سورة
اية:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

تفسير بن كثير

روي أن أعرابياً قال‏:‏ يا رسول اللّه أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه‏؟‏ فسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه‏:‏ ‏ { ‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا‏ بي...} ‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏ وعن الحسن قال‏:‏ سأل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أين ربنا‏؟‏ فأنزل اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏ { ‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان‏} ‏ الآية‏.‏ وقال عطاء إنه بلغه لما نزلت ‏ { ‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‏} ‏ قال الناس‏:‏ لو نعلم أيّ ساعة ندعو‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏ { ‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان‏} ‏‏.‏ وعن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة فجعلنا لا نصعد شرفاً، ولا نعلو شرفاً، ولا نهبط وادياً، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير‏.‏ قال‏:‏ فدنا منا فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد اللّه بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة‏؟‏ لا حول ولا قوة إلا بالله‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والشيخان‏"‏‏.‏ وعن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏قال اللّه تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن أبي هريرة‏"‏ قلت‏:‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏} ‏، وقوله لموسى وهارون عليهما السلام‏:‏ ‏ { ‏إنني معكما أسمع وأرى‏} ‏ والمراد من هذا أنه تعالى لا يجيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيبٌ في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن سلمان الفارسي‏"‏ وعن أبي سعيد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما من مسلم يدعو اللّه عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال‏:‏ إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها‏)‏، قالوا‏:‏ إذن نكثر، قال‏:‏ ‏(‏اللّه أكثر‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن أبي سعيد‏"‏ وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو اللّه عزّ وجلّ بدعوة إلا آتاه اللّه إياها أو كفَّ عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم‏)‏ ‏"‏رواه الترمذي‏"‏ وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول اللّه وما الاستعجال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء‏)‏‏.‏ وقال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم اللّه أيها الناس فأسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن عبد اللّه بن عمرو‏"‏ وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الإجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما روي عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد‏)‏ قال عبيد اللّه بن أبي مليكة‏:‏ سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول إذا أفطر‏:‏ اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شي أن تغفر لي ‏"‏رواه ابن ماجة وأخرجه الطيالسي بنحوه‏" ‏وعن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا ترد دعوتهم‏:‏ الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها اللّه دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة‏"‏‏.

تفسير الجلالين

وسأل جماعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أقريب ربُّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه: فنزل { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } منهم بعلمي فأخبرهم بذلك { أجيب دعوة الداع إذا دعان } بإنالته ما سأل { فليستجيبوا لي } دعائي بالطاعة { وليؤمنوا } يداوموا على الإيمان { بي لعلهم يرشدون } يهتدون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَإِذَا سَأَلَك يَا مُحَمَّد عِبَادِي عَنِّي أَيْنَ أَنَا ؟ فَإِنِّي قَرِيب مِنْهُمْ أَسْمَع دُعَاءَهُمْ , وَأُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي مِنْهُمْ . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي سَائِل سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَقَرِيب رَبّنَا فَنُنَاجِيه , أَمْ بَعِيد فَنُنَادِيه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب } . .. الْآيَة . 2381 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَبَدَة السِّجِسْتَانِيّ , عَنْ الصَّلْت بْن حَكِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه . 2382 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : سَأَلَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ رَبّنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ . .. } الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَسْأَلَةِ قَوْم سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ سَاعَة يَدْعُونَ اللَّه فِيهَا ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2383 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قَالُوا فِي أَيّ سَاعَة ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } إلَى قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } 2384 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } قَالُوا : لَوْ عَلِمْنَا أَيّ سَاعَة نَدْعُو ؟ فَنَزَلَتْ { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم . قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : زَعَمَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ بَلَغَهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ النَّاس : لَوْ نَعْلَم أَيّ سَاعَة نَدْعُو ؟ فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } 2385 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } قَالَ : لَيْسَ مِنْ عَبْد مُؤْمِن يَدْعُوا اللَّه إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ , فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ هُوَ لَهُ رِزْق فِي الدُّنْيَا أَعْطَاهُ اللَّه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْق فِي الدُّنْيَا ذَخَرَهُ لَهُ إلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَدَفَعَ عَنْهُ بِهِ مَكْرُوهًا . 2386 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ ابْن صَالِح , عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا أُعْطَى أَحَد الدُّعَاء وَمُنِعَ الْإِجَابَة , لِأَنَّ اللَّه يَقُول : اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " وَمَعْنَى مُتَأَوِّلِي هَذَا التَّأْوِيل : وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي أَيّ سَاعَة يَدْعُونَنِي فَإِنِّي مِنْهُمْ قَرِيب فِي كُلّ وَقْت أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْلِ قَوْم قَالُوا إذْ قَالَ اللَّه لَهُمْ : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 إلَى أَيْنَ نَدْعُوهُ ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2387 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قَالُوا : إلَى أَيْنَ ؟ فَنَزَلَتْ : { أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه إنَّ اللَّه وَاسِع عَلِيم } 2 115 وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا : كَيْف نَدْعُو ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2388 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ رِجَال : كَيْفَ نَدْعُو يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } إلَى قَوْله : { يَرْشُدُونَ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَإِذَا سَأَلَك يَا مُحَمَّد عِبَادِي عَنِّي أَيْنَ أَنَا ؟ فَإِنِّي قَرِيب مِنْهُمْ أَسْمَع دُعَاءَهُمْ , وَأُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي مِنْهُمْ . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي سَائِل سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَقَرِيب رَبّنَا فَنُنَاجِيه , أَمْ بَعِيد فَنُنَادِيه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب } . .. الْآيَة . 2381 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَبَدَة السِّجِسْتَانِيّ , عَنْ الصَّلْت بْن حَكِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه . 2382 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : سَأَلَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ رَبّنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ . .. } الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِمَسْأَلَةِ قَوْم سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ سَاعَة يَدْعُونَ اللَّه فِيهَا ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2383 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قَالُوا فِي أَيّ سَاعَة ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } إلَى قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } 2384 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } قَالُوا : لَوْ عَلِمْنَا أَيّ سَاعَة نَدْعُو ؟ فَنَزَلَتْ { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم . قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : زَعَمَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ بَلَغَهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ النَّاس : لَوْ نَعْلَم أَيّ سَاعَة نَدْعُو ؟ فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } 2385 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } قَالَ : لَيْسَ مِنْ عَبْد مُؤْمِن يَدْعُوا اللَّه إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ , فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ هُوَ لَهُ رِزْق فِي الدُّنْيَا أَعْطَاهُ اللَّه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْق فِي الدُّنْيَا ذَخَرَهُ لَهُ إلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَدَفَعَ عَنْهُ بِهِ مَكْرُوهًا . 2386 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ ابْن صَالِح , عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا أُعْطَى أَحَد الدُّعَاء وَمُنِعَ الْإِجَابَة , لِأَنَّ اللَّه يَقُول : اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " وَمَعْنَى مُتَأَوِّلِي هَذَا التَّأْوِيل : وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي أَيّ سَاعَة يَدْعُونَنِي فَإِنِّي مِنْهُمْ قَرِيب فِي كُلّ وَقْت أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْلِ قَوْم قَالُوا إذْ قَالَ اللَّه لَهُمْ : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 إلَى أَيْنَ نَدْعُوهُ ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2387 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قَالُوا : إلَى أَيْنَ ؟ فَنَزَلَتْ : { أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه إنَّ اللَّه وَاسِع عَلِيم } 2 115 وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ جَوَابًا لِقَوْمٍ قَالُوا : كَيْف نَدْعُو ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2388 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ رِجَال : كَيْفَ نَدْعُو يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب } إلَى قَوْله : { يَرْشُدُونَ } ' وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ , يُقَال مِنْهُ : اسْتَجَبْت لَهُ وَاسْتَجَبْته بِمَعْنَى أَجَبْته , كَمَا قَالَ كَعْب بْن سَعْد الْغَنَوِيّ : وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إلَى النَّدَى لَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب يُرِيد : فَلَمْ يُجِبْهُ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَجَمَاعَة غَيْره . 2389 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } قَالَ : فَلْيُطِيعُوا لِي , قَالَ : الِاسْتِجَابَة : الطَّاعَة . 2390 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : سَأَلْت عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } قَالَ : طَاعَة اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } فَلْيَدْعُونِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2391 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ أَبِي رَجَاء الْخُرَاسَانِيّ , قَالَ { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } : فَلْيَدْعُونِي . وَأَمَّا قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ , يُقَال مِنْهُ : اسْتَجَبْت لَهُ وَاسْتَجَبْته بِمَعْنَى أَجَبْته , كَمَا قَالَ كَعْب بْن سَعْد الْغَنَوِيّ : وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إلَى النَّدَى لَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب يُرِيد : فَلَمْ يُجِبْهُ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَجَمَاعَة غَيْره . 2389 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } قَالَ : فَلْيُطِيعُوا لِي , قَالَ : الِاسْتِجَابَة : الطَّاعَة . 2390 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حِبَّان بْن مُوسَى , قَالَ : سَأَلْت عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } قَالَ : طَاعَة اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } فَلْيَدْعُونِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2391 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ أَبِي رَجَاء الْخُرَاسَانِيّ , قَالَ { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } : فَلْيَدْعُونِي . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلْيُصَدِّقُوا , أَيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي إذَا هُمْ اسْتَجَابُوا لِي بِالطَّاعَةِ أَنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاء طَاعَتهمْ لِي فِي الثَّوَاب عَلَيْهَا وَإِجْزَالِي الْكَرَامَة لَهُمْ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الَّذِي تَأَوَّلَ قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } أَيْ بِمَعْنَى فَلْيَدْعُونِي , فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل قَوْله : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } : وَلْيُؤْمِنُوا بِي أَنِّي أَسْتَجِيب لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2392 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ أَبِي رَجَاء الْخُرَاسَانِيّ : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } يَقُول : أَنِّي أَسْتَجِيب لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلْيُصَدِّقُوا , أَيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي إذَا هُمْ اسْتَجَابُوا لِي بِالطَّاعَةِ أَنِّي لَهُمْ مِنْ وَرَاء طَاعَتهمْ لِي فِي الثَّوَاب عَلَيْهَا وَإِجْزَالِي الْكَرَامَة لَهُمْ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الَّذِي تَأَوَّلَ قَوْله : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } أَيْ بِمَعْنَى فَلْيَدْعُونِي , فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل قَوْله : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } : وَلْيُؤْمِنُوا بِي أَنِّي أَسْتَجِيب لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2392 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ أَبِي رَجَاء الْخُرَاسَانِيّ : { وَلْيُؤْمِنُوا بِي } يَقُول : أَنِّي أَسْتَجِيب لَهُمْ . ' وَأَمَّا قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ , وَلْيُؤْمِنُوا بِي فَيُصَدِّقُوا عَلَى طَاعَتهمْ إيَّايَ بِالثَّوَابِ مِنِّي لَهُمْ وَلْيَهْتَدُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ فَيَرْشُدُوا كَمَا : 2393 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } يَقُول : لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْل مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ؟ فَأَنْت تَرَى كَثِيرًا مِنْ الْبَشَر يَدْعُونَ اللَّه فَلَا يُجَاب لَهُمْ دُعَاء وَقَدْ قَالَ : { أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } ؟ قِيلَ : إنَّ لِذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنْ الْمَعْنَى : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِالدَّعْوَةِ الْعَمَل بِمَا نَدَبَ اللَّه إلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام : وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب مِمَّنْ أَطَاعَنِي وَعَمِلَ بِمَا أَمَرْته بِهِ أُجِيبهُ بِالثَّوَابِ عَلَى طَاعَته إيَّايَ إذَا أَطَاعَنِي . فَيَكُون مَعْنَى الدُّعَاء مَسْأَلَة الْعَبْد رَبّه وَمَا وَعَدَ أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى طَاعَتهمْ بِعِلْمِهِمْ بِطَاعَتِهِ , وَمَعْنَى الْإِجَابَة مِنْ اللَّه الَّتِي ضَمِنَهَا لَهُ الْوَفَاء لَهُ بِمَا وَعَدَ الْعَامِلِينَ لَهُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " إنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " . 2394 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ذَرّ , عَنْ يَسِيع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " , ثُمَّ قَرَأَ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } 40 60 فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دُعَاء اللَّه إنَّمَا هُوَ عِبَادَته وَمَسْأَلَته بِالْعَمَلِ لَهُ وَالطَّاعَة وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ذُكِرَ أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَقُول . 2395 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ فِيهَا : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ : اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ حَقّ عَلَى اللَّه أَنْ يَسْتَجِيب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَيَزِيدهُمْ مِنْ فَضْله . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ إنْ شِئْت . فَيَكُون ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا مَخْرَجه فِي التِّلَاوَة خَاصًّا مَعْنَاهُ .وَأَمَّا قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ , وَلْيُؤْمِنُوا بِي فَيُصَدِّقُوا عَلَى طَاعَتهمْ إيَّايَ بِالثَّوَابِ مِنِّي لَهُمْ وَلْيَهْتَدُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ فَيَرْشُدُوا كَمَا : 2393 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } يَقُول : لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْل مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ؟ فَأَنْت تَرَى كَثِيرًا مِنْ الْبَشَر يَدْعُونَ اللَّه فَلَا يُجَاب لَهُمْ دُعَاء وَقَدْ قَالَ : { أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } ؟ قِيلَ : إنَّ لِذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنْ الْمَعْنَى : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِالدَّعْوَةِ الْعَمَل بِمَا نَدَبَ اللَّه إلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام : وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب مِمَّنْ أَطَاعَنِي وَعَمِلَ بِمَا أَمَرْته بِهِ أُجِيبهُ بِالثَّوَابِ عَلَى طَاعَته إيَّايَ إذَا أَطَاعَنِي . فَيَكُون مَعْنَى الدُّعَاء مَسْأَلَة الْعَبْد رَبّه وَمَا وَعَدَ أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى طَاعَتهمْ بِعِلْمِهِمْ بِطَاعَتِهِ , وَمَعْنَى الْإِجَابَة مِنْ اللَّه الَّتِي ضَمِنَهَا لَهُ الْوَفَاء لَهُ بِمَا وَعَدَ الْعَامِلِينَ لَهُ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " إنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " . 2394 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جُوَيْبِر , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ذَرّ , عَنْ يَسِيع الْحَضْرَمِيّ , عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " , ثُمَّ قَرَأَ : { وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } 40 60 فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دُعَاء اللَّه إنَّمَا هُوَ عِبَادَته وَمَسْأَلَته بِالْعَمَلِ لَهُ وَالطَّاعَة وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ذُكِرَ أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَقُول . 2395 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن هَارُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ فِيهَا : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } 40 60 قَالَ : اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ حَقّ عَلَى اللَّه أَنْ يَسْتَجِيب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَيَزِيدهُمْ مِنْ فَضْله . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِ إذَا دَعَانِ إنْ شِئْت . فَيَكُون ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا مَخْرَجه فِي التِّلَاوَة خَاصًّا مَعْنَاهُ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { وإذا سألك} المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. واختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل : إن عمر رضي اللّه عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى، وجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما، وكان ذلك قبل نزول الرخصة، فنزلت هذه الآية { إذا سألك عبادي عني فإني قريب} . وقيل : لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم، فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم، على ما يأتي بيانه. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. وقال عطاء وقتادة : لما نزلت { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر : 60] قال قوم : في أي ساعة ندعوه؟ فنزلت. الثانية: قوله تعالى { فإني قريب} أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام. الثالثة: قوله تعالى { أجيب دعوة الداعي إذا دعان} أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : (الدعاء هو العبادة قال ربكم ادعوني أستجب لكم) فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم. روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان اللّه إذا بعث نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان اللّه إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان اللّه إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس). وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في { ادعوني أستجب لكم} [غافر : 60] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل : مثل ماذا ؟ قال مثل قوله { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة : 25] فههنا شرط، وقوله { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق} [يونس : 2] فليس فيه شرط العمل، ومثل قوله { فادعوا الله مخلصين له الدين} [غافر : 14] فههنا شرط، وقوله { ادعوني أستجب لكم} ليس فيه شرط. وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب؟ فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين { أجيب} { أستجب} لا يقتضي الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55] وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له. وأنواع الاعتداء كثيرة، يأتي بيانها هنا وفي [الأعراف] إن شاء اللّه تعالى. وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت، كما قال { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} [الأنعام : 41] فيكون هذا من باب المطلق والمقيد. وقد دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة، على ما يأتي بيانه في [الأنعام] إن شاء اللّه تعالى. وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له} [الأحقاف : 5] الآية. وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه سُؤْله. فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة، لأن أجيب وأستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا. يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : (من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة). وأوحى اللّه تعالى إلى داود : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم. وقال قوم : إن اللّه يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له في الآخرة، لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها). قالوا : إذن نكثر؟ قال : (لله أكثر). خرجه أبو عمر بن عبدالبر، وصححه أبو محمد عبدالحق، وهو في الموطأ منقطع السند. قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول اللّه تعالى { ادعوني أستجب لكم} [غافر : 60] فهذا كله من الإجابة. وقال ابن عباس : كل عبد دعا استجيب له، فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له. قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلّك على صحة ما تقدم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) وزاد مسلم : (ما لم يستعجل). رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل - قيل : يا رسول اللّه، ما الاستعجال؟ قال - يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء). وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عيه وسلم قال : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي). قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : يحتمل قوله (يستجاب لأحدكم) الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة، والإخبار عن جواز وقوعها، فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة. فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها. وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي، لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط. قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه، قال صلى اللّه عليه وسلم : (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك) وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته، فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا اللّه، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما قال : (ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبدالله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم. وقيل : شرائطه أربع : أولها حفظ القلب عند الوحدة، وحفظ اللسان مع الخلق، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل : إن من من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن، كما أنشد بعضهم : ينادي ربه باللحن ليث ** كذاك إذا دعاه لا يجيب وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال : لأنكم عرفتم اللّه فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم اللّه فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال علي رضي اللّه عنه لنوف البكالي : يا نوف، إن اللّه أوحى إلى داود أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية، فإني لا أستجيب لأحد منهم، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف، لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها، إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا، أو صاحب عرطبة، وهي الطنبور، أو صاحب كوبة، وهي الطبل. قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم أعطني إن شئت، اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضا فإن في قوله إن شئت نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته، كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له). وفي الموطأ : (اللهم اغفر لي أن شئت، اللهم ارحمني إن شئت). قال علماؤنا : قوله (فليعزم المسألة) دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة اللّه، لأنه يدعو كريما. قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن اللّه قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس، قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين. وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك كالسحر ووقت الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر والصف في سبيل اللّه. كل هذا جاءت به الآثار، ويأتي بيانها في مواضعها. وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت نعم. قالت : فادع اللّه فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن عبدالله : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه. قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. الرابعة: قوله تعالى { فليستجيبوا لي} قال أبو رجاء الخراساني : فليدعوا لي. وقال ابن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم. وهذا هو باب استفعل أي طلب الشيء إلا ما شذ مثل استغنى اللّه. وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إليّ فيما دعوتهم إليه من الإيمان، أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى، ومنه قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه والسين زائدة واللام لام الأمر. وكذا { وليؤمنوا} وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط. وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل. والرشاد خلاف الغي. وقد رَشَد يَرْشُد رَشِدا. ورشد بالكسر يَرْشَد رَشَدا، لغة فيه. وأرشده اللّه. والمراشد : مقاصد الطرق. والطريق الأرشد : نحو الأقصد. وتقول : هو لرشدة. خلاف قولك : لزنية وأم راشد كنية للفأرة وبنو رشدان : بطن من العرب، عن الجوهري. وقال الهروي : الرُّشد والرَّشد والرشاد : الهدى والاستقامة، ومنه قوله { لعلهم يرشدون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 183 - 186


سورة البقرة الايات 186 - 187

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومادمت قد ذقت حلاوة ما أعطاك الحق من إشراقات صفائية في الصيام فأنت ستتجه إلى شكره سبحانه، وهذا يناسب أن يرد عليك الحق فيقول: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ونلحظ أن " إذا " جاءت، ولم تأت " إن " فالحق يؤكد لك أنك بعدما ترى هذه الحلاوة ستشكر الله؛ لأنه سبحانه يقول في الحديث القدسي: " ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ".

فما دام سبحانه سيجب الدعوة، وأنت قد تكون من العامة لا إمامة لك، وكذلك لست مظلوماً، إذن تبقى دعوة الصائم. وعندما تقرأ في كتاب الله كلمة " سأل " ستجد أن مادة السؤال بالنسبة للقرآن وردت وفي جوابها " قل ".
{  يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ }
[البقرة: 219]

وقوله:
{  وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ }
[البقرة: 219]

وقوله:
{  يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ }
[البقرة: 215]

وكل { يَسْأَلُونَكَ } يأتي في جوابها { قُلْ } إلا آية واحدة جاءت فيها " فقل " بالفاء، وهي قول الحق:
{  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً }
[طه: 105]

انظر إلى الدقة الأدائية: الأولى " قل " ، وهذه " فقل " ، فكأن { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } يؤكد أن السؤال قد وقع بالفعل، ولكن قوله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } ، فالسؤال هذا ستتعرض له، فكأن الله أجاب عن أسئلة وقعت بالفعل فقال: " قل " ، والسؤال الذي سيأتي من بعد ذلك جاء وجاءت إجابته بـ " فقل " أي أعطاه جواباً مسبقاً، إذن ففيه فرق بين جواب عن سؤال حدث، وبين جواب عن سؤال سوف يحدث، ليدلك على أن أحداً لن يفاجئ الله بسؤال، { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً }.

لكن نحن الآن أمام آية جاء فيها سؤال وكانت الإجابة مباشرة: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي }. فلم يقل: فقل: إني قريب؛ لأن قوله: " قل " هو عملية تطيل القرب، ويريد الله أن يجعل القرب في الجواب عن السؤال بدون وساطة { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ }. لقد جعل الله الجواب منه لعباده مباشرة، وإن كان الذي سيبلغ الجواب هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه لها قصة: لقد سألوا رسول الله: أقريب ربك فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

لأن عادة البعيد أن يُنادى، أما القريب فيناجى، ولكي يبين لهم القرب، حذف كلمة " قل " ، فجاء قول الحق: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } وما فائدة ذلك القرب؟ إن الحق يقول: { أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ولكن ما الشروط اللازمة لذلك؟

لقد قال الحق: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي } ونعرف أن فيه فرقا بين " عبيد " و " عباد " ، صحيح أن مفرد كل منهما " عبد " ، لكن هناك " عبيد " و " عباد " ، وكل من في الأرض عبيد الله، ولكن ليس كل من في الأرض عباداً لله، لماذا؟

لأن العبيد هم الذين يُقهرون في الوجود كغيرهم بأشياء، وهناك من يختارون التمرد على الحق، لقد أخذوا اختيارهم تمرداً، لكن العباد هم الذين اختاروا الانقياد لله في كل الأمور.إنهم منقادون مع الجميع في أن واحدا لا يتحكم متى يولد، ولا متى يموت، ولا كيف يوجد، لكن العباد يمتازون بأن الأمر الذي جعل الله لهم فيه اختياراً قالوا: صحيح يا رب أنت جعلت لنا الاختيار، وقد اخترنا منهجك، ولم نترك هوانا ليحكم فينا، أنت قلت سبحانك: " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ونحن قبلنا التكليف منك يا رب.

ولا يقول لك ربك: " افعل " إلا إذا كنت صالحاً للفعل ولعدم الفعل. ولا يقول لك: " لا تفعل " إلا إذا كنت صالحاً لهذه ولهذه. إذن فكلمة " افعل " و " لا تفعل " تدخل في الأمور الاختيارية، والحق قد قال: " افعل " و " لا تفعل " ثم ترك أشياء لا يقول لك فيها " افعل " و " لا تفعل " ، فتكون حراً في أن تفعلها أو لا تفعلها، اسمها " منطقة الاختيار المباح " ، فهناك اختيار قُيِّدَ بالتكليف بافعل ولا تفعل، واختيار بقى لك أن تفعله أو لا تفعله ولا يترتب عليه ضرر؛ فالذي أخذ الاختيار وقال: يا رب أنت وهبتني الاختيار، ولكنني تركت لك يا واهب الاختيار أن توجه هذا الاختيار كما تحب، أنا سأتنازل عن اختياري، وما تقول لي: " افعل " سأفعله، والذي تقول لي: " لا تفعله " لن أفعله.

إذن فالعباد هم الذين أخذوا منطقة الاختيار، وسلموها لمن خلق فيهم الاختيار، وقالوا لله: وإن كنت مختاراً إلا أنني أمنتك على نفسي. إن العباد هم الذين ردوا أمر الاختيار إلى من وهب الاختيار ويصفهم الحق بقوله:
{  وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً }
[الفرقان: 63-64]

هؤلاء هم عباد الرحمن، ولذلك يقول الحق للشيطان في شأنهم:
{  إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }
[الحجر: 42]

إذن فللشيطان سلطان على مطلق عبيد؛ لأنه يدخل عليهم من باب الاختيار ولم تأت كلمة { عِبَادِي } لغير هؤلاء إلا حين تقوم الساعة، ويحاسب الحق الذين أضلوا العباد فيقول:
{  أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي }
[الفرقان: 17]

ساعة تقوم الساعة لا يوجد الاختيار ويصير الكل عباداً؛ حتى الكفرة لم يعد لهم اختيار.وحين يقول الحق: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فالعباد الذين التزموا لله بالمنهج الإيماني لن يسألوا الله إلا بشيء لا يتنافى مع الإيمان وتكاليفه.

والحق يقول: { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي }؛ لأن الدعاء يطلب جواباً، ومادمت تطلب إجابة الدعاء فتأدب مع ربك؛ فهو سبحانه قد دعاك إلى منهجه فاستجب له إن كنت تحب أن يستجيب الله لك { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي } ، وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى في كلمة { ٱلدَّاعِ } ولا يتركها مطلقة، فيقول: { إِذَا دَعَانِ } فكأن كلمة " دعا " تأتي ويدعو بها الإنسان، وربما اتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة، ومثال ذلك قول الحق:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ }
[الأعراف: 194]

وقوله الحق:
{  إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ.. }
[فاطر: 14]

فكأن الداعي قد يأخذ صفة يدعو بها غير مؤهل للإجابة، والحق هنا قال: { أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } أما إذا ذهب فدعا غير قادر على الوفاء فالله ليس مسئولا عن إجابة دعوته.

إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن الإنسان يدعو بالخير لنفسه، وأنت لا تستطيع أن تحدد هذا الخير؛ لأنك قد تنظر إلى شيء على أنه الخير وهو شر، ومادمت تدعو فأنت تظن أن ذلك هو الخير، إذن فملحظية الأصل في الدعاء هي أنك تحب الخير، ولكنك قد تخطيء الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى الخير، أنت تحب الخير لا جدال، لذلك تكون إجابة ربك إلى دعائك هي أن يمنع إجابة دعوتك إن كانت لا تصادف الخير بالنسبة لك، ولذلك يجب ألا تفهم أنك حين لا تجاب دعوتك كما رجوت وطلبت أن الله لم يستجب لك فتقول: لماذا لم يستجب الله لي؟. لا لقد استجاب لك، ولكنه نحَّى عنك حمق الدعوة أو ما تجهل بأنه شر لك. فالذي تدعوه هو حكيم؛ فيقول: " أنا سأعطيك الخير، والخير الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تجاب إلى هذه الدعوة ".

وأضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ: قد يطلب منك ابنك الصغير أن تشتري له مسدساً، وهو يظن أن مسألة المسدس خير، لكنك تؤخر طلبه وتقول له: فيما بعد سأشتري لك المسدس إن شاء الله، وتماطل ولا تأتيه بالمسدس، فهل عدم مجيئك بالمسدس له على وفق ما رأى هو منع الخير عنه؟

إن منعك للمسدس عنه فائدة وصيانة وخير للابن.

إذن، فالخير يكون دائماً على مقدار الحكمة في تناول الأمور، وأنت تمنع المسدس عن ابنك، لأنك قدرت أنه طفل ويلهو مع رفاقه وقد يتعرض لأشياء تخرجه عن طوره وقد يتسبب في أن يؤذيه أحد، وقد يؤذي هو أحداً بمثل هذا المسدس.وكذلك يكون حظك من الدعاء لا يُستجاب لأن ذلك قد يرهقك أنت.. والحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11]

ولذلك يقول سبحانه:
{  سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ }
[الأنبياء: 37]

والعلماء يقولون: إن الدعاء إن قصدت به الذلة والعبودية يكون جميلاً، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إن قدرت حظك من الدعاء في الإجابة عليه فأنت لا تُقدر الأمر. إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة لله؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

ولنتعلم ما علمه رسول الله لعائشة أم المؤمنين. لقد سألت رسول الله إذا صادفت ليلة القدر فقالت: إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو؟

انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علم أم المؤمنين عائشة أن تدعو بمقاييس الخير الواسع فقال لها: " قولي: اللهم إنك تحب العفو فاعف عني ".

ولا يوجد جمال أحسن من العفو، ولا يوجد خير أحسن من العفو، فلا أقول أعطني، أعطني؛ لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11]

فمَنْ يقول: لقد دعوت ربي فلم يستجب لي، نقول له: لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تُجاب إلى ما طلبت فالله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده.

وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن تجيبك إلى شيء ثم يتبين لك منه الشر، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين الخير، ولذلك فإن الدعاء له شروط، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى الطيب من الرزق.

فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله: " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأني يستجاب له ". إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو، لذلك فعدم إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد، وإما لأنك دعوت بشيء تظن أن فيه الخير لك لكن الله يعلم أنه ليس كذلك، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال حكمته، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك الشر.

وشيء آخر، قد يحجب عنك الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو يحبك فيُبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث القدسي: " ينزل الله تعالى في السماء الدنيا فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: مَنْ يقرض غير عديم ولا ظلوم ".

ولأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها، فما دامت لم تأت فهو يقول دائماً يا رب. وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من مثل هذا العبد فيقول: " إن من عبادي من أحب دعاءهم فأنا أبتليهم ليقولوا: يا رب ". إن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب، إنما حظه من الدعاء ما قاله الحق:
{  قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ }
[الفرقان: 77]

إن معنى الربوبية والمربوبية أن تقول دائما: " يا رب ". واضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ الأب قد يعطي ابنه مصروف اليد كل شهر، والابن يأخذ مصروف اليد الشهري ويغيب طوال الشهر ولا يحرص على رؤية والده. لكن الأب حين يعطي مصروف اليد كل يوم، فالابن ينتظر والده، وعندما يتأخر الوالد قليلاً فإن الابن يقف لينتظر والده على الباب؛ لقد ربط الأب ابنه بالحاجة ليأنس برؤياه.

والحق سبحانه يضع شرطا للاستجابة للدعاء، وهو أن يستجيب العبد لله سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. عندئذ سيكون العباد أهلاً للدعاء، ولذلك قال الحق في الحديث القدسي: " مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".

ومثال ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، قال له جبريل: ألك حاجة؟. لم ينف أن له حاجة، فلا يوجد استكبار على البلوى، ولكنه قال لجبريل: أما إليك فلا، صحيح أن له حاجة إنما ليست لجبريل، لأنه يعلم جيداً أن نجاته من النار المطبوعة على أن تحرق وقد ألقي فيها، هي عملية ليست لخلق أن يتحكم فيها ولكنها قدرة لا يملكها إلا من خلق النار. فقال لجبريل: أما إليك فلا، وعلمه بحالي يغني عن سؤالي. لذلك جاء الأمر من الحق:
{  قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ }
[الأنبياء: 69]

ولنتعلم من الإمام علي كرم الله وجهه حين دخل عليه إنسان يعوده وهو مريض فوجده يتأوه، فقال له: أتتأوه وأنت أبو الحسن. قال: أنا لا أشجع على الله.

إذن فقوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي } تعني ضرورة الاستجابة للمنهج، { وَلْيُؤْمِنُواْ بِي } أي أن يؤمنوا به سبحانه إلها حكيما. وليس كل من يسأل يستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي تعطي كل صاحب دعوة خيراً يناسب الداعي لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من يجيب الدعوة.

ويذيل الحق الآية بقول: { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فما معنى { يَرْشُدُونَ }؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلي طريق الصواب. وهذه الآية جاءت بعد آية { شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ } كي تبين لنا أن الصفائية في الصيام تجعل الصائم أهلاً للدعاء، وقد لا يكون حظك من هذا الدعاء الإجابة، وإنما يكون حظك فيه العبادة، ولكي يبين لنا الحق بعض التكليفات الإلهية للبشر فهو يأتي بهذه الآية التي يبين بها ما يحل لنا في رمضان.

يقول الحق: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ... }


www.alro7.net