سورة
اية:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} . [18].
قال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة، قدم عليه حَبْرَانِ من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد، قال: نعم، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} فأسلم الرجلان وصدّقا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تفسير بن كثير

شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم وأصدق القائلين { إنه لا إله إلا هو} أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: { لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك} الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} ، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. { قائماً بالقسط} منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك. { لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق، { العزيز الحكيم} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء { الحكيم} في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ، ثم قال: وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب ""رواه أحمد وابن أبي حاتم"" وعن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية: { شهد اللّه أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند اللّه الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد اللّه به وأستودع اللّه هذه الشهادة وهي لي عند اللّه وديعة { إن الدين عند اللّه الإسلام} قالها مراراً. قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني! قال: واللّه لا أحدثك بها إلى سنة؛ فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال، حدثني أبو وائل عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللّه عزّ وجلّ: عبدي عهد إليّ، وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة) ""رواه الطبراني في الكبير"" وقوله تعالى: { إن الدين عند اللّه الإسلام} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم اللّه به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى اللّه عليه وسلم، فمن لقي اللّه بعد بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} الآية، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل منه عنده في الإسلام: { إن الدين عند اللّه الإسلام} ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليه الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} أي بغي بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقاً، ثم قال تعالى: { ومن يكفر بآيات اللّه} أي من جحد ما أنزل اللّه في كتابه { فإن اللّه سريع الحساب} أي فإن اللّه سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: { فإن حاجوك} أي جادلوك في التوحيد، { فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتبعن} أي فقل أخلصت عبادتي للّه وحده لا شريك له، ولا ندَّ له، ولا ولد له ولا صاحبة له. { ومن اتبعن} أي على ديني، يقول كمقالتي كما قال تعالى: { قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا ومن اتبعني} الآية، ثم قال تعالى آمراً لعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه اللّه به إلى الكتابيين من المليين؟؟ والأميين من المشركين، فقال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي واللّه عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. ولهذا قال تعالى: { واللّه بصير بالعباد} أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة وهو الذي { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وما ذلك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات اللّه وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنّة في غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله تعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً} وقال تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} ، وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى اللّه ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم امتثالاً لأمر اللّه له بذلك، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار) ""رواه مسلم عن أبي هريرة"" وقال صلى اللّه عليه وسلم : (بعثت إلى الأحمر والأسود) وقال: (كان النبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ""أخرجاه في الصحيحين"" وروى الإمام أحمد، عن أنَس رضي اللّه عنه: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي صلى اللّه عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه، فمرض فأتاه النبي صلى اللّه عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (يا فلان قل لا إله إلا اللّه)، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه. فأعاد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه، فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول: (الحمد للّه الذي أخرجه بي من النار) ""أخرجه البخاري وأحمد""

تفسير الجلالين

{ شهد الله } بيَّن لخلقه بالدلائل والآيات { أنه لا إله } أي لا معبود في الوجود بحق { إلا هو و } شهد بذلك { الملائكةُ } بالإقرار { وأولوا العلم } من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ { قائماً } بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد { بالقسط } بالعدل { لا إله إلا هو } كرره تأكيدا { العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَشَهِدَتْ الْمَلَائِكَة , وَأُولُو الْعِلْم . فَالْمَلَائِكَة مَعْطُوف بِهِمْ عَلَى اِسْم اللَّه , وَ " أَنَّهُ " مَفْتُوحَة بِشَهِدَ . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَتَأَوَّل قَوْله شَهِدَ اللَّه : قَضَى اللَّه , وَيَرْفَع " الْمَلَائِكَة " , بِمَعْنَى : وَالْمَلَائِكَة شُهُود وَأُولُو الْعِلْم . وَهَكَذَا قَرَأَتْ قُرَّاء أَهْل الْإِسْلَام بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ إِعْمَال " شَهِدَ " فِي" أَنَّهُ " الْأَوْلَى وَكَسْر الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " الثَّانِيَة وَابْتِدَائِهَا , سِوَى أَنَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ جَمِيعًا بِفَتْحِ أَلِفَيْهِمَا , بِمَعْنَى : شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَأَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , فَعَطَفَ بِأَنَّ الدِّين عَلَى " أَنَّهُ " الْأُولَى , ثُمَّ حَذَفَ وَاو الْعَطْف وَهِيَ مُرَادَة فِي الْكَلَام . وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ ذَلِكَ : وَشَهِدَ اللَّه إِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " . .. الْآيَة , ثُمَّ قَالَ : { أَنَّ الدِّين } بِكَسْرِ " إِنَّ" الْأُولَى وَفَتْح " أَنَّ " الثَّانِيَة بِإِعْمَالِ " شَهِدَ " فِيهَا , وَجَعَلَ " أَنَّ " الْأُولَى اِعْتِرَاضًا فِي الْكَلَام غَيْر عَامِل فِيهَا " شَهِدَ " ; وَأَنَّ اِبْن مَسْعُود قَرَأَ : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } بِفَتْحِ " أَنَّ" , وَكَسْر " إِنَّ " مِنْ : { إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } عَلَى مَعْنَى إِعْمَال الشَّهَادَة فِي " أَنَّ " الْأُولَى وَ " أَنَّ " الثَّانِيَة مُبْتَدَأَة , فَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقِرَاءَتِهِ إِيَّاهُمَا بِالْفَتْحِ جَمْع قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود . فَخَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ مَا قَرَأَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْت جَمِيع قُرَّاء أَهْل الْإِسْلَام الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُتَأَخِّرِينَ , بِدَعْوَى تَأْوِيل عَلَى اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود زَعَمَ أَنَّهُمَا قَالَاهُ وَقَرَآ بِهِ , وَغَيْر مَعْلُوم مَا اِدَّعَى عَلَيْهِمَا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَة , وَلَا سَقِيمَة . وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَإِ قِرَاءَته خُرُوجهَا مِنْ قِرَاءَة أَهْل الْإِسْلَام . فَالصَّوَاب إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قِرَاءَة ذَلِكَ فَتْح الْأَلِف مِنْ " أَنَّهُ " الْأُولَى , وَكَسْر الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " الثَّانِيَة , أَعْنِي مِنْ قَوْله : { إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } اِبْتِدَاء . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَوْل كَالدَّالِّ عَلَى تَصْحِيح مَا قَرَأَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي فَتْح " أَنَّ " مِنْ قَوْله : { أَنَّ الدِّين } وَهُوَ مَا : 5313 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة } إِلَى : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } فَإِنَّ اللَّه يَشْهَد هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَالْعُلَمَاء مِنْ النَّاس أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام . فَهَذَا التَّأْوِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة إِنَّمَا هِيَ عَامَّة فِي " أَنَّ " الثَّانِيَة الَّتِي فِي قَوْله : { أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَائِز فِي " أَنَّ " الْأُولَى وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا أَنْ تَكُون الْأُولَى مَنْصُوبَة عَلَى وَجْه الشَّرْط , بِمَعْنَى : شَهِدَ اللَّه بِأَنَّهُ وَاحِد , فَتَكُون مَفْتُوحَة بِمَعْنَى الْخَفْض فِي مَذْهَب بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , وَبِمَعْنَى النَّصْب فِي مَذْهَب بَعْضهمْ , وَالشَّهَادَة عَامِلَة فِي " أَنَّ " الثَّانِيَة , كَأَنَّك قُلْت : شَهِدَ اللَّه أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , لِأَنَّهُ وَاحِد , ثُمَّ تَقَدَّمَ " لِأَنَّهُ وَاحِد " فَتَفْتَحهَا عَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيل . وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنْ تَكُون " إِنَّ " الْأُولَى مَكْسُورَة بِمَعْنَى الِابْتِدَاء لِأَنَّهَا مُعْتَرَض بِهَا , وَالشَّهَادَة وَاقِعَة عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَة , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : شَهِدَ اللَّه فَإِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة , أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , كَقَوْلِ الْقَائِل : أَشْهَد - فَإِنِّي مُحِقّ - أَنَّك مِمَّا تُعَاب بِهِ بَرِيء , فَ " إِنَّ " الْأُولَى مَكْسُورَة لِأَنَّهَا مُعْتَرِضَة , وَالشَّهَادَة وَاقِعَة عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَة . وَأَمَّا قَوْله : { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْعَدْل بَيْن خَلْقه . وَالْقِسْط : هُوَ الْعَدْل , مِنْ قَوْلهمْ : هُوَ مُقْسِط , وَقَدْ أَقْسَطَ , إِذَا عَدَلَ , وَنُصِبَ " قَائِمًا " عَلَى الْقَطْع . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّهُ حَال مِنْ " هُوَ " الَّتِي فِي " لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَزْعُم أَنَّهُ قَالَ مِنْ اِسْم اللَّه الَّذِي مَعَ قَوْله : { شَهِدَ اللَّه } فَكَانَ مَعْنَاهُ : شَهِدَ اللَّه الْقَائِم بِالْقِسْطِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود كَذَلِكَ : " وَأُولُو الْعِلْم الْقَائِم بِالْقِسْطِ " , ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الْقَائِم فَصَارَ نَكِرَة وَهُوَ نَعْت لِمَعْرِفَةٍ , فَنُصِبَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ جَعَلَهُ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , لِأَنَّ الْمَلَائِكَة وَأُولِي الْعِلْم مَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ الصَّحِيح أَنْ يَكُون قَوْله " قَائِمًا " حَالًا مِنْهُ . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُون شَيْء يَسْتَحِقّ الْعُبُودَة غَيْر الْوَاحِد الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ فِي مُلْكه . وَيَعْنِي بِالْعَزِيزِ : الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يَنْتَصِر مِنْهُ أَحَد عَاقَبَهُ أَوْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره , فَلَا يَدْخُلهُ خَلَل . وَإِمَّا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة نَفْي مَا أَضَافَتْ النَّصَارَى الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى مِنْ الْبُنُوَّة , وَمَا نَسَبَ إِلَيْهِ سَائِر أَهْل الشِّرْك مِنْ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا , وَاِتِّخَاذهمْ دُونه أَرْبَابًا . فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه عَنْ نَفْسه أَنَّهُ الْخَالِق كُلّ مَا سِوَاهُ , وَأَنَّهُ رَبّ كُلّ مَا اِتَّخَذَهُ كُلّ كَافِر وَكُلّ مُشْرِك رَبًّا دُونه , وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْهَد بِهِ هُوَ وَمَلَائِكَته وَأَهْل الْعِلْم بِهِ مِنْ خَلْقه . فَبَدَأَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ , وَتَنْزِيهًا لَهَا عَمَّا نَسَبَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا أَمْرهمْ مِنْ أَهْل الشِّرْك بِهِ مَا نَسَبُوا إِلَيْهَا , كَمَا سَنَّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَبْدَءُوا فِي أُمُورهمْ بِذِكْرِهِ قَبْل ذِكْر غَيْره , مُؤَدِّبًا خَلْقه بِذَلِكَ . وَالْمُرَاد مِنْ الْكَلَام : الْخَبَر عَنْ شَهَادَة مَنْ اِرْتَضَاهُمْ مِنْ خَلْقه فَقَدَّمُوهُ مِنْ مَلَائِكَته وَعُلَمَاء عِبَاده , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَلَائِكَته - الَّتِي يُعَظِّمهَا الْعَابِدُونَ غَيْره مِنْ أَهْل الشِّرْك وَيَعْبُدهَا الْكَثِير مِنْهُمْ - وَأَهْل الْعِلْم مِنْهُمْ مُنْكِرُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرهمْ , وَقَوْلهمْ فِي عِيسَى وَقَوْل مَنْ اِتَّخَذَ رَبًّا غَيْره مِنْ سَائِر الْخَلْق , فَقَالَ شَهِدَتْ الْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَأَنَّ كُلّ مَنْ اِتَّخَذَ رَبًّا دُون اللَّه فَهُوَ كَاذِب ; اِحْتِجَاجًا مِنْهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى الَّذِينَ حَاجُّوهُ مِنْ وَفْد نَجْرَان فِي عِيسَى , وَاعْتَرَضَ بِذِكْرِ اللَّه وَصِفَته عَلَى مَا نُبَيِّنهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه } 8 41 اِفْتِتَاحًا بِاسْمِهِ الْكَلَام , فَكَذَلِكَ اِفْتَتَحَ بِاسْمِهِ وَالثَّنَاء عَلَى نَفْسه الشَّهَادَة بِمَا وَصَفْنَا مِنْ نَفْي الْأُلُوهَة مِنْ غَيْره وَتَكْذِيب أَهْل الشِّرْك بِهِ . فَأَمَّا مَا قَالَ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْله مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ شَهِدَ : قَضَى , فَمِمَّا لَا يُعْرَف فِي لُغَة الْعَرَب وَلَا الْعَجَم , لِأَنَّ الشَّهَادَة مَعْنًى , وَالْقَضَاء غَيْرهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ . 5314 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم } بِخِلَافِ مَا قَالُوا , يَعْنِي : بِخِلَافِ مَا قَالَ وَفْد نَجْرَان مِنْ النَّصَارَى , { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } أَيْ بِالْعَدْلِ . 5315 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { بِالْقِسْطِ } بِالْعَدْلِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَشَهِدَتْ الْمَلَائِكَة , وَأُولُو الْعِلْم . فَالْمَلَائِكَة مَعْطُوف بِهِمْ عَلَى اِسْم اللَّه , وَ " أَنَّهُ " مَفْتُوحَة بِشَهِدَ . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَتَأَوَّل قَوْله شَهِدَ اللَّه : قَضَى اللَّه , وَيَرْفَع " الْمَلَائِكَة " , بِمَعْنَى : وَالْمَلَائِكَة شُهُود وَأُولُو الْعِلْم . وَهَكَذَا قَرَأَتْ قُرَّاء أَهْل الْإِسْلَام بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ إِعْمَال " شَهِدَ " فِي" أَنَّهُ " الْأَوْلَى وَكَسْر الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " الثَّانِيَة وَابْتِدَائِهَا , سِوَى أَنَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ جَمِيعًا بِفَتْحِ أَلِفَيْهِمَا , بِمَعْنَى : شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَأَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , فَعَطَفَ بِأَنَّ الدِّين عَلَى " أَنَّهُ " الْأُولَى , ثُمَّ حَذَفَ وَاو الْعَطْف وَهِيَ مُرَادَة فِي الْكَلَام . وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ ذَلِكَ : وَشَهِدَ اللَّه إِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " . .. الْآيَة , ثُمَّ قَالَ : { أَنَّ الدِّين } بِكَسْرِ " إِنَّ" الْأُولَى وَفَتْح " أَنَّ " الثَّانِيَة بِإِعْمَالِ " شَهِدَ " فِيهَا , وَجَعَلَ " أَنَّ " الْأُولَى اِعْتِرَاضًا فِي الْكَلَام غَيْر عَامِل فِيهَا " شَهِدَ " ; وَأَنَّ اِبْن مَسْعُود قَرَأَ : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } بِفَتْحِ " أَنَّ" , وَكَسْر " إِنَّ " مِنْ : { إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } عَلَى مَعْنَى إِعْمَال الشَّهَادَة فِي " أَنَّ " الْأُولَى وَ " أَنَّ " الثَّانِيَة مُبْتَدَأَة , فَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقِرَاءَتِهِ إِيَّاهُمَا بِالْفَتْحِ جَمْع قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود . فَخَالَفَ بِقِرَاءَتِهِ مَا قَرَأَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْت جَمِيع قُرَّاء أَهْل الْإِسْلَام الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُتَأَخِّرِينَ , بِدَعْوَى تَأْوِيل عَلَى اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود زَعَمَ أَنَّهُمَا قَالَاهُ وَقَرَآ بِهِ , وَغَيْر مَعْلُوم مَا اِدَّعَى عَلَيْهِمَا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَة , وَلَا سَقِيمَة . وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَإِ قِرَاءَته خُرُوجهَا مِنْ قِرَاءَة أَهْل الْإِسْلَام . فَالصَّوَاب إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قِرَاءَة ذَلِكَ فَتْح الْأَلِف مِنْ " أَنَّهُ " الْأُولَى , وَكَسْر الْأَلِف مِنْ " إِنَّ " الثَّانِيَة , أَعْنِي مِنْ قَوْله : { إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } اِبْتِدَاء . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَوْل كَالدَّالِّ عَلَى تَصْحِيح مَا قَرَأَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي فَتْح " أَنَّ " مِنْ قَوْله : { أَنَّ الدِّين } وَهُوَ مَا : 5313 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة } إِلَى : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } فَإِنَّ اللَّه يَشْهَد هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَالْعُلَمَاء مِنْ النَّاس أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام . فَهَذَا التَّأْوِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَة إِنَّمَا هِيَ عَامَّة فِي " أَنَّ " الثَّانِيَة الَّتِي فِي قَوْله : { أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَائِز فِي " أَنَّ " الْأُولَى وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا أَنْ تَكُون الْأُولَى مَنْصُوبَة عَلَى وَجْه الشَّرْط , بِمَعْنَى : شَهِدَ اللَّه بِأَنَّهُ وَاحِد , فَتَكُون مَفْتُوحَة بِمَعْنَى الْخَفْض فِي مَذْهَب بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , وَبِمَعْنَى النَّصْب فِي مَذْهَب بَعْضهمْ , وَالشَّهَادَة عَامِلَة فِي " أَنَّ " الثَّانِيَة , كَأَنَّك قُلْت : شَهِدَ اللَّه أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , لِأَنَّهُ وَاحِد , ثُمَّ تَقَدَّمَ " لِأَنَّهُ وَاحِد " فَتَفْتَحهَا عَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيل . وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنْ تَكُون " إِنَّ " الْأُولَى مَكْسُورَة بِمَعْنَى الِابْتِدَاء لِأَنَّهَا مُعْتَرَض بِهَا , وَالشَّهَادَة وَاقِعَة عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَة , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : شَهِدَ اللَّه فَإِنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة , أَنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام , كَقَوْلِ الْقَائِل : أَشْهَد - فَإِنِّي مُحِقّ - أَنَّك مِمَّا تُعَاب بِهِ بَرِيء , فَ " إِنَّ " الْأُولَى مَكْسُورَة لِأَنَّهَا مُعْتَرِضَة , وَالشَّهَادَة وَاقِعَة عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَة . وَأَمَّا قَوْله : { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْعَدْل بَيْن خَلْقه . وَالْقِسْط : هُوَ الْعَدْل , مِنْ قَوْلهمْ : هُوَ مُقْسِط , وَقَدْ أَقْسَطَ , إِذَا عَدَلَ , وَنُصِبَ " قَائِمًا " عَلَى الْقَطْع . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّهُ حَال مِنْ " هُوَ " الَّتِي فِي " لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَزْعُم أَنَّهُ قَالَ مِنْ اِسْم اللَّه الَّذِي مَعَ قَوْله : { شَهِدَ اللَّه } فَكَانَ مَعْنَاهُ : شَهِدَ اللَّه الْقَائِم بِالْقِسْطِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود كَذَلِكَ : " وَأُولُو الْعِلْم الْقَائِم بِالْقِسْطِ " , ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِف وَاللَّام مِنْ الْقَائِم فَصَارَ نَكِرَة وَهُوَ نَعْت لِمَعْرِفَةٍ , فَنُصِبَ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ جَعَلَهُ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , لِأَنَّ الْمَلَائِكَة وَأُولِي الْعِلْم مَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ الصَّحِيح أَنْ يَكُون قَوْله " قَائِمًا " حَالًا مِنْهُ . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُون شَيْء يَسْتَحِقّ الْعُبُودَة غَيْر الْوَاحِد الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ فِي مُلْكه . وَيَعْنِي بِالْعَزِيزِ : الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يَنْتَصِر مِنْهُ أَحَد عَاقَبَهُ أَوْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره , فَلَا يَدْخُلهُ خَلَل . وَإِمَّا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة نَفْي مَا أَضَافَتْ النَّصَارَى الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى مِنْ الْبُنُوَّة , وَمَا نَسَبَ إِلَيْهِ سَائِر أَهْل الشِّرْك مِنْ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا , وَاِتِّخَاذهمْ دُونه أَرْبَابًا . فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه عَنْ نَفْسه أَنَّهُ الْخَالِق كُلّ مَا سِوَاهُ , وَأَنَّهُ رَبّ كُلّ مَا اِتَّخَذَهُ كُلّ كَافِر وَكُلّ مُشْرِك رَبًّا دُونه , وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْهَد بِهِ هُوَ وَمَلَائِكَته وَأَهْل الْعِلْم بِهِ مِنْ خَلْقه . فَبَدَأَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ , وَتَنْزِيهًا لَهَا عَمَّا نَسَبَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا أَمْرهمْ مِنْ أَهْل الشِّرْك بِهِ مَا نَسَبُوا إِلَيْهَا , كَمَا سَنَّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَبْدَءُوا فِي أُمُورهمْ بِذِكْرِهِ قَبْل ذِكْر غَيْره , مُؤَدِّبًا خَلْقه بِذَلِكَ . وَالْمُرَاد مِنْ الْكَلَام : الْخَبَر عَنْ شَهَادَة مَنْ اِرْتَضَاهُمْ مِنْ خَلْقه فَقَدَّمُوهُ مِنْ مَلَائِكَته وَعُلَمَاء عِبَاده , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَلَائِكَته - الَّتِي يُعَظِّمهَا الْعَابِدُونَ غَيْره مِنْ أَهْل الشِّرْك وَيَعْبُدهَا الْكَثِير مِنْهُمْ - وَأَهْل الْعِلْم مِنْهُمْ مُنْكِرُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرهمْ , وَقَوْلهمْ فِي عِيسَى وَقَوْل مَنْ اِتَّخَذَ رَبًّا غَيْره مِنْ سَائِر الْخَلْق , فَقَالَ شَهِدَتْ الْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , وَأَنَّ كُلّ مَنْ اِتَّخَذَ رَبًّا دُون اللَّه فَهُوَ كَاذِب ; اِحْتِجَاجًا مِنْهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى الَّذِينَ حَاجُّوهُ مِنْ وَفْد نَجْرَان فِي عِيسَى , وَاعْتَرَضَ بِذِكْرِ اللَّه وَصِفَته عَلَى مَا نُبَيِّنهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه } 8 41 اِفْتِتَاحًا بِاسْمِهِ الْكَلَام , فَكَذَلِكَ اِفْتَتَحَ بِاسْمِهِ وَالثَّنَاء عَلَى نَفْسه الشَّهَادَة بِمَا وَصَفْنَا مِنْ نَفْي الْأُلُوهَة مِنْ غَيْره وَتَكْذِيب أَهْل الشِّرْك بِهِ . فَأَمَّا مَا قَالَ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْله مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ شَهِدَ : قَضَى , فَمِمَّا لَا يُعْرَف فِي لُغَة الْعَرَب وَلَا الْعَجَم , لِأَنَّ الشَّهَادَة مَعْنًى , وَالْقَضَاء غَيْرهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ . 5314 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم } بِخِلَافِ مَا قَالُوا , يَعْنِي : بِخِلَافِ مَا قَالَ وَفْد نَجْرَان مِنْ النَّصَارَى , { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } أَيْ بِالْعَدْلِ . 5315 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { بِالْقِسْطِ } بِالْعَدْلِ . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قال سعيد بن جبير : كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت هذه الآية خررن سجدا. وقال الكلبي : لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام؛ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان. فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له : أنت محمد؟ قال (نعم). قالا : وأنت أحمد؟ قال : (نعم). قالا : نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سلاني). فقالا : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط} فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل : إن المراد بأولي العلم الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان : المهاجرون والأنصار. مقاتل : مؤمنو أهل الكتاب. السدي والكلبي : المؤمنون كلهم؛ وهو الأظهر لأنه عام. الثانية: في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم { وقل رب زدني علما} [طه : 114]. فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم : (إن العلماء ورثة الأنبياء). وقال : (العلماء أمناء الله على خلقه). وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير. وخرج أبو محمد عبدالغني الحافظ من حديث بركة بن نشيط - وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط - وكان حافظا، حدثنا عمر بن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدثنا عنكل حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (العلماء ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة) وفي هذا الباب حديث عن أبي الدرداء خرجه أبو داود. الثالثة: روى غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران : 18 - 19]، قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، وإن الدين عند الله الإسلام - قالها مرارا - فغدوت إليه وودعته ثم قلت : إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال : والله لا حدثتك به سنة. قال : فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة. قال : حدثني أبو وائل، عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى أدخلوا عبدي الجنة). قال أبو الفرج الجوزي : غالب القطان هو غالب بن خطاف القطان، يروي عن الأعمش حديث (شهد الله) وهو حديث معضل. قال ابن عدي الضعف على حديثه بين. وقال أحمد بن حنبل : غالب بن خطاف القطان ثقة ثقة. وقال ابن معين : ثقة. وقال أبو حاتم : صدوق صالح. قلت : يكفيك من عدالته وثقته أن خرج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من قرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة). ويقال من أقر بهذه الشهادة عن عقد من قلبه فقد قام بالعدل. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من أحياء العرب صنم أو صنمان. فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله. الرابعة: قوله تعالى { شهد الله} أي بين وأعلم؛ كما يقال : شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو. قال الزجاج : الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه؛ فقد دلنا الله تعالى على وحدانيته بما خلق وبين. وقال أبو عبيدة { شهد الله} بمعنى قضى الله، أي أعلم. وقال ابن عطية : وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي بفتح "أن" في قوله { أنه لا إله إلا هو} وقوله "أن الدين". قال المبرد : التقدير : أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال : أمرتك الخير. أي بالخير. قال الكسائي : أنصبهما جميعا، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الذين عند الله. قال ابن كيسان "أن" الثانية بدل من الأولى؛ لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي "شهد الله إنه" بالكسر "أن الدين" بالفتح. والتقدير : شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ابتداء فقال : إنه لا إله إلا هو. وقرأ أبو المهلب وكان قارئا - شهداء الله بالنصب على الحال، وعنه "شهداء الله". وروى شعبة عن عاصم عن زرٍّ عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ (أن الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية). قال أبو بكر الأنباري : ولا يخفى على ذي تمييز أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و { قائماً} نصب على الحال المؤكدة من اسمه تعالى في قوله { شهد الله} أو من قوله { إلا هو} . وقال الفراء : هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نصب كقوله { وله الدين واصباً} [النحل : 52]. وفي قراءة عبدالله "القائم بالقسط" على النعت، والقسط العدل. { لا إاله إلا هو العزيز الحكيم" كرر لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم. وقال جعفر الصادق : الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 16 - 19


سورة ال عمران الايات 18 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولنأخذ الجملة الأولى من الآية الكريمة بمعناها: لقد شهد الله أنه لا إله إلا هو، أي أنَّ الحق قد أخبر بما رآه، وشاهده، أو ما يقوم مقام ذلك. إن " شهد " بمعنى علم.

إنه الحق الذي نصب الأدلة في الوجود على قيوميته، وعلى أنه إله واحد، أليس في ذلك إقامة للحجة على أنه إله واحد؟ ومن الذي خلق الأدلة وجاء بها؟ إنه الله.

ّإذن، فقد شهد الله أنه لا إله إلا هو. وقلنا: إن شهادة الله أنه لا إله إلا هو هي شهادة الذات للذات، وشهادة الذات للذات تعني أنها كلمة مُمَكّنٌ منها. فعندما يقول الحق:
{  بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
[البقرة: 117].

بالله لو لم يكن قد شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وليس هناك من يعارض مبتغاه، أكان يجازف فيقولها؟ إنه الحق الأعلى الذي شهد أن لا إله إلا هو، فساعة أن يقول: " كن " فإنه قد علم، أنه لا يوجد إله آخر يقول: " لا تكن ". إن الحق لا بد أن يطمئَننا أنه لا إله إلا هو، لذلك فلزم أن يشهد لنفسه أنه مؤمن بأنه لا إله إلا هو ويلقى الأمر، ويلقى الحكم التسخيري، ويعلم أنه لا إله يعارضه.

وأليس من مطلوبات الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشهد أنه رسول الله؟ لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في صلاته: " أشهد أن محمدا رسول الله ". ولو لم يشهد بهذه لنفسه فكيف يجازف بالأشياء التي يقولها؟ ولذلك فسيدنا أبو بكر عندما بلغه أمر بعث محمد رسولا، قال ما معناه: أقالها محمد؟ إنه صادق، وما دام قد قالها فهي حق.

إن أبا بكر الصديق واثق من الرصيد الذي سبق بعث محمد بالرسالة. ونحن نرى في التاريخ امرأة كان السبب في إسلامها لمحة من سيرته صلى الله عليه وسلم. قرأت هذه المرأة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان له حراس من المؤمنين يقومون بحراسته من الكافرين. وبعد ذلك جاء يوم وصرف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الحراس، وقال لهم ما معناه: إن الله عصمني من الناس فاذهبوا أنتم.

وقد قرأنا هذه الواقعة كثيرا جدا، ولكن الفتح جاء من الحق لامرأة، فشغلتها هذه المسألة، وتساءلت: ألم يكن هؤلاء الحراس يحرسونه خوفا على حياته؟ فلماذا قال لهم: " لا تحرسوني " لأن الله هو الذي يحرسني؟ فلو أن رسول الله قد غش الدنيا كلها؛ أكان من الممكن أن يغش نفسه في حياته؟

وأجابت المرأة على نفسها: لا يمكن، لا بد أن رسول الله قد وثق تمام الثقة في أن الله قد أبلغه أمر حمايته بدليل أنه قام بصرف الحراس، وإلا فكيف يأمن أن يأتي أحد ليقتله؟ قالت المرأة: والله لو خَدع الناس جميعا ما خَدع نفسه في حياته، أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.حدث إسلام هذه المرأة من نفحة يسيرة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن، { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } هي شهادة الذات للذات، وكفى بالله شهيدا. وشهدت الملائكة أيضا، والملائكة هم الغيب الخفي عنا، وتتلقى الأوامر من الحق. إن الملائكة لم يروا أحدا آخر يعطي لهم الأوامر، إنه الإله الواحد القادر. وهذه هي شهادة المشهد. ويضاف إلى الملائكة { وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } الأدلة وجلسوا يستنبطون من كون الله أدلة على أنه لا إله إلا الله.

إن هذه أعظم شهادة لأعظم مشهود به من أعظم شهود، الله في القمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم، والملائكة وأولوا العلم. ولقد أخذ أولوا العلم منزلة كبيرة لأن الله قد قرنهم بالملائكة.

إن الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قد نثر في كونه الآيات العجيبة العديدة, والذي يجلس، ويتفكر ويتدبر، ويتفطن وينظر، فإنه يستخرج الأدلة على أنه لا إله إلا هو، وكما قلنا من قبل: إن أبسط الطرق للتدليل على هذه الحقيقة. إن كانت " لا إله إلا الله " صدقا فقد كُفينا، وإن كانت غير صدق فأين الإله الذي أخذ منه الله هذا الكون، ولم يخبرنا ذلك الإله أنه صاحب الكون؟ فإما أن هذا الإله الآخر لم يَدْر، أو أنه قد علم، ولا يستطيع فعل شيء، إذن فلا يصح أن يكون إلها يزاحم الحق الذي أبلغنا أنه لا إله إلا هو.

وتظل " لا إله إلا الله " لصاحبها - جل شأنه - " شهد الله أنه لا إله إلا هو " وفي كل حركة من حركات الحياة نجد أن الانفراد بصدور الحركة قد يعطي علوا، وقد يعطي استكبارا.. لذلك نقول: ها هو ذا الخالق الأعلى الذي " لا إله إلا هو " يخبرنا أنه قائم بالقسط. ورغم أنه لا أحد في استطاعته أن يتدارك على الله، إلا أنه يطمئننا أنه قائم بالقسط.

ولنلحظ هنا ملحظاً جميلا في الأداء { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } لماذا لم يقل الله إن " الملائكة " و " أولوا العلم " ، الذين شهدوا أنه لا إله إلا هو " قائمين " بالقسط؟ لقد شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، والملائكة شهدوا هذه القضية والعلماء شهدوا أيضا بهذه القضية.. لماذا؟ لأن الله لو قال: " قائمين بالقسط " لكان الله مشهودا عليه من هؤلاء، والشهادة هي له وحده أنه قائم بالقسط والعدل.لأنه سبحانه خلق الملائكة بالقسط، فلو كانوا معه في ذلك لما استقام الأمر، وأولوا العلم أيضا مخلوقون بالقسط؛ لأن الله قد وزع حركة الحياة على الناس، فَنَاسٌ يعملون بعقولهم، وآخرون يعملون بقلوبهم، وقوم غيرهم يعملون بجوارحهم، فهذا هو

لون من عدل الله، وإلا، فهل يدعي أحد أن إنسانا تتجمع فيه كل المواهب التي تتطلبها الحياة. لا، وهذه من عدالة الرحمن.

إن من عدالة الحق أنه وزع المواهب بين البشر، فبدلا من أن يعتمد الإنسان على نفسه في صناعة الملبس والمأكل، والمشرب، جعل الله المهارات موزعة بين البشر.. فأتقنت مجموعة من البشر حرفة الزراعة لإنتاج الطعام الذي يكفيهم، ويسد حاجة غيرهم، وكذلك تبادلوا مع غيرهم المنافع، فالإنسان - بمفرد - لا يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه؛ ليلبس، والإنسان لا يستطيع أن يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه.

إن الله لم يخلق الناس ليقوم كل فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة، إنما وزع الله المواهب، لتتداخل هذه المواهب، ويتكامل المجتمع البشري، فواحد يزرع الأرض، وثانٍ يغزل القطن، وثالث ينسج القماش، ورابع يصنع الأدوات. وهذا عدل عظيم؛ لأن الطاقة البشرية لا تقوى على أن تقوم بكل متطلبات الحياة، لذلك جعل الحق هذا التنوع في المواهب ليربط الناس بالناس قهرا عن الناس، فلم يجعل لأحد تفضيلا على أحد، فما دام واحد يعرف في مجال، وآخر لا يعرف في هذا المجال، فالذي لا يعرف محتاج للآخر، وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم.

ولذلك نجد الكون متكاملا. ولينظر كل منا إلى حياته وليعدد كمْ زاوية من زوايا العلم، وكم زاوية من زوايا القدرات، وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى تخدم حركة الحياة؟

إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعا ليخدموا جميعاً حركة الحياة. وهذا قمة العدل. وحتى يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية العدالة في إقامة المحبة والاحترام بين البشر، فلينظر الواحد منا إلى الإنسان الآخر البعيد عنه، ويتساءل بينه وبين نفسه: أهذا الرجل البعيد عني يعمل من أجلي؟ وتكون الإجابة: نعم.

إذن، فعلى الإنسان عندما يرى إنسانا متفوقا في صنعة ما، فليقل: إن تفوقه في صنعته عائد إليّ وتفوقه في موهبته عائد إليّ، وهكذا منع الله بالعدل الحقد والحسد، وجعل الناس متكاتفين قهرا عنهم، لا تفضيلا منهم، إذن، فكل إنسان يسعى بحركة الحياة إنما يقيم نفسه في زاوية من زوايا الحياة، ومن العجيب أن الزاوية التي يُحسنها الإنسان تكون حاجته فيها أقل الحاجات، لذلك نجد المثل الريفي الذي يقول: " باب النجار مخلع " ، وذلك حتى يعلم الإنسان أن موهبة ما تكون عند غيره سوف تنفعه هو، بدليل أن الموهبة التي عندك لم تنتفع أنت بها إلاّ قليلا.وبذلك يشيع في الناس اقتناع بأن موهبة كل فرد فيهم، إنما تعود عليهم جميعا، وبذلك تحل المحبة والاحترام بدلا من الحسد والحقد. وعندما سأل أحد الظرفاء: ولماذا يكون باب النجار هو " المخلع "؟ قال أحد الظرفاء ردا عليه: لأنه الباب الوحيد الذي لن يأخذ النجار أجرا لإصلاحه، ونلتفت إلى العجائب في الحكمة الشائعة، فنجد أطباء اخصائيين في ألوان من المرض، وصاروا أعلاما في مجالات تخصصاتهم، ويشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يصابوا إلا بما برعوا فيه، كأن الذي برعوا فيه لم يفدهم هم بشيء، إنما أفاد الآخرين. ولننظر إلى الآية في مجملها: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } لقد استهلها الله بقوله: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } ثم قال بعد ذلك: { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فكأن الآية تقول لنا: إذا ثبتت شهادة الذات للذات، وشهادة المشهد من الملائكة، وشهادة الاستدلال من العلماء، فإن القاعدة تكون قد استقرت استقرارا نهائيا لا شك فيه، فخذوها مسلمة: " لا إله إلا هو ".

وما دام " لا إله إلا هو " فليكن اعتمادك عليه وحده، واعلم أنك إن اعتمدت عليه وحده إلها فأنت قد اعتمدت على عزيز لا يُغْلب على أمره.

قال صلى الله عليه وسلم: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصحف ".

فلا يستطيع أحد أن يدخل مع الله في جدال. إنما يدخل خلق الله مع خلق الله في خلاف أو نضال، لكن لا أحد يجرؤ على أن يدخل في نضال مع الله لأنه عزيز لا يغلب. فإن آمنت به وحده، فلك الفوز. وكلمة " وحده " قد تبدو في ظاهرها تقليلا للسند الذي تستند إليه في القياس البشرى، فيقال: " أنا لاجئ إلى فلان وحده " وعندما تكون لاجئا إلى عشرين ألا تكون أكثر قوة؟ لكن هنا لا يكون قياس بين اللجوء إلى الله وحده، بقياس اللجوء إلى مخلوق. إنك هنا تلجأ إلى خالق أعلى بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير، فكلمة " وحده " هنا تغنيك وتكفيك عن الكل. اعمل لوجه واحد. يكفك كل الأوجه، واعلم أنه لا يوجد من يغلبه على أمره.

وعظمة الحق أنه واحد أحد فرد متفرد صمد، وهو عزيز لا يُغْلب على أمره, وهو صاحب كل الحكمة في وضع الأشياء في مواضعها بحيث إذا ما عرفت حكمة مايجريه الله سبحانه وتعالى على خلقه فأنت تتعجب من عظمة قدرة الله، لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وما دمت قد وضعت الشيء في موضعه فإنه لا يكون هناك قلقٌ، وما دام الشيء موضوعا في مكانه فهو مستقر، وما دام الشيء مستقراً فإنه لا يتلون وتزداد الثقة فيه، وهذه مأخوذة من " الحَكمة " التي تُوضع في فم الفرس، والتي نسميها " اللجام " وهي كما نعرف تتكون من قطعة من الجلد تدخل على اللسان وفيها قطعة من الحديد، فإن مال إلى غير الاتجاه الذي تريد، يكون من السهل جذبه إلى الاتجاه الصحيح.إن وجود الحكمة يعني وجود شيء يحكمه فلا ينحرف يمينا ولا يسارا، وما دام الله قد شهد أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة وشهد أولوا العلم، وانتهت القضية بعد هذه الشهادات إلى أنه لا إله إلا هو، وأنه العزيز الحكيم، فكل منهج منه يجب أن يُسلم إليه، وأن ينقاد له. وما دام الله قد شهد لنفسه بأنه إله واحد، أي لا يوجد له شريك ينازعه فيما يريد من خلقه، وليس لله شريك في الخلق، وليس لله شريك في الرزق، وليس له شريك في التشريع.

إذن.. فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة، وكان من الممكن أن تظلم وتجور هذه الجهة الواحدة الخالقة على ما خلقت لأنه ليس لأحد من خلق الله حق على الله، لكن الله سبحانه عادل، إنه سبحانه يطمئننا، فهذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها عادلة لا تظلم، لأنه قال: مع أني إله واحد، لا يُرد لي حكم ولا أمر فأنا قائم بالقسط.

والقيام بالقسط يجب أن نتوقف عنده لنفهمه جيدا، إن الحق يقول عن نفسه: " قائما بالقسط " وكلمة قائم تعني أن الله قد خلقهم الخلق الأول، وهذا الخلق إنما قام على العدل والقسط. وتكليف الحق للخلق قام على العدل والقسط. والعدل والقسط يقتضي ميزانا لا ترجح فيه كفة على كفة، وهذا الميزان ممسوك بيد القدرة القاهرة التي لا توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم، والحق سبحانه قائم بالقسط في الخلق، فقبل أن يخلقنا أعدّ لنا ما تتطلبه حياتنا بالقسط أيضا، فلم يجعل أمر الحياة قائما على الأسباب التي يكلفنا بها لنعيش، بل حكم بالقسط، لقد جعل الحق بعضا من الأمور لا دخل لنا نحن العباد فيها، ولم يقض الحق بذلك على حركتنا ولا على حريتنا في الحركة، لذلك خلق لنا أسبابا إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات، وإن شئنا ألا نفعل فنترك الأسباب والمسببات.إذن.. فالحق سبحانه لم يحكمنا في قضية الخلق الأولى بشيء واحد، بأن يجبرنا على كل شيء، بل جبرنا بأنه - سبحانه - لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا في كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة، فلم يجعل الشمس بأيدينا، ولا القمر، ولا الريح، ولا المطر. كل هذه الأسباب جعلها بيده هو، لماذا؟ لأن هذه الأسباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة. هذه الأسباب تفعل للإنسان قبل أن توجد له حياة؛ لتمهد للحياة التي يهبك الله إياها، فلو ترك الله كل هذه الأشياء لأسباب الإنسان لتأخرت هذه الأشياء إلى أن يوجد للإنسان إرادة، وتوجد له قدرة وعلم.

لقد جعل الله أسباب الحياة بيده، كالتنفس مثلا، إن التنفس لا يخضع لإرادة القدرة على الحركة في الحياة، ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو سبحانه الإله القادر - تحرك التنفس إلى أن توجد له إرادة. ولا توجد الإرادة إلا إن وجُد عند الإنسان علم بأنه يريد إدخال الأوكسجين إلى الرئتين حتى يتغذى الدم والمخ وينقى الدم والجسم من الأشياء التي تضره، هذا يقتضي العلم، فإن كان هذا الأمر يقتضي العلم. فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم؟ كيف يتنفس؟

لذلك فمن رحمة الله وعدالته أن جعل أمر التنفس - على سبيل المثال - بيده هو سبحانه، ولكن الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون بلا حرية أو اختيار، لا، لقد ترك الحق سبحانه بعضا من الأشياء لحرية الإنسان واختياره.

إذن، فالحق لم يلزم العبد تسخيرا، ولم يمنع تخييرا. وذلك هو العدل المطلق. لقد احترم الحق كينونة الإنسان، وحياة الإنسان، ومشيئة الإنسان، واختيار الإنسان، فقال: أنا سأعطيك أسباب الحياة الضرورية ولا أجعل لك دخلا فيها؛ لأنك إن تدخلت فيها أفسدتها، وتأخر وصول خدمتها لك إلى أن تعرف وتعلم، وأنا - الحق - أريدها لك، وأنت أيها الإنسان عاجز قبل أن توجد لك، وأنت قادر بوجودها الذي أمنحه لك؛ لذلك جعلتها بيدي أنا الخالق المأمون على خلقي. ولكن لن أقضي على حريتك، فإن أردت ارتقاءً في الحياة فتحرك في الحياة، إن شئت أيها الإنسان أن تفعل فافعل. وإن شئت أيها الإنسان ألا تفعل فلا تفعل. وهذا مطلق العدل.

ثم جاء الحق سبحانه وتعالى وجعل قوله: { قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } مشتملا على التكليف أيضا، أي إن عدالته في التكليف مطلقة. فأناس يقولون: " لا إله " وأناس آخرون عددوا الآلهة، فقام الحق بالقسط بين الأمرين. هو إله موجود يا من تقول: " لا إله ". وهو إله غير متعدد يا من تشرك معه غيره. وهذا قيام بالقسط وجاء الحق سبحانه في الأحكام. ونحن نجد أحكاما شرعية طلبها الحق سبحانه من العبد طلبا باتا، ولم يتركها لاختيار الإنسان ونجد أشياء تركها الحق سبحانه ليجتهد فيها الإنسان، فلم يجعل الحق سبحانه العبد حراً طليقا يعربد في الكون كما يشاء، ولم يجعل الحق سبحانه عبده مقهورا أو مقسورا بحيث لا توجد له إرادة أو اختيار.لقد جعل الله للإنسان مجالا في القسر ومجالا في الاختيار، أوجد في الإنسان القدرة على الحركة في الحياة، ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو الإله القادر - تحرك في الحياة وأنا أحمي نتيجة ما تتحرك فيه، ولكن لي في مالك الذي جعلتك فيه خليفة حق عليك أن تعطي بعضا منه لأخيك المحتاج.

لقد أعطى الحق للنفس البشرية أن تكد، وأعطى لها أن تكدح، وحفظ لها ما تملك، ولكنه هو الحق لم يُطلق للنفس البشرية عنانها، بل قال: لي حق في ذلك. وهكذا نجده سبحانه قد عدل في هذا الأمر.

إذن فقول الحق إنه قائم بالقسط.. نجده واضحا في كل شيء؛ ففي الخلق والرزق والتكليف نجد أنه قائم بالقسط، وما دام هو إلها واحدا وقائما بالقسط، فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراده منك؟ يقول الحق سبحانه: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ... }.


www.alro7.net