سورة
اية:

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك { إنهم لن يضروا اللّه شيئاً يريد اللّه أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة} أي حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة { ولهم عذاب عظيم} . ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك إخبارً مقرراً: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي استبدلوا هذا بهذا، { لن يضروا اللّه شيئاً} أي ولكن يضرون أنفسهم { ولهم عذاب أليم} ثم قال تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين} ، كقوله: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} ، وكقوله: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ، وكقوله: { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} . ثم قال تعالى: { ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي لا بد أن يعقد شيئاً من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوّه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن اللّه به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم، وهتك به ستار المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: { حتى يميز الخبيث من الطيب} ، قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر به فأنزل اللّه تعالى: { وما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي حتى يخرج المؤمن من الكافر روى ذلك ابن جرير. ثم قال تعالى: { وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب} أي أنتم لا تعلمون غيب اللّه في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك، ثم قال تعالى: { ولكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء} . كقوله تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} الآية. ثم قال تعالى: { فآمنوا باللّه ورسله} أي أطيعوا اللّه ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم، { وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} وقوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم} أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من آتاه اللّه مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له شجاعاً شُجاعاً وشِجاعاً: نوع من الحيات أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول أنا مالك، أنا كنزك)، ثم تلا هذه الآية: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم} ""أخرجه البخاري عن أبي هريرة"" إلى آخر الآية. حديث آخر: عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول. أنا مالك، أنا كنزك) ""رواه أحمد والنسائي"". حديث آخر: عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه فيتبعه فيقول: أنا كنزك)، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب اللّه : { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ""رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة"". وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا أولى بالدخول واللّه سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: { وللّه ميراث السموات والأرض} أي { فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} ، فإن الأمور كلها مرجعها إلى اللّه عزّ وجلّ. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم { واللّه بما تعملون خبير} أي بنياتكم وضمائركم.

تفسير الجلالين

{ ولا يحسبنَّ } بالياء والتاء { الذين كفروا أنما نملي } أي إملاءنا { لهم } بتطويل الأعمار وتأخيرهم { خير لأنفسهم } وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين في قراءة التحتانية ومسد الثاني في الأخرى { إنما نملي } نمهل { لهم ليزدادوا إثما } بكثرة المعاصي { ولهم عذاب مهين } ذو إهانة في الآخرة .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم} الإملاء طول العمر ورغد العيش. والمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين؛ فإن الله قادر على إهلاكهم، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويقال { أنما نملي لهم} بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. وروي عن ابن مسعود أنه قال : ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له؛ لأنه إن كان برا فقد قال الله تعالى { وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران : 198] وإن كان فاجرا فقد قال الله : وقرأ ابن عامر وعاصم "لا يحسبن" بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة : بالتاء ونصب السين. والباقون : بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و { أنما نملي لهم خير لأنفسهم} تسد مسد المفعولين. و"ما" بمعنى الذي، والعائد محذوف، و"خير" خبر "أن". ويجوز أن تقدر "ما" والفعل مصدرا؛ والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفعل هو المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و"الذين" نصب على المفعول الأول لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسد مسد المفعولين، كما تسد لو لم تكن بدلا. ولا يصلح أن تكون "أن" وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى؛ لأن حسب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر؛ فيكون التقدير؛ ولا تحسبن أنما نملي لهم خير. هذا قول الزجاج. وقال أبو علي : لو صح هذا لقال { خيرا} بالنصب؛ لأن { أن} تصير بدلا من { الذين كفروا} ؛ فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا؛ فقوله { خيرا} هو المفعول الثاني لحسب. فإذا لا يجوز أن يقرأ "لا تحسبن" بالتاء إلا أن تكسر "إن" في "أنما" وتنصب خيرا، ولم يرو ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء؛ فلا تصح هذه القراءة إذا. وقال الفراء والكسائي : قراءة حمزة جائزة على التكرير؛ تقديره ولا تحسبن الذي كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خيرا، فسدَّت "أن" مسد المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول. قال القشيري : وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. فإذا غرض أبي علي تغليط الزجاج. قال النحاس : وزعم أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله { ولا يحسبن الذين يبخلون} [آل عمران : 180] لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة. قلت : وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلا. وقرأ يحيى بن وثاب "إنما نملي لهم" بكسر إن فيهما جميعا. قال أبو جعفر : وقراءة يحيي حسنة. كما تقول : حسبت عمرا أبوه خالد. قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر "إن" يحتج به لأهل القدر؛ لأنه كان منهم. ويجعل على التقديم والتأخير "ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم". قال : ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار "إنما نملي لهم إيمانا" فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن فحكه. والآية نص في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان. وعن ابن عباس قال : ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا { إنما نملي لهم ليزدادوا لهم إثما} وتلا "وما عند الله خير للأبرار" أخرجه رزين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 177 - 181

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وعندما نسمع قول الله: " ولا يحسبن " فهو نهي، وقد نهى الله الكافرين عن ماذا؟ إن الكافر عندما يجد نفسه قد أفلت في المعركة من سيف المؤمنين وأن عمره قد طال في الكفر، فهو يظن أن الحق سبحانه وتعالى تركه لخير له؛ لأنه يفهم أن عمره هو أثمن شيء عنده، فما دام قد حوفظ له على عمره فهو الخير. نقول لمثل هذا الكافر: إن العمر زمن، والزمن وعاء الأحداث، إذن فالزمن لذاته لا يُمَجد إلا بالحدث الذي يقع فيه، فإن كان الحدث الذي يقع في الزمن خيراً؛ فالزمن خير. وإن كان الحدث الذي يقع في الزمن شراً، فالزمن شر وما دام هؤلاء كافرين، فلا بد أن كل حركاتهم في الوجود والأحداث التي يقومون بها هي من جنس الشر لا من جنس الخير، لأنهم يسيرون على غير منهج الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله.

وذلك هو الشر. إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرّية تخالف منهج الله. وكل حدث شرّى له عذابه وجزاؤه. إذن, فإطالة العمر لهم شر.

والحق سبحانه يقول: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } و " يحسَبَنَّ " هي فعل مضارع، والماضي بالنسبة له هو " حسِب " - بكسر السين - ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن الكريم:
{  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }
[العنكبوت: 2]

إن الماضي هو " حَسِبَ " - بكسر السين - والمضارع " يحسَب " - بفتح السين -. أما حَسَبَ " يحسِب " - بكسر السين - في المضارع وفتحها في الماضي فهي من الحساب والعدد، وهو عدد رقمي مضبوط.

أمر " حَسِبَ " و " يحسَب " فتأتي بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقاً. بل هي حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين.

صحيح أن العمر محسوب بالسنوات؛ لأن العمر طرف للأحداث، والعمر بذاته - مجرداً عن الأحداث - لا يقال إن إطالته خير أو شر، وإنما يقال: إن العمر خير أو شر بالأحداث التي وقعت فيه، والأحداث التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلا بد أن تكون شراً، حتى ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله. فلو كانت المسألة بالعملية الرقمية؛ لقلنا: " حسَب " و " يحسِب " - بفتح السين في الماضي وكسر السين في المضارع - لكن هي مسألة وهمية ظنية؛ لذلك نقول " يحسَب " - بفتح السين في المضارع - أي يظن.وهو سبحانه يقول: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } ما الإملاء؟ الإملاء هو تمديد الوقت وإطالته. ولذلك نجد في القرآن:
{  قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً }
[مريم: 46]

إنه يأمر سيدنا إبراهيم أن يهجره مدة طويلة. هذا هو معنى { وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً }.

والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم بعد أن أفلتوا من سيوف المؤمنين. ليست خيراً لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما يملي لهم؛ { لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وهنا نجد " لام العاقبة ".

وإياك أن تقول أيها المؤمن: إن الله قد فعل ذلك ليعاقبهم. لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد وضع سننه في الكون ويطبقها على من يخرج على منهجه، فمن يصنع إثما يعاقبه الله عليه { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } فكل ظرف من الزمن يمر عليهم يصنعون فيه أعمالاً آثمة على غير المنهج.

{ وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وتأتي كلمة " مهين " وصفاً للعذاب مناسبة تماماً؛ لأن الكافر قد يخرج من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحداً لم يستطع أن يقطع رقبته بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهيناً فهو العقاب المناسب لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل حال.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net