سورة
اية:

وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك { إنهم لن يضروا اللّه شيئاً يريد اللّه أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة} أي حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة { ولهم عذاب عظيم} . ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك إخبارً مقرراً: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي استبدلوا هذا بهذا، { لن يضروا اللّه شيئاً} أي ولكن يضرون أنفسهم { ولهم عذاب أليم} ثم قال تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين} ، كقوله: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} ، وكقوله: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ، وكقوله: { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} . ثم قال تعالى: { ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي لا بد أن يعقد شيئاً من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوّه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن اللّه به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم، وهتك به ستار المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: { حتى يميز الخبيث من الطيب} ، قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر به فأنزل اللّه تعالى: { وما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي حتى يخرج المؤمن من الكافر روى ذلك ابن جرير. ثم قال تعالى: { وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب} أي أنتم لا تعلمون غيب اللّه في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك، ثم قال تعالى: { ولكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء} . كقوله تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} الآية. ثم قال تعالى: { فآمنوا باللّه ورسله} أي أطيعوا اللّه ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم، { وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} وقوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم} أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من آتاه اللّه مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له شجاعاً شُجاعاً وشِجاعاً: نوع من الحيات أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول أنا مالك، أنا كنزك)، ثم تلا هذه الآية: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم} ""أخرجه البخاري عن أبي هريرة"" إلى آخر الآية. حديث آخر: عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول. أنا مالك، أنا كنزك) ""رواه أحمد والنسائي"". حديث آخر: عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه فيتبعه فيقول: أنا كنزك)، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب اللّه : { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} ""رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة"". وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير، والصحيح الأول وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا أولى بالدخول واللّه سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: { وللّه ميراث السموات والأرض} أي { فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} ، فإن الأمور كلها مرجعها إلى اللّه عزّ وجلّ. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم { واللّه بما تعملون خبير} أي بنياتكم وضمائركم.

تفسير الجلالين

{ ولا يُحْزِنْكَ } بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من أحزنه { الذين يسارعون في الكفر } يقعون فيه سريعا بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم { إنَّهمُ لن يضروا الله شيئا } بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم { يريد الله ألا يجعل لهم حظّا } نصيبا { في الآخرة } أي الجنة فلذلك خذلهم الله { ولهم عذاب عظيم } في النار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه شَيْئًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كُفْر الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهمْ مِنْ أَهْل النِّفَاق , فَإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْر شَيْئًا , كَمَا أَنَّ مُسَارَعَتهمْ لَوْ سَارَعُوا إِلَى الْإِيمَان لَمْ تَكُنْ بِنَافِعَتِهِ , كَذَلِكَ مُسَارَعَتهمْ إِلَى الْكُفْر غَيْر ضَارَّته . كَمَا : 6584 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } يَعْنِي : هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6585 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } أَيْ الْمُنَافِقُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه شَيْئًا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كُفْر الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهمْ مِنْ أَهْل النِّفَاق , فَإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْر شَيْئًا , كَمَا أَنَّ مُسَارَعَتهمْ لَوْ سَارَعُوا إِلَى الْإِيمَان لَمْ تَكُنْ بِنَافِعَتِهِ , كَذَلِكَ مُسَارَعَتهمْ إِلَى الْكُفْر غَيْر ضَارَّته . كَمَا : 6584 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } يَعْنِي : هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6585 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } أَيْ الْمُنَافِقُونَ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُرِيد اللَّه أَلَّا يَجْعَل لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَجْعَل لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر نَصِيبًا فِي ثَوَاب الْآخِرَة , فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ , فَسَارَعُوا فِيهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مَعَ حِرْمَانهمْ مَا حُرِمُوا مِنْ ثَوَاب الْآخِرَة , لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي الْآخِرَة , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ بِمَا : 6586 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَجْعَل لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة } أَنْ يَحْبَط أَعْمَالهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُرِيد اللَّه أَلَّا يَجْعَل لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَجْعَل لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر نَصِيبًا فِي ثَوَاب الْآخِرَة , فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ , فَسَارَعُوا فِيهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مَعَ حِرْمَانهمْ مَا حُرِمُوا مِنْ ثَوَاب الْآخِرَة , لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي الْآخِرَة , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ بِمَا : 6586 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يُرِيد اللَّه أَنْ لَا يَجْعَل لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة } أَنْ يَحْبَط أَعْمَالهمْ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين؛ فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} . وقال الكلبي: يعني به المنافقين ورؤساء اليهود؛ كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت. ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب؛ فلو كان قوله حقا لاتبعوه، فنزلت "ولا يحزنك". قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - { لا يحزنهم الفزع الأكبر} فإنه بفتح الياء وبضم الزاي. وضده أبو جعفر. وقرأ ابن محيض كلها بضم الياء وكسر الزاي. والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي. وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني، وأحزنني أيضا وهي لغة قليلة؛ والأولى أفصح اللغتين؛ قاله النحاس. وقال الشاعر في أحزن : مضى صحبي وأحزنني الديار ** وقراءة العامة { يسارعون} . وقرأ طلحة "يسرعون في الكفر". قال الضحاك : هم كفار قريش. وقال غيره : هم المنافقون. وقيل : هو ما ذكرناه قبل. وقيل : هو عام في جميع الكفار. ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة؛ ولكن النبّي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك؛ كما قال { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر : 8] وقال { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف : 6]. قوله تعالى { إنهم لن يضروا الله شيئا} أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا؛ يعني لا ينقص بكفرهم. وكما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله. وقيل : معنى { لن يضروا الله شيئا} أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم. قوله تعالى { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم} أي نصيبا. والحظ النصيب والجد. يقال : فلان أحظ من فلان، وهو محظوظ. وجمع الحظ أحاظ على غير قياس. قال أبو زيد : يقال رجل حظيظ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق. وحظظت في الأمر أحظ. وربما جمع الحظ أحظا. أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة. وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 173 - 177

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد كان المنافقون في أول المعركة مُختفين ومستورين، ثم ظهرت منهم بادرة الانخذال في أُحُد فكانوا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ولكنهم من بعد ذلك سارعوا إلى الكفر، فكأن هناك من يلاحقهم بسوط ليتسابقوا إلى الكفر.

وها هو ذا الحق سبحانه قد حدّد عناصر المعركة، أو قوى المعركة، أو ميدان المعركة أو جنود المعركة فينبه رسوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ } ولم يقل: لن يضروكم شيئا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته المؤمنين ليسوا طرفاً في المسألة، فعداء الذين يسارعون في الكفر هو عداء لله؛ لذلك يقول الحق: { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً }. كأن المعركة ليست مع المؤمنين. ولكنها معركة الكافرين مع الله، وما دامت المعركة مع الله فالمؤمنون جند الله؛ وهم الصورة التي أرادها الله لهزيمة الكافرين:
{  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }
[التوبة: 14]

فلو كانت معركة الكفر مع المؤمنين بالله فقط لقال الله: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروكم شيئا، لكن المسألة ليست هكذا، لقد أراد معسكر الكفر والنفاق أن يدخل معركة مع الله، ولا توجد قوة قادرة على ذلك، ولهذا يطمئن الله المؤمنين أكثر، ليزدادوا ثباتاً على الإيمان؛ لأن الكل من البشر مؤمنين وكفاراً أغيار، وقد يتحول بعض من البشر المؤمنين الأغيار عن المنهج قليلاً، فعندما تكون المعركة بين بشر وبشر فقد يغلب أحد الطرفين بقوته.

ومن أجل المزيد من الاطمئنان الكامل نقل الله المعركة مع الكفر إلى مسألة أخرى، إنه بجلاله وكماله وجبروته هو الذي يقف ضد معسكر الكفار. والمهم فقط أن يظل المؤمنون في حضانة الله. والرسول كان يحزنه أن يُسارع البعض إلى الكفر. فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم أنه إنما جاء مٌبلّغًا فقط؟. إنه يعلم ولكنه كان يحرص - صلى الله عليه وسلم - على أن يؤمن الناس جميعاً ليذوقوا حلاوة ما جاء به، هذا الحرص هو الذي يدفع الحُزن إلى قلب الرسول، وعندما يرى واحداً لا يتذوق حلاوة المنهج، فالرسول يأمل أن يذوق الناس كلهم حلاوة الإيمان؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بالمؤمنين، بل وبالناس جميعا { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ودليل ذلك أن جاءه التخيير. " فقد نادى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " ".

فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبقى على هؤلاء فقط ولكنه يحرص أيضاً على الأجيال القادمة. وقد كان. وخرج من أولاد كفار قريش صناديد وأبطال وجنود دعوة وشهداء. فَكَان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أخبر الله في آيات القرآن - يحزن عندما لا يذوق أحد حلاوة الإيمان، ويقول الحق:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6]

وفي موقع آخر يقول الحق:
{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 3-4]

والحق سبحانه وتعالى لا يريد أعناقاً، لكنه يريد قلوباً تأتي له بعامل الاختيار والمحبة، فباستطاعته وهو الخالق الأكرم أن يخلق البشر على هيئة غير قابلة للمعصية، كما خلق الملائكة، إن كل الأجناس تٌسبّح بحمده، إذن فالقرآن يُبيّن حِرصَه صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن الناس جميعاً وأن يذوقوا حلاوة اللقاء بربهم، واتّباع منهج الله, وحلاوة التشريع الذي يُسعدهم ويُسعد كل ملكاتهم. فإذا ما جاءت المسائل على غير ما يُحبُّ رسول الله. فها هو ذا قول الله سبحانه: { وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ }.

وهذا دليل على أن الله يريد أن يُبلّغ البشر: أيها الناس إن من فَرْط حُبّ الرسول لكم أنه يحزن من أجل عِصيانكم وأنا الذي أقول له: لا تحزن. والرسول صلى الله عليه وسلم رحيم بالأمة كلّها، كما يقول القرآن:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }
[الأنبياء: 107]

ويكفيه موقفه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حين تذهب كل أمة إلى رسولها ليردّها، فتأتي الأمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُكرمه الله بقبول شفاعته حتى يُعجل الله بالفصل والحساب، وهذه رحمة للعالمين؛ لأنهم من هول الموقف يتمنون الانصراف ولو إلى النار.

ونحن قلنا سابقا: إن الحق سبحانه وتعالى علم انشغال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وبرحمته بهم، فقال له الله - ليريح عواطفه ومواجيده - ما ورد هنا في الحديث الشريف:

فعن عبد الله ابن عمر بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي }.

وقول عيسى - عليه السلام - { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. " فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) "

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موقف آخر يدل على كمال رحمته بأمته، فقد أنزل الله فيما أنزل من القرآن الكريم - بعد فترة الوحي - قوله تعالى: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }.

انظروا إلى ما ورد عن سيدنا علي في هذه الآية، فقد روِيَ أنه - رضي الله عنه - قال لأهل العراق: إنكم تقولون: إن أرجى آية في كتاب الله تعالى: { قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }. قالوا: إنا نقول ذلك قال: ولكنّا - أهل البيت - نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }. وفي الحديث لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار).

كما روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لكل نبيّ دعوة مستجابة فتعجل كل نبيّ دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة ".

وهكذا نرى شغل رسول الله بأمته كأمر واضح موجود في بؤرة شعوره.

إذن فقول الله: { وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ } هو توضيح من الله لرسوله بأنهم لم يسارعوا في الكفر تقصيراً منك، فأنت قد أديت واجبك، ويضيف سبحانه: { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } ولم يقل سبحانه: إنهم لن يضروك، أو لن يضروا المؤمنين، لا بل لقد جعل سبحانه وتعالى المعركة معه وهو القوى ذو الجبروت إنّه هنا يطمئن المؤمنين.

ويريد الله ألا يجعل للذين يسارعون إلى الكفر حظاً في الآخرة فيقول: { يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وما دامت هذه إرادات الله في ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة، أيكون لهم عمل يصادم مرادات ربهم؟ لا.

إنه سبحانه يريد بما شرّع من منهج أن تأتيهم سُنّته، والله يعذّب من يخالف سُنته التي شرعها. لأنه جلت قدرته يطلب من المكلفين أن يطبقوا سنته التي شرعها لهم.

وفرق بين وجود " لام العاقبة " التي تأتي حين يكون في مُراد العبد شيء، ولكن القُدرة الأعلى تريد شيئاً آخر، وهي تختلف عن " لام الإرادة " والتعليل فـ " لام الإرادة والتعليل " تتضح في قولنا: ذاكر التلميذ لينجح، لأن علّة المذاكرة هي الرغبة في النجاح، أما " لام العاقبة " , فتتضح عندما يقول الأب لابنه: أنا دللتك لترسب آخر العام.

أدللّ الأب ابنه حتى يرسب؟ لا، ولكن الأب يأتي هنا بـ " لام العاقبة " أي كان للأب مراد، ولكن قدرة أعلى جاءت على خلاف المراد.ونوضح المسألة أكثر، فالحق يقول في قصة سيدنا موسى:
{  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }
[القصص: 7]

ونحن لا بد أن نتنبه إلى قول الحق: { فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ } والإنسان العادي لو قال لامرأة تحمل رضيعها: إن خفت على ابنك فألقيه في البحر. هذه المرأة لن تُصدّق هذا القائل، لكن أم موسى تلقت هذا الوحي من الله، والتّلقّي من الله لا يُصادمه فكر شيطان ولا فكر بشر، فالإلهام من الله يتجلّى في قوله: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ }. وما دام الله هو الذي ألهمها، فإن خاطر الشيطان لا يجيء. ولذلك قامت أم موسى بتنفيذ أمر الله. ويطمئنها الله فقال لها: { وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }.

ويُنبّه سُبحانه أم موسى أنه لن يردّه إليها لمجرد أنه قرة عين، ولكن لأن لموسى أيضاً مُهمّة مع الله. وفي لقطة أخرى يقول الحق عن مسألة الوحي لأم موسى:
{  إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ }
[طه: 38-39]

والحق هنا في هذه اللقطة يصف وقت تنفيذ العملية التي أوحى بها، ففيه فرق بين التمهيد للعملية قبل أن تقع كما حدث في اللقطة السابقة حيث قال لها الحق: { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ }. كان ذلك هو الإعداد، ثم جاء وقت التنفيذ، فقال الحق لموسى: { إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ }. إنها سلسلة من الأوامر المتلاحقة التي تدل على أن هذه العملية كانت في وقت أخذ جنود فرعون لأطفال بني إسرائيل ليقتلوهم، إنه سبحانه يبين لنا أن جنود الله من الجمادات التي لا تعي تلقت الأمر الإلهي بأن تصون موسى، فكلمة " اقذفيه " تدل على السرعة، وتلقّي " اليم " الأمر من الله بأن موسى عندما يُلقى في البحر، فلا بد أن يلقيه إلى الساحل. { إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ } إنها أوامر للمُسخّر من المخلوقات التي لا تعصى.

لكن كيف تكون أوامر الحق لعدو لله؟ إن الله يدخلها كخاطر مُلحّ في رأس فرعون ليُنفّذ مُراد الله. إن امرأة فرعون تقول له ما جاء في قوله تعالى:
{  وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[القصص: 9]

لقد دخل أمر الله كخاطر، والتقطه آل فرعون لا ليكون قرة عين لامرأة فرعون، ولكن لأمر مختلف أراده الله.فهل ساعة الالتقاط كان في بالهم أن يكون موسى عدوّاً أو قرة عين؟ إنها " لام العاقبة " التي تتضح في قوله: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }. فالإنسان يكون في مُراده شيء، ولكن القدرة الأعلى من الإنسان - وهو الله - تريد شيئاً آخر.

الإنسان في تخطيطه أن يقوم بالعملية لكذا، ولكن القوة الأعلى من الإنسان تريد العملية لهدفٍ آخر، وهي التي أوحت للإنسان أن يقوم بهذه العملية. ويتجلّى ذلك بوضوح في العلة لالتقاط آل فرعون لموسى. كان فرعون يريده قٌرّة عين له، ولكن الله أراده أن يكون عدوّاً لفرعون. وفي هذا المثال توضيح شامل للفرق بين " لام العاقبة " و " لام الإرادة والتعليل " وعندما نرى أحداثاًَ مثل هذه الأحداث فلا نقول: " هذا مراد الله " ولكن فلنقل: (العاقبة فيما فعلوا وأحدثوا خلاف ما خططوا).

وبعد ذلك يقول الحق: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ.... }


www.alro7.net