سورة
اية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

تفسير بن كثير

لما تضمن قوله تعالى: { إنا أوحينا إليك} إلى آخر السياق إثبات نبوته صلى اللّه عليه وسلم والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب قال اللّه تعالى: { لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك} أي وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فاللّه يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، ولهذا قال: { أنزله بعلمه} ، أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه اللّه به، كما قال تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وقال: { ولا يحيطون به علماً} . وقال ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم اللّه، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله: { أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللّه شهيداً} قوله: { والملائكة يشهدون} أي بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة اللّه تعالى بذلك، { وكفى باللّه شهيداً} قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جماعة من اليهود، فقال لهم: (إني لأعلم واللّه إنكم لتعلمون أني رسول اللّه)، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} الآية. وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه قد ضلوا ضلالاً بعيداً} أي كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بعداً عظيماً شاسعاً، ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله، وارتكاب مآثمه، وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم { ولا يهديهم طريقاً} أي سبيلاً إلى الخير { إلا طريق جهنم} ، وهذا استثناء منقطع { خالدين فيها أبداً} الآية. ثم قال تعالى { يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم} ، أي قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من اللّه عزَّ وجلَّ، فآمنوا بما جاءكم به وابتعوه يكن خيراً لكم، ثم قال: { وإن تكفروا فإن للّه ما في السموات والأرض} أي فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم كما قال تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد} ، وقال ههنا: { وكان اللّه عليماً} أي بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه { حكيماً} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الناس } أي أهل مكة { قد جاءكم الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { بالحق من ربكم فآمنوا } به واقصدوا { خيرا لكم } مما أنتم فيه { وإن تكفروا } به { فإن لله ما في السماوات والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا فلا يضره كفركم { وكان الله عليما } بخلقه { حكيما } في صنعه بهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّاس } مُشْرِكِي الْعَرَب , وَسَائِر أَصْنَاف الْكُفْر . { قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول } يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ جَاءَكُمْ { بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه لِعِبَادِهِ دِينًا , يَقُول : مِنْ رَبّكُمْ : يَعْنِي مِنْ عِنْد رَبّكُمْ . { فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَقُول : فَصَدِّقُوهُ وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ مِنْ الدِّين , فَإِنَّ الْإِيمَان بِذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ الْكُفْر بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله نُصِبَ قَوْله : { خَيْرًا لَكُمْ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نَصَبَ خَيْرًا عَلَى الْخُرُوج مِمَّا قَبْله مِنْ الْكَلَام , لِأَنَّ مَا قَبْله مِنْ الْكَلَام قَدْ تَمَّ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَآمِنُوا } , وَقَالَ : قَدْ سَمِعْت الْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي كُلّ خَبَر كَانَ تَامًّا ثُمَّ اِتَّصَلَ بِهِ كَلَام بَعْد تَمَامه عَلَى نَحْو اِتِّصَال " خَيْر " بِمَا قَبْله , فَتَقُول : لَتَقُومَنَّ خَيْرًا لَك , وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ خَيْرًا لَك , وَاتَّقِ اللَّه خَيْرًا لَك . قَالَ : وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَام نَاقِصًا , فَلَا يَكُون إِلَّا بِالرَّفْعِ كَقَوْلِك : إِنَّ تَتَّقِ اللَّه خَيْر لَك , و { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ } 4 25 . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : جَاءَ النَّصْب فِي " خَيْر " , لِأَنَّ أَصْل الْكَلَام : فَآمِنُوا هُوَ خَيْر لَكُمْ , فَلَمَّا سَقَطَ " هُوَ " الَّذِي هُوَ مَصْدَر اِتَّصَلَ الْكَلَام بِمَا قَبْله , وَاَلَّذِي قَبْله مَعْرِفَة و " خَيْر " نَكِرَة , فَانْتُصِبَ لِاتِّصَالِهِ بِالْمَعْرِفَةِ , لِأَنَّ الْإِضْمَار مِنْ الْفِعْل : قُمْ فَالْقِيَام خَيْر لَك , وَلَا تَقُمْ فَتَرْك الْقِيَام خَيْر لَك ; فَلَمَّا سَقَطَ اِتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ . وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّك تَرَى الْكِنَايَة عَنْ الْأَمْر تَصْلُح قَبْل الْخَبَر , فَتَقُول لِلرَّجُلِ : اِتَّقِ اللَّه هُوَ خَيْر لَك , أَيْ الِاتِّقَاء خَيْر لَك . وَقَالَ : لَيْسَ نَصْبه عَلَى إِضْمَار " يَكُنْ " , لِأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بِقِيَاسٍ يُبْطِل هَذَا , أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : اِتَّقِ اللَّه تَكُنْ مُحْسِنًا , وَلَا يَجُوز أَنْ تَقُول : اِتَّقِ اللَّه مُحْسِنًا , وَأَنْتَ تُضْمِر " كَانَ " , وَلَا يَصْلُح أَنْ تَقُول : اُنْصُرْنَا أَخَانَا , وَأَنْتَ تُرِيد : تَكُنْ أَخَانَا . وَزَعَمَ قَائِل هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ لَا يُجِيز ذَلِكَ إِلَّا فِي " أَفْعَل " خَاصَّة , فَتَقُول : اِفْعَلْ هَذَا خَيْرًا لَك , وَلَا تَفْعَل هَذَا خَيْرًا لَك وَأَفْضَل لَك ; وَلَا تَقُول : صَلَاحًا لَك . وَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ مَعَ " أَفْعَل " , لِأَنَّ " أَفْعَل " يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَصْلَح مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ " خَيْرًا " لِأَنَّهُ حِين قَالَ لَهُمْ : آمِنُوا , أَمَرَهُمْ بِمَا هُوَ خَيْر لَهُمْ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِعْمَلُوا خَيْرًا لَكُمْ , وَكَذَلِكَ : اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ , قَالَ : وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْأَمْر وَالنَّهْي خَاصَّة , وَلَا يَكُون فِي الْخَبَر , لَا تَقُول : أَنْ أَنْتَهِي خَيْرًا لِي , وَلَكِنْ يُرْفَع عَلَى كَلَامَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْر وَالنَّهْي يُضْمَر فِيهِمَا , فَكَأَنَّك أَخْرَجْته مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء , لِأَنَّك حِين قُلْت لَهُ اِنْتَهِ , كَأَنَّك قُلْت لَهُ : اُخْرُجْ مِنْ ذَا , وَادْخُلْ فِي آخَر ; وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مَالِكٍ أَوْ الرُّبَا بَيْنهمَا أَسْهَلَا كَمَا تَقُول : وَاعِدِيهِ خَيْرًا لَك . قَالَ : وَقَدْ سَمِعْت نَصْب هَذَا فِي الْخَبَر , تَقُول الْعَرَب : آتِي الْبَيْت خَيْرًا لِي وَأَتْرُكهُ خَيْرًا لِي , وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك فِي الْأَمْر وَالنَّهْي . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " بِفِعْلٍ مُضْمَر , وَاكْتَفَى مِنْ ذَلِكَ الْمُضْمَر بِقَوْلِهِ : لَا تَفْعَل هَذَا وَافْعَلْ الْخَيْر , وَأَجَازَهُ فِي غَيْر " أَفْعَل " , فَقَالَ : لَا تَفْعَل ذَاكَ صَلَاحًا لَك . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " عَلَى ضَمِير جَوَاب : يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ , وَقَالَ : كَذَلِكَ كُلّ أَمْر وَنَهْي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّاس } مُشْرِكِي الْعَرَب , وَسَائِر أَصْنَاف الْكُفْر . { قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُول } يَعْنِي : مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَدْ جَاءَكُمْ { بِالْحَقِّ مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه لِعِبَادِهِ دِينًا , يَقُول : مِنْ رَبّكُمْ : يَعْنِي مِنْ عِنْد رَبّكُمْ . { فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } يَقُول : فَصَدِّقُوهُ وَصَدِّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ مِنْ الدِّين , فَإِنَّ الْإِيمَان بِذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ الْكُفْر بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله نُصِبَ قَوْله : { خَيْرًا لَكُمْ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نَصَبَ خَيْرًا عَلَى الْخُرُوج مِمَّا قَبْله مِنْ الْكَلَام , لِأَنَّ مَا قَبْله مِنْ الْكَلَام قَدْ تَمَّ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَآمِنُوا } , وَقَالَ : قَدْ سَمِعْت الْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي كُلّ خَبَر كَانَ تَامًّا ثُمَّ اِتَّصَلَ بِهِ كَلَام بَعْد تَمَامه عَلَى نَحْو اِتِّصَال " خَيْر " بِمَا قَبْله , فَتَقُول : لَتَقُومَنَّ خَيْرًا لَك , وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ خَيْرًا لَك , وَاتَّقِ اللَّه خَيْرًا لَك . قَالَ : وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَام نَاقِصًا , فَلَا يَكُون إِلَّا بِالرَّفْعِ كَقَوْلِك : إِنَّ تَتَّقِ اللَّه خَيْر لَك , و { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ } 4 25 . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : جَاءَ النَّصْب فِي " خَيْر " , لِأَنَّ أَصْل الْكَلَام : فَآمِنُوا هُوَ خَيْر لَكُمْ , فَلَمَّا سَقَطَ " هُوَ " الَّذِي هُوَ مَصْدَر اِتَّصَلَ الْكَلَام بِمَا قَبْله , وَاَلَّذِي قَبْله مَعْرِفَة و " خَيْر " نَكِرَة , فَانْتُصِبَ لِاتِّصَالِهِ بِالْمَعْرِفَةِ , لِأَنَّ الْإِضْمَار مِنْ الْفِعْل : قُمْ فَالْقِيَام خَيْر لَك , وَلَا تَقُمْ فَتَرْك الْقِيَام خَيْر لَك ; فَلَمَّا سَقَطَ اِتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ . وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّك تَرَى الْكِنَايَة عَنْ الْأَمْر تَصْلُح قَبْل الْخَبَر , فَتَقُول لِلرَّجُلِ : اِتَّقِ اللَّه هُوَ خَيْر لَك , أَيْ الِاتِّقَاء خَيْر لَك . وَقَالَ : لَيْسَ نَصْبه عَلَى إِضْمَار " يَكُنْ " , لِأَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي بِقِيَاسٍ يُبْطِل هَذَا , أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : اِتَّقِ اللَّه تَكُنْ مُحْسِنًا , وَلَا يَجُوز أَنْ تَقُول : اِتَّقِ اللَّه مُحْسِنًا , وَأَنْتَ تُضْمِر " كَانَ " , وَلَا يَصْلُح أَنْ تَقُول : اُنْصُرْنَا أَخَانَا , وَأَنْتَ تُرِيد : تَكُنْ أَخَانَا . وَزَعَمَ قَائِل هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ لَا يُجِيز ذَلِكَ إِلَّا فِي " أَفْعَل " خَاصَّة , فَتَقُول : اِفْعَلْ هَذَا خَيْرًا لَك , وَلَا تَفْعَل هَذَا خَيْرًا لَك وَأَفْضَل لَك ; وَلَا تَقُول : صَلَاحًا لَك . وَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ مَعَ " أَفْعَل " , لِأَنَّ " أَفْعَل " يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَصْلَح مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ " خَيْرًا " لِأَنَّهُ حِين قَالَ لَهُمْ : آمِنُوا , أَمَرَهُمْ بِمَا هُوَ خَيْر لَهُمْ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِعْمَلُوا خَيْرًا لَكُمْ , وَكَذَلِكَ : اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ , قَالَ : وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْأَمْر وَالنَّهْي خَاصَّة , وَلَا يَكُون فِي الْخَبَر , لَا تَقُول : أَنْ أَنْتَهِي خَيْرًا لِي , وَلَكِنْ يُرْفَع عَلَى كَلَامَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْر وَالنَّهْي يُضْمَر فِيهِمَا , فَكَأَنَّك أَخْرَجْته مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء , لِأَنَّك حِين قُلْت لَهُ اِنْتَهِ , كَأَنَّك قُلْت لَهُ : اُخْرُجْ مِنْ ذَا , وَادْخُلْ فِي آخَر ; وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مَالِكٍ أَوْ الرُّبَا بَيْنهمَا أَسْهَلَا كَمَا تَقُول : وَاعِدِيهِ خَيْرًا لَك . قَالَ : وَقَدْ سَمِعْت نَصْب هَذَا فِي الْخَبَر , تَقُول الْعَرَب : آتِي الْبَيْت خَيْرًا لِي وَأَتْرُكهُ خَيْرًا لِي , وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك فِي الْأَمْر وَالنَّهْي . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " بِفِعْلٍ مُضْمَر , وَاكْتَفَى مِنْ ذَلِكَ الْمُضْمَر بِقَوْلِهِ : لَا تَفْعَل هَذَا وَافْعَلْ الْخَيْر , وَأَجَازَهُ فِي غَيْر " أَفْعَل " , فَقَالَ : لَا تَفْعَل ذَاكَ صَلَاحًا لَك . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ : نَصَبَ " خَيْرًا " عَلَى ضَمِير جَوَاب : يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ , وَقَالَ : كَذَلِكَ كُلّ أَمْر وَنَهْي .' { وَإِنْ تَكْفُرُوا } يَقُول : وَإِنْ تَجْحَدُوا رِسَالَته , وَتُكَذِّبُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , فَإِنَّ جُحُودكُمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبكُمْ بِهِ لَنْ يَضُرّ غَيْركُمْ , وَإِنَّمَا مَكْرُوه ذَلِكَ عَائِد عَلَيْكُمْ دُون اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِاَلَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْكُمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } مُلْكًا وَخَلْقًا , لَا يَنْقُص كُفْركُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ أَمْره , وَعِصْيَانكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه شَيْئًا . { وَإِنْ تَكْفُرُوا } يَقُول : وَإِنْ تَجْحَدُوا رِسَالَته , وَتُكَذِّبُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , فَإِنَّ جُحُودكُمْ ذَلِكَ وَتَكْذِيبكُمْ بِهِ لَنْ يَضُرّ غَيْركُمْ , وَإِنَّمَا مَكْرُوه ذَلِكَ عَائِد عَلَيْكُمْ دُون اللَّه الَّذِي أَمَرَكُمْ بِاَلَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْكُمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَذَلِكَ أَنَّ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } مُلْكًا وَخَلْقًا , لَا يَنْقُص كُفْركُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ أَمْره , وَعِصْيَانكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا عَصَيْتُمُوهُ فِيهِ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه شَيْئًا .' { وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَمَعْصِيَته فِي ذَلِكَ , وَعَلَى عِلْم مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ . { حَكِيمًا } يَعْنِي : حَكِيمًا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِي نَهْيه إِيَّاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره فِيكُمْ وَفِي غَيْركُمْ مِنْ خَلْقه . { وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَمَعْصِيَته فِي ذَلِكَ , وَعَلَى عِلْم مِنْهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ . { حَكِيمًا } يَعْنِي : حَكِيمًا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِي نَهْيه إِيَّاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره فِيكُمْ وَفِي غَيْركُمْ مِنْ خَلْقه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يا أيها الناس} هذا خطاب للكل. { قد جاءكم الرسول} يريد محمدا عليه الصلاة والسلام. { بالحق} بالقرآن. وقيل : بالدين الحق؛ وقيل : بشهادة أن لا إله إلا الله، وقيل : الباء للتعدية؛ أي جاءكم ومعه الحق؛ فهو في موضع الحال. { فآمنوا خيرا لكم} في الكلام إضمار؛ أي وأتوا خيرا لكم؛ هذا مذهب سيبويه، وعلى قول الفراء نعت لمصدر محذوف؛ أي إيمانا خيرا لكم، وعلى قول أبي عبيدة يكن خيرا لكم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 166 - 171


سورة النساء الايات 166 - 171

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فبعد أن وصف لنا - بإيجاز محكم - سلسلة المعارك التي نشأت بين الرسول واليهود مرة، ومرة أخرى بينه وبين المشركين، وها هوذا سبحانه يخاطب الناس جميعاً، ليصفي مركز منهج الله في الأرض، فيقول منبهاً كل الناس: لقد جاءت رسالة محمد عليه الصلاة والسلام تصفية لكل الرسالات التي سبقت، وعلى الناس جميعاً أن يميزوا، ليختاروا الحياة الإيمانية الجديدة؛ لأن الرسول قد جاء بالنور والبرهان، الذي يرجح ما هو عليه صلى الله عليه وسلم على ما هم عليه، والنور الذي يهديهم سواء السبيل.

لقد كان الناس قبل رسول الله على مِلَلٍ وعلى أديان ونحل شتى، فجاء البرهان بأن الإسلام قد جاء ناسخاً وخاتماً. والبرهان هو تعاليم هذا الدين وأدلته، فلا حجة لأحد أن يتمسك بشيء مما كان عليه. وجاء محمد بالنور الذي يهدي الإنسان إلى سواء السبيل، وهذه تصفية عقدية شاملة، أو كما نقول بالعامية " أوكازيون إيماني " تتخلص به البشرية من كل ما يشوب عقائدها، ولتبدأ مرحلة جديدة.

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ } والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير مهما تغيرت عليه الظروف؛ لأن الحق صدق له لون واحد، فإذا ما رأيتم جميعاً حادثة واحدة، ثم جاء كل واحد منكم فأخبر بها إخبار صدق فلن تختلف رواية الحادثة من واحد لآخر. أما إن سولت نفس بعض الناس لهم أن يتزيدوا في الحادثة فكل واحد سيحكي الحادثة على لون مختلف عن بقية الألوان، وقد يسافر خيال أحدهم في شطحة الكذب ويسترسل فيه.

إذن فالذي لا يتغير في الحق هو أن يحكوا جميعاً الرواية الواحدة بصدق ولو كانوا ملايين الناس، لكن إن سولت نفوس بعضهم الكذب وحسنته له وأغرته به لاختلفت الرواية؛ لأن الكذب مشاع أوهام ولا حقيقة له. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: لقد جاءكم الرسول بالحق مهما تغيرت الظروف والأحوال، ومهما جئتم إليه من أي لون، سواء في العقديات أو في العباديات أو في الأخلاق أو في السلوك. وستجدون كل شيء ثابتاً لأنّه الحق.

ويضرب الحق سبحانه وتعالى لنا مثلاً في هذا الحق:
{  أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ }
[الرعد: 17]

كل وادٍ يأخذ ماء على قدر حجمه، وساعة ينزل السيل من الجبال يحمل معه التراب والقش والأشياء التي لا لزوم لها، وهو ما نسميه " الريم " وهو الزَّبَد الرابي. وكذلك الحديد أو النحاس أو الذهب الذي نصنع منه الحلي أو أدوات المتاع، وعندما نضع هذه المعادن في النار، نجد الزِّبَد يفور على سطح هذه المعادن عندما تنصهر، وتسمى هذه الأشياء الخبث.ويوضح الحق لنا كيف يضرب الحق والباطل.
{  فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ }
[الرعد: 17]

ومهما اختلطت بالحق أشياء فهو كحق يبعد ويطرد هذه الفقاقيع والخبث وينحيها عنه. فإن علا الباطل يوماً على الحق فلنعلم أنه علو الزَّبَد الذي يذهب جفاء مرميا به ومطروحا، وسيظل الحق هو الحق. وسبحانه يقول: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ }. والإيمان هو اعتناق العقيدة بوجود الإله الأعلى، والبلاغ عنه بواسطة الرسل، وأن للحق ملائكة، وأن هناك بعثاً بعد الموت، وحساباً. ويقتضي الإيمان أن نعمل العمل وَفق مقتضياته وذلك هو اختيار الخير، ولنعلم جيداً أن الإيمان لا ينفصل عن العمل.

وماذا يحدث لو لم يؤمن الناس؟ ها هوذا الحق يقول: { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } وسبحانه غني، وسيظل كَونُه الثابتُ - بنظرية القهر والتسخير - هو كونه، ولن يتغير شيء في الكون بكفر الكافرين، سوى سخط الكون عليهم لأنه مسخر لهم؛ لأن الكون ملك لله، ولن تتغير السماء ولا النجوم ولا القمر ولا المطر ولا أي شيء.

ونقول لك: لو نظرت إلى الدنيا لوجدت الفساد فيها ناشئاً مما فعلته وأحدثته يد الإنسان على غير منهج الله، أما الشيء الذي لم تدخل فيه يد الإنسان فهو لا يفسد، ولم نر يوماً الشمس وقد عصيت عن الشروق أو الغروب، وكذلك القمر لم تختل حركته، وكذلك النجوم في الأفلاك، وتسير الرياح بأمر خالقها، وكل شيء في الكون منتظم الحركة، اللهم إلا الأشياء التي يتدخل فيها الإنسان، فإذا كان قد دخلها بمواصفات منهج الله فهي منسجمة مع نفسها ومع الكون، وإن دخلها بغير مواصفات منهج الله فلن تستقيم، بل تفسد.

ولذلك قال الحق:
{  إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }
[الرعد: 11]

إن الأمر الفاسد إنما يأتي من داخل نفوس البشر عندما يضلون عن منهج الله، ولذلك نقول: أشَكى الناس أزمة ضوء؟. لا؛ لأن الشمس ليست في متناولنا، وكذلك لم يشك الناس أزمة هواء، لكنهم يشكون أزمة طعام؛ لأن الطعام ينبت من الأرض، فإما أن يكسل الإنسان مثلاً فلا يعمل، وإما أن يعمل ويخرج ثمراً فيأخذه بعضهم ويضنوا ويبخلوا ولا يعطوه لغيرهم، وهذا سبب من أسباب الفساد الناشئ في الكون.

وجاء الحق لهم بما يمكن أن يكون فتحاً يدخلون فيه بالإيمان بمنهج الرسول الخاتم، ويكفرون عن أخطائهم مع أنبيائهم ومع محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ... }


www.alro7.net