سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب} يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم، في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم آباءهم، فخشوا - لعنهم اللّه - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللّه في كتابه في غير موضع، فمن ذلك هذه الآية الكريمة: { إن الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا} وهو عرض الحياة الدنيا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} أي إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وفي الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). وقوله تعالى: { ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} ، وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم { ولا يزكيهم} أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذاباً أليماً عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) ""رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه"" ثم قال تعالى مخبراً عنهم: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي اعتاضوا عن الهدى - وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه - استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه الضلالة، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم { والعذاب بالمغفرة} أي اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة. وقوله تعالى: { فما أصبرهم على النار} يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذاً باللّه من ذلك وقيل: معنى قوله: { فما أصبهم على النار} أي فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار. وقوله تعالى: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن اللّه تعالى أنزل على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات اللّه هزواً، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى اللّه تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه، ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات اللّه المنزلة على رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} .

تفسير الجلالين

{ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود { ويشترون به ثمنا قليلا } من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } لأنها مآلهم { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } غضبا عليهم { ولا يزكيهم } يطهرهم من دنس الذنوب { ولهم عذاب اليم } مؤلم هو النار.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ كَتَمُوا النَّاس أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة بِرَشَا كَانُوا أَعْطَوْهَا عَلَى ذَلِكَ . كَمَا : 2060 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } الْآيَة كُلّهَا : هُمْ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ الْحَقّ وَالْهُدَى مِنْ بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْره . 2061 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ وَالْإِسْلَام وَشَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2062 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } فَهَؤُلَاءِ الْيَهُود كَتَمُوا اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2063 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } وَاَلَّتِي فِي آل عِمْرَان : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَأَيْمَانهمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } 3 77 نَزَلَتَا جَمِيعًا فِي يَهُود . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ كَتَمُوا النَّاس أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّته , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة بِرَشَا كَانُوا أَعْطَوْهَا عَلَى ذَلِكَ . كَمَا : 2060 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } الْآيَة كُلّهَا : هُمْ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ الْحَقّ وَالْهُدَى مِنْ بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْره . 2061 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الْكِتَاب كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ وَالْإِسْلَام وَشَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2062 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } فَهَؤُلَاءِ الْيَهُود كَتَمُوا اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2063 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب } وَاَلَّتِي فِي آل عِمْرَان : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَأَيْمَانهمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } 3 77 نَزَلَتَا جَمِيعًا فِي يَهُود . ' وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يَبْتَاعُونَ بِهِ . وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْر الْكِتْمَان , فَمَعْنَاهُ : ابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا كَتَمُوا النَّاس مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْر نُبُوَّته ثَمَنًا قَلِيلًا . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي كَانُوا يُعْطُونَ عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَأْوِيلُهُمُوهُ عَلَى غَيْر وَجْهه وَكِتْمَانهمْ الْحَقّ فِي ذَلِكَ , الْيَسِير مِنْ عَرَض الدُّنْيَا . كَمَا : 2064 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : كَتَمُوا اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا , فَهُوَ الثَّمَن الْقَلِيل . وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى صِفَة اشْتِرَائِهِمْ ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَهُنَا .وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يَبْتَاعُونَ بِهِ . وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْر الْكِتْمَان , فَمَعْنَاهُ : ابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا كَتَمُوا النَّاس مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْر نُبُوَّته ثَمَنًا قَلِيلًا . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي كَانُوا يُعْطُونَ عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَأْوِيلُهُمُوهُ عَلَى غَيْر وَجْهه وَكِتْمَانهمْ الْحَقّ فِي ذَلِكَ , الْيَسِير مِنْ عَرَض الدُّنْيَا . كَمَا : 2064 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : كَتَمُوا اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا , فَهُوَ الثَّمَن الْقَلِيل . وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى صِفَة اشْتِرَائِهِمْ ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَهُنَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب فِي شَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَسِيسِ مِنْ الرِّشْوَة يُعْطُونَهَا , فَيُحَرِّفُونَ لِذَلِكَ آيَات اللَّه وَيُغَيِّرُونَ مَعَانِيهَا . { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ } بِأَكْلِهِمْ مَا أَكَلُوا مِنْ الرِّشَا عَلَى ذَلِكَ وَالْجَعَالَة وَمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْر { إلَّا النَّار } , يَعْنِي إلَّا مَا يُورِدهُمْ النَّار وَيُصْلِيهُمُوهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } 4 10 مَعْنَاهُ : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا مَا يُورِدهُمْ النَّار بِأَكْلِهِمْ . فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ النَّار وَفَهْم السَّامِعِينَ مَعْنَى الْكَلَام عَنْ ذِكْر مَا يُورِدهُمْ أَوْ يُدْخِلهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار } يَقُول : مَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يَكُون الْأَكْل فِي غَيْر الْبَطْن فَيُقَال : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ ؟ قِيلَ : قَدْ تَقُول الْعَرَب جُعْت فِي غَيْر بَطْنِي , وَشَبِعْت فِي غَيْر بَطْنِي , فَقِيلَ فِي بُطُونهمْ لِذَلِكَ كَمَا يُقَال : فَعَلَ فُلَان هَذَا نَفْسه وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع فِيمَا مَضَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَاب فِي شَأْن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَسِيسِ مِنْ الرِّشْوَة يُعْطُونَهَا , فَيُحَرِّفُونَ لِذَلِكَ آيَات اللَّه وَيُغَيِّرُونَ مَعَانِيهَا . { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ } بِأَكْلِهِمْ مَا أَكَلُوا مِنْ الرِّشَا عَلَى ذَلِكَ وَالْجَعَالَة وَمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْر { إلَّا النَّار } , يَعْنِي إلَّا مَا يُورِدهُمْ النَّار وَيُصْلِيهُمُوهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } 4 10 مَعْنَاهُ : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا مَا يُورِدهُمْ النَّار بِأَكْلِهِمْ . فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ النَّار وَفَهْم السَّامِعِينَ مَعْنَى الْكَلَام عَنْ ذِكْر مَا يُورِدهُمْ أَوْ يُدْخِلهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار } يَقُول : مَا أَخَذُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يَكُون الْأَكْل فِي غَيْر الْبَطْن فَيُقَال : مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ ؟ قِيلَ : قَدْ تَقُول الْعَرَب جُعْت فِي غَيْر بَطْنِي , وَشَبِعْت فِي غَيْر بَطْنِي , فَقِيلَ فِي بُطُونهمْ لِذَلِكَ كَمَا يُقَال : فَعَلَ فُلَان هَذَا نَفْسه وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع فِيمَا مَضَى .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : وَلَا يُكَلِّمهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَيَشْتَهُونَ , فَأَمَّا بِمَا يَسُوءهُمْ وَيَكْرَهُونَ فَإِنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ يَقُول لَهُمْ إذَا قَالُوا : { رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } قَالَ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 107 : 108 لِآيَتَيْنِ .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : وَلَا يُكَلِّمهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَيَشْتَهُونَ , فَأَمَّا بِمَا يَسُوءهُمْ وَيَكْرَهُونَ فَإِنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ يَقُول لَهُمْ إذَا قَالُوا : { رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } قَالَ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 107 : 108 لِآيَتَيْنِ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يُزَكِّيهِمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يُطَهِّرهُمْ مِنْ دَنَس ذُنُوبهمْ وَكُفْرهمْ , { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي مُوجِع .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يُزَكِّيهِمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَا يُطَهِّرهُمْ مِنْ دَنَس ذُنُوبهمْ وَكُفْرهمْ , { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي مُوجِع .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} يعني علماء اليهود، كتموا ما أنزل اللّه في التوراة من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وصحة رسالته. ومعنى { أنزل} : أظهر، كما قال تعالى { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام:93] أي سأظهر. وقيل : هو على بابه من النزول، أي ما أنزل به ملائكته على رسله. { ويشترون به} أي بالمكتوم { ثمنا قليلا} يعني أخذ الرشاء. وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته. وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من الرشاء كان قليلا. قلت : وهذه الآية وإن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها، وقد تقدم هذا المعنى. قوله تعالى { في بطونهم} ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له. ومعنى { إلا النار} أي إنه حرام يعذبهم اللّه عليه بالنار، فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار، هكذا قال أكثر المفسرين. وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة. فأخبر عن المآل بالحال، كما قال تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء:10] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك، ومنه قولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب قال : فللموت ما تلد الوالدة آخر : ودورنا لخراب الدهر نبنيها وهو في القرآن والشعر كثير. قوله تعالى { ولا يكلمهم الله} عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه. وقال الطبري : المعنى { ولا يكلمهم} بما يحبونه. وفي التنزيل { اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون : 108]. وقيل : المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. { ولا يزكيهم} أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء. { أليم} بمعنى مؤلم، وقد تقدم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر). وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. ومعنى { لا ينظر إليهم} لا يرحمهم ولا يعطف عليهم. وسيأتي في [آل عمران] إن شاء اللّه تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 171 - 174


سورة البقرة الايات 174 - 177

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الحق سبحانه وتعالى ينزل بوساطة رسله على خلقه ليحكم المنهج حركة الحياة للناس وعلى الناس، إنه يحكم للناس أي لمصالحهم، ويحكم على الناس إن فوتوا المصالح، لأن الذي يُفَوِّت مصلحة لسواه عنده، لابد أن يلحظ أن غيره سيفوّت عليه مصلحة عنده.

إذن، فمن الإنصاف في التشريع أن تجعل له وعليه، فكل " تكليف عليه " يقابله " تكليف له " ، لأنه إن كان له حق، فحقه واجب على سواه، ومادام حقه واجباً على ما سواه، فلزم أن يكون حق غيره واجباً عليه؛ وإلا فمن أين يأخذ صاحب الحق حقه؟

والحق سبحانه وتعالى حين ينزل المنهج يبلغه الرسل ويحمله أولو العلم؛ ليبلغوه للناس، فالذين يكتمون ما أنزل الله إنما يصادمون منهج السماء. ومصادمة منهج السماء من خلق الله لا تتأتى إلا من إنسان يريد أن ينتفع بباطل الحياة؛ ليأكل حق الناس. فحين يكتمون ما أنزل الله، فقد أصبحوا عوائق لمنهج الله الذي جاء ليسيطر على حركة الحياة.

وما نفعهم في ذلك؟. لابد أن يوجد نفع لهم، هذا النفع لهم هو الثمن القليل، مثل " الرشا " ، أو الأشياء التي كانوا يأخذونها من أتباعهم ليجعلوا أحكام الله على مقتضى شهوات الناس.

فالله يبين لهم: أن الشيء لا يُثمن إلا بتثمين من يعلم حقيقته، وأنتم تُثَمّنون منهج الله، ولا يصح أن يُثَمِّن منهج الله إلا الله. ولذلك يجب أن يكون الثمن الذي وضعه الله لتطبيق المنهج ثمنا مربحا مقنعا لكم، فإن أخذتم ثمنا على كتمان منهج الله وأرضيتم الناس بتقنين يوافق أهواءهم وشهواتهم، فقد خسرتم في الصفقة؛ لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشري، فهو ثمن قليل وعمره قصير.

والأثمان عادة تبدأ من أول شيء يتعقل بحياة الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: { أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ } وإذا كانوا يأكلون في بطونهم ناراً فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك البطون؟

لأن المؤمن كما قال الرسول يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، أي أن الكافر لا يأكل إلا تلذذاً بالطعام؛ فهو يريد أن يتلذذ به دائما حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه. لكن المؤمن يأخذ من الطعام بقدر قوام الحياة، فسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده ".

إذن فالأكل عند المؤمن هو لمقومات الحياة وكوقود للحركة، ولكن الكافر يأخذ الأكل كأنه متعة ذاتية. والحق يقول: { أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ } يعني كما أرادوا امتلاء بطونهم شهوة ولذة، فكذلك يجعل الله العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن القليل الذي أخذوه، فهم أخذوا ليملأوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ الله بطونهم ناراً، جزاء وفاقا لما فعلوا، وهذا لون من العقاب المادي يتبعه لون آخر من العقاب هو { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أنس للخلق إلا بوجه الحق.ونحن حين نقرأ كلمة " لا يكلم فلان فلاناً " نستشعر منها الغضب؛ لأن الكلام في البشر هو وسيلة الأنس، فإذا ما امتنع إنسان عن كلام إنسان، فكأنه يبغضه ويكرهه. إذن { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } معناها أنه يبغضهم، وحسبك بصدود الله عن خلقه عقابا وعذابا. لقد والاهم بالنعمة وبعد ذلك يصد عنهم. ويقول قائل: كيف نقرأ هنا أن الحق لا يكلمهم، وهو سبحانه القائل:
{  قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }
[المؤمنون:106-108]

نقول: صحيح أنه سبحانه يقول لهم: { وَلاَ تُكَلِّمُونِ } ولكن الكلام حين ينفي من الله فالمقصود به هو كلام الحنان وكلام الرحمة وكلام الإيناس واللطف، أما كلام العقوبة فهو اللعنة. إذن { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ } أي لا يكلمهم الحق وصلا للأنس. ولذلك حين يؤنس الله بعض خلقه يطيل معهم الكلام. ومثال ذلك عندما جاء موسى لميقات ربه، ماذا قال الله له؟ قال عز وجل:
{  وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ }
[طه:17]

فهل يعني هذا السؤال أن الله يستفهم من موسى عما بيده؟. إنه سؤال الإيناس في الكلام حتى يخلع موسى من دوامة المهابة.

وضربنا مثلا لذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ حينما يذهب شخص إلى بيت صديقه ليزوره، فيأتي ولده الصغير ومعه لعبة، فيقول الضيف للطفل: ما الذي معك؟ إن الضيف يرى اللعبة في يد الطفل، لكن كلامه مع الطفل هو للإيناس. وعندما جاء كلام الله بالإيناس لموسى قال له:
{  وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ }
[طه:17]

كان يكفي موسى أن يقول: عصا، وتنتهي إجابته عن السؤال، ولو قال موسى: عصا، لكان ذلك منه عدم استيعاب لتقدير إيناس الله له بالكلام، لكن سيدنا موسى عليه السلام انتهز سؤال الله له ليطيل الأنس بالله فيقول:
{  قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ }
[طه:18]

تأمل التطويل في إجابة موسى. إنّ كلمة { هِيَ } زائدة، و { أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا } زائدة أي غير محتاج إليها في إفادة المعنى، و { وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي } تطويل أكثر " و { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ } رغبة منه في إطالة الحديث أكثر.

إذن فكلام الله والنظر إليه سبحانه افضل النعم التي ينعم الله بها على المؤمنين يوم القيامة.

فإذا كان الله سيمنع عن الكافرين وسائل التكريم المادي فلا يكلمهم، فهذه مسألة صعبة. { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وبعد أن يحرمهم من الكلام والاستئناس بحضرته؛ ولا يطهرهم من الخبائث التي ارتكبوها؛ ولا يجعلهم أهلا لقربه، بعد ذلك يعذبهم عذاباً شديداً؛ كأن فيه عذابا سابقا؛ ثم يأتي العذاب الأشد، لأنهم لابد أن يلاقوا عذابا مضاعفاً، لأنهم كتموا منهج الله عن خلق الله، فتسببوا في إضلال الخلق، فعليهم وزر ضلالهم وأوزار فوق أوزارهم لأنهم أضلوا سواهم.ومسألة كلام الله للناس أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر ".

ما سر حرمان هؤلاء من كلام الله وتزكيته والنظر إليهم؟ إن الشيخ الزاني يرتكب إثماً، لا ضرورة له لأنه لا يعاني من سعار المراهقة. والملك الذي يكذب، إنما يكذب على قوم هم رعيته، والكذب خوف من الحق، فمِمّنْ يخاف الملك إذا كان الناس تحت حكمه؟. وعائل الأسرة عندما يصيبه الكبر وهو فقير، سيسبب له هذا الكبر الكثير من المتاعب ويضيق عليه سبل الرخاء وسبل العيش ويجعله في شقاء من العيلة، فإن أراد أحد مساعدته فسيكون الكبر والاستعلاء على الناس حائلاً بينه وبين مساعدته، وهذا هو معنى " لا يكلمهم ولا يزكيهم " ، فما معنى " ولا ينظر إليهم "؟ إن النظر شراك العطف، ولذلك يقطع الحق عنهم باب الرحمة والعطف من الأصل، وهو النظر إليهم، ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم، وعندما تسمع صيغة " فعيل " فنحن نأخذها بمعنى فاعل أو مفعول، لذلك نفهم " أليم " على أنه مؤلم.

ثم يقول الحق: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ...} [174].
قال الكلبي عن [أبي صالح عن] ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سِفْلَتِهِم الهدايا [والفُضُول]، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم. فلما بُعِثَ من غيرهم خافوا ذَهاب مَأْكَلَتِهم، وزوال رياستهم. فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فغيروها، ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة. فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد، فلا يتبعونه.


www.alro7.net