سورة
اية:

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ...} الآية. [188].
أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا أبو الهيثم المَرْوزِي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر قال: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْرِي.
أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يُحْمَدُوا بما لم يفعلوا؛ فنزلت: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الآية. رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن ابن أبي مريم.
أخبرنا أبو عبد الرحمن الشَّاذياخي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدَّغُولي، أخبرنا محمد بن جهم، أخبرنا جعفر بن عَوْن، حدَّثنا هشام بن سعيد، قال: حدَّثنا زيد بن أَسْلم:
أن مَرْوَان بن الحكم كان يوماً وهو أمير على المدينة عنده أبو سعيد الخُدْرِي، وزيد بن ثابت، ورافع بن خُدَيْجٍ؛ فقال مروان: يا أبا سعيد، أرأيت قوله تعالى: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} والله إنا لنفرح بما أتينا، ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: ليس هذا في هذا، إنما كان رجال في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتخلفون عنه وعن أصحابه في المغازي، فإذا كانت فيهم النكبة وما يكرهون فرحوا بتخلفهم، فإذا كان فيهم ما يحبون حلفوا لهم، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، أخبرنا أبو حامد بن الشرقيّ، قال: حدَّثنا أبو الأزهر، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لرافع بوابه: اذهب إلى ابن عباس: وقل له: لئن كان [كل] امرئ منا فرح بما أتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل عذِّب - لنعذبن أجمعين. فقال ابن عباس: مالكم ولهذا؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم، اليهود فسألهم عن شيء، فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتوا من كتمانهم إِياه. ثم قرأ ابن عباس: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى عن هشام، ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن حجاج؛ كلاهما عن ابن جُرَيج.
وقال الضحاك: كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومَنْ بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها: أن محمداً ليس نبي الله، فاثبتوا على دينكم، وأجمعوا كلمتكم على ذلك. فأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن. ففرحوا بذلك. وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا، ولم نتفرق، ولم نترك ديننا؛ وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله. وذلك قول الله تعالى: { يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} بما فعلوا { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

تفسير بن كثير

هذا توبيخ من اللّه وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ اللّه عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله اللّه تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئس الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) وقوله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : (من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده اللّه إلى قلة} وفي الصحيحين أيضاً: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) وقد روي أن مروان قال لبوابة: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعين!! فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، وإنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: { وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية، وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى اللّه عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه ""رواه أحمد وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي""وفي رواية عن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإذا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزل: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية ""أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري"" وقد روى ابن مردويه عن محمد بن ثابت الأنصاري أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول اللّه والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: لّم؟ قال: نهى اللّه المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى اللّه عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهى اللّه أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة) فقال: بلى، يا رسول اللّه، فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب. وقوله تعالى: { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} أي لا تحسب أنهم ناجون من العذاب، بل لا بد لهم منه، ولهذا قال تعالى: { ولهم عذاب أليم} ، ثم قال تعالى: { وللّه ملك السموات والأرض، واللّه على كل شي قدير} أي هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه.

تفسير الجلالين

{ لا تحسبن } بالتاء والياء { الذين يفرحون بما أتوا } فعلوا من إضلال الناس { ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا } من التمسك بالحق وهم على ضلال { فلا تحسبنهم } في الوجهين تأكيد { بمفازة } بمكان ينجون فيه { من العذاب } في الآخرة بل هم في مكان يعذَّبون فيه وهو جهنم { ولهم عذاب أليم } مؤلم فيها، ومفعولا يحسب الاولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق كَانُوا يَقْعُدُونَ خِلَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا الْعَدُوّ , فَإِذَا اِنْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6643 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر وَابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَا : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير , قَالَ : ثني زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْو تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه , وَإِذَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السَّفَر اِعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة . 6644 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَدْ خَرَجْت لَخَرَجْنَا مَعَك , فَإِذَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَلَّفُوا وَكَذَبُوا , وَيَفْرَحُونَ بِذَلِكَ , وَيَرَوْنَ أَنَّهَا حِيلَة اِحْتَالُوا بِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ أَحْبَار الْيَهُود كَانُوا يَفْرَحُونَ بِإِضْلَالِهِمْ النَّاس , وَنِسْبَة النَّاس إِيَّاهُمْ إِلَى الْعِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6645 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } إِلَى قَوْله { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي : فِنْحَاصًا وأشيع وَأَشْبَاههمَا مِنْ الْأَحْبَار الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنْ الضَّلَالَة { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } أَنْ يَقُول لَهُمْ النَّاس عُلَمَاء وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْم , لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا خَيْر , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُول لَهُمْ النَّاس : قَدْ فَعَلُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْم , لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْيَهُود فَرِحُوا بِاجْتِمَاع كَلِمَتهمْ عَلَى تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِأَنْ يُقَال لَهُمْ أَهْل صَلَاة وَصِيَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6646 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } فَإِنَّهُمْ فَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا : قَدْ جَمَعَ اللَّه كَلِمَتنَا , وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنَّا أَحَدًا أَنَّهُ نَبِيّ , وَقَالُوا : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , وَنَحْنُ أَهْل الصَّلَاة وَالصِّيَام . وَكَذَبُوا , بَلْ هُمْ أَهْل كُفْر وَشِرْك وَافْتِرَاء عَلَى اللَّه , قَالَ اللَّه : { يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود أَمَرَ بَعْضكُمْ بَعْضًا , فَكَتَبَ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض أَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ , فَأَجْمِعُوا كَلِمَتكُمْ , وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ وَكِتَابكُمْ الَّذِي مَعَكُمْ . فَفَعَلُوا وَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَفَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَتَمُوا اِسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَفَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6648 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَتَمُوا اِسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِين اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , وَكَانُوا يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ , فَيَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْل الصِّيَام وَأَهْل الصَّلَاة وَأَهْل الزَّكَاة , وَنَحْنُ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } مِنْ كِتْمَان مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } أَحَبُّوا أَنْ تَحْمَدهُمْ الْعَرَب بِمَا يُزَكُّونَ بِهِ أَنْفُسهمْ , وَلَيْسُوا كَذَلِكَ . 6649 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي الْجَحَّاف , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , قَالَ : سَأَلَ الْحَجَّاج جُلَسَاءَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : بِكِتْمَانِهِمْ مُحَمَّدًا , { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : هُوَ قَوْلهمْ : نَحْنُ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . 6650 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } هُمْ أَهْل الْكِتَاب أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَاب , فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الْحَقّ , وَحَرَّفُوا الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه , وَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَرِحُوا بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه , وَيَصُومُونَ , وَيُصَلُّونَ , وَيُطِيعُونَ اللَّه ; فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم , فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا مِنْ تَبْدِيلهمْ كِتَاب اللَّه , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس عَلَى ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6651 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } قَالَ : يَهُود , فَرِحُوا بِإِعْجَابِ النَّاس بِتَبْدِيلِهِمْ الْكِتَاب وَحَمْدهمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ , وَلَا تَمْلِك يَهُود ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمْ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّه تَعَالَى آل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6652 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : الْيَهُود يَفْرَحُونَ بِمَا آتَى اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا وَهْب بْن جَرِير , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى الْعَطَّار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : هُمْ الْيَهُود , فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّه تَعَالَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْيَهُود سَأَلَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء , فَكَتَمُوهُ , فَفَرِحُوا بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6653 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّ عَلْقَمَة بْن أَبِي وَقَّاص أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَان قَالَ لِرَافِعٍ : اِذْهَبْ يَا رَافِع إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْ لَهُ : لَئِنْ كَانَ كُلّ اِمْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَد بِمَا لَمْ يَفْعَل مُعَذَّبًا , لَيُعَذِّبَنَا اللَّه أَجْمَعِينَ ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُود , فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْء فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ , فَأَرَوْهُ أَنْ قَدْ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ مِمَّا سَأَلَهُمْ , وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ إِيَّاهُ . ثُمَّ قَالَ : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , أَنَّ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَان بْن الْحَكَم قَالَ لِبَوَّابِهِ : يَا رَافِع اِذْهَبْ إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقُلْ لَهُ : لَئِنْ كَانَ كُلّ اِمْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَد بِمَا لَمْ يَفْعَل مُعَذَّبًا , لَنُعَذَّبَنَّ جَمِيعًا فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَة ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب . ثُمَّ تَلَا اِبْن عَبَّاس : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } إِلَى قَوْله : { أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ اِبْن عَبَّاس : سَأَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ , وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ , فَخَرَجُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا قَدْ سَأَلَهُمْ عَنْهُ , فَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ , وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ يَهُود أَظْهَرُوا النِّفَاق لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحَبَّة مِنْهُمْ لِلْحَمْدِ , وَاَللَّه عَالِم مِنْهُمْ خِلَاف ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6654 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود يَهُود خَيْبَر أَتَوْا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ رَاضُونَ بِاَلَّذِي جَاءَ بِهِ , وَأَنَّهُمْ مُتَابِعُوهُ وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ , وَأَرَادُوا أَنْ يَحْمَدهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : إِنَّ أَهْل خَيْبَر أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَقَالُوا : إِنَّا عَلَى رَأْيكُمْ وَهَيْئَتكُمْ , وَإِنَّا لَكُمْ رِدْء , فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه , فَقَالَ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَتَيْنِ . 6655 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَبْد اللَّه , فَقَالَ : إِنَّ كَعْبًا يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام , وَيَقُول : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمْ تَنْزِل فِيكُمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : أَخْبَرُوهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَهُوَ يَهُودِيّ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقهمْ , لَيُبَيِّنُنَّ لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا يَكْتُمُونَهُ , لِأَنَّ قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة فِي سِيَاق الْخَبَر عَنْهُمْ , وَهُوَ شَبِيه بِقِصَّتِهِمْ مَعَ اِتِّفَاق أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ النَّاس أَمْرك , وَأَنَّك لِي رَسُول مُرْسَل بِالْحَقِّ , وَهُمْ يَجِدُونَك مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي كُتُبهمْ , وَقَدْ أَخَذْت عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِك , وَبَيَان أَمْرك لِلنَّاسِ , وَأَنْ لَا يَكْتُمُوهُمْ ذَلِكَ , وَهُمْ مَعَ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْت عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ , يَفْرَحُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّايَ فِي ذَلِكَ , وَمُخَالَفَتهمْ أَمْرِي , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس بِأَنَّهُمْ أَهْل طَاعَة لِلَّهِ وَعِبَادَة وَصَلَاة وَصَوْم , وَاتِّبَاع لِوَحْيِهِ , وَتَنْزِيله الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَبْرِيَاء أَخْلِيَاء لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُوله , وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقه الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ , لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس عَلَيْهِ , فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب , وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم . وَقَوْله : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب } فَلَا تَظُنّهُمْ بِمَنْجَاةٍ مِنْ عَذَاب اللَّه الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْخَسْف وَالْمَسْخ وَالرَّجْف وَالْقَتْل , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ عِقَاب اللَّه , وَلَا هُمْ بِبَعِيدٍ مِنْهُ . كَمَا : 6656 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب } قَالَ : بِمَنْجَاةٍ مِنْ الْعَذَاب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : وَلَهُمْ عَذَاب فِي الْآخِرَة أَيْضًا مُؤْلِم , مَعَ الَّذِي لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُعَجَّل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق كَانُوا يَقْعُدُونَ خِلَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا الْعَدُوّ , فَإِذَا اِنْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6643 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر وَابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَا : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير , قَالَ : ثني زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْو تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه , وَإِذَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السَّفَر اِعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة . 6644 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَدْ خَرَجْت لَخَرَجْنَا مَعَك , فَإِذَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَلَّفُوا وَكَذَبُوا , وَيَفْرَحُونَ بِذَلِكَ , وَيَرَوْنَ أَنَّهَا حِيلَة اِحْتَالُوا بِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ أَحْبَار الْيَهُود كَانُوا يَفْرَحُونَ بِإِضْلَالِهِمْ النَّاس , وَنِسْبَة النَّاس إِيَّاهُمْ إِلَى الْعِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6645 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } إِلَى قَوْله { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي : فِنْحَاصًا وأشيع وَأَشْبَاههمَا مِنْ الْأَحْبَار الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنْ الضَّلَالَة { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } أَنْ يَقُول لَهُمْ النَّاس عُلَمَاء وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْم , لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا خَيْر , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُول لَهُمْ النَّاس : قَدْ فَعَلُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْم , لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْيَهُود فَرِحُوا بِاجْتِمَاع كَلِمَتهمْ عَلَى تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِأَنْ يُقَال لَهُمْ أَهْل صَلَاة وَصِيَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6646 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم , يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } فَإِنَّهُمْ فَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا : قَدْ جَمَعَ اللَّه كَلِمَتنَا , وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنَّا أَحَدًا أَنَّهُ نَبِيّ , وَقَالُوا : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , وَنَحْنُ أَهْل الصَّلَاة وَالصِّيَام . وَكَذَبُوا , بَلْ هُمْ أَهْل كُفْر وَشِرْك وَافْتِرَاء عَلَى اللَّه , قَالَ اللَّه : { يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود أَمَرَ بَعْضكُمْ بَعْضًا , فَكَتَبَ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض أَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ , فَأَجْمِعُوا كَلِمَتكُمْ , وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ وَكِتَابكُمْ الَّذِي مَعَكُمْ . فَفَعَلُوا وَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَفَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6647 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَتَمُوا اِسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَفَرِحُوا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6648 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَتَمُوا اِسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِين اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , وَكَانُوا يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ , فَيَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْل الصِّيَام وَأَهْل الصَّلَاة وَأَهْل الزَّكَاة , وَنَحْنُ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } مِنْ كِتْمَان مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } أَحَبُّوا أَنْ تَحْمَدهُمْ الْعَرَب بِمَا يُزَكُّونَ بِهِ أَنْفُسهمْ , وَلَيْسُوا كَذَلِكَ . 6649 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي الْجَحَّاف , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , قَالَ : سَأَلَ الْحَجَّاج جُلَسَاءَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : بِكِتْمَانِهِمْ مُحَمَّدًا , { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : هُوَ قَوْلهمْ : نَحْنُ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . 6650 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } هُمْ أَهْل الْكِتَاب أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَاب , فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الْحَقّ , وَحَرَّفُوا الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه , وَفَرِحُوا بِذَلِكَ , وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَرِحُوا بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه , وَيَصُومُونَ , وَيُصَلُّونَ , وَيُطِيعُونَ اللَّه ; فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم , فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا مِنْ تَبْدِيلهمْ كِتَاب اللَّه , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس عَلَى ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6651 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } قَالَ : يَهُود , فَرِحُوا بِإِعْجَابِ النَّاس بِتَبْدِيلِهِمْ الْكِتَاب وَحَمْدهمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ , وَلَا تَمْلِك يَهُود ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمْ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّه تَعَالَى آل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6652 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : الْيَهُود يَفْرَحُونَ بِمَا آتَى اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا وَهْب بْن جَرِير , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى الْعَطَّار , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : هُمْ الْيَهُود , فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّه تَعَالَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْيَهُود سَأَلَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء , فَكَتَمُوهُ , فَفَرِحُوا بِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6653 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّ عَلْقَمَة بْن أَبِي وَقَّاص أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَان قَالَ لِرَافِعٍ : اِذْهَبْ يَا رَافِع إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقُلْ لَهُ : لَئِنْ كَانَ كُلّ اِمْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَد بِمَا لَمْ يَفْعَل مُعَذَّبًا , لَيُعَذِّبَنَا اللَّه أَجْمَعِينَ ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُود , فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْء فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ , فَأَرَوْهُ أَنْ قَدْ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ مِمَّا سَأَلَهُمْ , وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ إِيَّاهُ . ثُمَّ قَالَ : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة , أَنَّ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَان بْن الْحَكَم قَالَ لِبَوَّابِهِ : يَا رَافِع اِذْهَبْ إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقُلْ لَهُ : لَئِنْ كَانَ كُلّ اِمْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَد بِمَا لَمْ يَفْعَل مُعَذَّبًا , لَنُعَذَّبَنَّ جَمِيعًا فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَة ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب . ثُمَّ تَلَا اِبْن عَبَّاس : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } إِلَى قَوْله : { أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ اِبْن عَبَّاس : سَأَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ , وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ , فَخَرَجُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا قَدْ سَأَلَهُمْ عَنْهُ , فَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ , وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ يَهُود أَظْهَرُوا النِّفَاق لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحَبَّة مِنْهُمْ لِلْحَمْدِ , وَاَللَّه عَالِم مِنْهُمْ خِلَاف ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6654 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود يَهُود خَيْبَر أَتَوْا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ رَاضُونَ بِاَلَّذِي جَاءَ بِهِ , وَأَنَّهُمْ مُتَابِعُوهُ وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ , وَأَرَادُوا أَنْ يَحْمَدهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : إِنَّ أَهْل خَيْبَر أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَقَالُوا : إِنَّا عَلَى رَأْيكُمْ وَهَيْئَتكُمْ , وَإِنَّا لَكُمْ رِدْء , فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه , فَقَالَ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَتَيْنِ . 6655 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَبْد اللَّه , فَقَالَ : إِنَّ كَعْبًا يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام , وَيَقُول : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمْ تَنْزِل فِيكُمْ : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } قَالَ : أَخْبَرُوهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَهُوَ يَهُودِيّ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقهمْ , لَيُبَيِّنُنَّ لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا يَكْتُمُونَهُ , لِأَنَّ قَوْله : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } . .. الْآيَة فِي سِيَاق الْخَبَر عَنْهُمْ , وَهُوَ شَبِيه بِقِصَّتِهِمْ مَعَ اِتِّفَاق أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانهمْ النَّاس أَمْرك , وَأَنَّك لِي رَسُول مُرْسَل بِالْحَقِّ , وَهُمْ يَجِدُونَك مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي كُتُبهمْ , وَقَدْ أَخَذْت عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِك , وَبَيَان أَمْرك لِلنَّاسِ , وَأَنْ لَا يَكْتُمُوهُمْ ذَلِكَ , وَهُمْ مَعَ نَقْضِهِمْ مِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْت عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ , يَفْرَحُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّايَ فِي ذَلِكَ , وَمُخَالَفَتهمْ أَمْرِي , وَيُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس بِأَنَّهُمْ أَهْل طَاعَة لِلَّهِ وَعِبَادَة وَصَلَاة وَصَوْم , وَاتِّبَاع لِوَحْيِهِ , وَتَنْزِيله الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَبْرِيَاء أَخْلِيَاء لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُوله , وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقه الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ , لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْمَدهُمْ النَّاس عَلَيْهِ , فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب , وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم . وَقَوْله : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب } فَلَا تَظُنّهُمْ بِمَنْجَاةٍ مِنْ عَذَاب اللَّه الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْخَسْف وَالْمَسْخ وَالرَّجْف وَالْقَتْل , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ عِقَاب اللَّه , وَلَا هُمْ بِبَعِيدٍ مِنْهُ . كَمَا : 6656 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَاب } قَالَ : بِمَنْجَاةٍ مِنْ الْعَذَاب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : وَلَهُمْ عَذَاب فِي الْآخِرَة أَيْضًا مُؤْلِم , مَعَ الَّذِي لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُعَجَّل .'

تفسير القرطبي

أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاؤوا به من العذر. ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا؛ فنزلت { لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية. وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية! إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس { وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} و { لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} . وقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره؛ فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه، وما سألهم عنه. وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم، { واشتروا به ثمنا قليلا} أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا؛ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم} . فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله. وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبينا في آخر الزمان يختم به النبوة؛ فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقال اليهود طمعا في أموال الملوك : هو غير ذلك، فأعطاهم الملوك الخزائن؛ فقال الله تعالى { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض الدنيا. والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني. ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد، فكانت جوابا للفريقين. والله أعلم. وقوله : واستحمدوا بذلك إليه، أي طلبوا أن يحمدوا. وقول مروان : لئن كان كل امرئ منا إلخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة، وأن { الذين} منها. وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن والسنة. وقوله تعالى { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه، وكانوا يقولون : نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب؛ يريدون أن يحمدوا بذلك. و { الذين} فاعل بيحسبن بالياء. وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو؛ أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب. وقيل : المفعول الأول محذوف، وهو أنفسهم. والثاني { بمفازة} . وقرأ الكوفيون "تحسبن" بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب. وقوله "فلا تحسبنهم" بالتاء وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي كذلك، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول. وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء "فلا تحسبنهم" أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين؛ أي فلا يحسبن أنفسهم؛ { بمفازة} المفعول الثاني. ويكون { فلا يحسبنهم} تأكيدا. وقيل { الذين} فاعل بـ { يحسبن} ومفعولاها محذوفان لدلالة "يحسبنهم" عليه؛ كما قال الشاعر : بأي كتاب أم بأية آية ** ترى حبهم عارا على وتحسب استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول، الثاني، و { بمفازة} الثاني، وهو بدل من الفعل الأول فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليه، والفاء زائدة. وقيل : قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر : وما خلت أبقى بيننا من مودة ** عراض المذاكي المسنفات القلائصا المذاكي : الخيل التي قد أتي عليها بعد قروحها سنة أو سنتان؛ الواحد مذك، مثل المخلف من الإبل؛ وفي المثل جري المذكيات غلاب، والمسنفات اسم مفعول؛ يقال : سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه، وأسنف البعير لغة في سنفه، وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه؛ يتعدى ولا يتعدى. وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل؛ تقول : الحرب لا تبقي مودة. وقال كعب بن أبي سلمى : أرجو وآمل أن تدنو مودتها ** وما إخال لدنيا منك تنويل وقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم "أتوا" بقصر الألف، أي بما جاؤوا به من الكذب والكتمان. وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي "آتوا" بالمد، بمعنى أعطوا : وقرأ سعيد بن جبير "أوتوا" على ما لم يسو فاعله؛ أي أعطوا. والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا؛ أي ليسوا بفائزين. وسمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل؛ قاله الأصمعي. وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك؛ تقول العرب : فوز الرجل إذا مات. قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت مفازة؛ لأن من قطعها فاز. وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليما تفاؤلا. قال ابن الأعرابي : لأنه مستسلم لما أصابه. وقيل : لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعد عن المكروه. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 184 - 188


سورة ال عمران الايات 188 - 190

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحسبان للأمر أن يظنه السامع دون حقيقته، والأمور التي يظنها السامع تسير أولاً على ضوء الشيء الواضح دون التدبر لما وراء واجهات الأشياء، فالذين يفرحون بنا أتوا نوعان: نوع يفرح بما أتاه مناهضاً لدعوة الحق كالمنافقين الذين فرحوا بأنهم غشوا المؤمنين، وتظاهروا بالإيمان فعاملهم المؤمنون بحق الأخوة الإيمانية، حدث هذا قبل أن يكشف الحق هؤلاء المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بعد ذلك.

ونوع آخر يفرح لما آتاه وجاء به مناصراً لدعوة الحق فالفرح الأول - وهو فرح المنافقين - والفرح الثاني مشروع. ولذلك يقول الحق:
{  قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ }
[يونس: 58]

إذن فلم ينه الله عن مطلق الفرح ولكن ليفرحوا بفضل الله. إنه سبحانه قد نهى عن نوع من الفرح في مسألة قارون:
{  إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ }
[القصص: 76]

وهكذا نجد آيات تنهى عن الفرح وآيات تثبت للمؤمنين الفرح، وتأمرهم به. إذن فالفرح في ذاته ليس ممقوتاً، ولكن الممقوت بعض دواعي ذلك الفرح، فدواعيه عند المؤمن أن يفرح بنصر الله، وأن يفرح بإعلاء كلمة الحق، وهذه دواع مشروعة. ودواعيه الممنوعة أن يفرح بأن يقف أمام مبدأ من مبادئ الله ليدحض ذلك المبدأ, وهذا ما يفرح به الكافر, ولكن الفرح الحقيقي هو الفرح الذي لا يعقبه ندم، ففرح المؤمن موصول إلى أن تقوم الساعة، وموصول بعد ان تقوم الساعة. ولكن فرح الكافر والمنافق وأهل الكتاب الذين يصورون الله على غير حقيقته فرح موقوت وممقوت، إذن فذلك لا يعتبر فرحاً؛ لأن الندم بعد الفرح يعطى عاقبة شر؛ لأن النادم يتحسر دائما على فعله فهو في غم وحزن.

فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطي للمؤمن مناعة، إنكم أيها المؤمنون تواجهون معسكرات تعاديكم. هذه المعسكرات ستفرح بما أتته ضدكم فيجب ألا يفتّ ذلك في عضدكم، ولا تحسبنهم إن فعلوا ذلك بمنجاة من العذاب، وما دام فرحهم سيؤدي بهم إلى العذاب فهو فرح أحمق.

وماذا صنع الذين جاء فيهم القول: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ } يحتمل أن يكون المراد هم أهل الكتاب الذين كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الآية السابقة تقول: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } ماذا فعل هؤلاء إذن؟ لقد كتموا أوصاف رسول الله ونعته الموجود في كتبهم وفرحوا بما كتموا، وبعد ذلك أحبوا أن يحمدوا بما فعلوا من الذين على طريقتهم في الكفر والضلال.

إن الإنسان قد يأتي الذنب ولكنّه يندم بعد أن يفعله، ولكنه حين يسترسل فيفرح بما فعل فذلك ذنب آخر، وهكذا صار إتيان العمل ذنباً، والفرح به ذنباً آخر؛ لأنه لو ندم على ما فعله لكان الندم دليلا على التوبة، أما أن يأتي العمل وبعد ذلك يفرح به ثم بعد ذلك الأشد؛ فيحب أن يُحمد بما لم يفعل، فذلك من تمام الحمق، إنه جرم وذنب مركب من فعل آثم، ففرح به، فحب لحمد على شيء لم يفعله.أكان يجب أن يُحمد بما فعل أو بما لم يفعل؟ بما لم يفعل, لأنه خلع على أمره غير الحق، وإذا قال قائل: إنها نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله فالقول محتمل؛ لأن هؤلاء تخلفوا عن الحرب مع رسول الله وفرحوا بأن متاعب السفر ومتاعب الجهاد لم تنلهم، وبعد ذلك اعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذارات كاذبة ولو ندموا لكان خيراً لهم، ولم يتضح للمسلمين كذبهم فحمدوا لهم ذلك الاعتذار، إنهم قد أتوا الذنب، وفرحوا بأنهم أتوه، ونجوا من مغارم الحرب، وبعد ذلك فرحوا أيضاً بأنهم أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلو، لأن اعتذارهم كان نفاقاً، سواء كان هذا أو ذاك فالآية على إطلاقها: للذين يفرحون بما أتوا من مناهضة الحق وذلك فعل، والفرح به ذنب آخر، والرغبة في الحمد عليه شيء ثالث، إذن فالذنب مركب، فهم يسترون الأمر ويبينون نقيضه كي نحمدهم ونشكرهم، والحق سبحانه وتعالى يعطي لهذا دستوراً إيمانياً لمطلق الحياة.

{ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } وهل المنعي عليهم أنهم يحبون أن يحمدوا؟ أو المنعي عليهم والمأخوذون به أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؟ إن المنعي عليهم انهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؛ لأن الإنسان إن أحب أن يُمدح بما فعل فلا مانع، والقرآن حين يعالج نفساً بشرية خلقها الله بملكات، فهو يعلم مطلوبات الملكات، بعض الملكات قد تحتاج إلى شيء فلا يتجاوز الله هذا الشيء، إن الإنسان مطبوع على حب الثناء من الغير، لأن حب الثناء يثبت له وجوداً ثانيا، ووجودك الثاني هو أن تعبر عن نفسك بعملك الذي يكون مبعث الثناء عليك، والناس لا تثني على وجودك، لكنها تثني على فعلك.

وما دام الإنسان يحب الثناء فسيغريه ذلك بأن يعمل ما يُثني به عليه، وما دام يٌغرى بما يُثني عليه فسيعمل بإتقان أكثر، وساعة يعمل فإن المحيط به ينتفع من عمله، والله يريد إشاعة النفع فلا يمنع سبحانه حب الثناء كي يزيد في الطاقة الفاعلة للأشياء؛ لأنه لو حرّم ذلك الثناء فلن يعمل إلا من كانت ملكاته سوية، وسيفقد المجتمع طاقات من كانت ملكاته قليلة، فصاحب الملكات القليلة يريد أن يمدح، فلا مانع من مدحه ليزيد من العمل، ويُمدح مرة ثانية، وتستفيد الناس، والذي ينتظر الثناء من الناس تنزل منزلته ومرتبته عن مرتبة من انتظر التقدير من الله، فهو الذي جنى على نفسه في ذلك.لكن لا بد أن نمدحه كي يعمل بما فيه من غريزة حب الثناء فنكون قد زدنا من عدد طاقات العاملين.

ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما عرض لهذه القضية، وهي قضية تزكية الصالح وتجريم الطالح الفاسد في قصة " ذي القرنين " يقول تعالى:
{  وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً }
[الكهف: 83-84]

كي تعلم أن الممَكّنَ لا يُمَكّنُ بذاته وإنما هو ممكن بمن مَكّنَهُ، فلو كان عنده تفكير إيماني، لما أغرته الأسباب أن يتمرد؛ لأن الإيمان يعلمه أن الأسباب ليست ذاتية. ومن أجل أن يثبت الله أن الأسباب غير ذاتية فهو ينزع الملك ممن يشاء، ويهب الملك من يشاء، نقول له: لو كان الأسباب ذاتية فتمسك بها، لكن الأسباب هبة من الله { وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } وحين يأتيه الله الأسباب فالأسباب أنواع: سبب مباشر للفعل، وسبب متقدم على السبب المباشر، فإنت إذا ارتديت ثوباً جميلاً، فوراء ذلك أنك أتيت بالقماش الذي نسجه النساج، والنساج استطاع إتقان عمله بعد أن قام الغزّال بغزل القطن، والقطن نتج لأن فلاحاً بذر البذور ورعي الأرض بالحرث والرى. فأنت إن نظرت إلى الأسباب المباشرة المتلاحقة فانظر إلى نهاية الأسباب، وستصل إلى شيء لا سبب له إلا المسبب الأعلى وهو الله - جلت قدرته -.

وسلسل أي شيء في الوجود ستجد أنك أخيراً أمام سبب خلقه الله, مثال ذلك النور الكهربائي الذي تتمتع أنت به. ستجد أن المعمل قام بصنع الزجاج الخاص بالمصابيح الكهربائية، ونوع من المصانع يصنع الأسلاك الموجودة بالمصباح، وستنتهي إلى شيء موجود لا يوجد فيه بشر، فتصل إلى الحق سبحانه وتعالى.

أنت مثلاً جالس على الكرسي. وقد تقول: لقد صنعه النجار والنجار جاء بالخشب من البائع، والبائع جاء بالخشب من الغابة، فمن أين جاء الخشب إلى الغابة؟ تقول: لا أعرف، أما إذا كان عندك الحس الإيماني فأنت تقول: أوجده الله. وحين تنتهي الأسباب وسلسلتها نجد الله الخالق { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً } فعندما أعطاه الله الأسباب جاء هو بالوسائط فقط، إذن فالأصل كله من الله.

ويتابع الحق: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } هذا في عين الناظر فقط، فأنت حين تركب البحر ثم ترى الشمس عند الغروب تغطس في البحر، وعندما تذهب للمنطقة التي غطست الشمس فيها تجد الشمس موجودة؛ لأنها لا تغيب أبدا، إنما { تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي فوجد الشمس في نظره عند غروبها عنه كأنها تغرب في مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود.ويتابع الحق: { وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً }.

والناس تفهم أن هذا تخيير، يعني إما أن تعذبهم، وإما تُحسن إلى من كنت تعذبهم، لكن الدقة والتمعن يوضحان لنا أن الحق قد أعطى تفويضاً لذي القرنين، بقوله: { إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } فَفَهمَ ذو القرنين عن الله التفويض، ولم يأخذ التفويض وافترى، بل قال: { أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } وليس هذا هو العذاب الذي يستحقه، لا، نحن سنعذبه في دنيانا كي لا يستشرى فيها الشرّ. وفوق ذلك سيعذبه الله عذاباً آخر { أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } إنه أولاً لم يصف عذابه بنكر، إنما وصف عذاب الله فقال: { فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } ، لأن عذاب البشر للبشر على قدر البشر، لكن عذاب الله يتناسب مع قدرة الله، فهل لنا طاقة بهذا العذاب والعياذ بالله؟ ليس لنا طاقة به، وماذا عن موقف ذي القرنين من الذي آمن؟ إنه موقف مختلف.

يقول الحق: { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } هو يجازيه بالحسنى ويعطيه المكافآت ويكرمه، وعندما يتساءل من يحب الثناء قائلاً: لماذا كرّم هذا؟ ويرى أسباب التكريم فيقول لنفسه لأصنعنَّ مثله كي أكرّم. ولذلك تجد الشباب يتهافت حتى يلعب بكرة القدم لماذا؟ لأنهم يجدون من يضع هدفاً في كرة القدم يكرّم، فيقول: أنا أريد أن أضع هدفاً.

هذا وإن ديننا الحنيف يدعونا إلى أن نشكر من قدم خيرا أو أسدى معروفا حفزاً للهمم وتشجيعا لبذل الطاقات وفي الأثر: " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " إذن فحب الثناء من طبيعة الإنسان، ولكي تُغزى الناس بأن يعملوا لا بد أن تأتي لهم بأعمال تستوعب طاقاتهم المتعددة، أما إذا اقتصر إتقان العمل على من لا يحبون الثناء، فسنقلل الأيدي التي تفعل، ولذلك تجد العمل حيث توجد المكافأة التشجيعية التي يأخذها من يستحقها ويقابلها من التجريم والعقوبة لمن يهمل في عمله، فلا يمنح رئيس عمل مكافأة لمن عملوا على هواهم، بل عليه أن يمنحها لمن أدى عمله بإتقان. وحين يعلم الناس أنه لا يجازي بالخير ولا يكّرم بالقول إلا من فعل فعلاً حقيقياً فالكل يفعل فعلاً حقيقياً، لكن عندما تجد الناس أن المكافآت لا يأخذها أحد إلا بالتزلف وبالنفاق وبالأشياء غير المشروعة فسيفعلون ذلك، وهكذا تأتي الخيبة.

وهكذا تجد أن قوله الحق: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ }.

إن هذا القول يضع أساساً ودستوراً إيمانياً لمطلق الحياة، وعلاقة الحاكم بالمحكومين, وعلاقة الفرد بنفسه وبمن حوله. وعلاقة الإنسان بالعمل الصالح أو بالذنوب؛ فإن الإنسان إذا ما أتى ذنباً، فربما يكون قد نفَّس عن نفسه بارتكاب الذنب، لكن بعد ما تهدأ شِرّة المعصية يجب عليه أن ينتبه فيندم ولا يفرح.هذه أول مرحلة. ولا يتمادى في ارتكاب الذنب، أما إذا تمادى وخلع على فعله النقيض وادّعى أنه قد أتى فعلاً حسناً حتى يناله مدح بدلاً من أن يناله ذم فذلك ذنب مركب، ويحشره الله ضمن من قال فيهم: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ }.

والمفازة هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته، أي أن في هذا المكان فوزاً له، ويطلقون كلمة " مفازة " على الصحراء إطلاقا تفاؤلياً، ولا يسمونها " مهلكة " لأن الذي كان يجوبها يهلك فسموها " مفازة " تفاؤلاً بأن الذي يسلكها يفوز، أو أن الصحراء أرض مكشوفة، وما دام الإنسان قد وصل إلى أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيّات، أو من عدو راصد، وفي ذلك فوز له، لأنه تجنب هذه المخاطر، إنه إن سار في الجبال والوديان فمن الممكن أن تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم، وتكون التسمية على حقيقتها، ومن يرى أن الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت " مفازة " تفاؤلاً، كما يسمون اللديغ الذي يلدغه الثعبان بـ " السليم ".

ونحن في أعرافنا العادية نتفاءل فنضع للشيء اسما ضد مسماه تفاؤلاً بالاسم، مثال ذلك: إذا كنت في ضيافة إنسان وقدم شراباً. قهوة مثلاً، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم لك القهوة لخادمه: تعال " خذ المملوء " ولا يقول: " خذ الفارغ " وهذا لون من التفاؤل.

{ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } هم يظنون أنهم بمفازة من العذاب برغم أنهم لا يؤمنون بالحق، ولا يؤمنون بسيطرة الحق على كل أحوالهم وكل أمورهم فهم يظنون أن انتصارهم في معركة الدنيا لا هزيمة بعده، ولكن الحق بعد هذه الآية قال: { وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ.... }


www.alro7.net