سورة
اية:

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق، إن أعرضتم عما جئتكم به من عند اللّه تعالى، فإني أنذركم حلول نقمة اللّه بكم، كما حلَّت بالأُمم الماضين من المكذبين بالمرسلين { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} أي ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما، { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم} ، كقوله تعالى: { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} أي ما أحل اللّه بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا: { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} أي لو أرسل اللّه رسلاً لكانوا ملائكة من عنده { فإنا بما أرسلتم به} أي أيها البشر { كافرون} أي لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، قال اللّه تعالى: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض} أي بغوا وعتوا وعصوا { وقالوا من أشد منا قوة} ؟ أي منوا بشدة تركبيهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس اللّه، { أولم يروا أن اللّه الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} أي أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعدواة، فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وأن بطشه شديد فلهذا قال: { فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} قال بعضهم: وهي شديدة الهبوب، وقيل الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحاً شديدة قوية، وكانت باردة شديدة البرد جداً، وكانت ذات صوت مزعج، وقوله تعالى: { في أيام نحسات} أي متتابعات كقوله: { في يوم نحس مستمر} أي ابتُدِئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس { سبع ليال وثمانية أيام حسوماً} حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة، ولهذا قال: { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} أشد خزياً لهم، { وهم لا ينصرون} أي في الأُخرى كما لم ينصروا في الدنيا، وقوله عزَّ وجلَّ: { وأما ثمود فهديناهم} قال ابن عباس: بيّنّا لهم وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد ، وقال الثوري: دعوناهم { فاستحبوا العمى على الهدى} أي بصرناهم وبيّنّا لهم ووضَّحنا لهم الحق على لسان نبيّهم صالح عليه الصلاة والسلام، فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة اللّه تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيّهم، { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} أي بعث اللّه عليهم صيحة ورجفة، وذلا وهواناً، وعذاباً ونكالاً { بما كانوا يكسبون} أي من التكذيب والجحود، { ونجينا الذين آمنوا} أي من بين أظهرهم لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم اللّه تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام بإيمانهم وتقواهم للّه عزَّ وجلَّ.

تفسير الجلالين

{ وأما ثمود فهديناهم } بيّنا لهم طريق الهدى { فاستحبوا العمى } اختاروا الكفر { على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } المهين { بما كانوا يكسبون } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم} أي بينا لهم الهدى والضلال؛ عن ابن عباس وغيره. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما { وأما ثمود} بالنصب وقد مضى الكلام فيه في { الأعراف} . { فاستحبوا العمى على الهدى} أي اختاروا الكفر على الإيمان. وقال أبو العالية : اختاروا العمى على البيان. السدي : اختاروا المعصية على الطاعة. { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} { الهون} بالضم الهوان. وهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو كنانة وأسد. وأهانه : استخف به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقة اسم للمبيد المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب؛ أي العذاب المهلك. والهون وإن كان مصدرا فمعناه الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما وصفا للآخر؛ فكأنه قال : صاعقة الهون. وهو كقولك : عندي علم اليقين، وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسما مثل الدون؛ يقال : عذاب هون أي مهين؛ كما قال: { ما لبثوا في العذاب المهين} . [سبأ : 14]. وقيل : أي صاعقة العذاب ذي الهون. { بما كانوا يكسبون} من تكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، على ما تقدم. { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} يعني صالحا ومن آمن به؛ أي ميزناهم عن الكفار، فلم يحل بهم ما حل بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 12 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا وقفة لعلماء الكلام { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ.. } [فصلت: 17] الهُدَى هو الدلالة على طريق الخير الموصِّل إلى غاية خير، نقول دلَّه على الطريق، وحين تدل الناس منهم مَنْ يستمع لك ويطيعك، ومنهم مَنْ لا يستمع إليك، فالأول تزيده هداية وإرشاداً حتى يصل إلى غايته، والآخر تتخلى عنه.

لذلك قال تعالى:
{  وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ }
[محمد: 17] أي: اهتدوا لطريق الدلالة. زادهم هدىً. أي: بالمعونة والتوفيق للعمل الصالح وكراهية عمل الشر، إذن: هناك هداية للدلالة، وهداية للتوفيق والمعونة. وهل تعين إلا مَنْ أطاعك بك؟

وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً برجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق، وتحتاج إلى أن تسأله عن الطريق الذي تقصده، يقول لك: الطريق من هنا، فإن شكرته على صنيعته وتوجهتَ إلى الطريق الذي دلَّك عليه زادك إرشاداً وبيِّن لك ما في الطريق من عقبات أو مصاعب. وربما صحبتك حتى تمرَّ من هذه الصعاب.

فأنت سألته فدلَّك فاتبعتَ دلالته وشكرته فقال: أنت أهلٌ لمعونتي وإرشادي، أما إنْ خالفتَ رأيه وسِرْتَ في طريق آخر غير طريق دلالته فلا بُدَّ أنْ يتخلى عنك، وأنْ يدعك وشأنك.

كذلك الحق سبحانه وتعالى يدل الجميع على طريق الخير، كل الخلق دلَّهم الله، فمَنْ أطاع في هداية الدلالة كان أهلاً للزيادة، وأهلاً لهداية المعونة والتوفيق، ومَنْ عصى وخالف في هداية الدلالة لم يكُنْ أهلاً لهداية المعونة.

كذلك كان شأن ثمود { فَهَدَيْنَاهُمْ.. } [فصلت: 17] هداية دلالة { فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ.. } [فصلت: 17] أي: استحبُّوا العمى عن فعل الخير، لأنهم ارتاحوا للمخالفة وأرادوا الخروج من قيود التكاليف الشرعية، وإلا لماذا عبدوا الأصنام وهم يعلمون ما هي، وصنعوها بأيديهم؟

عبدوها لأن في عبادتها إرضاءً للنفس بأنْ يكون لها إله تعبده، وما أجملَ أنْ يكون هذا الإله بلا تكاليف وبلا منهج بافعل ولا تفعل، إذن: مشقة تكاليف الطاعة وحلاوة إتيان المعصية تأتي من التكليف، فإن وُجدَ إله بلا تكاليف مالتْ إليه النفس وأحبته، لأن ذلك يُرضِي غريزة الفطرة الإيمانية في الإنسان، وهو أن كلَّ إنسان آمن بالعهدة الأول في مرحلة الذر
{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. }
[الأعراف: 172].

إذن: فبضعة الإيمان في كل إنسان موجودة فيه من عهد الذر، ولكن يختلف الناسُ في قبول التكاليف والمنهج، فمن الناس مَنْ يرى في المنهج قيْداً لشهواته، فلا يرتاح إليه ويسعى إلى التديّن الخالي من التكليف كهؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، ومن الناس مَنْ يحب الهداية والطاعة ويرتاح إلى المنهج ويأنس به.

وتأمل قوله تعالى: { فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ.. } [فصلت: 17] استحبَّ غير أحب. استحبَّ يعني: تكلّف حبه، وهذا دليل أنه شيء لا يُحبّ أصلاً وطبيعة. لكنه تكلف حبه ليحقق مراده من الشهوة، ولك أنْ تنظر إلى أيِّ سيئة نهاك الله عنها وهَبَها أنها واقعة عليك، هل تحبها؟ لا تحبها، إذن: هي لا تُحَبُّ.وفي موضع آخر، لما تكلَّم الحق سبحانه عن المؤمنين قال عنهم:
{  أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. }
[البقرة: 5] وعلى تدل على الاستعلاء، فكأنهم مستوون على الهدى، وكأنه دابة يركبونها توصِّلهم إلى غايتهم، فالهدى لم يأتِ ليشق عليكم، إنما جاء ليحملكم ويُوصِّلكم إلى غاية الخير، فالمؤمنون على الهدى فوقه يوصلهم، ليس الهدى فوقهم يشق عليهم أو يكلفهم ما لا يطيقون، فالهدى إذن خدمة لكم وفي مصلحتكم.

وحين تتبع لفظة (على) في القرآن الكريم تجدها لا بدَّ أنْ تعطي الحكم من باب القوة والفضل، فمثلاً قوله تعالى:
{  وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً }
[الإنسان: 8] بعض المفسرين قال: على حبه يعني: مع حبه فجعل على بمعنى مع، وهذا مخالف للصواب؛ لأن الإنسان لا يحب الطعام إلا إذا كان جائعاً، أما الشبعان فلا يلتفت للطعام.

فالمعنى: ويُطعمون الطعام رغم أنهم في حاجة إليه، فكأن الجوع وحب الطعام، لماذا؟ لأنك قدَّرْتَ الجزاء الأوفى عليه، وما دُمْتَ قدَّرت الجزاء الأوفى على إطعام الطعام، فقد غَلبتَ حبك للطعام وعلوت عليه، لذلك قال سبحانه:
{  وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.. }
[الحشر: 9].

كذلك في قوله تعالى:
{  ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ.. }
[إبراهيم: 39] (على) هنا لا تعني وهب لي مع أنّي كبير لا أصلح للإنجاب، إنما المعنى: وهب لي على الكِبَر، فكأن الكبر ضعف يقتضي عدم الإنجاب، ولكن هبة الله وفضله علا على الضعف وعلا على الكبر كما جعل زكريا ينجب يحيى عليهما السلام!!

كذلك في قوله تعالى:
{  وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ.. }
[الرعد: 6] فكأن الظلم كان يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله عَلَتْ على الظلم.

ثم يقول سبحانه: { فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [فصلت: 17] الصاعقة قلنا: هي كلُّ ما يصعق ويدمر، سواء كان بالريح أو النار، أو الصيحة المدمرة، والعذاب الهون أي: المصحوب بالإهانة والخزي { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [فصلت: 17].

يعني: وقع لهم هذا بسبب ما كسبوا، وما اقترفته أيديهم. يعني: جزاءً وفاقاً، لا ظلماً وعدواناً.


www.alro7.net