سورة
اية:

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً...} الآية. [181].
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه - وكان من أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم:
أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرض عليه كفار قريش في شعره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخْلاطٌ: منهم المسلمون، ومنهم المشركون، ومنهم اليهود. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم [كلهم]، وكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...} الآية.
أخبرنا عمرو بن [أبي] عمرو المزَكِّي، أخبرنا محمد بن مكي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل [البخاري]، اخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فَدَكيَّة، وأردَف أسامة بن زيد [وراءه] وسار يعود سعد بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج، قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عَجَاجَةُ الدابة خَمَّرَ عبد الله بن أبيّ أنْفَة بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف، فنزل ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يَتَسَاوَرُون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم، دابته، وسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا؟! فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرة على أن يتوجوه ويُعَصِّبُوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ بذلك، فذلك فَعَلَ به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} الآية.

تفسير بن كثير

يخبر تعالى إخباراً عاماً يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت كقوله تعالى: { كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ، فهو تعالى وحده الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخراً كما كان أولاً، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر اللّه وجودها من صلب آدم وانتهت البرية، أقام اللّه القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها. فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} ، وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: لما توفي النبي صلى اللّه عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته { كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} أي في اللّه عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، دركاً من كل فائت، فباللّه ثقوا وإياه فارجو، فإن المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر عليه السلام، وقوله: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} ""رواه ابن أبي حاتم وأصله في الصحيحين"") وقوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} ، وقال: { وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند اللّه خير وأبقى} وفي الحديث:( واللّه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه) وقال قتادة: هي متاع متروكة أوشكت - واللّه الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة اللّه إن استطعتم ولا قوة إلا اللّه. وقوله تعالى: { لتبلون في أموالكم وأنفسكم} ، كقوله تعالى: { ولنبلونك بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} إلى آخر الآيتين، أي لا بد أن يبتلي المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلي المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً} يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلياً لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمراً لهم بالصفح والعفو حتى يفرج اللّه، فقال تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} قال ابن أبي حاتم، عن أسامة بن زيد: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى، قال تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} قال: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره اللّه به حتى أذن اللّه فيهم. وعن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد حدثه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية فطيفة فَدَكية: كساء غليظ منسوب إلى فَدَك بلد على مرحلتين من المدينة وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر على مجلس فيه عبد اللّه بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم ابن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، وأهل الكتاب واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد اللّه بن أُبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم وقف، فنزل ودعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللّه بن أُبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه: بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى اللّه عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) يريد عبد اللّه بن أُبي، قال كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول اللّه اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك اللّه بالحق الذي نزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما أبى اللّه ذلك بالحق الذي أعطاك اللّه شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ""رواه البخاري"". وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللّه ويصبرون على الأذى قال اللّه تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} الآية، وقال تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره} الآية. وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره اللّه به حتى أذن اللّه له فيهم، فلما غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدراً فقتل اللّه به صناديد كفار قريش، قال عبد اللّه بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول على الإسلام، فبايعوا وأسلموا، فكل من قام بحق أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر فلا بد أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في اللّه، والاستعانة باللّه والرجوع إلى اللّه.

تفسير الجلالين

{ لَتُبْلَوُنَّ } حذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، لتختبرن { في أموالكم } بالفرائض فيها والحوائج { وأنفسكم } بالعبادات والبلاء { وَلَتَسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } من العرب { أذى كثيرا } من السب والطعن والتشبيب بنسائكم { وإن تصبروا } على ذلك { وتتقوا } الله بالفرائض { فإن ذلك من عزم الأمور } أي: من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ } لَتُخْتَبَرُنَّ بِالْمَصَائِبِ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ , يَعْنِي : وَبِهَلَاكِ الْأَقْرِبَاء وَالْعَشَائِر مِنْ أَهْل نُصْرَتكُمْ وَمِلَّتكُمْ , { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي : مِنْ الْيَهُود وَقَوْلهمْ { إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } وَقَوْلهمْ { يَد اللَّه مَغْلُولَة } وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ اِفْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه . { وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } يَعْنِي النَّصَارَى , { أَذًى كَثِيرًا } وَالْأَذَى مِنْ الْيَهُود مَا ذَكَرْنَا , وَمِنْ النَّصَارَى قَوْلهمْ : الْمَسِيح اِبْن اللَّه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ . { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا } يَقُول : وَإِنْ تَصْبِرُوا لِأَمْرِ اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرهمْ مِنْ طَاعَته وَتَتَّقُوا , يَقُول : وَتَتَّقُوا اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ , فَتَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ . { فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَقُول : فَإِنَّ ذَلِكَ الصَّبْر وَالتَّقْوَى مِمَّا عَزَمَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ . وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ كُلّه نَزَلَ فِي فِنْحَاص الْيَهُودِيّ سَيِّد بَنِي قَيْنُقَاع . كَاَلَّذِي : 6628 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي أَبِي بَكْر رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ , وَفِي فِنْحَاص الْيَهُودِيّ سَيِّد بَنِي قَيْنُقَاع , قَالَ : بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَحِمَهُ اللَّه إِلَى فِنْحَاص يَسْتَمِدّهُ , وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ , وَقَالَ لِأَبِي بَكْر : " لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِع " فَجَاءَ أَبُو بَكْر وَهُوَ مُتَوَشِّح بِالسَّيْفِ , فَأَعْطَاهُ الْكِتَاب , فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ : قَدْ اِحْتَاجَ رَبّكُمْ أَنْ نُمِدّهُ ! فَهَمَّ أَبُو بَكْر أَنْ يَضْرِبهُ بِالسَّيْفِ , ثُمَّ ذَكَرَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِع " فَكَفَّ ; وَنَزَلَتْ : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ } وَمَا بَيْن الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْله : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي بَنِي قَيْنُقَاع , إِلَى قَوْله : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } قَالَ : أَعْلَمَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ سَيَبْتَلِيهِمْ فَيَنْظُر كَيْفَ صَبْرهمْ عَلَى دِينهمْ , ثُمَّ قَالَ : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي : الْيَهُود وَالنَّصَارَى , { وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْمَعُونَ مِنْ الْيَهُود قَوْلهمْ : عُزَيْر اِبْن اللَّه , وَمِنْ النَّصَارَى : الْمَسِيح اِبْن اللَّه , فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْصِبُونَ لَهُمْ الْحَرْب , وَيَسْمَعُونَ إِشْرَاكهمْ , فَقَالَ اللَّه : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَقُول : مِنْ الْقُوَّة مِمَّا عَزَمَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَشَبَّب بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6629 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } قَالَ : هُوَ كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَكَانَ يُحَرِّض الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي شِعْره , وَيَهْجُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ خَمْسَة نَفَر مِنْ الْأَنْصَار فِيهِمْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , وَرَجُل يُقَال لَهُ أَبُو عَبْس . فَأَتَوْهُ وَهُوَ فِي مَجْلِس قَوْمه بِالْعَوَالِي ; فَلَمَّا رَآهُمْ ذُعِرَ مِنْهُمْ , فَأَنْكَرَ شَأْنهمْ , وَقَالُوا : جِئْنَاك لِحَاجَةٍ , قَالَ : فَلْيَدْنُ إِلَيَّ بَعْضكُمْ , فَلِيُحَدِّثنِي بِحَاجَتِهِ ! فَجَاءَهُ رَجُل مِنْهُمْ فَقَالَ : جِئْنَاك لِنَبِيعَك أَدْرَاعًا عِنْدنَا لِنَسْتَنْفِقَ بِهَا , فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ جَهَدْتُمْ مُنْذُ نَزَلَ بِكُمْ هَذَا الرَّجُل ! فَوَاعَدُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ عِشَاء حِين هَدَأَ عَنْهُمْ النَّاس . فَأَتَوْهُ , فَنَادَوْهُ , فَقَالَتْ اِمْرَأَته : مَا طَرَقَك هَؤُلَاءِ سَاعَتهمْ هَذِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تُحِبّ ! قَالَ : إِنَّهُمْ حَدَّثُونِي بِحَدِيثِهِمْ وَشَأْنهمْ . قَالَ مَعْمَر : فَأَخْبَرَنِي أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَكَلَّمَهُمْ , فَقَالَ : أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ ؟ وَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعهُمْ تَمْرًا , قَالَ : فَقَالُوا إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ تُعَيَّر أَبْنَاؤُنَا فَيُقَال هَذَا رَهِينَة وَسْق , وَهَذَا رَهِينَة وَسْقَيْنِ ! فَقَالَ : أَتَرْهَنُونَنِي نِسَائِكُمْ ؟ قَالُوا : أَنْتَ أَجْمَل النَّاس , وَلَا نَأْمَنك , وَأَيّ اِمْرَأَة تَمْتَنِع مِنْك لِجَمَالِك ؟ وَلَكِنَّا نَرْهَنك سِلَاحنَا , فَقَدْ عَلِمْت حَاجَتنَا إِلَى السِّلَاح الْيَوْم . فَقَالَ : اِئْتُونِي بِسِلَاحِكُمْ , وَاحْتَمِلُوا مَا شِئْتُمْ ! قَالُوا : فَانْزِلْ إِلَيْنَا نَأْخُذ عَلَيْك , وَتَأْخُذ عَلَيْنَا . فَذَهَبَ يَنْزِل , فَتَعَلَّقَتْ بِهِ اِمْرَأَته وَقَالَتْ : أَرْسِلْ إِلَى أَمْثَالهمْ مِنْ قَوْمك يَكُونُوا مَعَك . قَالَ : لَوْ وَجَدَنِي هَؤُلَاءِ نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي . قَالَتْ : فَكَلَّمَهُمْ مِنْ فَوْق الْبَيْت , فَأَبَى عَلَيْهَا , فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ يَفُوح رِيحه , قَالُوا : مَا هَذِهِ الرِّيح يَا فُلَان ؟ قَالَ : هَذَا عِطْر أُمّ فُلَان ! اِمْرَأَته . فَدَنَا إِلَيْهِ بَعْضهمْ يَشَمّ رَائِحَته , ثُمَّ اِعْتَنَقَهُ , ثُمَّ قَالَ : اُقْتُلُوا عَدُوّ اللَّه ! فَطَعَنَهُ أَبُو عَبْس فِي خَاصِرَته , وَعَلَاهُ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة بِالسَّيْفِ , فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ رَجَعُوا . فَأَصْبَحَتْ الْيَهُود مَذْعُورِينَ , فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : قُتِلَ سَيِّدنَا غِيلَة ! فَذَكَّرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنِيعه , وَمَا كَانَ يَحُضّ عَلَيْهِمْ , وَيُحَرِّض فِي قِتَالهمْ , وَيُؤْذِيهِمْ , ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَكْتُب بَيْنه وَبَيْنهمْ صُلْحًا , فَقَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ الْكِتَاب مَعَ عَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ } لَتُخْتَبَرُنَّ بِالْمَصَائِبِ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ , يَعْنِي : وَبِهَلَاكِ الْأَقْرِبَاء وَالْعَشَائِر مِنْ أَهْل نُصْرَتكُمْ وَمِلَّتكُمْ , { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي : مِنْ الْيَهُود وَقَوْلهمْ { إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } وَقَوْلهمْ { يَد اللَّه مَغْلُولَة } وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ اِفْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّه . { وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } يَعْنِي النَّصَارَى , { أَذًى كَثِيرًا } وَالْأَذَى مِنْ الْيَهُود مَا ذَكَرْنَا , وَمِنْ النَّصَارَى قَوْلهمْ : الْمَسِيح اِبْن اللَّه , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ . { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا } يَقُول : وَإِنْ تَصْبِرُوا لِأَمْرِ اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرهمْ مِنْ طَاعَته وَتَتَّقُوا , يَقُول : وَتَتَّقُوا اللَّه فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ , فَتَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ . { فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَقُول : فَإِنَّ ذَلِكَ الصَّبْر وَالتَّقْوَى مِمَّا عَزَمَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ . وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ كُلّه نَزَلَ فِي فِنْحَاص الْيَهُودِيّ سَيِّد بَنِي قَيْنُقَاع . كَاَلَّذِي : 6628 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي أَبِي بَكْر رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ , وَفِي فِنْحَاص الْيَهُودِيّ سَيِّد بَنِي قَيْنُقَاع , قَالَ : بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَحِمَهُ اللَّه إِلَى فِنْحَاص يَسْتَمِدّهُ , وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ , وَقَالَ لِأَبِي بَكْر : " لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِع " فَجَاءَ أَبُو بَكْر وَهُوَ مُتَوَشِّح بِالسَّيْفِ , فَأَعْطَاهُ الْكِتَاب , فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ : قَدْ اِحْتَاجَ رَبّكُمْ أَنْ نُمِدّهُ ! فَهَمَّ أَبُو بَكْر أَنْ يَضْرِبهُ بِالسَّيْفِ , ثُمَّ ذَكَرَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِع " فَكَفَّ ; وَنَزَلَتْ : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ } وَمَا بَيْن الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْله : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي بَنِي قَيْنُقَاع , إِلَى قَوْله : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالكُمْ وَأَنْفُسكُمْ } قَالَ : أَعْلَمَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ سَيَبْتَلِيهِمْ فَيَنْظُر كَيْفَ صَبْرهمْ عَلَى دِينهمْ , ثُمَّ قَالَ : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي : الْيَهُود وَالنَّصَارَى , { وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْمَعُونَ مِنْ الْيَهُود قَوْلهمْ : عُزَيْر اِبْن اللَّه , وَمِنْ النَّصَارَى : الْمَسِيح اِبْن اللَّه , فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْصِبُونَ لَهُمْ الْحَرْب , وَيَسْمَعُونَ إِشْرَاكهمْ , فَقَالَ اللَّه : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور } يَقُول : مِنْ الْقُوَّة مِمَّا عَزَمَ اللَّه عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَشَبَّب بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6629 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } قَالَ : هُوَ كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَكَانَ يُحَرِّض الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي شِعْره , وَيَهْجُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ خَمْسَة نَفَر مِنْ الْأَنْصَار فِيهِمْ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , وَرَجُل يُقَال لَهُ أَبُو عَبْس . فَأَتَوْهُ وَهُوَ فِي مَجْلِس قَوْمه بِالْعَوَالِي ; فَلَمَّا رَآهُمْ ذُعِرَ مِنْهُمْ , فَأَنْكَرَ شَأْنهمْ , وَقَالُوا : جِئْنَاك لِحَاجَةٍ , قَالَ : فَلْيَدْنُ إِلَيَّ بَعْضكُمْ , فَلِيُحَدِّثنِي بِحَاجَتِهِ ! فَجَاءَهُ رَجُل مِنْهُمْ فَقَالَ : جِئْنَاك لِنَبِيعَك أَدْرَاعًا عِنْدنَا لِنَسْتَنْفِقَ بِهَا , فَقَالَ : وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ جَهَدْتُمْ مُنْذُ نَزَلَ بِكُمْ هَذَا الرَّجُل ! فَوَاعَدُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ عِشَاء حِين هَدَأَ عَنْهُمْ النَّاس . فَأَتَوْهُ , فَنَادَوْهُ , فَقَالَتْ اِمْرَأَته : مَا طَرَقَك هَؤُلَاءِ سَاعَتهمْ هَذِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تُحِبّ ! قَالَ : إِنَّهُمْ حَدَّثُونِي بِحَدِيثِهِمْ وَشَأْنهمْ . قَالَ مَعْمَر : فَأَخْبَرَنِي أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَكَلَّمَهُمْ , فَقَالَ : أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ ؟ وَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعهُمْ تَمْرًا , قَالَ : فَقَالُوا إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ تُعَيَّر أَبْنَاؤُنَا فَيُقَال هَذَا رَهِينَة وَسْق , وَهَذَا رَهِينَة وَسْقَيْنِ ! فَقَالَ : أَتَرْهَنُونَنِي نِسَائِكُمْ ؟ قَالُوا : أَنْتَ أَجْمَل النَّاس , وَلَا نَأْمَنك , وَأَيّ اِمْرَأَة تَمْتَنِع مِنْك لِجَمَالِك ؟ وَلَكِنَّا نَرْهَنك سِلَاحنَا , فَقَدْ عَلِمْت حَاجَتنَا إِلَى السِّلَاح الْيَوْم . فَقَالَ : اِئْتُونِي بِسِلَاحِكُمْ , وَاحْتَمِلُوا مَا شِئْتُمْ ! قَالُوا : فَانْزِلْ إِلَيْنَا نَأْخُذ عَلَيْك , وَتَأْخُذ عَلَيْنَا . فَذَهَبَ يَنْزِل , فَتَعَلَّقَتْ بِهِ اِمْرَأَته وَقَالَتْ : أَرْسِلْ إِلَى أَمْثَالهمْ مِنْ قَوْمك يَكُونُوا مَعَك . قَالَ : لَوْ وَجَدَنِي هَؤُلَاءِ نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي . قَالَتْ : فَكَلَّمَهُمْ مِنْ فَوْق الْبَيْت , فَأَبَى عَلَيْهَا , فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ يَفُوح رِيحه , قَالُوا : مَا هَذِهِ الرِّيح يَا فُلَان ؟ قَالَ : هَذَا عِطْر أُمّ فُلَان ! اِمْرَأَته . فَدَنَا إِلَيْهِ بَعْضهمْ يَشَمّ رَائِحَته , ثُمَّ اِعْتَنَقَهُ , ثُمَّ قَالَ : اُقْتُلُوا عَدُوّ اللَّه ! فَطَعَنَهُ أَبُو عَبْس فِي خَاصِرَته , وَعَلَاهُ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة بِالسَّيْفِ , فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ رَجَعُوا . فَأَصْبَحَتْ الْيَهُود مَذْعُورِينَ , فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : قُتِلَ سَيِّدنَا غِيلَة ! فَذَكَّرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنِيعه , وَمَا كَانَ يَحُضّ عَلَيْهِمْ , وَيُحَرِّض فِي قِتَالهمْ , وَيُؤْذِيهِمْ , ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَكْتُب بَيْنه وَبَيْنهمْ صُلْحًا , فَقَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ الْكِتَاب مَعَ عَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ . '

تفسير القرطبي

هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى : لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. { ولتسمعن} إن قيل : لم ثبتت الواو في { لتبلون} وحذفت من { ولتسمعن} ؛ فالجواب أن الواو في { لتبلون} قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين، وخصت بالضمة لأنها واو الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها، وحذفت من { ولتسمعن} لأن قبلها ما يدل عليها. ولا يجوز همز الواو في { لتبلون} لأن حركتها عارضة؛ قال النحاس وغيره. ويقال للواحد من المذكر : لتبلين يا رجل. وللاثنين : لتبليان يا رجلان. ولجماعة الرجال : لتبلون. ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء. ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة : 245] فلطمه؛ فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. قيل : إن قائلها فنحاص اليهودي؛ عن عكرمة. الزهري : هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه؛ وكان شاعرا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويؤلب عليه كفار قريش، ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة المشهورة في السير وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا.، في الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي : إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال ابن رواحة : نعم يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المشركون الذين كانوا حول ابن أبي والمسلمون، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يسكنهم حتى سكنوا. ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض، فقال : (ألم تسمع ما قال فلان) فقال سعد : أعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة؛ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية. قيل : هذا أن قبل نزول القتال، وندب الله عباده إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في البخاري في سياق الحديث، إن ذلك كان قبل نزول القتال. والأظهر أنه ليس بمنسوخ؛ فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا مندوب إليها، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم، ويصفح عن المنافقين، وهذا بين. ومعنى { عزم الأمور} شدها وصلابتها. وقد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 184 - 188

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والبلاء في المال بماذا؟ بأن تأتي آفة تأكله، وإن وجد يكون فيه بلاء من لون آخر، وهي اختبارك هل تنفق هذا المال في مصارف الخير أو لا تعطيه لمحتاج، فمرة يكون الابتلاء في المال بالإفناء، ومرة في وجود المال ومراقبة كيفية تصرفك فيه، والحق في هذه الآية قدم المال على النفس؛ لأن البلاء في النفس يكون بالقتل، أو بالجرح, أو بالمرض. فإن كان القتل فليس كل واحد سيقتل، إنما كل واحد سيأتيه بلاء في ماله.

{ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً } هما إذن معسكران للكفر: معسكر اهل الكتاب، ومعسكر المشركين. هذان المعسكران هما اللذان كانا يعاندان الإسلام، والأذى الكثير تمثل في محاولة إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذى الاستهزاء بالمؤمنين، وأهل الكفر والشرك يقولون للمؤمنين ما يكرهون، فوطّنوا العزم أيها المسلمون أن تستقبلوا ذلك منهم ومن ابتلاءات السماء بالقبول والرضا.

ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء في ذاته شرّ، لا. إن الإبتلاء مجرد اختبار، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب، فإذا قال الله: " لتبلون " ، أي سأختبركم - ولله المثل الأعلى - كما يقول المدرس للتلميذ: سأمتحنك " فنبتليك " يعني نختبرك في الامتحان، فهل معنى ذلك أن الابتلاء شرّ أو خير؟. إنه شرّ على من لم يتقن التصرف. فالذي ينجح في البلاء في المال يقول: كله فائت، وقلل الله مسئوليتي، لأنه قد يكون عندي مال ولا أُحسن أداءه في مواقعه الشرعية، فيكون المال عليّ فتنة. فالله قد أخذ مني المال كي لا يدخلني النار، ولذلك قال في سورة " الفجر ":
{  فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ }
[الفجر: 15-16]

فهنا قضيتان اثنتان: الإنسان يأتيه المال فيقول: ربي أكرمني، وهذا أفضل ممن جاء فيه قول الحق:
{  قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً }
[القصص: 78]

إذن فالذي نظر إلى المال وظن أنّ الغني إكرام، ونظر إلى الفقر والتضييق وظن انه إهانه، هذا الإنسان لا يفطن إلى الحقيقة، والحقيقة يقولها الحق: " كلا " أي أن هذا الظن غير صادق؛ فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة، ولكن متى يكون المال دليل الكرامة؟ يكون المال دليل كرامة إن جاءك وكنت موفقاً في أن تؤدي مطلوب المال عندك للمحتاج إليه، وإن لم تؤد حق الله فالمال مذلة لك وإهانة، فقد اكون غنياً لا أعطى الحق، فالفقر في هذه الحالة أفضل، ولذلك قال الله للاثنين: " كلا " ، وذلك يعني: لا إعطاء المال دليل الكرامة ولا الفقر دليل الإهانة.وأراد سبحانه أن يدلل على ذلك فقال:
{  كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً }
[الفجر: 17-19]

{ كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } وما دمتم لا تكرمون اليتيم فكيف يكون المال دليل الكرامة؟ إن المال هنا وزر، وكيف إن سلبه منك يا من لا تكرم اليتيم يكون إهانة؟.. إنه سبحانه قد نزهك أن تكون مهانا، فلا تتحمل مسؤلية المال. إذن فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة.

{ كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } وحتى إن كنت لا تمتلك ولا تعطي أفلا تحث من عنده أن يُعطي؟ أنت ضنين حتى بالكلمة، فمعنى تحض على طعام المسكين أي تحث غيرك.. فإذا كنت تضن حتى بالنصح فكيف تقول إن المال كرامة والفقر إهانة؟.. { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } أي تأكلون الميراث وتجمعون في أكلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم دون ان يتحرّى الواحد منكم هل هذا المال حلال أو حرام.. فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يكون إيتاء المال تكريماً وكيف يكون الفقر إهانة؟.. لا هذا ولا ذاك.

{ لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً } والذي يقول هذا الكلام: هو الله، إذن لا بد أن يتحقق - فيارب أنت قلت لنا: إن هذا سيحصل وقولك سيتحقق، فماذا اعطيتنا لنواجه ذلك؟ - اسمعوا العلاج: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }.. تصبر على الإبتلاء في المال، وتصبر على الابتلاء في النفس، وتصبر على أذى المعسكر المخالف من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا، إن صبرت فإن ذلك من عزم الأمور، والعزم هو: القوة المجتمعة على الفعل. فأنت تنوي أن تفعل، وبعد ذلك تعزم يعني تجمع القوة، فقوله: { فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي من معزوماتها التي تقتضي الثبات منك، وقوة التجميع والحشد لكل مواهبك لتفعل.

إذن فالمسألة امتحان فيه ابتلاء في المال، وابتلاء في النفس وأذى كثير من الذين أشركوا ومن الذين أوتوا الكتاب، وذلك كله يحتاج إلى صبر، و " الصبر " - كما قلنا - نوعان: " صبر على " و " صبر عن " ، ويختلف الصبر باختلاف حرف الجر، صبر عن شهوات نفسه التي تزين للإنسان أن يفعل هذه وهذه، فيصبر عنها, والطاعة تكون شاقة على العبد فيصبر عليها، إذن ففي الطاعة يصبر المؤمن على المتاعب، وفي المعصية يصبر عن المغريات.و { لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } توضح أنه لا يوجد لك غريم واضح في الأمر، فالآفة تأتي للمال, أو الآفة تأتي للجسد فيمرض، فليس هنا غريم لك قد تحدد، ولكن قوله: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً } فهذا تحديد لغريم لك. فساعة ترى هذا الغريم فهو يهيج فيك كوامن الانتقام. فأوضح الحق: إياك أن تمكنهم من أن يجعلوك تنفعل، وأَجِّلْ عملية الغضب، ولا تجعل كل أمر يَسْتَخِفّك. بل كن هادئا، وإياك أن تُسْتَخَفَّ إلا وقت أن تتيقن أنك ستنتصر، ولذلك قال: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }.

واتقوا مثل " اتقوا الله " أي اتقوا صفات الجلال وذلك بأن تضع بينك وبين ما يغضب الله وقاية. " عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم ابن أُبَيّ، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تُؤْذنا في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا سعد " ألم تسمع إلى ما قاله أبو حباب "؟ يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعفُ عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ... }


www.alro7.net