سورة
اية:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ

تفسير بن كثير

يقال: مَثَل، والجمع أمثال، قال الله تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقِلها إلا العالمون} ، وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها ... فبينما هو كذلك إذا طفئت ناره وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي وهو مع هذا أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع والله أعلم. وقال الرازي: والتشبيه ههنا في غاية الصحة لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولاً نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين. وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال تعالى: { مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا ناراً، وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: { فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ، وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام. وقوله تعالى: { ذهب الله بنورهم} أي ذهب عنهم بما ينفعهم وهو النور وأبقى لهم ما يضرهم وهو الإحراق والدخان، { وتركهم في ظلمات} وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق. { لا يبصرون} لا يهتدون إلى سبيل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك { صم} لا يسمعون خيراً، { بكم} لا يتكلمون بما ينفعهم، { عمي} في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} إلى آخر الآية... قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ناراً، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.

تفسير الجلالين

{ مثلهم } صفتهم في نفاقهم { كمثل الذي استوقد } أوقد { ناراً } في ظلمة { فلما أضاءت } أنارت { ما حوله } فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه { ذهب الله بنورهم } أطفأه وجُمع الضمير مراعاة لمعنى الذي { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء أمِنوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْهَاء وَالْمِيم مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ } كِنَايَة جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال أَوْ الرِّجَال وَالنِّسَاء . و " الَّذِي " دَلَالَة عَلَى وَاحِد مِنْ الذُّكُور ؟ فَكَيْف جَعَلَ الْخَبَر عَنْ وَاحِد مَثَلًا لِجَمَاعَةٍ ؟ وَهَلَّا قِيلَ : مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نَارًا ! وَإِنْ جَازَ عِنْدك أَنْ تُمَثِّل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ فَتُجِيز لِقَائِلٍ رَأَى جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فَأَعْجَبَتْهُ صُوَرهمْ وَتَمَام خَلْقهمْ وَأَجْسَامهمْ أَنْ يَقُول : كَأَنَّ هَؤُلَاءِ , أَوْ كَأَنَّ أَجْسَام هَؤُلَاءِ , نَخْلَة ! ! . قِيلَ : أَمَّا فِي الْمَوْضِع الَّذِي مِثْل رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَاحِدِ الَّذِي جَعَلَهُ لِأَفْعَالِهِمْ مَثَلًا فَجَائِز حَسَن , وَفِي نَظَائِره كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي نَظِير ذَلِكَ : { تَدُور أَعْيُنهمْ كَاَلَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت } 33 19 يَعْنِي كَدَوَرَانِ عَيْن الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت , وَكَقَوْلِهِ : { مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة } 31 28 بِمَعْنَى إلَّا كَبَعْثِ نَفْس وَاحِدَة . وَأَمَّا فِي تَمْثِيل أَجْسَام الْجَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فِي طُول وَتَمَام الْخَلْق بِالْوَاحِدَةِ مِنْ النَّخِيل , فَغَيْر جَائِز وَلَا فِي نَظَائِره لَفَرَّقَ بَيْنهمَا . فَأَمَّا تَمْثِيل الْجَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْمُسْتَوْقَدِ الْوَاحِد , فَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ الْخَبَر عَنْ مَثَل اسْتِضَاءَتهمْ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ مِنْ اعْتِقَادَاتهمْ الرَّدِيئَة , وَخَلْطهمْ نِفَاقهمْ الْبَاطِن بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِر . وَالِاسْتِضَاءَة وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَشْخَاص أَهْلهَا مَعْنًى وَاحِد لَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَة . فَالْمَثَل لَهَا فِي مَعْنَى الْمَثَل لِلشَّخْصِ الْوَاحِد مِنْ الْأَشْيَاء الْمُخْتَلِفَة الْأَشْخَاص . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوهُ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَوْلًا وَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ اعْتِقَادًا , كَمَثَلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد نَارًا . ثُمَّ أُسْقِطَ ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَأُضِيفَ الْمَثَل إلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي جَعْدَة : وَكَيْفَ تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحَتْ خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب يُرِيد كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَب , فَأَسْقَطَ " خِلَالَة " , إذْ كَانَ فِيمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلَالَة لِسَامِعِيهِ عَلَى مَا حَذَفَ مِنْهُ . فَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا عِنْد سَامِعِيهِ بِمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام أَنَّ الْمَثَل إنَّمَا ضَرْب لِاسْتِضَاءَةِ الْقَوْم بِالْإِقْرَارِ دُون أَعْيَانِ أَجْسَامهمْ حَسُنَ حَذْف ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَإِضَافَة الْمَثَل إلَى أَهْله . وَالْمَقْصُود بِالْمَثَلِ مَا ذَكَرْنَا , فَلَمَّا وَصَفْنَا جَازَ وَحَسُنَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَيُشْبِه مَثَل الْجَمَاعَة فِي اللَّفْظ بِالْوَاحِدِ , إذْ كَانَ الْمُرَاد بِالْمَثَلِ الْوَاحِد فِي الْمَعْنَى . وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ تَشْبِيه الْجَمَاعَة مِنْ أَعْيَانِ بَنِي آدَم أَوْ أَعْيَانِ ذَوِي الصُّوَر وَالْأَجْسَام بِشَيْءٍ , فَالصَّوَاب مِنْ الْكَلَام تَشْبِيه الْجَمَاعَة بِالْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِد بِالْوَاحِدِ , لِأَنَّ عَيْن كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ غَيْر أَعْيَانِ الْآخَرِينَ . وَلِذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَى افْتَرَقَ الْقَوْل فِي تَشِبِّيهِ الْأَفْعَال وَالْأَسْمَاء , فَجَازَ تَشْبِيه أَفْعَال الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَغَيْرهمْ إذَا كَانَتْ بِمَعْنًى وَاحِد بِفِعْلِ الْوَاحِد , ثُمَّ حَذَفَ أَسَمَاء الْأَفْعَال , وَإِضَافَة الْمَثَل وَالتَّشْبِيه إلَى الَّذِينَ لَهُمْ الْفِعْل , فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , ثُمَّ يَحْذِف فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَالْكَلْبِ أَوْ كَالْكِلَابِ , وَأَنْت تَعْنِي : إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , وَإِلَّا كَفِعْلِ الْكِلَاب . وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَقُول : مَا هُمْ إلَّا نَخْلَة , وَأَنْت تُرِيد تَشْبِيه أَجْسَامهمْ بِالنَّخْلِ فِي الطُّول وَالتَّمَام . وَأَمَّا قَوْله : { اسْتَوْقَدَ نَارًا } فَإِنَّهُ فِي تَأْوِيل أَوْقَدَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب يُرِيد : فَلَمْ يُجِبْهُ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام إذًا مَثَل اسْتِضَاءَة هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ - فِي إظْهَارهمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلهمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَهُمْ لِلْكُفْرِ مُسْتَنْبِطُونَ - فِيمَا اللَّه فَاعِل بِهِمْ , مَثَل اسْتِضَاءَة مُوقِد نَار بِنَارِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ النَّار مَا حَوْله , يَعْنِي مَا حَوْل الْمُسْتَوْقَد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى " الَّذِينَ " كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } 39 33 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجِ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْقَوْل لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلَّة , وَقَدْ أَغَفَلَ قَائِل ذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن الَّذِي فِي الْآيَتَيْنِ وَفِي الْبَيْت , لِأَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ } قَدْ جَاءَتْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْجَمْع , وَهُوَ قَوْله : { أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَيْت , وَهُوَ قَوْله : دِمَاؤُهُمْ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلَالَة فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } . فَذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَسَائِر شَوَاهِده الَّتِي اُسْتُشْهِدَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَعَنِي " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى الْجَمَاعَة , وَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ نَقْل الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الْأَغْلَب فِي اسْتِعْمَال الْعَرَب عَلَى مَعْنًى إلَى غَيْره إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِيهِ أَقْوَال ; أَحَدهَا مَا : 326 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : ضَرَبَ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَيْ يُبْصِرُونَ الْحَقّ وَيَقُولُونَ بِهِ , حَتَّى إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَة الْكُفْر أَطْفِئُوهُ بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقهمْ فِيهِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات الْكُفْر فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقّ . وَالْآخَر مَا . 327 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بِهِ إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخَر الْآيَة هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِالْإِسْلَامِ فَيُنَاكِحهُمْ الْمُسْلِمُونَ ويُوارِثُونهُمْ وَيُقَاسِمُونَهُمْ الْفَيْء , فَلَمَّا مَاتُوا سَلَبهمْ اللَّه ذَلِكَ الْعِزّ كَمَا سَلَب صَاحِب النَّار ضَوْءُهُ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات , يَقُوم فِي عَذَاب . وَالثَّالِث مَا : 328 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } : زَعَمَ أَنَّ أُنَاسًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام مُقَدَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , ثُمَّ إنَّهُمْ نَافَقُوا فَكَانَ مَثَلهمْ كَمَثَلِ رَجُل كَانَ فِي ظُلْمَة فَأَوْقَدَ نَارًا فَأَضَاءَتْ لَهُ مَا حَوْله مِنْ قَذًى أَوْ أَذًى , فَأَبْصَرَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا يَتَّقِي , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نَاره فَأَقْبَلَ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي مِنْ أَذًى , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق كَانَ فِي ظُلْمَة الشِّرْك فَأَسْلَمَ فَعَرَفَ الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَالْخَيْر مِنْ الشَّرّ . فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ , فَصَارَ لَا يَعْرِف الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَلَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ . وَأَمَّا النُّور فَالْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ الظُّلْمَة نِفَاقهمْ . وَالْآخَر مَا : 329 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَعِيد بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى : { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } ضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِلْمُنَافِقِ , وَقَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ . وَأَمَّا الظُّلْمَة : فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ , يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَهُمْ قَوْم كَانُوا عَلَى هُدًى ثُمَّ نَزَعَ مِنْهُمْ فَعَتَوْا بَعْد ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 330 - حَدَّثَنِي بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } وَإِنَّ الْمُنَافِق تَكَلَّمَ بِلَا إلَه إلَّا اللَّه فَأَضَاءَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَنَاكِح بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَغَازِي بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَارِث بِمَا الْمُسْلِمِينَ وَحَقّ بِهَا دَمه وَمَاله . فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمَوْت سَلَبهَا الْمُنَافِق لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْل فِي قَلْبه وَلَا حَقِيقَة فِي عِلْمه . * وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } هِيَ لَا إلَه إلَّا اللَّه أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا بِهَا وَشَرِبُوا وَآمَنُوا فِي الدُّنْيَا وَنَكَحُوا النِّسَاء وَحَقَنُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ حَتْي إذَا مَاتُوا ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . 331 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو تميلة , عَنْ عُبَيْد بْن سَلِيمَانِ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ; وَأَمَّا الظُّلُمَات , فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 332 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , عَنْ شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد مَثَله . 333 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : ضَرَبَ مَثَل أَهْل النِّفَاق فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قَالَ : إنَّمَا ضَوْء النَّار وَنُورهَا مَا أَوْقَدَتْهَا , فَإِذَا خَمَدَتْ ذَهَبَ نُورهَا , كَذَلِكَ الْمُنَافِق كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص أَضَاءَ لَهُ , فَإِذَا شَكَّ وَقَعَ فِي الظُّلْمَة . 334 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : هَذِهِ صِفَة الْمُنَافِقِينَ , كَانُوا قَدْ آمَنُوا حَتَّى أَضَاءَ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ كَمَا أَضَاءَتْ النَّار لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا ثُمَّ كَفَرُوا , فَذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ , فَانْتَزَعَهُ كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّار فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاك , وَمَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاس . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا ضَرَبَ هَذَا الْمَثَل لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ وَقَصَّ قَصَصهمْ مِنْ لَدُنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ بِقَوْلِهِ : { مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لَا الْمُعْلِنِينَ بِالْكُفْرِ الْمُجَاهَدِينَ بِالشِّرْكِ . وَلَوْ كَانَ الْمَثَل لِمَنْ آمَنَ إيمَانًا صَحِيحًا ثُمَّ أَعْلَنَ بِالْكُفْرِ إعْلَانًا صَحِيحًا عَلَى مَا ظَنَّ الْمُتَأَوِّل قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَنَّ ضَوْء النَّار مَثَل لِإِيمَانِهِمْ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ عِنْده عَلَى صِحَّة , وَأَنَّ ذَهَاب نُورهمْ مَثَل لِارْتِدَادِهِمْ وَإِعْلَانهمْ الْكُفْر عَلَى صِحَّة ; لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْ الْقَوْم خِدَاع وَلَا اسْتِهْزَاء عِنْد أَنْفُسهمْ وَلَا نِفَاق , وَأَنَّى يَكُون خِدَاع وَنِفَاق مِمَّنْ لَمْ يُبْدِلك قَوْلًا وَلَا فِعْلًا إلَّا مَا أَوَجَبَ لَك الْعِلْم بِحَالِهِ الَّتِي هُوَ لَك عَلَيْهَا , وَبِعَزِيمَةِ نَفْسه الَّتِي هُوَ مُقِيم عَلَيْهَا ؟ إنَّ هَذَا بِغَيْرِ شَكّ مِنْ النِّفَاق بَعِيد وَمِنْ الْخِدَاع بَرِيء , فَإِنْ كَانَ الْقَوْم لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إلَّا حَالَتَانِ : حَال إيمَان ظَاهِر وَحَال كُفْر طَاهِر , فَقَدْ سَقَطَ عَنْ الْقَوْم اسْم النِّفَاق ; لِأَنَّهُمْ فِي حَال إيمَانهمْ الصَّحِيح كَانُوا مُؤْمِنِينَ , وَفِي حَال كُفْرهمْ الصَّحِيح كَانُوا كَافِرِينَ , وَلَا حَالَة هُنَاكَ ثَالِثَة كَانُوا بِهَا مُنَافِقِينَ وَفِي وَصْف اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ بِصِفَةِ النِّفَاق مَا يُنْبِئ عَنْ أَنَّ الْقَوْل غَيْر الْقَوْل الَّذِي زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ ثُمَّ ارْتَدُّوا إلَى الْكُفْر فَأَقَامُوا عَلَيْهِ , إلَّا أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُمْ انْتَقَلُوا مِنْ إيمَانهمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ إلَى الْكُفْر الَّذِي هُوَ نِفَاق , وَذَلِكَ قَوْل إنْ قَالَهُ لَمْ تُدْرَك صِحْته إلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيض أَوْ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الْمُوجِبَة صِحْته . فَأَمَّا فِي ظَاهِر الْكِتَاب , فَلَا دَلَالَة عَلَى صِحْته لِاحْتِمَالِهِ مِنْ التَّأْوِيل مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي ذَلِكَ , فَأَوْلَى تَأْوِيلَات الْآيَة بِالْآيَةِ مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِقْرَار بِهِ , وَقَوْلهمْ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر , حَتَّى حَكَمَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي عَاجِل الدُّنْيَا بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقْن الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَالْأَمْن عَلَى الذُّرِّيَّة مِنْ السِّبَاء , وَفِي الْمُنَاكَحَة وَالْمُوَارَثَة ; كَمِثْلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد النَّار بِالنَّارِ , حَتَّى إذَا ارْتَفَقَ بِضِيَائِهَا وَأَبْصَرَ مَا حَوْله مُسْتَضِيئًا بِنُورِهِ مِنْ الظُّلْمَة , خَمَدَتْ النَّار وَانْطَفَأَتْ , فَذَهَبَ نُوره , وَعَادَ الْمُسْتَضِيء بِهِ فِي ظُلْمَة وَحِيرَة . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِق لَمْ يَزَلْ مُسْتَضِيئًا بِضَوْءِ الْقَوْل الَّذِي دَافَعَ عَنْهُ فِي حَيَاته الْقَتْل وَالسِّبَاء مَعَ اسْتِبْطَانه مَا كَانَ مُسْتَوْجِبًا بِهِ الْقَتْل وَسَلَب الْمَال لَوْ أَظْهَرهُ بِلِسَانِهِ , تَخَيَّلَ إلَيْهِ بِذَلِكَ نَفْسه أَنَّهُ بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ مُسْتَهْزِئ مُخَادِع , حَتَّى سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسه , إذْ وَرَدَ عَلَى رَبّه فِي الْآخِرَة , أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُ بِمِثْلِ الَّذِي نَجَا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالنِّفَاق . أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُول إذْ نَعَتَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ : { يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ } 58 18 ظَنًّا مِنْ الْقَوْم أَنَّ نَجَاتهمْ مِنْ عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة فِي مِثْل الَّذِي كَانَ بِهِ نَجَاتهمْ مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَسَلَب الْمَال فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالْإِفْك وَأَنَّ خِدَاعهمْ نَافِعهمْ هُنَالِكَ نَفَعَهُ إيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا . حَتَّى عَايَنُوا مِنْ أَمْر اللَّه مَا أَيْقَنُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ ظُنُونهمْ فِي غُرُور وَضَلَال , وَاسْتِهْزَاء بِأَنْفُسِهِمْ وَخِدَاع , إذْ أَطْفَأَ اللَّه نُورهمْ يَوْم الْقِيَامَة فَاسْتَنْظَرُوا الْمُؤْمِنِينَ لِيَقْتَبِسُوا مِنْ نُورهمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : أَرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا وَاصْلَوْا سَعِيرًا . فَذَلِكَ حِين ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ , كَمَا انْطَفَأَتْ نَار الْمُسْتَوْقِد النَّار بَعْد إضَاءَتهَا لَهُ , فَبَقِيَ فِي ظُلْمَته حَيَرَان تَائِهًا ; يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهِره مِنْ قِبَله الْعَذَاب يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيّ حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغُرُور فَالْيَوْم لَا يُؤْخَذ مِنْكُمْ فَدِيَة وَلَا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّار هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمُصِير } 57 13 : 15 فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : إنَّك ذَكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : خَمَدَتْ وَانْطَفَأَتْ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي الْقُرْآن , فَمَا دَلَالَتك عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ؟ قِيلَ : قَدْ قُلْنَا إنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب الْإِيجَاز وَالِاخْتِصَار إذَا كَانَ فِيمَا نَطَقَتْ بِهِ الدَّلَالَة الْكَافِيَة عَلَى مَا حَذَفَتْ وَتَرَكَتْ , كَمَا قَالَ أَبُو ذويب الْهُذَلِيّ : عَصَيْت إلَيْهَا الْقَلْب إنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فما أَرَى أَرُشْد طِلَابهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا أَمْ غَيّ , فَحَذَفَ ذِكْر " أَمْ غَيّ " , إذْ كَانَ فِيمَا نَطَقَ بِهِ الدَّلَالَة عَلَيْهَا . وَكَمَا قَالَ ذُو الرِّمَّة فِي نَعْت حِمْيَر : فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْل أَوْ حِين نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَذَا آذانها وهو جَانِح يَعْنِي : أَوْ حِين أَقَبْل اللَّيْل . فِي نَظَائِر لِذَلِكَ كَثِيرَة كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهَا . فَكَذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } لَمَّا كَانَ فِيهِ وَفِيمَا بَعْده مِنْ قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } دَلَالَة عَلَى الْمَتْرُوك كَافِيَة مِنْ ذِكْره اخْتَصَرَ الْكَلَام طَلَب الْإِيجَاز . وَكَذَلِكَ حَذْف مَا حَذَفَ وَاخْتِصَار مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ بَعْده , نَظِير مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُسْتَوْقِد النَّار ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ بَعْد الضِّيَاء الَّذِي كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا بِمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ , كَمَا ذَهَبَ ضَوْء نَار هَذَا الْمُسْتَوْقِد بِانْطِفَاءِ نَاره وَخُمُودهَا فَبَقِيَ فِي ظُلْمَة لَا يُبْصِر , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } عَائِدَة عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { مَثَلهمْ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْهَاء وَالْمِيم مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ } كِنَايَة جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال أَوْ الرِّجَال وَالنِّسَاء . و " الَّذِي " دَلَالَة عَلَى وَاحِد مِنْ الذُّكُور ؟ فَكَيْف جَعَلَ الْخَبَر عَنْ وَاحِد مَثَلًا لِجَمَاعَةٍ ؟ وَهَلَّا قِيلَ : مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نَارًا ! وَإِنْ جَازَ عِنْدك أَنْ تُمَثِّل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ فَتُجِيز لِقَائِلٍ رَأَى جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فَأَعْجَبَتْهُ صُوَرهمْ وَتَمَام خَلْقهمْ وَأَجْسَامهمْ أَنْ يَقُول : كَأَنَّ هَؤُلَاءِ , أَوْ كَأَنَّ أَجْسَام هَؤُلَاءِ , نَخْلَة ! ! . قِيلَ : أَمَّا فِي الْمَوْضِع الَّذِي مِثْل رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَاحِدِ الَّذِي جَعَلَهُ لِأَفْعَالِهِمْ مَثَلًا فَجَائِز حَسَن , وَفِي نَظَائِره كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي نَظِير ذَلِكَ : { تَدُور أَعْيُنهمْ كَاَلَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت } 33 19 يَعْنِي كَدَوَرَانِ عَيْن الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت , وَكَقَوْلِهِ : { مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة } 31 28 بِمَعْنَى إلَّا كَبَعْثِ نَفْس وَاحِدَة . وَأَمَّا فِي تَمْثِيل أَجْسَام الْجَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فِي طُول وَتَمَام الْخَلْق بِالْوَاحِدَةِ مِنْ النَّخِيل , فَغَيْر جَائِز وَلَا فِي نَظَائِره لَفَرَّقَ بَيْنهمَا . فَأَمَّا تَمْثِيل الْجَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْمُسْتَوْقَدِ الْوَاحِد , فَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ الْخَبَر عَنْ مَثَل اسْتِضَاءَتهمْ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ مِنْ اعْتِقَادَاتهمْ الرَّدِيئَة , وَخَلْطهمْ نِفَاقهمْ الْبَاطِن بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِر . وَالِاسْتِضَاءَة وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَشْخَاص أَهْلهَا مَعْنًى وَاحِد لَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَة . فَالْمَثَل لَهَا فِي مَعْنَى الْمَثَل لِلشَّخْصِ الْوَاحِد مِنْ الْأَشْيَاء الْمُخْتَلِفَة الْأَشْخَاص . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوهُ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَوْلًا وَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ اعْتِقَادًا , كَمَثَلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد نَارًا . ثُمَّ أُسْقِطَ ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَأُضِيفَ الْمَثَل إلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي جَعْدَة : وَكَيْفَ تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحَتْ خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب يُرِيد كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَب , فَأَسْقَطَ " خِلَالَة " , إذْ كَانَ فِيمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلَالَة لِسَامِعِيهِ عَلَى مَا حَذَفَ مِنْهُ . فَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا عِنْد سَامِعِيهِ بِمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام أَنَّ الْمَثَل إنَّمَا ضَرْب لِاسْتِضَاءَةِ الْقَوْم بِالْإِقْرَارِ دُون أَعْيَانِ أَجْسَامهمْ حَسُنَ حَذْف ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَإِضَافَة الْمَثَل إلَى أَهْله . وَالْمَقْصُود بِالْمَثَلِ مَا ذَكَرْنَا , فَلَمَّا وَصَفْنَا جَازَ وَحَسُنَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَيُشْبِه مَثَل الْجَمَاعَة فِي اللَّفْظ بِالْوَاحِدِ , إذْ كَانَ الْمُرَاد بِالْمَثَلِ الْوَاحِد فِي الْمَعْنَى . وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ تَشْبِيه الْجَمَاعَة مِنْ أَعْيَانِ بَنِي آدَم أَوْ أَعْيَانِ ذَوِي الصُّوَر وَالْأَجْسَام بِشَيْءٍ , فَالصَّوَاب مِنْ الْكَلَام تَشْبِيه الْجَمَاعَة بِالْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِد بِالْوَاحِدِ , لِأَنَّ عَيْن كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ غَيْر أَعْيَانِ الْآخَرِينَ . وَلِذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَى افْتَرَقَ الْقَوْل فِي تَشِبِّيهِ الْأَفْعَال وَالْأَسْمَاء , فَجَازَ تَشْبِيه أَفْعَال الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَغَيْرهمْ إذَا كَانَتْ بِمَعْنًى وَاحِد بِفِعْلِ الْوَاحِد , ثُمَّ حَذَفَ أَسَمَاء الْأَفْعَال , وَإِضَافَة الْمَثَل وَالتَّشْبِيه إلَى الَّذِينَ لَهُمْ الْفِعْل , فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , ثُمَّ يَحْذِف فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَالْكَلْبِ أَوْ كَالْكِلَابِ , وَأَنْت تَعْنِي : إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , وَإِلَّا كَفِعْلِ الْكِلَاب . وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَقُول : مَا هُمْ إلَّا نَخْلَة , وَأَنْت تُرِيد تَشْبِيه أَجْسَامهمْ بِالنَّخْلِ فِي الطُّول وَالتَّمَام . وَأَمَّا قَوْله : { اسْتَوْقَدَ نَارًا } فَإِنَّهُ فِي تَأْوِيل أَوْقَدَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب يُرِيد : فَلَمْ يُجِبْهُ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام إذًا مَثَل اسْتِضَاءَة هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ - فِي إظْهَارهمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلهمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَهُمْ لِلْكُفْرِ مُسْتَنْبِطُونَ - فِيمَا اللَّه فَاعِل بِهِمْ , مَثَل اسْتِضَاءَة مُوقِد نَار بِنَارِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ النَّار مَا حَوْله , يَعْنِي مَا حَوْل الْمُسْتَوْقَد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى " الَّذِينَ " كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } 39 33 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجِ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْقَوْل لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلَّة , وَقَدْ أَغَفَلَ قَائِل ذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن الَّذِي فِي الْآيَتَيْنِ وَفِي الْبَيْت , لِأَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ } قَدْ جَاءَتْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْجَمْع , وَهُوَ قَوْله : { أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَيْت , وَهُوَ قَوْله : دِمَاؤُهُمْ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلَالَة فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } . فَذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَسَائِر شَوَاهِده الَّتِي اُسْتُشْهِدَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَعَنِي " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى الْجَمَاعَة , وَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ نَقْل الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الْأَغْلَب فِي اسْتِعْمَال الْعَرَب عَلَى مَعْنًى إلَى غَيْره إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِيهِ أَقْوَال ; أَحَدهَا مَا : 326 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : ضَرَبَ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَيْ يُبْصِرُونَ الْحَقّ وَيَقُولُونَ بِهِ , حَتَّى إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَة الْكُفْر أَطْفِئُوهُ بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقهمْ فِيهِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات الْكُفْر فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقّ . وَالْآخَر مَا . 327 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بِهِ إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخَر الْآيَة هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِالْإِسْلَامِ فَيُنَاكِحهُمْ الْمُسْلِمُونَ ويُوارِثُونهُمْ وَيُقَاسِمُونَهُمْ الْفَيْء , فَلَمَّا مَاتُوا سَلَبهمْ اللَّه ذَلِكَ الْعِزّ كَمَا سَلَب صَاحِب النَّار ضَوْءُهُ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات , يَقُوم فِي عَذَاب . وَالثَّالِث مَا : 328 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } : زَعَمَ أَنَّ أُنَاسًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام مُقَدَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , ثُمَّ إنَّهُمْ نَافَقُوا فَكَانَ مَثَلهمْ كَمَثَلِ رَجُل كَانَ فِي ظُلْمَة فَأَوْقَدَ نَارًا فَأَضَاءَتْ لَهُ مَا حَوْله مِنْ قَذًى أَوْ أَذًى , فَأَبْصَرَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا يَتَّقِي , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نَاره فَأَقْبَلَ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي مِنْ أَذًى , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق كَانَ فِي ظُلْمَة الشِّرْك فَأَسْلَمَ فَعَرَفَ الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَالْخَيْر مِنْ الشَّرّ . فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ , فَصَارَ لَا يَعْرِف الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَلَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ . وَأَمَّا النُّور فَالْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ الظُّلْمَة نِفَاقهمْ . وَالْآخَر مَا : 329 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَعِيد بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى : { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } ضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِلْمُنَافِقِ , وَقَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ . وَأَمَّا الظُّلْمَة : فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ , يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَهُمْ قَوْم كَانُوا عَلَى هُدًى ثُمَّ نَزَعَ مِنْهُمْ فَعَتَوْا بَعْد ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 330 - حَدَّثَنِي بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } وَإِنَّ الْمُنَافِق تَكَلَّمَ بِلَا إلَه إلَّا اللَّه فَأَضَاءَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَنَاكِح بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَغَازِي بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَارِث بِمَا الْمُسْلِمِينَ وَحَقّ بِهَا دَمه وَمَاله . فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمَوْت سَلَبهَا الْمُنَافِق لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْل فِي قَلْبه وَلَا حَقِيقَة فِي عِلْمه . * وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } هِيَ لَا إلَه إلَّا اللَّه أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا بِهَا وَشَرِبُوا وَآمَنُوا فِي الدُّنْيَا وَنَكَحُوا النِّسَاء وَحَقَنُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ حَتْي إذَا مَاتُوا ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . 331 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو تميلة , عَنْ عُبَيْد بْن سَلِيمَانِ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ; وَأَمَّا الظُّلُمَات , فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 332 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , عَنْ شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد مَثَله . 333 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : ضَرَبَ مَثَل أَهْل النِّفَاق فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قَالَ : إنَّمَا ضَوْء النَّار وَنُورهَا مَا أَوْقَدَتْهَا , فَإِذَا خَمَدَتْ ذَهَبَ نُورهَا , كَذَلِكَ الْمُنَافِق كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص أَضَاءَ لَهُ , فَإِذَا شَكَّ وَقَعَ فِي الظُّلْمَة . 334 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : هَذِهِ صِفَة الْمُنَافِقِينَ , كَانُوا قَدْ آمَنُوا حَتَّى أَضَاءَ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ كَمَا أَضَاءَتْ النَّار لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا ثُمَّ كَفَرُوا , فَذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ , فَانْتَزَعَهُ كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّار فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاك , وَمَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاس . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا ضَرَبَ هَذَا الْمَثَل لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ وَقَصَّ قَصَصهمْ مِنْ لَدُنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ بِقَوْلِهِ : { مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لَا الْمُعْلِنِينَ بِالْكُفْرِ الْمُجَاهَدِينَ بِالشِّرْكِ . وَلَوْ كَانَ الْمَثَل لِمَنْ آمَنَ إيمَانًا صَحِيحًا ثُمَّ أَعْلَنَ بِالْكُفْرِ إعْلَانًا صَحِيحًا عَلَى مَا ظَنَّ الْمُتَأَوِّل قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَنَّ ضَوْء النَّار مَثَل لِإِيمَانِهِمْ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ عِنْده عَلَى صِحَّة , وَأَنَّ ذَهَاب نُورهمْ مَثَل لِارْتِدَادِهِمْ وَإِعْلَانهمْ الْكُفْر عَلَى صِحَّة ; لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْ الْقَوْم خِدَاع وَلَا اسْتِهْزَاء عِنْد أَنْفُسهمْ وَلَا نِفَاق , وَأَنَّى يَكُون خِدَاع وَنِفَاق مِمَّنْ لَمْ يُبْدِلك قَوْلًا وَلَا فِعْلًا إلَّا مَا أَوَجَبَ لَك الْعِلْم بِحَالِهِ الَّتِي هُوَ لَك عَلَيْهَا , وَبِعَزِيمَةِ نَفْسه الَّتِي هُوَ مُقِيم عَلَيْهَا ؟ إنَّ هَذَا بِغَيْرِ شَكّ مِنْ النِّفَاق بَعِيد وَمِنْ الْخِدَاع بَرِيء , فَإِنْ كَانَ الْقَوْم لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إلَّا حَالَتَانِ : حَال إيمَان ظَاهِر وَحَال كُفْر طَاهِر , فَقَدْ سَقَطَ عَنْ الْقَوْم اسْم النِّفَاق ; لِأَنَّهُمْ فِي حَال إيمَانهمْ الصَّحِيح كَانُوا مُؤْمِنِينَ , وَفِي حَال كُفْرهمْ الصَّحِيح كَانُوا كَافِرِينَ , وَلَا حَالَة هُنَاكَ ثَالِثَة كَانُوا بِهَا مُنَافِقِينَ وَفِي وَصْف اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ بِصِفَةِ النِّفَاق مَا يُنْبِئ عَنْ أَنَّ الْقَوْل غَيْر الْقَوْل الَّذِي زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ ثُمَّ ارْتَدُّوا إلَى الْكُفْر فَأَقَامُوا عَلَيْهِ , إلَّا أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُمْ انْتَقَلُوا مِنْ إيمَانهمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ إلَى الْكُفْر الَّذِي هُوَ نِفَاق , وَذَلِكَ قَوْل إنْ قَالَهُ لَمْ تُدْرَك صِحْته إلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيض أَوْ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الْمُوجِبَة صِحْته . فَأَمَّا فِي ظَاهِر الْكِتَاب , فَلَا دَلَالَة عَلَى صِحْته لِاحْتِمَالِهِ مِنْ التَّأْوِيل مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي ذَلِكَ , فَأَوْلَى تَأْوِيلَات الْآيَة بِالْآيَةِ مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِقْرَار بِهِ , وَقَوْلهمْ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر , حَتَّى حَكَمَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي عَاجِل الدُّنْيَا بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقْن الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَالْأَمْن عَلَى الذُّرِّيَّة مِنْ السِّبَاء , وَفِي الْمُنَاكَحَة وَالْمُوَارَثَة ; كَمِثْلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد النَّار بِالنَّارِ , حَتَّى إذَا ارْتَفَقَ بِضِيَائِهَا وَأَبْصَرَ مَا حَوْله مُسْتَضِيئًا بِنُورِهِ مِنْ الظُّلْمَة , خَمَدَتْ النَّار وَانْطَفَأَتْ , فَذَهَبَ نُوره , وَعَادَ الْمُسْتَضِيء بِهِ فِي ظُلْمَة وَحِيرَة . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِق لَمْ يَزَلْ مُسْتَضِيئًا بِضَوْءِ الْقَوْل الَّذِي دَافَعَ عَنْهُ فِي حَيَاته الْقَتْل وَالسِّبَاء مَعَ اسْتِبْطَانه مَا كَانَ مُسْتَوْجِبًا بِهِ الْقَتْل وَسَلَب الْمَال لَوْ أَظْهَرهُ بِلِسَانِهِ , تَخَيَّلَ إلَيْهِ بِذَلِكَ نَفْسه أَنَّهُ بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ مُسْتَهْزِئ مُخَادِع , حَتَّى سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسه , إذْ وَرَدَ عَلَى رَبّه فِي الْآخِرَة , أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُ بِمِثْلِ الَّذِي نَجَا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالنِّفَاق . أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُول إذْ نَعَتَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ : { يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ } 58 18 ظَنًّا مِنْ الْقَوْم أَنَّ نَجَاتهمْ مِنْ عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة فِي مِثْل الَّذِي كَانَ بِهِ نَجَاتهمْ مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَسَلَب الْمَال فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالْإِفْك وَأَنَّ خِدَاعهمْ نَافِعهمْ هُنَالِكَ نَفَعَهُ إيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا . حَتَّى عَايَنُوا مِنْ أَمْر اللَّه مَا أَيْقَنُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ ظُنُونهمْ فِي غُرُور وَضَلَال , وَاسْتِهْزَاء بِأَنْفُسِهِمْ وَخِدَاع , إذْ أَطْفَأَ اللَّه نُورهمْ يَوْم الْقِيَامَة فَاسْتَنْظَرُوا الْمُؤْمِنِينَ لِيَقْتَبِسُوا مِنْ نُورهمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : أَرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا وَاصْلَوْا سَعِيرًا . فَذَلِكَ حِين ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ , كَمَا انْطَفَأَتْ نَار الْمُسْتَوْقِد النَّار بَعْد إضَاءَتهَا لَهُ , فَبَقِيَ فِي ظُلْمَته حَيَرَان تَائِهًا ; يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهِره مِنْ قِبَله الْعَذَاب يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيّ حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغُرُور فَالْيَوْم لَا يُؤْخَذ مِنْكُمْ فَدِيَة وَلَا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّار هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمُصِير } 57 13 : 15 فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : إنَّك ذَكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : خَمَدَتْ وَانْطَفَأَتْ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي الْقُرْآن , فَمَا دَلَالَتك عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ؟ قِيلَ : قَدْ قُلْنَا إنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب الْإِيجَاز وَالِاخْتِصَار إذَا كَانَ فِيمَا نَطَقَتْ بِهِ الدَّلَالَة الْكَافِيَة عَلَى مَا حَذَفَتْ وَتَرَكَتْ , كَمَا قَالَ أَبُو ذويب الْهُذَلِيّ : عَصَيْت إلَيْهَا الْقَلْب إنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فما أَرَى أَرُشْد طِلَابهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا أَمْ غَيّ , فَحَذَفَ ذِكْر " أَمْ غَيّ " , إذْ كَانَ فِيمَا نَطَقَ بِهِ الدَّلَالَة عَلَيْهَا . وَكَمَا قَالَ ذُو الرِّمَّة فِي نَعْت حِمْيَر : فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْل أَوْ حِين نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَذَا آذانها وهو جَانِح يَعْنِي : أَوْ حِين أَقَبْل اللَّيْل . فِي نَظَائِر لِذَلِكَ كَثِيرَة كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهَا . فَكَذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } لَمَّا كَانَ فِيهِ وَفِيمَا بَعْده مِنْ قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } دَلَالَة عَلَى الْمَتْرُوك كَافِيَة مِنْ ذِكْره اخْتَصَرَ الْكَلَام طَلَب الْإِيجَاز . وَكَذَلِكَ حَذْف مَا حَذَفَ وَاخْتِصَار مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ بَعْده , نَظِير مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُسْتَوْقِد النَّار ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ بَعْد الضِّيَاء الَّذِي كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا بِمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ , كَمَا ذَهَبَ ضَوْء نَار هَذَا الْمُسْتَوْقِد بِانْطِفَاءِ نَاره وَخُمُودهَا فَبَقِيَ فِي ظُلْمَة لَا يُبْصِر , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } عَائِدَة عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { مَثَلهمْ } .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي اسم، كما هي في قول الأعشى : أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ** كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وقول امرئ القيس : ورحنا بكابن الماء يُجنَب وسطنا ** تَصَوَّبُ فيه العين طورا وترتقي أراد مثل الطعن، وبمثل ابن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه. والمتماثلان : المتشابهان، هكذا قال أهل اللغة. قوله { الذي} يقع للواحد والجمع. قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد، كما قال : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ** هم القوم كل القوم يا أم خالد وقيل في قول الله تعالى { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر :33 ]. إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله { مثلهم كمثل الذي} قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال { ذهب الله بنورهم} ، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما قوله تعالى { وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69 ]. فإن الذي ههنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا. وقيل : إنما وحد { الذي} و { استوقد} لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولي الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال { بنورهم} . واستوقد بمعنى أوقد، مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ** فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه. واختلف النحاة في جواب لما، وفي عود الضمير من { نورهم} ، فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت، والضمير في { نورهم} على هذا للمنافقين، والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة، كما قال تعالى { فضرب بينهم بسور له باب} [الحديد: 13 ]. وقيل : جوابه { ذهب} ، والضمير في { نورهم} عائد على { الذي} ، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم - كما أخبر التنزيل { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145 ]. ويذهب نورهم، ولهذا يقولون { انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد :13 ]. وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار، وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. قوله : { نارا} النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق. وهي من الواو، لأنك تقول في التصغير : نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ونيران، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. قوله تعالى { فلما أضاءت ما حوله} ضاءت وأضاءت لغتان، يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء، يكون لازما ومتعديا. وقرأ محمد بن السميقع : ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف، قال الشاعر : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ** دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه { ما} زائدة مؤكدة. وقيل : مفعولة بأضاءت. و { حوله} ظرف مكان، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. { ذهب} وأذهب لغتان من الذهاب، وهو زوال الشيء. { وتركهم} أي أبقاهم. { في ظلمات} جمع ظُلْمة. وقرأ الأعمش { ظلْمات} بإسكان اللام على الأصل. ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأ أشهب العقيلي { ظلَمات} بفتح اللام. قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف. وقال الكسائي { ظلمات} جمع الجمع، جمع ظلم. { لا يبصرون} فعل. مستقبل في موضع الحال، كأنه قال : غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على { ظلمات} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 17 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا، ولذلك فهو يضرب لنا الأمثال، والأمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة، والأمثال باب من الأبواب العريقة في الأدب العربي. فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة ومعبرة، رأى الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة.

ولنضرب مثلا لذلك، ملك من الملوك، أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب، فأرسل خاطبة اسمها عصام لِترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره، فلما عادت قال لها ما وراءك يا عصام؟ أي بماذا جئت من أخبار، قالت: له أبدي المخض عن الزبد. المخض هو أن تأتي باللبن الحليب وتخضه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن، فصار الاثنان ـ السؤال والجواب ـ يضربان مثلا. تأتي لمن يجيئك تنتظر منه أخبارا فتقول له: ما وراءك يا عصام.

ولا يكون اسمه " عصام ".. ولم ترسله لاستطلاع أخبار، بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار.

وحينما تريد مثلا.. أن تصور تنافر القلوب.. وكيف أنها إذا تنافرت لا تلتئم أبدا.. ويريد الشاعر أن يقرب هذا المعنى فيقول:
إن القلوب إذا تنافر ودها   مثل الزجاجة كسرها لا يشعب (أي لا يجبر)
وساعة تنكسر الزجاجة لا تستطيع اصلاحها.. ولكي يسهل هذا المعنى عليك وتفهمه في يسر وسهولة.. فإنك لا تستطيع أن تصور أو تشاهد معركة بين قلبين.. لأن هذه مسألة غيبية.. فتأتي بشيء مشاهد وتضرب به المثل.. وبذلك يكون المعنى قد قرب.. لأنك شبهته بشيء محسوس.. تستطيع أن تفهمه وتشاهده..

ولقد استخدم الله سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن الكريم في أكثر من موضع.. ليقترب من أذهاننا معنى الغيبيات التي لا نعرفها ولا نشاهدها.. ولذلك ضرب لنا الأمثال في قمة الإيمان.. وحدانية الله سبحانه وتعالى.. وضرب لنا المثل بنوره جل جلاله.. الذي لا نشهده وهو غيب عنا.. وضرب لنا الأمثال بالنسبة للكفار والمنافقين.. لنعرف فساد عقيدتهم ونتنبه لها.. وضرب لنا الأمثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة.. والطغيان في الحق.. وغير ذلك من الأمثال.. قال الله تعالى:
{  وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً }
[الإسراء: 89]

وقد ضرب الله جل جلاله لنا الأمثال في الدنيا وفي الآخرة، وفي دقة الخلق.. وقمة الإيمان.. ومع ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة هذه الأمثال.. كافرون بها.. مع أن الحق تبارك وتعالى.. ضربها لنا لتقرب لنا المعنى.. تشبيها بماديات نراها في حياتنا الدنيا.. وكان المفروض أن تزيد هذه الأمثال الناس إيمانا.. لأنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم.. ولكنهم بدلا من ذلك ازدادوا كفرا!!

ولابد قبل أن نتعرض للآية الكريمة: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }.. أن نتحدث عن بعض الأمثال التي ضُربت في القرآن الكريم.. لنرى كيف أن الله سبحانه وتعالى حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية:

ضرب الله تبارك وتعالى لنا مثلا بالقمة الإيمانية.. وهي أنه لا إله إلا الله.. وكيف أن هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى.. يجب أن نسجد له شكرا عليها.. لأن فيها وقاية لنا من شقاء.. ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يريد بعباده الرحمة، ولكن بعض الناس يريد أن يشقي نفسه فيشرك بالله جل جلاله.. وبدلا من أن يأخذ طريق الإيمان الميسر.. يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك بالله الذي يملك كل شيء في الدنيا والآخرة.. يقول الحق جل جلاله:
{  ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
[الزمر: 29]

بهذه الصورة المحسة التي نراها.. ولا يختلف فيها اثنان.. يريد الله تبارك وتعالى أن يقرب إلى أذهاننا صورة العابد لله وحده، وصورة المشرك بالله.. ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء.. رجل مملوك لعشرة مثلا.. وليس هؤلاء الشركاء العشرة متفقين.. بل هم متشاكسون أي أنهم مختلفون.. ورجل آخر مملوك لسيد واحد.. أيهما يكون مستريحا يعيش في رحمة؟.. طبعا المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة.. لأنه يتبع أمرا واحدا ونهيا واحدا.. ويطيع ربا واحدا.. ويطلب رضا سيد واحد.. أما ذلك الذي يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين.. فسيكون لكل واحد منهم أمر ونهي.. ولكل واحد منهم طلب.. فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له تعالَ.. والآخر يقول له لا تأت، وأحد الشركاء يأمره بأمر، والآخر يأمره بأمر مناقض.. ويحتار أيهما يرضي وأيهما يغضب؟.. وهكذا تكون حياته شقاء وتناقضا..

إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقرب لنا الصورة.. في قضية هي قمة اليقين.. وهي الإيمان بالواحد الأحد.. يريدنا أن نلمس هذه الصورة.. بمثل نراه ونشهده.. وأن نرى فيض الله برحمته على عباده.. ويمضي الحق سبحانه ليلفتنا إلى أن نفكر قليلا في مثل يضربه لنا في القرآن الكريم:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
[النحل: 76]

فالحق تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة.. يطلب منا أن نفكر في مثل مادي محسوس.. أيهما خير؟.. أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو لا يأتي لهم بخير أبدا.. لأنه لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يأتي بالخير لغيره.. بل هو عبء على من يتخذونه إلها.. فإنهم يجب أن يضعوه وأن يحملوه من مكان إلى آخر إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل.. وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه.. فإنه يجب أن يصلحوها..

إذن فزيادة على أنه يأتي لهم بخير.. فإنه عبء عليهم يكلفهم مشقة.. ويحتاج منهم إلى عناية ورعاية..

أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ أم عبادة الله سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم.. والذي يأمر بالعدل.. فلا يفضل أحدا من عباده على أحد.. والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم.. الذي لا اعوجاج فيه.. والموصل إلى الجنة في الآخرة.. إن الله سبحانه وتعالى يشرح بهذا المثل غباء فكر المشركين الذين يعبدون الأصنام ويتركون عبادة الله تبارك وتعالى.

وهكذا يعطينا هذان المثلان توضيحا لقضية الوحدانية والألوهية.. ثم يأتي الله سبحانه وتعالى بمثل آخر.. يضرب لنا مثلا لنوره.. هذا النور الإلهي الذي يضيء الدنيا والآخرة.. فيضيء القلوب المؤمنة.. إنه يريد أن يضرب لنا مثلا لهذا النور بشيء مادي محس.. فيقول جل جلاله:
{  ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }
[النور: 35]

كأن الله سبحانه وتعالى.. يريدنا أن نعرف بتشبيه محس.. أن مثل نوره كمشكاة.. والمشكاة هي (الطاقة).. وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي.. ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة.. إذن المصباح ليس في الحجرة كلها.. ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قويا في هذا الحيز الضيق.. ولكن المصباح في زجاجة.. تحفظه من الهواء من كل جانب.. فيكون الضوء أقوى.. صافيا لا دخان فيه.. كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه.. والزجاجة غير عادية ولكنها: " كوكب دري ".. أي هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب.. ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية.. أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا.. والزيت مضيء بذاته دون أن تَمَسَّهُ النار.. فهي نور على نور.. أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة مظلما؟.. أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟.

وهذا ليس نور الله تبارك وتعالى عن التشبيه والوصف، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان.. فكأن نور الله يضيء كل ركن وكل بقعة.. ولا يترك مكانا مظلما.. فهو نور على نور..

ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة أن يشبه الخليفة.. بالأشخاص البارزين ذوي الصفات الحسنة.. فقال:
إقدام عمرو في سماحة حاتم   في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكل هؤلاء الذين ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات.. فعمرو كان مشهورا بالإقدام والشجاعة.. وحاتم كان مشهور بالسماحة.. وأحنف يضرب به المثل في الحلم.. وإياس شعلة في الذكاء.. وهنا قام أحد الحاضرين وقال: الأمير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم.. فقال أبو تمام على الفور:
لا تنكروا ضَرْبي لَه مَنْ دُونَهُ   مثلاً شَرُوداً في النَّدَى والباسِ
فاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلَّ لنـوره   مثلاً من المِشْـكَاةِ والنّبْراسِ
فأعجب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن تضاعف جائزته. والله سبحانه وتعالى.. يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في الجنة.. فيقول جل جلاله:
{  مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى }
[محمد: 15]

هذه ليست الجنة.. ولكن هذا مثل يقرب الله سبحانه وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا.. لأنه لا يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا.. والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في الجنة.. واقرأ قوله تعالى:
{  فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
[السجدة: 17]

فإذا كانت النفس لا تعلم.. فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة.. والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلا.. فأنت إذا رأيت شخصا مغترا بقوته.. وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول له.. إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.. ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما.. وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ.

فالحق سبحانه وتعالى.. يريد أن يعطينا صورة.. عما في داخل قلوب المنافقين.. من اضطراب وذبذبة وتردد في استقبال منهج الله.. وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا.. وأراد الله أن يقرب هذا المعنى إلينا.. فقال: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً }.. أي حاول أن يوقد نارا.. والذي يحاول أن يوقد نارا.. لابد أن له هدفا.. والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي.. وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك.. المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار..

يقول الحق سبحانه وتعالى: { فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }.. ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم.. كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد أتى.. فقرروا أن يؤمنوا به.. ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان.. ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي.. لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم.. فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود.. فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على الأمن..

إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة.. إنهم أوقدوا هذه النار.. لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان.. وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه.. وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم.. فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان.. فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولا.. فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه.. فكأن الفساد في ذاتهم.. وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد.. وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم.

ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني.. في قوله تعالى: { ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } ولم يقل ذهب الله بضوئهم.. مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء.. ما هو الفرق بين الضوء والنور؟.. إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى:
{  هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً }
[يونس: 5]

نجد أن الضوء أقوى من النور.. والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي.. فالشمس ذاتية الإضاءة.. ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور.. وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا.. ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس.. فلو أن الحق تبارك وتعالى قال ذهب الله بضوئهم.. لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور.. ولكنه أبقى لهم النور.. ولكن قوله تعالى: { ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ }.. معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا.. فكأن قلوبهم يملؤها الظلام.. ولذلك قال الله بعدها؛ { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }.. لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني.. كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله.

ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى.. لم يقل وتركهم في ظلام.. بل قال: " في ظلمات ".. أي أنها ظلمات متراكمة.. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا..

من أين جاءت هذه الظلمات؟.. جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة.. وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم..

مثلا إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ، نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج عبد الله بن أبي ملكا عليها.. وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف الناس عن عبد الله بن أبي إلى استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام.. فوصول الرسول عليه الصلاة والسلام ضيع على عبد الله بن أبي الْمُلْك.. ولقد كان من الممكن أن يؤمن.. وأن يلتمس النور من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولو آمن حينئذ ربما أعطى في الآخرة ملكا دائما.. يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا.. ولكن لأن في قلبه الدنيا وليس الدين.. ولأنه يريد رفعة في الدنيا.. ولا يريد جنة في الآخرة، فقد ملأ الحقد قلبه فكان ظلمة.. وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة.. وملأت الحسرة قلبه فكانت ظلمة.. وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة.. إذن هي ظلمات متعددة..

وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة.. ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم.. وظلمة تمني هزيمة الإيمان.. وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر.. وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر.. كل هذه ظلمات.. ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك.. والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى.. لأنك إذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }
[الإسراء: 45]

كيف يكون الحجاب مستورا؟.. مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شيء.. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم.. أنه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شيء، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه.. وبعض العلماء يقولون: إن مستورا اسم مفعول.. وهو في معنى اسم الفاعل ساتر.. نقول لا.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً }
[مريم: 61]

مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل آتى.. ويقول البعض وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل.. نقول أنك لم تفهم.. هل وعد الله يلح في طلب العبد.. أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه.. والموعود هو المستفيد وليس الوعد.. إذن من دقة القرآن الكريم.. أنه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد.. وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل.فحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }.. نفى النور عنهم.. والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس.. ولكنه قانون البصر..

وانظر إلى دقة التعبير القرآني.. إذا امتنع النور امتنع البصر.. أي أن العين لا تبصر بذاتها.. ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين..

واقرأ قوله تعالى:
{  وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً }
[الإسراء: 12]

فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور.. فإذا ضاع النور ضاع الإبصار.. ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام.. وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن.


www.alro7.net