يوم تُرتكب فيه هذه المخالفة كما ارتكبها في غيره، فمن لا يحب أن تُجرى فيه المخالفات فعليه ألا يرتكب المخالفات في غيره.

وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضية أخرى، وهذه القضية الأخرى هي التي تميز الأمة الإسلامية بخصوصية فريدة؛ لأنه سبحانه قد أوجد وفطر هذه الأمة على منهاج قويم لم تظفر به أمة من قبل، وهذه الخصوصية هي أن الله قد أمن أمة محمد على أن تؤدب الخارجين على منهج الله؛ فقديماً كانت السماء هي التي تُؤدب هؤلاء الخارجين عن المنهج. كان الرسول يشرح ويبلغ المنهج، فإن خالفه الناس تتدخل السماء وتعاقبهم، إما بصاعقة، وإما بعذاب، وإما بفيضان، وإما بأي وسيلة. ولم يكن الرسل مكلفين بحمل وقسر الناس على المنهج. وحين سأل بنو إسرائيل ربهم أن يقاتلوا، لم يكن قتالهم من أجل الدين مصداقاً للآية الكريمة:
{  قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا }
[البقرة: 246]

علة القتال ـ إذن ـ أنهم أُخرجوا من بيوتهم وأُجبروا على ترك أولادهم، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة، وإنما لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم.

أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي التي أمنها الله على أن يكون في يدها الميزان، وليس هذا الميزان ميزان تسلط، وإنما هو ميزان يحمي كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره بالعقل الذي خلقه الله، فلا إكراه في الإيمان بالله. وقد شرع الله القتال لأمة محمد لا ليفرض به دينا، ولكن ليحمي اختيارك في أن تختار الدين الذي ترتضيه. وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حراً مختاراً في أن تقبل التكليف.

ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول لهم: إن حججهم ساقطة واهية، وكذلك قولهم: إن الإسلام عندما يفرض الجزية فكأنه جاء لجباية الأموال، نقول لهؤلاء: جزية على مَنْ؟ جزية على غير المؤمن، ومادام قد فُرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير مؤمن، لو كان الإسلام يُكره الناس على اعتناقه لما كان هناك مَنْ نأخذ عليه جزية.إذن فالإسلام لم يُكرهه، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه حتى لا يُكرهه أحد على ترك دينه، وهو حر بعد ذلك في أن يسلم أو لا يسلم. وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه؛ فسهامهم قد ارتدت إليهم.

وهنا تساؤل قد يثور: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين؟ نقول: إن حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم، وجاء الإسلام ليقول لهؤلاء: ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحراراً في أن يختاروا الدين المناسب. ولماذا تركهم الإسلام أحراراً؟ لأنه واثق أن الإنسان مادام على حريته في أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحاً في الإسلام. ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى:
{  لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ.. }
[البقرة: 256]

لا يفطنون إلى أن العلة واضحة في قوله ـ سبحانه ـ من الآية نفسها { قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ }. إذن فالمسألة واضحة لماذا نُكره الناس وقد وضح أمامهم الحق والباطل؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس؛ فأنت تستطيع أن تُكره القالب، لكن لا تستطيع أن تُكره القلب. ونحن نريد أن ينبع الإيمان من القلب، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 3-4]

إن الله لا يريد أعناقاً، لو كان يريد أعناقاً لما استطاع أحد أن يخرج عن قدره ـ سبحانه ـ من يُريد الله أن يبتليه بمرض أو موت فلن ينجو من قدره. إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب. فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس. ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر؛ إنهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبيّن لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم.

ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعاً، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار. والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما يتحدث عن القتال وتشريع القتال، الأمر الذي اختص به الحق أمة الإسلام. وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاماً، ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة.وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال؛ لأن الحق أراد أولاً أن يلتفت المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة، ويروا فيهم أسوة حسنة، لذلك قال الحق:
{  فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ }
[البقرة: 109]

وقال سبحانه أيضاً:
{  وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ }
[الأحزاب: 48]

لماذا كل هذا التدرج؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية، فسيضم البيت الواحد كافراً بالله ومؤمناً بالله، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار في كل بيت معركة.

ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها كثير من خفة وطيش وسفه؛ وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب؛ فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر عند الحفيظة والغضب:
قـوم إذا الشـر أبـدى ـ ناجـذيـه لـهـم ـ   طـاروا إلـيـه زرافـات ووحـدانـا
والثاني يقول:
لا يسـألـون أخـاهـم حـين يندبهـم   في النـائبـات عـلى مـا قـال بـرهـانا
أي أنهم لا يسألون أخاهم: " لماذا نحارب؟ " ، وإنما يحاربون بلا سبب ولأي سبب، فالحمية الرعناء تدفعهم للقتال بلا سبب. وفي مقابل ذلك كانت عندهم نخوة للحق، فعندما يرون شخصا قد ظلمه غيره؛ تأخذهم النخوة، ويأخذون على يد الظالم، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يهيج فيهم النخوة حين يرون الضعاف من المسلمين مستضعفين، وقد عزلهم بعض من القوم في شعب أبي طالب وجوعوهم وقاطعوهم حتى اجتمع الخمسة العظام في مكة وقالوا: " كيف نقبل أن نأكل ونشرب ونأتي نساءنا وبنو هاشم وبنو المطلب محصورون في الشعب لا يأكلون ولا يشربون ولا يتبايعون ".

لقد كانوا كفاراً، وبرغم ذلك وقفوا موقفاً عظيماً وقالوا: هاتوا الصحيفة التي تعاهدنا فيها على أن نقاطع بني هاشم وبني المطلب ونقطعها؛ واتفقوا على ذلك. وكانوا خمسة من سادات مكة هم: هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، وأبو البحتري بن هاشم، وزمعة ابن الأسود، والمطعم بن عدي. وكانوا قادة النخوة التي أنهت مقاطعة المسلمين. هكذا نرى أن العرب كانوا يتسمون بالحمية الرعناء وتقابلها النخوة في الحق.

ويعلم الحق سبحانه وتعالى أن نقل أمة العرب مما اعتادته ليس أمراً سهلاً، لذلك أخذهم برفق الهَوَادة. والذين يقولون: لماذا لم يحارب المسلمون أعداءهم من أول وهلة ولماذا لم يقتلوا صناديد الكفر في مكة؟

نقول لهم: إن كثيراً من الذين كنتم ترون قتالهم في بداية الدعوة الإسلامية هم الذين نشروا راية الإسلام من بعد ذلك، ومثال ذلك خالد بن الوليد، الذي كان قائداً مغواراً في صفوف المشركين، وقاتل المسلمين في أول حياته، ثم هداه الله للإسلام وأصبح سيف الله المسلول، ماذا لو قتل هذا القائد الفذ على أيدي المسلمين؟ كان مثل هذا الفعل سيتسبب في حرمان المسلمين من موهبته، تلك الموهبة التي أسهمت في معظم الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق.إذن شاءت حكمة الله أن يستبقي أمثال خالد وهم خصوم للإسلام في بدء الدعوة لأن الله قد أعد لهم دوراً يخدمون به الإسلام. والذين نالوا من الإسلام أولا هم الذين ستبقى عندهم الحرارة حتى يعملوا عملاً يغفر الله لهم به ما قد سبق.

انظر إلى عكرمة بن أبي جهل كان شوكة في ظهر المسلمين في بداية الدعوة، ثم أسلم وأبلى بلاء حسناً، ولما أصيب في موقعة اليرموك وأوشكت روحه أن تصعد إلى خالقها نظر إلى قائده خالد بن الوليد وقال: أهذه ميتة تُرضى عني رسول الله؟. كأنه كان يعلم أن رسول الله كان قد غضب عليه قبل أن يسلم.

وعمرو بن العاص داهية المسلمين الذي لولاه ما فُتحت مصر. فقد كسب بدهائه أهل مصر فامتنعوا عن قتاله، وناظرهم بعد ذلك حتى استل حقدهم على المسلمين، وأبان لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موصياتهم " استوصوا بالقبطيين خير لأن لهم رحما وذمة " وفوق هذا فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض العرب يستقرهم إلى الإسلام.

إذن فمن رحمة الله أنه لم يشأ تشريع القتال من البداية، وإلا لكنا فقدنا كثيراً من قادة الإسلام العظام الذين حملوا لواء الدعوة الإسلامية فيما بعد، وكل إنسان استقاه الإسلام وهو خصم وعدو للإسلام، قدر الله له بعد الإسلام دورا يخدم به الدين الخاتم.

ومن هنا نفهم الحكمة من تأخير القتال في الإسلام، لأن الله أراد أن يمحص ويختبر، وألا يدخل هذا الدين إلا من يتحمل متاعب هذا الدين، ومشاقه لأنه سيكون مأموناً على مجد أمة، وعلى منهج سماء، وتلك أمور لا يصلح لها أي واحد من الناس.

وقد كان من الممكن أن ينصر الله دينه من أول وهلة دون تدخل من المسلمين، وكان معنى ذلك أن الناس سيتساوون في الإيمان أولهم وآخرهم، ولكن شاءت إرادته سبحانه وتعالى أن يجعل لهذا الدين رجالاً يفدونه بأرواحهم وأموالهم لينالوا الشهادة ويرتفعوا إلى مصاف النبيين. لذلك جاء الأمر بالقتال متأخراً وبالتدريج؛ لقد جاء الأمر بالقتال في أول مرحلة بقول الله تعالى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ... }


www.alro7.net