سورة
اية:

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب} يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم، في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم آباءهم، فخشوا - لعنهم اللّه - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللّه في كتابه في غير موضع، فمن ذلك هذه الآية الكريمة: { إن الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا} وهو عرض الحياة الدنيا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} أي إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وفي الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). وقوله تعالى: { ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} ، وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم { ولا يزكيهم} أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذاباً أليماً عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) ""رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه"" ثم قال تعالى مخبراً عنهم: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي اعتاضوا عن الهدى - وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه - استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه الضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم { والعذاب بالمغفرة} أي اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة. وقوله تعالى: { فما أصبرهم على النار} يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذاً باللّه من ذلك وقيل: معنى قوله: { فما أصبهم على النار} أي فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن اللّه تعالى أنزل على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات اللّه هزواً، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى اللّه تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه، ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات اللّه المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} .

تفسير الجلالين

{ ذلك } الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده { بأن } بسبب أن { الله نزَّل الكتاب بالحق } متعلق بنزل فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمه { وإن الذين اختلفوا في الكتاب } بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة { لفي شقاق } خلاف { بعيد } عن الحق .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } أَمَّا قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمَعْنِيّ ب " ذَلِكَ " , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى " ذَلِكَ " فِعْلهمْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنْ جَرَاءَتهمْ عَلَى عَذَاب النَّار فِي مُخَالَفَتهمْ أَمْر اللَّه وَكِتْمَانهمْ النَّاس مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه وَأَمَرَهُمْ بِبَيَانِهِ لَهُمْ مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْر دِينه , مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ تَعَالَى نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ , وَتَنْزِيله الْكِتَاب بِالْحَقِّ هُوَ خَبَره عَنْهُمْ فِي قَوْله لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ وَعَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } 2 6 : 7 فَهُمْ مَعَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يَكُون مِنْهُمْ غَيْر اشْتِرَاء الضَّلَالَة بِالْهُدَى وَالْعَذَاب بِالْمَغْفِرَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ ذَلِكَ مَعْلُوم لَهُمْ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ ; لِأَنَّا قَدْ أَخْبَرْنَا فِي الْكِتَاب أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ وَالْكِتَاب حَقّ . كَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْل كَانَ تَأْوِيل الْآيَة عِنْدهمْ ذَلِكَ الْعَذَاب الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَيْهِ , مَعْلُوم أَنَّهُ لَهُمْ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِع مِنْ تَنْزِيله أَنَّ النَّار لِلْكَافِرِينَ , وَتَنْزِيله حَقّ , فَالْخَبَر عَنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مُضْمَر . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه وَصَفَ أَهْل النَّار فَقَالَ : { فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار } ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْعَذَاب بِكُفْرِهِمْ , و " هَذَا " هَهُنَا عِنْدهمْ هِيَ الَّتِي يَجُوز مَكَانهَا " ذَلِكَ " كَأَنَّهُ قَالَ : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ , قَالَ : فَيَكُون " ذَلِكَ " إذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ نَصْبًا وَيَكُون رَفْعًا بِالْبَاءِ وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة عِنْدِي : أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلَى جَمِيع مَا حَوَاهُ قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } إلَى قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } مِنْ خَبَره عَنْ أَفْعَال أَحْبَار الْيَهُود وَذِكْره مَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره مِنْ الْعِقَاب عَلَى ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود بِكِتْمَانِهِمْ النَّاس مَا كَتَمُوا مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته مَعَ عِلْمهمْ بِهِ طَلَبًا مِنْهُمْ لِعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا خَسِيس , وَبِخِلَافِهِمْ أَمْرِي وَطَاعَتِي وَذَلِكَ - مِنْ تَرْكِي تَطْهِيرهمْ وَتَزْكِيَتهمْ وَتَكْلِيمهمْ , وَإِعْدَادِي لَهُمْ الْعَذَاب الْأَلِيم - بِأَنِّي أَنْزَلْت كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ . فَيَكُون فِي " ذَلِكَ " حِينَئِذٍ وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : رَفْع وَنَصْب , وَالرَّفْع بِالْبَاءِ , وَالنَّصْب بِمَعْنَى : فَعَلْت ذَلِكَ بِأَنِّي أَنْزَلْت كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَتَرَكَ ذِكْر : " فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا " اجْتِزَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } أَمَّا قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمَعْنِيّ ب " ذَلِكَ " , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى " ذَلِكَ " فِعْلهمْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنْ جَرَاءَتهمْ عَلَى عَذَاب النَّار فِي مُخَالَفَتهمْ أَمْر اللَّه وَكِتْمَانهمْ النَّاس مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه وَأَمَرَهُمْ بِبَيَانِهِ لَهُمْ مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْر دِينه , مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ تَعَالَى نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ , وَتَنْزِيله الْكِتَاب بِالْحَقِّ هُوَ خَبَره عَنْهُمْ فِي قَوْله لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ وَعَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } 2 6 : 7 فَهُمْ مَعَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يَكُون مِنْهُمْ غَيْر اشْتِرَاء الضَّلَالَة بِالْهُدَى وَالْعَذَاب بِالْمَغْفِرَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ ذَلِكَ مَعْلُوم لَهُمْ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ ; لِأَنَّا قَدْ أَخْبَرْنَا فِي الْكِتَاب أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ وَالْكِتَاب حَقّ . كَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْل كَانَ تَأْوِيل الْآيَة عِنْدهمْ ذَلِكَ الْعَذَاب الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَيْهِ , مَعْلُوم أَنَّهُ لَهُمْ , لِأَنَّ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِع مِنْ تَنْزِيله أَنَّ النَّار لِلْكَافِرِينَ , وَتَنْزِيله حَقّ , فَالْخَبَر عَنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مُضْمَر . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه وَصَفَ أَهْل النَّار فَقَالَ : { فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار } ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْعَذَاب بِكُفْرِهِمْ , و " هَذَا " هَهُنَا عِنْدهمْ هِيَ الَّتِي يَجُوز مَكَانهَا " ذَلِكَ " كَأَنَّهُ قَالَ : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ , قَالَ : فَيَكُون " ذَلِكَ " إذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ نَصْبًا وَيَكُون رَفْعًا بِالْبَاءِ وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة عِنْدِي : أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلَى جَمِيع مَا حَوَاهُ قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } إلَى قَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ } مِنْ خَبَره عَنْ أَفْعَال أَحْبَار الْيَهُود وَذِكْره مَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره مِنْ الْعِقَاب عَلَى ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود بِكِتْمَانِهِمْ النَّاس مَا كَتَمُوا مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته مَعَ عِلْمهمْ بِهِ طَلَبًا مِنْهُمْ لِعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا خَسِيس , وَبِخِلَافِهِمْ أَمْرِي وَطَاعَتِي وَذَلِكَ - مِنْ تَرْكِي تَطْهِيرهمْ وَتَزْكِيَتهمْ وَتَكْلِيمهمْ , وَإِعْدَادِي لَهُمْ الْعَذَاب الْأَلِيم - بِأَنِّي أَنْزَلْت كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ . فَيَكُون فِي " ذَلِكَ " حِينَئِذٍ وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : رَفْع وَنَصْب , وَالرَّفْع بِالْبَاءِ , وَالنَّصْب بِمَعْنَى : فَعَلْت ذَلِكَ بِأَنِّي أَنْزَلْت كِتَابِي بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَتَرَكَ ذِكْر : " فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا " اجْتِزَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب لَفِي شِقَاق بَعِيد } يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , اخْتَلَفُوا فِي كِتَاب اللَّه ; فَكَفَرَتْ الْيَهُود بِمَا قَصَّ اللَّه فِيهِ مِنْ قَصَص عِيسَى ابْن مَرْيَم وَأُمّه , وَصَدَّقَتْ النَّصَارَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ , وَكَفَرُوا جَمِيعًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ مِنْ الْأَمْر بِتَصْدِيقِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْزَلْت إلَيْك يَا مُحَمَّد لَفِي مُنَازَعَة وَمُفَارَقَة لِلْحَقِّ بَعِيدَة مِنْ الرُّشْد وَالصَّوَاب , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق } 2 137 كَمَا : 2076 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب لَفِي شِقَاق بَعِيد } يَقُول : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . يَقُول : هُمْ فِي عَدَاوَة بَعِيدَة . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الشِّقَاق فِيمَا مَضَى .وَأَمَّا قَوْله : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب لَفِي شِقَاق بَعِيد } يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , اخْتَلَفُوا فِي كِتَاب اللَّه ; فَكَفَرَتْ الْيَهُود بِمَا قَصَّ اللَّه فِيهِ مِنْ قَصَص عِيسَى ابْن مَرْيَم وَأُمّه , وَصَدَّقَتْ النَّصَارَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ , وَكَفَرُوا جَمِيعًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ مِنْ الْأَمْر بِتَصْدِيقِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْزَلْت إلَيْك يَا مُحَمَّد لَفِي مُنَازَعَة وَمُفَارَقَة لِلْحَقِّ بَعِيدَة مِنْ الرُّشْد وَالصَّوَاب , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق } 2 137 كَمَا : 2076 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب لَفِي شِقَاق بَعِيد } يَقُول : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . يَقُول : هُمْ فِي عَدَاوَة بَعِيدَة . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الشِّقَاق فِيمَا مَضَى .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك} في موضع رفع، وهو إشارة إلى الحكم، كأنه قال : ذلك الحكم بالنار. وقال الزجاج : تقديره الأمر ذلك، أو ذلك الأمر، أو ذلك العذاب لهم. قال الأخفش : وخبر { ذلك} مضمر، معناه ذلك معلوم لهم. وقيل : محله نصب، معناه فعلنا ذلك بهم. { بأن الله نزل الكتاب} يعني القرآن في هذا الموضع { بالحق} أي بالصدق. وقيل بالحجة. { وإن الذين اختلفوا في الكتاب} يعني التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته. وقيل : خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها. وقيل : خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم واختلفوا فيها. وقيل : المراد القرآن، والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم : هو سحر، وبعضهم يقول : أساطير الأولين، وبعضهم : مفترى، إلى غير ذلك وقد تقدم القول في معنى الشقاق، والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 174 - 177

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وذلك إشارة إلى ما تقدم، وما تقدم هو الضلالة التي أخذوها وتركوا الهدى، والعذاب الذي أخذوه بدلاً من المغفرة، ونار يعذبون فيها، وقد صبروا عليها، إنها ثلاثة أشياء ملتقية؛ العذاب، والضلالة، والنار.

فالضلال هو السبب الأصيل في العذاب، فإذا قال الله: عاقبتهم بكذا لأنهم ضلوا، فذلك صحيح، وإذا قال: فعلت فيهم ذلك لأنهم استحقوا العذاب، فهو صادق، والعذاب كحكم عام يكون بالنار.

إذن، عندما يقول الحق: بالنار أو بالعذاب أو بالضلال فمرجعها جميعا واحد، يقال عنه: " ذلك ". { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ } والذي يغير الكتاب ويكتمه إنما يكره الحق. { وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }. إنها هوة واسعة يسقطون فيها، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوة كبيرة، فلو كان الخلاف في أمور مادية لأمكن للبشر أن يتحملوها فيما بينهم، ولكانت مسألة سهلة. ولكن الخلاف في أمر قيمي لا يقدر البشر على أن يصلحوه فيما بينهم، من هنا فإن شقة الخلاف واسعة، ولا يقوى على حلها إلا الله، ولذلك قال سبحانه:
{  إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون }
[الزمر: 3]


www.alro7.net