سورة
اية:

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيره} ، قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل اللّه: { لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إن اللّه فقير ونحن أغنياء} الآية؟ وقال محمد بن إسحاق، عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصدّيق بيت المدراس المدراس: المعلم المدرس فوجد من يهود ناساً كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق اللّه وأسلم فواللّه إنك لتعلم أن محمداً رسول من عند اللّه قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: واللّه يا أبا بكر ما بنا إلى اللّه من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر رضي اللّه عنه فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو اللّه فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { وما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ ( فقال: يا رسول اللّه إن عدو اللّه قال قولاً عظيماً، يزعم أن اللّه فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت للّه مما قال فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك، فأنزل اللّه: { لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إن اللّه فقير ونحن أغنياء} الآية ""رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس"" وقوله { سنكتب ما قالوا} تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: { وقتلهم الأنبياء بغير حق} أي هذا قولهم في اللّه، وهذه معاملتهم رسل اللّه، وسيجزيهم اللّه على ذلك شر الجزاء، ولهذا قال تعالى: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن اللّه ليس بظلام للعبيد} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً. وقوله تعالى: { الذين قالوا إن اللّه عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} ، يقول تعالى تكذيباً لهؤلاء الذين زعموا أن اللّه عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فتقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها، قالها ابن عباس والحسن وغيرهما، قال اللّه عزّ وجل: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي بالحجج والبراهين، { وبالذي قلتم} أي وبنار تأكل القرابين المتقبلة، { فلم قتلتموهم} ؟ أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم، { إن كنتم صادقين} أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل، ثم قال تعالى مسلياً لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم : (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل، الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحجج والبراهين القاطعة { والزبر} وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين { والكتاب المنير} أي والواضح الجلي.

تفسير الجلالين

{ فإن كذَّبوك فقد كُذب رسل من قبلك جاءُوا بالبينات } المعجزات { والزبُر } كصحف إبراهيم { والكتاب } وفي قراءة بإثبات الباء فيهما { المنير } الواضح هو التوراة والإنجيل فاصبر كما صبروا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كَذَّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر وَالْكِتَاب الْمُنِير } وَهَذَا تَعْزِيَة مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي كَانَ يَنَالهُ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ مِنْ سَائِر أَهْل الْمِلَل . يَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُ : لَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كَذِب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّه فَقِير , وَقَالُوا : إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِن لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِينَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلهُ النَّار , وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى رَبّهمْ اِغْتِرَارًا بِإِمْهَالِ اللَّه إِيَّاهُمْ , وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك تَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , وَادِّعَاؤُهُمْ الْأَبَاطِيل مِنْ عُهُود اللَّه إِلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِك فَكَذَّبُوك , كَذَبُوا عَلَى اللَّه , فَقَدْ كُذِّبَتْ أَسْلَافهمْ مِنْ رُسُل اللَّه قَبْلك مَنْ جَاءَهُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَة الْعُذْر , وَالْأَدِلَّة الْبَاهِرَة الْعَقْل , وَالْآيَات الْمُعْجِزَة الْخَلْق , وَذَلِكَ هُوَ الْبَيِّنَات . وَأَمَّا الزُّبُر : فَإِنَّهُ جَمْع زَبُور : وَهُوَ الْكِتَاب , وَكُلّ كِتَاب فَهُوَ زَبُور , وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : لِمَنْ طَلَل أَبْصَرْته فَشَجَانِي كَخَطِّ زَبُور فِي عَسِيب يَمَانِي وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود كَذَّبَتْ عِيسَى وَمَا جَاءَ بِهِ وَحَرَّفَتْ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَدَّلَتْ عَهْده إِلَيْهِمْ فِيهِ , وَأَنَّ النَّصَارَى جَحَدَتْ مَا فِي الْإِنْجِيل مِنْ نَعْته وَغَيَّرَتْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي أَمْره . وَأَمَّا قَوْله : { الْمُنِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي يُنِير فَيُبَيِّن الْحَقّ لِمَنْ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ وَيُوَضِّحهُ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ النُّور وَالْإِضَاءَة , يُقَال : قَدْ أَنَارَ لَك هَذَا الْأَمْر , بِمَعْنَى : أَضَاءَ لَك وَتَبَيَّنَ , فَهُوَ يُنِير إِنَارَة , وَالشَّيْء الْمُنِير . وَقَدْ : 6624 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } قَالَ : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6625 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج . قَوْله : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } قَالَ : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا الْحَرْف فِي مَصَاحِف أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق : " وَالزُّبُر " بِغَيْرِ بَاء , وَهُوَ فِي مَصَاحِف أَهْل الشَّام : " وَبِالزُّبُرِ " بِالْبَاءِ مِثْل الَّذِي فِي سُورَة فَاطِر . 35 25 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كَذَّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر وَالْكِتَاب الْمُنِير } وَهَذَا تَعْزِيَة مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي كَانَ يَنَالهُ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ مِنْ سَائِر أَهْل الْمِلَل . يَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُ : لَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كَذِب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّه فَقِير , وَقَالُوا : إِنَّ اللَّه عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِن لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِينَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلهُ النَّار , وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى رَبّهمْ اِغْتِرَارًا بِإِمْهَالِ اللَّه إِيَّاهُمْ , وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْك تَكْذِيبهمْ إِيَّاكَ , وَادِّعَاؤُهُمْ الْأَبَاطِيل مِنْ عُهُود اللَّه إِلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِك فَكَذَّبُوك , كَذَبُوا عَلَى اللَّه , فَقَدْ كُذِّبَتْ أَسْلَافهمْ مِنْ رُسُل اللَّه قَبْلك مَنْ جَاءَهُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَة الْعُذْر , وَالْأَدِلَّة الْبَاهِرَة الْعَقْل , وَالْآيَات الْمُعْجِزَة الْخَلْق , وَذَلِكَ هُوَ الْبَيِّنَات . وَأَمَّا الزُّبُر : فَإِنَّهُ جَمْع زَبُور : وَهُوَ الْكِتَاب , وَكُلّ كِتَاب فَهُوَ زَبُور , وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : لِمَنْ طَلَل أَبْصَرْته فَشَجَانِي كَخَطِّ زَبُور فِي عَسِيب يَمَانِي وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود كَذَّبَتْ عِيسَى وَمَا جَاءَ بِهِ وَحَرَّفَتْ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَدَّلَتْ عَهْده إِلَيْهِمْ فِيهِ , وَأَنَّ النَّصَارَى جَحَدَتْ مَا فِي الْإِنْجِيل مِنْ نَعْته وَغَيَّرَتْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي أَمْره . وَأَمَّا قَوْله : { الْمُنِير } فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي يُنِير فَيُبَيِّن الْحَقّ لِمَنْ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ وَيُوَضِّحهُ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ النُّور وَالْإِضَاءَة , يُقَال : قَدْ أَنَارَ لَك هَذَا الْأَمْر , بِمَعْنَى : أَضَاءَ لَك وَتَبَيَّنَ , فَهُوَ يُنِير إِنَارَة , وَالشَّيْء الْمُنِير . وَقَدْ : 6624 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } قَالَ : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6625 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج . قَوْله : { فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُل مِنْ قَبْلك } قَالَ : يُعَزِّي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا الْحَرْف فِي مَصَاحِف أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق : " وَالزُّبُر " بِغَيْرِ بَاء , وَهُوَ فِي مَصَاحِف أَهْل الشَّام : " وَبِالزُّبُرِ " بِالْبَاءِ مِثْل الَّذِي فِي سُورَة فَاطِر . 35 25 '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { الذين} في موضع خفض بدلا من { الذين} في قوله عز وجل { لقد سمع الله قول الذين قالوا} أو نعت { للعبيد} أو خبر ابتداء، أي هم الذين قالوا. وقال الكلبي وغيره. نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا له : أتزعم أن الله أرسلك إلينا، وإنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئنا به صدقناك. فأنزل الله هذه الآية. فقيل : كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام الكلام : حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان. وقيل : كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى ابن مريم. وكان النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها، فتأكل القربان. فكان هذا القول دعوى من اليهود؛ إذ كان ثم استثناء فأخفوه، أو نسخ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى؛ ومن وجب صدقه وجب تصديقه. ثم قال تعالى : إقامة للحجة عليهم. { قل} يا محمد { قد جاءكم} يا معشر اليهود { رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} من القربان { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} يعني زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي رضي الله عنه، فاحتج بها على الذي حسن قتل عثمان رضي الله عنه كما بيناه. وإن الله تعالى سمى اليهود قتلة لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة. والقربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك وصدقة وعمل صالح؛ وهو فعلان من القربة. ويكون اسما ومصدرا؛ فمثال الاسم السلطان والبرهان. والمصدر العدوان والخسران. وكان عيسى بن عمر يقرأ "بقربان" بضم الراء اتباعا لضمة القاف؛ كما قيل في جمع ظلمة : ظلمات، وفي حجرة حجرات. ثم قال تعالى معزيا لنبيه ومؤنسا له. { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات} أي بالدلالات. { والزبر} أي الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزبر جمع زبور وهو الكتاب. وأصله من زبرت أي كتبت. وكل زبور فهو كتاب؛ قال امرؤ القيس : لمن طلل أبصرته فشجاني ** كخط زبور في عسيب يماني وأنا أعرف تزبرتي أي كتابتي. وقيل : الزبور من الزبر بمعنى الزجر. وزبرت الرجل انتهرته. وزبرت البئر : طويتها بالحجارة. وقرأ ابن عامر "بالزبر وبالكتاب المنير" زيادة باء في الكلمتين. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. { والكتاب المنير} أي الواضح المضيء؛ من قولك : أنرت الشيء أنيره، أي أوضحته : يقال : نار الشيء وأناره ونوره واستناره بمعنى، وكل واحد منهما لازم ومتعد. وجمع بين الزبر والكتاب - وهما بمعنى - لاختلاف لفظهما، وأصلها كما ذكرنا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 184 - 188

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويتسامى الحق سبحانه وتعالى بروح سيدنا رسول الله إلى مرتبة العلو الذي لا يرقى إليه بشر سواه، فيقول:
{  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ }
[الأنعام: 33]

فالمسألة ليست مسألتك أنت إنهم يعرفون أنك يا محمد صادق لا تكذب أبداً { وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }. أي هذا الأمر ليس خاصا بك بل هو راجع إليّ فلا أحد يقول عنك إنك كذّاب هم يكذبونني، الظالمون يجحدون وينكرون آياتي فالحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم هنا للتسلية ويعطيه الأسوة التي تجعله غير حزين مما يفعله اليهود والمكذبون به فيقول: { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ } [آل عمران:184 ]

ونعرف أن الشرط سبب في وجود جوابه. فإذا كان الجواب قد حصل قبل الشرط فما الحال؟. الحق يوضح: إن كذبوك يا محمد فقد كذبوا رسلاً من قبلك. أي أن " جواب الشرط " قد حصل هنا قبل الشرط وهذه عندما يتلقفها واحد من السطحيين أدعياء الإسلام، أو من المستشرقين الذين لا يفهمون مرامي اللغة فمن الممكن أن يقول:

إن الجواب في هذه الآية قد حصل قبل الشرط. وهنا نرد عليه قائلين: أقوله تعالى: { فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ.. } هو جواب الشرط.. أم هو دليل الجواب؟ لقد جاء الحق بهذه الآية ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

فإن كذبوك فلا تحزن، فقد سبقك أن كَذّب قوم رسلَهم، إنها علة لجواب الشرط، كأنه يقول:

فإن كذبوك فلا تحزن. إذن فمعنى ذلك أن المذكور ليس هو الجواب، إنما هو الحيثية للجواب { فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَات }.. إلخ.

وعندما نقول: " جاءني فلان بكذا " فقد يكون هو الذي أحضره، وقد يكون هو مجرد مصاحب لمن جاء به.

ولنضرب هذا المثل للإيضاح - ولله المثل الأعلى - فلنفترض أن موظفاً أرسله رئيسه بمظروف إلى إنسان آخر، فالموظف هو المصاحب للمظروف.

إذن فالبينات جاءت من الله، لكن هؤلاء الرسل جاءوا مصاحبين ومؤيِّدين بالبينات كي تكون حُجة لهم على صدق بلاغهم عن الله، { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ }. أي جاءوا بالآيات الواضحة الدلالة على المراد. والآيات قد تكون لفتاً للآيات الكونية، وقد تكون المعجزات.

ونعلم أن كل رسول من رسل الذين سبقوا سيدنا رسول الله كانت معجزتهم منفصلة عن منهجهم، فالمعجزة شيء وكتاب المنهج شيء آخر. " صحف إبراهيم " فيها المنهج لكنها ليست هي المعجزة؛ فالمعجزة هي الإحراق بالنار والنجاة، وموسى عليه السلام معجزته العصا وتنقلب حية، وانفلاق البحر، لكن كتاب منهجه هو " التوراة " ، وعيسى عليه السلام كتاب منهجه " الإنجيل " ومعجزته العلاج وإحياء الموتى بإذن الله، إذن فقد كانت المعجزة منفصلة عن المنهج، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن معجزته القرآن، ومنهجه في القرآن، لماذا؟

لأنه جاء رسولاً يحمل المنهج المكتمل وهو القرآن الكريم، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم، فلا بد أن تظل المعجزة مع المنهج؛ كي تكون حُجة، إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ }: أي المعجزات الدالات على صدقهم.{ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ } أي الكتب التي جاءت بالمنهج، فهم يحتاجون إلى أمرين اثنين: منهج ومعجزة.

و " البينات " هي المعجزة أي الأمور البينة من عند الله وليست من عند أي واحد منهم، ثم جاء " المنهج " في { ٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ }. ومعنى " الزِبْر ": الكتاب، وما دام الشيء قد كُتب فقد " زبره " أي كَتَبَهُ، وهذا دليل على التوثيق أي مكتوب فلا ينطمس ولا يمحى فالزَّبْر الكتابة، و " الزَّبْر " تعني أيضا الوعظ؛ لأنه يمنع الموعوظ أن يصنع ما عظم أي يمتنع عن الخطأ وإتيان الانحراف، و " الزَّبْر " أيضا تعني العقل؛ لأنه يمنع الإنسان من أنْ يرد موارد التهلكة.

والذين يريدون أن يأخذوا العقل فرصة للانطلاق والانفلات، نقول لهم: افهموا معنى كلمة " العقل " ، معنى العقل هو التقييد، فالعقل يقيدك أن تفعل أي أمر دون دراسة عواقبه. والعقل من " عَقَلَ " أي ربط، كي يقال هذا، ولا يقال هذا، ويمنع الإنسان أن يفعل الأشياء التي تؤخذ عليه. و " الزبر " أيضاً: تحجير البئر؛ فعندما نحفر البئر ليخرج الماء، لا نتركه. بل نصنع له حافة من الحجر ونبنيه من الداخل بالحجارة. كي لا يُردم بالتراب وكل معاني الزبر ملتقية، فهو يعني: المكتوبات، والمكتوبات لها وصف، إنّها منيرة، وهذه الإنارة معناها أنها تبين للسالك عقبات الطريق وعراقيله، كي لا يتعثر.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يسلّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويوضح له: لا تحزن إن كذبوك؛ فقد كذب رسل من قبلك، والرسل جاءوا بالمنهج وبالمعجزة، وبعد أن يعطي الله للمؤمنين ولرسول الله مناعة ضد ما يذيعه المرجفون من اليهود وضد ما يقولون، وتربية المناعة الإيمانية في النفس تقتضي أن يخبرنا الله على لسان رسوله بما يمكن أن تواجهه الدعوة؛ حتى لا تفجأنا المواجهات ويكشف لنا سبحانه بما سيقولون. وبما سيفعلونه.

ونحن نفعل ذلك في العالم المادي: إذا خفنا من مرض ما كالكوليرا - مثلاً - ماذا نفعل؟ نأخذ الميكروب نفسه ونُضْعِفُه بصورة معينة ثم نحقن به السليم؛ كي نربّي فيه مناعة حتى يستطيع الجسم مقاومة المرض.

ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بقضية إيمانية يجب أن تظل على بال المؤمن دائماً. هذه القضية: إن هم كذبوك فتكذيبهم لا إلى خلود؛ لأنهم سينتهون بالموت، فالقضية معركتها موقوتة، والحساب أخيراً عند الحق سبحانه، ولذلك يقول: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ... }


www.alro7.net